المقالات الأخيرة

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

علاقة الفلاسفة بالكتب والمكتبات غريبة، تحفّها أسرار أشد غرابة، ويتناقل الناس عن علاقتهم بها حكايات مختلفة، فهناك من يتكتم عنها، ويحتفظ بعلاقته بها في السر، وكأنها علاقة محرّمة، لا يجوز في حقّها إلا أن تُستر وتُطوى عن أي ذكر، وهناك من يُشهِر علاقته بها، ويسْطَعُ...

الترجمة في عصر الخوارزميات: هل تبقى الروح؟

الترجمة في عصر الخوارزميات:

هل تبقى الروح؟

يبدو أنَّ أرسطو كان يفكر في شيءٍ يشبه الذكاء الاصطناعي حين عقَد في كتابه «السياسة» ارتباطًا عميقًا بين آلاتِ هوميروس الخيالية وعالَم العبيد في الواقع. فقد ميَّز بين الأدوات «الهامدة بلا روح» وتلك «النابضة بالروح»، ليصل إلى هذا التصوُّر: «لو أنَّ كلَّ أداة استطاعت أنْ...

تطور الترجمات الصينية للأعمال السعودية: الممارسات والإنجازات

تطور الترجمات الصينية للأعمال السعودية:

الممارسات والإنجازات

ارتبطت حركة ترجمة الأعمال السعودية إلى اللغة الصينية ارتباطًا وثيقًا بتطور العلاقات الثنائية بين الصين والمملكة العربية السعودية، وتطور وتيرة التبادل الثقافي بينهما. فمن الترجمات المتفرقة من بداياتها إلى التعاون المنهجي والمنظم فيما بعد، ومن التركيز على ترجمة الأعمال...

هرمان هيسه: بين فرويد ومحمد إقبال

هرمان هيسه:

بين فرويد ومحمد إقبال

قدم الأديب الألماني هرمان هيسه (1877-1962م) أعمالًا أدبية عالمية انطلقت من أشكال فنية مألوفة، ولكنها التحمت بتحقيق غايات مركبة ومستعصية على التلقي العابر؛ إذ غاصت في عوالم الكاتب النفسية الذي حاول دومًا تحقيقَ نوع من المصالحة المستحيلة بين الأضداد؛ حيث تجاذبته ثنائيات...

بين يوهانا وشوبنهاور، بين الكتب وورق النفايات

بين يوهانا وشوبنهاور، بين الكتب وورق النفايات

يوهانا هنرييت تروسينر (1766- 1838م) كاتبة ألمانية شهيرة في زمنها، وصاحبة صالون ثقافي اجتمع فيه كبار مثقفي ألمانيا آنذاك: من يوهان غوته إلى الأخوين غريم وأوغست شليغل وشقيقه الكاتب الفني كارل شليغل. وأكثر من هذا، كانت يوهانا أول امرأة ألمانية تنشر كتبها من دون الاستعانة...

ليلى العثمان كاتبة خليجية تنفض الغبار عن ذاتها

وتفضح تناقضات المجتمع

بواسطة | يوليو 1, 2026 | بورتريه

هل كنا نعرف الكويت بما يكفي؟ هل كان علينا أن نتابع وننقب عن إسهامات الكاتبة ليلى العثمان؛ كي نقترب من التاريخ الماضي والواقع الحالي للمجتمع الكويتي؟ بكل تأكيد: نعم. فليلى العثمان هي نجيب محفوظ الكويت إن جاز التشبيه وليس المقارنة؛ ذلك أن ليلى العثمان لم تقربنا فقط من الحياة الكويتية الحقيقية، وبخاصة الحياة القديمة التقليدية بمعمارها، وبيئتها والعلاقات الأسرية والاجتماعية السائدة، بل كانت عينًا ثاقبةً وصفت من خلال قصصها تناقضات المجتمع الكويتي وتسلط الفكر الأبوي فيه، حيث الظلم يقع على كل ضعيف سواء كان طفلًا أو امرأة أو حتى متيمًا بالحب في مجتمع كثرت محاذيره وممنوعاته.

فكما جعلَنَا نجيب محفوظ نتخيل حواري القاهرة الفاطمية كالجمالية والسكرية وقصر الشوق من خلال رائعته الثلاثية، فكذلك ليلى العثمان جعلتنا نستنشق هواء بحر الخليج، في «الحب له صور»، وأيضًا قوته وخلوده؛ فهو الشاهد الوحيد على التحول القاسي الذي مر على الكويت. ففي حكاية «وسمية تخرج من البحر»، نقف على اندثار القيم الإنسانية. الخرسانات والأبنية الشاهقة التي أفرزت لنا فكرًا منغلقًا يحاكي انغلاق الأبنية الجديدة التي تجسد الثراء الفارغ. ومع ليلى العثمان ندخل كذلك الأحواش ونتسلق الأسوار في الكويت القديمة والمغلقة للتلصص على حياة الحريم القاسية، حيث تبث ليلى العثمان في بطلاتها القوة والتمرد والإصرار على الانعتاق من قبضة السلطة الأبوية القاسية، (رواية «حكاية صفية» مثلًا).

مسارات متوازية بين ليلى العثمان وفيرجينيا وولف وآسيا جبار

ليلى العثمان، الغنية عن التعريف، اسم طبع مسيرة الكويت الأدبية والسردية لأكثر من نصف قرن من الإبداع السردي الكويتي الحديث والمعاصر، فقد استطاعت أن تدشن تاريخ الأدب الكويتي من منتصف ستينيات القرن العشرين، فكانت أديبة مخضرمة تعبر عن بيئة الكويت ما قبل النفط وما بعده.

ليلى العثمان هي بشكل أو بآخر آسيا جبار التي لم تجد بدورها مكانًا في بيت أبيها المعنوي قبل المكاني، وهي أيضًا فيرجينيا وولف التي دعت لغرفة خاصة بكاتبة تتوق للإبداع، وهي الغرفة التي لم تجدها ليلى العثمان إلا حينما حررها زواجها، كما ذكرت في حواراتها. كان زواجها الأول طريقًا للخروج من قيود سلطة الأب، غير أن غرفة مكتبة الأب كانت بمنزلة غرفتها الفيرجينية الأولى، حيث روت ظمأها للقراءة، واستفادت من مكتبة والدها الشاعر عبدالله العثمان، فكأنه في قمعها وحرمانها من الدراسة الأكاديمية، فتح لها بابًا مشرعًا للسفر عبر الآداب العالمية. عبرت عن تلك المرحلة في أحد حواراتها قائلة بكل شفافية: «بالطبع أثًر عليّ كثيرًا منع والدي لي باستكمال دراستي، فأنا كنت حاقدة على والدي؛ بسبب حرماني من المدرسة، ولكن الآن أشكره على أنه لم يسمح لي بأن أكون أكاديمية، فحرماني جعلني ألجأ إلى مكتبته، وبدأت ألتهم كل ما فيها من كتب، وتفرغت للهواية التي أحبها، واكتشفت العالم من خلال القراءة»(1).

حُرمت فيرجينيا وولف من متابعة الدراسة مثل الذكور في عصرها، وبخاصة في الطبقات الأرستقراطية الإنجليزية، وكذلك حرمت ليلى العثمان من متابعة دراستها في بداية المرحلة الثانوية وهي الطالبة المجدة المجتهدة. والد فيرجينيا وولف، السيد ليسلي ستيفن (1832- 1904م)، كان من النبلاء الإنجليز وكان مثقفًا، وهو مؤلف معجم السير الوطنية الإنجليزية، وكان أيضًا ناقدًا ومؤرخًا مرموقًا. وكان والد ليلى العثمان، عبدالله العثمان (1897- 1965م)، شاعرًا وأديبًا وصاحب منتدى أدبي مرموق؛ غير أنهما يلتقيان في فكرهما الأبوي المتسلط وخضوعهما للتقاليد والأعراف رغم اختلاف بيئتهما وعصرهما. وولف والعثمان بدأتا مسيرتهما الأدبية بالكتابة الصحافية، فقد نشرت ليلى العثمان في منابر عديدة منها: البيان الكويتية، والآداب، والعربي، وغيرها. في المقابل، نشرت فيرجينيا وولف أولى مقالاتها على صفحات صحيفة الحي الذي كانت تقطنه بلندن «هايد بارك جيت نيوز»، ثم بعد ذلك في صحف مثل: «الغارديان»، مجلة «أتلانتيك»، ومجلة «ساترداي ريفيو»، وغيرها.

تقول ليلى العثمان عن مرحلة بدايات النشر وهي تنفض الغبار عن سيرتها الذاتية ومتأسفة على ما آلت إليها حرية الإبداع في الكويت، وبخاصة بعدما مُنعت بعض كتبها ومحاكمتها: «كنت محظوظة يوم بدأت النشر في الصحافة عام 1965م، فقد كان مجتمعي آنذاك منفتحًا يتنفس هواء الحرية. لقد كتبت في فضاءات رحبة متحررة من كل قيد، ونشرت كل ما كتبته في الصحف اليومية والمجلات… فلم يعترض أحد حينها، ولم يكن للرقابة أي سلطة(2).

تمكنت كل من الروائيات الثلاث، رغم اختلاف بيئاتهن، من استثمار ظروف النشأة وواقع التصادم: وولف مع وعيها المبكر بعدم المساواة بين الجنسين في البيئة الإنجليزية الأرستقراطية، آسيا جبار وضياعها بين ثقافتين: الفرنسية والجزائرية/ الأمازيغية وواقع الاستعمار والسلطة الأبوية في الجزائر، وليلى العثمان وهي تواجه قساوة الطفولة وظلم العادات والتقاليد. هذا الاستثمار نلمسه في إبداعاتهن، ورؤيتهن للواقع، وعلى الرغم من اختلاف السياقات بين كل من وولف وجبار والعثمان، فإن طفولتهن حملت بذور الوعي بالهوية النسائية والحرية وحقوق الإنسان عامة، وهو ما سيمكنهن لاحقًا من إبداعِ أدبٍ إنسانيٍّ خالدٍ.

تشابك الخاص والعام في حياة ليلى العثمان

تنطلق ليلى العثمان من الخاص، ممثلًا في بيئتها التي عاشت فيها من حواري وأزقة الكويت، إلى معانقة القضايا الإنسانية ذات صلة بالحقوق الإنسانية عامةً؛ لتصل إلى الكوني، الإنساني ما منح أعمالها مكانة ليس فقط في الخليج، ولكن في الوطن العربي. ولأنها انطلقت من الحياة المحلية فقد تُرجمت العديد من نصوصها إلى لغات أجنبية عديدة مثل: الروسية والألمانية والإنجليزية وغيرها، معانقة بذلك العالمية عن جدارة، فغدت بذلك كاتبة إنسانية. ما يميز كتابات ليلى العثمان هو صدقها وجرأتها في نقل الواقع كما هو دون تزييف، فهي كما قال عنها الروائي الكويتي طالب الرفاعي: «كتاباتها وحياتها الخاصة، والعامة، وجهان لعُملة، واحدة. فليلى تكتب ما تؤمن به وتؤمن بما تكتُب»(3).

تميزت كتابات ليلى العثمان بأسلوب سلس وواضح ولغة شاعرية صادقة، وهي ترى أن أي عمل أدبي يجب أن يتميز بالصدق إضافة للأسلوب والموضوع، وترى أن القارئ ذكي وله قدرة على معرفة مدى صدق الكاتب. وتؤكد -في كثير من مداخلاتها وحواراتها- أن على الكاتب أن يخاطب في القارئ الوجدان؛ ليترك في قلبه وذهنه أثرًا. هذا هو هدف كل كاتب يحمل رسالة، وهذا ما نجده في نصوص ليلى العثمان؛ فكل قصة هي رسالة من أجل التغيير وتنمية وعي القارئ. لقد حوّلت ليلى العثمان نشأتها في مجتمع محافظ إلى أدبٍ يقوم على التمرد وكشف القيود الاجتماعية، دون رياء، وقد استعانت في العديد من مضامين قصصها بحياتها الخاصة في مرحلة الطفولة وكذا بحياة المحيطين بها وبحياة الكويتيين في المدينة القديمة.

من هنا لا يمكن الفصل بين حياة ليلى العثمان الخاصة والبيئة الكويتية العامة، فقد امتزجت بالبيئة الكويتية القديمة بمختلف أحيائها، وهو ما جعلها تغرف من معين مليء بالتجارب والحكايات الواقعية. تقول عن تنوع مقامها واختلاف البيئات التي عايشتها: «عشت في زمن النكبة الفلسطينية وزمن النفط ولكننا بقينا في البيوت القديمة، وعشت في المدينة القديمة داخل السور فترة لابأس بها، بعدها انتقلنا خارج السور. فالكويت لها سور يحيط بها وللسور بوابات، وتسنى لي أن أعرف المدينة القديمة بأحيائها الثلاثة الرئيسة. لهذا ترد في أدبي تلك الصور. والدي كان متزوجًا بأكثر من امرأة، فكنت أعيش في منطقة الشرق، وكان يأخذنا عند إحدى زوجاته في منطقة أخرى فتعذبنا، ثم ينقلنا إلى زوجته الثانية في منطقة (قِبله)، ثم إلى منطقة اللظاظ»(4).

رمز الهوية الكويتية في بُعدها الإنساني

إذا كان العديد من الأسماء اللامعة في السرد النسائي العربي قاربت أوضاع النساء في المجتمع العربي على نحو يتسم بكثير من الصراحة والجرأة؛ فإن ليلى العثمان نقشت اسمها ضمن اللواتي تميزن بالتعبير عن المرأة المكبوتة إن جاز التعبير، فجعلت من واقع الكبت والقمع لدى بعض بطلاتها دافعًا قويًّا لتثبيت الذات والروح النضالية.

هذه المعطيات تقودنا إلى التأكيد أن الكاتبة ليلى العثمان قد لا تكون كاتبة نسوية، ولكن مقارباتها لمواضيع اجتماعية، وبخاصة التي لها علاقة بالسلطة الأبوية وقمع الفتيات والنساء، يجعل منها كاتبة نسائية بالمعنى الذي يثبت أنها كاتبة إنسانية؛ فهي لم تغفل معاناة الذكور في المجتمع الذكوري الأبوي المتسلط فكريًّا واجتماعيًّا وتربويًّا، فحين يفرض الأب على الأخ أن يكون قاسيًا وقامعًا لأخته يصبح بذلك ضحية.

حضور البيئة الكويتية في قصص وروايات ليلى العثمان يتجلى كذلك في دقة الوصف للبيت الكويتي القديم والحياة البسيطة في الكويت ما قبل النفط، وفي بساطة العبارة المستعملة: «لا يخلو البيت الكويتي من بركة الماء التي تتوسّط الحوش، وكانت تجمع بها مياه الأمطار، أو المياه التي تأتي من شطّ العرب لتستخدم للشرب… كذلك لا يخلو بيت من وجود القليب (البئر)، الذي اعتمد الناس على مائه المالح في غسل الملابس والمواعين، ورشّ أرض البيت، وأحيانًا للاستحمام مستخدمين أوراق شجر السدر قبل مجيء الصابون من البلاد المجاورة… من أهمّ الغرف في حوش المطبخ غرفة «الكيل» التي تضمّ كلّ مؤونة البيت. وكانت تحظى بالحرص الشديد من أهل البيت، فتغلقه الأمّ أو الجدّة بالمفتاح الذي يعلّقونه برقابهن»(5).

رمزية الأمكنة المسكوت عنها

للمكان في نصوص ليلى العثمان رمزية قوية، فهو من أبرز ملامح تجربتها السردية. المكان عندها ليس إطارًا خارجيًّا، بل لغة ثانية تكشف ما لا يُقال، ومن خلال وصفها الدقيق للمكان بلغة ثرية تبرز البنية النفسية والاجتماعية للمرأة الكويتية في زمن التحوّل.

وعلى الرغم من أن الأديبة ليلى العثمان عايشت كل الأمكنة التي وظفتها في سردها، فإن تحليلًا معمقًا يوضح الفرق في توظيف المكان بين بطلات قصصها وتعامل الكاتبة مع الأمكنة في سيرتها الذاتية، فمثلًا: في قصة «المرأة والقطة» يغدو المكان متحدثًا باسم الشخصية الرئيسة، فحين يكون القمع هو السائد تتحدث الجدران. البيت الشعبي في متن ليلى العثمان وبالتحديد في هذه القصة هو سجن كبير حيث الجدران العالية والأبواب الموصدة والممرات الضيقة… البيت الشعبي هنا مرادف للسجن؛ حيث الغرفة لا تدخلها الشمس.

هذه الغرفة المليئة بحاجيات لا تخص البطل، فهو لا يملك غرفته، وبالتالي لا يملك ذاته. البيت العتيق هنا مسرح السلطة الأبوية والعزلة وانعدام الحرية، أقلها حرية الحركة. في ظل هذه العزلة والحرمان من امتلاك أمكنة رحبة مفتوحة ومنفتحة، كالسوق والبحر، تصبح القطة رمزًا لحرية الحركة وامتلاك الذات. البطل سالم في قصة «المرأة والقطة» هو رمز لضحية القمع والسلطة الأبوية، وهنا تحاكم ليلى العثمان السلطة الأبوية التي تكون أحيانًا في يد امرأة متسلطة، وهي هنا عمة سالم.

أي دارس لأدب ليلى العثمان سينتبه لتفردها بذكر «بيت الوناسة» كمسرح لبعض أحداث رواية «حكاية صفية»، إضافة إلى أمكنة أخرى: كالبيت والسطح، إضافة إلى السجن، بمعناه الرمزي والحقيقي كذلك. كتبت الناقدة سعاد العنزي عن هذا التفرد: «يظهر بالمقابل وفي النقيض بيت الوناسة في نص نادر وظفته الكاتبة في تسليط الضوء على أماكن ممارسة الرذيلة في الماضي، بخلاف ما يظهر بأدبيات الكويت قديمًا، فمثل هذه الأماكن مقموعة من الذاكرة الكتابية، التي تعكس تواصل المنحرفين أخلاقيًّا في الكويت منذ الماضي في ممارسة بعض أشكال الانحراف، وهذا أيضًا يحسب للروائية في تحرير تنوع الأمكنة في كويت الماضي، وأشكال السلوك الأخلاقي والإنساني المتداول فيها»(6).

الشخصيات النسائية / الإنسانية

اشتغلت الأديبة ليلى العثمان على الهموم النسوية في المجتمع الكويتي، حيث استطاعت أن تنوع من طبيعة الشخصيات النسائية، فالمرأة عند ليلى العثمان هي امرأة الفضيلة، ولكن أيضًا امرأة الفجور، هي المخلصة وقد تكون الخائنة، هي المظلومة وقد تصبح ظالمة في مواقف عديدة. لم تكن الكاتبة متحيزة، بل كانت تلتقط صورًا اجتماعية من البيئة الكويتية مثلما هي، فلم تسعَ لتقديس مجتمعها كما أنها لم تشيطنه. لقد تمكنت من وضع الإصبع على الظواهر الاجتماعية والتقاليد المجحفة ضد النساء وضد حقوق الأقليات عامةً.

وهدفها من وراء ذلك هو المساهمة في تطوير وتحديث المجتمع الكويتي من خلال الشخصيات والحبكة القصصية التي مكنتها من الغوص في عمق الهوية الكويتية لمجتمع ما قبل النفط وما بعده.

وقد تميزت سرديات ليلى العثمان بالاهتمام والحرص على رسم الشخصيات بشكل يجعلها مقنعة للمتلقي، فشخصية صفية مثلًا -في رواية «حكاية صفية»- تجعل المتلقي حابسًا لأنفاسه، ورغم أنها تميزت بالتمرد والإصرار على الخروج عن القواعد الأخلاقية الصارمة، فإنها تلقى كثيرًا من التعاطف حين يعاقبها والدها، ولأنها شخصية عنيدة فقد كان العقاب أشد عنادًا حين قرر والدها إيداعها السجن، ونسيانها هناك إلى أن تتوفى. غير أن القدر كان أعند في حياة صفية حين منحها عمرًا ممتدًّا لتقضي ثلاثين سنة في السجن، ولن يفرج عنها إلا بعد موت سجانها الذي هو والدها.

في حكاية صفية هناك إدانة للمجتمع كله، فليس الأب وحده من عاقب صفية بهذا الشكل القامع والوحشي، فقد شاركه في ذلك المجتمع -متمثلًا في شخصية الملا أبو صالح الذي أشار على والدها بسجنها رسميًّا- وأيضًا الحكومة أو إدارة السجن التي تحبس الناس دون محاكمة، وأيضًا صمت الأم والعائلة؛ وكأنهم اطمأنوا لكذبة أنها تزوجت وسافرت. وهنا يبرز إبداع رسم الشخصية المتسلطة الممثلة للسلطة الأبوية في المجتمع الكويتي.

البعد الذكي في هذه الرواية هو أن ليلى العثمان جعلت حكاية صفية تروى على لسان أخيها هلال، وهو ما يوحي بأن هناك أملًا في بعض الشخصيات الرجالية عند الكاتبة، فهلال الأخ الأصغر لصفية الذي سيتسلم الوصاية على أخته -وهنا تركز الكاتبة على مسألة وصاية الرجال على النساء بما فيهم الأصغر سنًّا، كما يمكن أن يكون الابن وصيًّا على أمه- غير أن هلال هو النقيض تمامًا للأب، متعاطف مع أخته، ومحرر لها. ولعل اعتماد الكاتبة، في مرات عديدة، على البطل، بدل البطلة، يعني أنه هو أيضًا ضحية القمع والسلطة الأبوية، ويشي باهتمام ليلى العثمان بالشخصيات الإنسانية عامةً، وخصوصًا تلك التي تكون ضحية القمع والسلطة الأبوية في المجتمع الكويتي سواء كان ذكرًا أو أنثى. وهو أمر ينم على أن ليلى العثمان تكتب من أجل مجتمع حداثي، متوازن، تسوده العدالة والمساواة بين كل أفراده؛ نسائِه ورجالِه، فقرائِه وأغنيائِه.

وهنا يمكن أن نشير إلى بطل آخر هو مرزوق في قصة «حكاية مرزوق» ضمن مجموعتها القصصية «عباءة المقام»، حيث قاربت العلاقات الإنسانية في أعمق صدقها ووفائها في مقابل جحود الأقرباء. إخلاص الخادم مرزوق هو ما تركز عليه ليلى العثمان، وهي بذلك تشير إلى أن الفقير غني بقيمه وأخلاقه النبيلة، خلافًا لأبناء السيد مبارك الذين تعاملوا مع والدهم بمنطق المصلحة المادية. وليلى العثمان تهدف من جعل الخادم بطلًا لقصتها هو قلب الهرم الاجتماعي وإعادة تعريف البطولة من منظور إنساني، لا طبقي أو جندري.

محنة محاكمة الفكر الحر

«لم تكسرني دعاوى الظلاميين، ولم يصبني اليأس، فلكي تقوى على أعدائك وتنتصر لا تنكسر…»(7) بهذه الكلمات المليئة بالصدق والشجاعة وبالمرارة أيضًا عبرت الأديبة ليلى العثمان عن تجاوزها لمحنة الدعوى التي رفعت ضدها من قبل أربعة محامين، ينتمون للتيار الإسلامي، اتهموها بكتابة قصص «تدعو إلى ممارسة الرذيلة» و«تستهتر بالعادات والتقاليد» بحسب زعمهم. لكننا نستطيع أن نجزم بأن تلك المحاكمة كانت سياسية محضة، بالنظر لتاريخ الدعوة سنة 1996م، وتواريخ صدور الكتب المدانة («الرحيل»، سنة 1979م، و«في الليل تأتي العيون»، سنة 1980م). محاكمة ليلى العثمان هي أيضًا محاكمة للفكر الحر المتزن وغير المتطرف، وبخاصة أن الكلمة الصادقة هي أقوى سلاح ضد أعداء الفكر والتطور. وكما عبرت في العديد من حواراتها: «إن محاكمتي هذه تدل على أن الحرية الفكرية والأدبية، بل وأيضًا الاجتماعية، تراجعت؛ فلم تعد الكويت مثالًا لحرية الصحافة والابداع»(8).

صدر حكم الإدانة سنة 2000م، ولكن رد الأديبة ليلى العثمان، كان أعمق وأصدق وينمّ عن وطنيتها العالية: «لقد دفعتُ ألف دينار ثمنًا لحريتي، ولكن كم على الوطن أن يدفع مقابل حريته؟»(9).

محطات فارقة

تحدثت ليلى العثمان عن كل المواقف والمحطات في حياتها، وبخاصة حين حرمها والدها من إتمام دراستها وهي في المرحلة الثانوية، وهو الأمر الذي آلَمَها كثيرًا، لكنها بعد أن حققت ذاتها كأديبة، قالت: «ظللت في البيت، وكنا نملك مكتبة كبيرة، وبادر والدي بشراء أي كتاب أريده»(10). تُعد هذه المحطة أبرز محطة في حياتها وقد عبَّدت الطريق نحو ميلاد كاتبة موهوبة. كما أن زواجها الأول كان محطة مهمة على طريق تحررها من السلطة الأبوية شكلًا ومضمونًا. أما على المستوى العام، فقد كانت نكبة فلسطين جرحًا شعرت به وهي لا تزال طفلة؛ ذلك أن الكويت كانت من البلاد العربية التي استقبلت نازحين فلسطينيين، وهو ما وَلَّدَ لديها الحس العربي القومي؛ لهذا ستصاب بحالة اكتئاب بفعل ما سُمِّيَ الربيع العربي سنة 2011م، الذي سمَّته خريفًا عربيًّا، بعد أن شاهدت الحروب والدمار. ولقد كان للأديبة مواقف وطنية أبدعت في التعبير عنها من خلال كتابها «يوميات الصبر والمر»، عن الغزو العراقي للكويت سنة 1990م، الذي يصنف ضمن أدب الحرب.

ولأن الأديبة ليلى العثمان سيدة التجريب الإبداعي فقد خاضت تجربة أدب الرحلة من خلال إصدار كتاب عن رحلتها لليمن سنة 2005م، بعنوان: «أيام في اليمن»، الصادر عن وزارة الثقافة والسياحة اليمنية. ومن أصدق ما قالته الأديبة ليلى العثمان عن كتابها ورحلتها لليمن: «لقد دخلت عمق الإنسان، والطبيعة اليمنية، فجاءت الكتابة بهذا الشكل، ثم إنني عشت طفولتي في مناخ شبيه بالأجواء اليمنية البسيطة»، وأضافت: «لهذا أشعر بأنني في اليمن أتحرر من كل عقدي التي سببها النفط»(11). كما أصدرت سنة 2019م «ريشات على أجنحة السفر»، كذلك ضمن أدب الرحلة. وقد توجت ليلى العثمان مسيرتها السردية بتجربة: القصة/ الومضة من خلال «قصص قصيرة جدًّا» الصادرة كطبعة أولى سنة 2007م، وهي ومضات قصصية تحمل رسائل إنسانية عميقة.

المبادرات الرائدة

أنشأت ليلى العثمان مجلسًا ثقافيًّا، يُعَدُّ من أولى المبادرات النسائية في الخليج، وقد كانت المجالس الثقافية حكرًا على الرجال. وقد زار مجلسها نخبة من كبار الأدباء والمثقفين العرب ومجموعة من المبدعين الشباب، إضافة إلى بعض المستشرقين المهتمين بالأدب الخليجي. وقد انبثقت عن هذا الصالون جائزة ليلى العثمان للمبدعين الشباب الكويتيين وذلك سنة 2004م.

في النهاية لا بد من الإشارة إلى أن الأديبة الكبيرة ليلى العثمان أعمق وأشمل وأغنى أدبيًّا وإنسانيًّا من أن يوفيها حقها هذا المقال، فهي بحق ظاهرة أدبية أبدعت كتابة متحررة من كل قيد، وكسرت كل قيودها منذ خرجت من بيت أبيها عام 1965م. وأخجلتنا بتواضعها حين قالت، في سياق تقييم تجربتها السردية: إنها ما زالت تحبو! وستظل الأديبة ليلى العثمان مبدعة صادقة وكبيرة في تواضعها الجميل، «ولم تنته الحياة بعد» كما جاء في ختام سيرتها الذاتية، وهي تنفض الغبار عن سيرتها الذاتية، وتكسر محرمات الاعتراف في السير الذاتية العربية.


الهوامش:

(1) جملة اختصرت بها ليلى العثمان تعريفها لشخصيتها خلال لقائها مع الإعلامية بروين حبيب.

(2) عبدالعزيز خلف هدى، «ليلى العثمان: امرأة تجاوزت التحديات والآلام»، المجلة العربية، 28 مارس 2025م، اطُّلِعَ عليه بتاريخ 31 مايو 2026م.

(3) العثمان، ليلى، «أنفض عني الغبار»، سيرة ذاتية، دار المدى، دمشق 2017م.

(4) حبيب بروين، «ليلى العثمان، حكاية امرأة شجاعة»، القدس العربي نشر بتاريخ 07/04/2024م.

(5) العثمان، ليلى، «أنفض عني الغبار»، دار المدى، دمشق، 2017م، ص: 17-57.

(6) العثمان، ليلى، نفسه، ص 57.

(7) سعاد العنزي، إشراقات النقد: «حكاية صفية» لليلى العثمان، الخطيئة بين فكي الموت والحياة 2 من 2، نشر: 30 أغسطس 2013م. https://www.alraimedia.com/article/438678/ اطُّلِعَ عليه: 30 مايو 2016م.

(8) مداخلة ليلى العثمان خلال ندوة: «آليات الرقابة وحرية التعبير في العالم العربي» من تنظيم مكتبة الإسكندرية، موقع لها، 17 آب/ اغسطس 2009م، اطُّلِعَ عليه 03 يونيو 2026 م.

(9) ليلى العثمان، المحاكمة، مقطع من سيرة الواقع، دار المدى، دمشق، 2000م، ص 12.

(10) مداخلة ليلى العثمان خلال استضافتها في «صالون عواطف الزين الثقافي» عام 2016م.

(11) مداخلة ليلى العثمان خلال استضافتها في «صالون عواطف الزين الثقافي» عام 2016م.

(12) ليلى العثمان تحتفي بأيام في اليمن، مقال نُشر على موقع المؤتمر نت، نُشر بتاريخ: 19/12/2005م الرابط: https://www.almotamar.net/24432.htm اطُّلِعَ عليه: 01/06/2026م.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *