بواسطة عيسى مخلوف - شاعر وكاتب لبناني | مارس 1, 2026 | بورتريه
ذات يوم، في أواخر تسعينيات القرن العشرين، اتصل بي أحمد أبو دهمان، وأخبرني برغبته في أن نلتقي؛ ليطلعني على أمر خاص. اتفقنا على موعد، والتقينا في أحد مقاهي الدائرة الثامنة. في أثناء اللقاء، فتح حقيبة جلدية صغيرة وأخرج منها حزمة أوراق. ناولني إياها من دون أن يتلفظ بكلمة. حملتها بين يدي وتصفحتها، ولم تكن تتجاوز الأربعين صفحة. قرأتُ الأسطر الأولى من الصفحة الأولى، ثم انتقلتُ بسرعة إلى صفحات أُخرى، متوقفًا عند مقطع هنا، وعند كلمات هناك. وبينما كنت أجمع الأوراق وأقربها من بعضها لتعود كما كانت، سمعته يقول: إنها رسالة كتبها بالفرنسية لزوجته وابنته ليعلما من هو، وما هويته، ومن أي عالم جاء، وهذا ما لم يتمكن من قوله شفويًّا في سنوات طويلة.
في ليل ذلك النهار، قرأتُ النص الذي حملته معي، وأدركتُ أنه نواة كتاب سيكون له أثر، وهذا ما نقلته إليه صباح اليوم التالي. وسمعته يردد كلمات المندهش مما أقول، المتردد في تحويل رسالة خاصة إلى كتاب مفتوح أمام الجميع. لكنه اقتنع في النهاية، وراح يحولها إلى نص أطول وأكثر غورًا في نفسه وفي مسار حياته، لا سيما مرحلتها الأولى والمشاهد البصرية التي طبعته.
منذ ذلك الحين، نشأت بيننا صداقة عميقة، كنا نجتمع خلالها مع أصدقاء مشتركين، منهم في العاصمة الفرنسية أستاذه في جامعة السوربون، المفكر محمد أركون، وفي بيروت عبده وازن، وعقل العويط، وبسام حجار، ومارلين كنعان. وكنتُ كلما التقيتُ أحد هؤلاء، يذكرني بما قاله لهم عني، وما قاله كان يفاجئني بالفعل: إن علاقته بي بدأت حين لم أتركه يدفع ثمن فنجانَي القهوة في نهاية لقائنا الأول. وحين سألته عن معنى ذلك، أجابني قائلًا: «منذ أن وصلتُ إلى باريس، وطوال سنوات عدة، ما كنتُ ألتقي بأحد، حتى وإن كان هو الداعي، إلا وأجد نفسي مضطرًّا إلى تسديد الحساب. لم يكن يستوقفني ذلك بذاته، وما أدفعه لم يكن شيئًا مهمًّا، لكنهم كانوا يشعرونني بأنه واجب علي، طالما أنني آتٍ من بلدٍ منتجٍ للنفط، أي أنهم كانوا يختزلونني بهذه الصورة فقط». وكان يحلو له أن يكرر هذه الطرفة أمام الأصدقاء.
طريقة مفتوحة على الشعر والتأمل
حين اكتمل كتاب «الحزام» وصدر عن دار «غاليمار» الفرنسية، اكتملت صورة أحمد في ذهني. فهذا الكتاب الذي يروي بطريقة مفتوحة على الشعر والتأمل سيرته وسيرة قريته الجبلية في جنوب السعودية، في مرحلة أساسية من حياته، فاضَ بأسلوبه عن الذات وعن المكان، وتجلت بصورة أعمق سعة روحه.
يقول في مستهل كتابه، وفي حديثه عن حزام، الشخصية الرئيسة، كاشفًا عن عادات وتقاليد متوارثة: «حفظتُ نسَبي استعدادًا ليوم الختان الذي نتهيأ له منذ لحظة الولادة، كأنه اليوم الوحيد الذي يستحق الحياة». القرية في مخيلة أحمد أبو دهمان تضرب جذورها في التاريخ القديم، كما تحفظ المناطق النائية أسرارها. هكذا «تم ختاننا كما يبدو على الطريقة التي كانت تمارَس منذ ألفين وخمس مئة عام».
ويتابع أبو دهمان رسمَ ملامح القرية: «روت لي أمي يومًا أن قريتنا كانت في البدء أغنية فريدة، تمامًا كالشمس والقمر، وأن الكلمات التي يمنحها الناس طاقة شعرية تطير كالفراشات، بعضها الأكثر غنى لونيًّا والأكثر جمالًا يطير بخفة لا مثيل لها».
نتبين في الرواية أن لتلك البقعة العالية أبجديتها الخاصة. المطر فيها «يصعد ولا ينزل». كأن هذا الكلام الآتي من مطارح الدهشة هو الحقيقة الفعلية، خارج ما هو محدود وثابت ومتعارف عليه. ويأتي أيضًا من قرية، منعزلة نسبيًّا، ومهددة في وجودها. هذا الواقع الغرائبي يقف على مسافة من العلم، لا لأنه بدائي أو ناقص، بل لأنه لم يُفرغ من طاقته الحُلمية، ولم يُختزل بعدُ، ولم يتحول إلى معادلات.

العلاقة بالطبيعة، في هذا السياق، علاقة اندماج لا علاقة سيطرة أو توصيف: الإنسان لا يقف قبالة الشجرة، بل معها. لا يراقب الحيوان، بل يجاوره. وهذا ما تكشف عنه الرواية من خلال تسجيلها ذاكرة القرية وأثرها الباقي في الزمن المتغير. يقول حزام: «يلزمنا أن نترك أثرًا أبديًّا في هذه الأرض، حتى لو اقتصر ذلك على تقبيل شجرة». لكن أحمد لا يردد ذلك بوصفه فكرة، بل يعيشه جسدًا وذاكرة، حين يكتب: «اغتسلتُ وشربتُ من كل الآبار والأحواض، عبرتُ القرية بكل طرقاتها المعوجة والمظلمة مغمض العينين. أحببتها وعرفتها. أعرف أين كانت الطيور تخبئ أعشاشها. أعرف حيواناتها، أشجارها، أدوات العمل فيها، أيامها، لياليها. رائحة كل فرد فيها. رائحة المطر، وزمن كل شيء».
ودع أبو دهمان قريته مرتين: الأولى للذهاب إلى المدينة القريبة حيث توجد المدرسة المتوسطة الوحيدة في المنطقة يومذاك، والثانية إلى باريس لمتابعة تحصيله العلمي في جامعة السوربون. غير أن هذا الرحيل كان أشبه بالاقتلاع، وهذا ما جاء على لسان الراوي: «كانت مغادرة القرية بالنسبة لي نوعًا من الموت لا يمكن مقاومته إلا بالماء الذي هو أصل القرية والمرجع الأمين لذاكرتها، لتاريخها، لصراعاتها، لأسرارها، ولروحها». هكذا كان هذا الوداع وداعًا لعالم البراءة والدهشة، وكذلك للحظة الشعرية الأولى التي كان أحمد يتمسك بشعاعها الأخير في كل كلمة يكتبها.
نار لا تنطفئ
صحيح أنه سافر، وانتقل إلى بلد آخر وقارة أخرى، لكن علامات المكان الأول ظلت تتراقص بين جفنيه. في إحدى المرات، وكنا نسير معًا في يوم صيفي على ضفة نهر السين، أخبرني أحمد، وكان هو نفسه مندهشًا مما يقول، أنه عندما وصل إلى هنا اكتشف الطبيب خبايا دفينة من طفولته، ووجد آثار أشواك غاصت في الجلد، وبقايا من تربة كان يمشي فوقها حافيًا، وترافقه أينما كان. وكان يقول: إنه يحتمي بها، ويحملها في نفسه كنارٍ لا تنطفئ. فِعلُ الاحتماء هنا مُسَوغٌ؛ لأن الفاصل كبير بين صِغر المكان الذي أتى منه، وبساطته المطلقة، ونمط عيشه الأشبه بطلوع الشمس وغروبها -هكذا، بلا سؤال ولا انتظار جواب- وبين مدينة بهذا الحجم، وبهذا التكوين المُركَّب والمتشعب والمنفتح على الثقافات المختلفة.
ولئن كان حزام تجسيدًا لذاكرة القرية التي حملها أحمد في جسده ونفسه -وعَبْرها كان ينظر إلى العالم ويقيس نبضه- فإن بطل روايته كان توأم روحه. وهذا ما جاء على لسانه: «لقد ولى ذلك الزمان البهي، ولم يعد من أحد سواي يحمل روح القرية ويقينها، لكنني بدوري سأموت، وليس بعدي سواك يا روحي ويقيني». وكان لأحمد أن يحمل الوديعة ويحولها إلى كتاب وشهادة.
ناثر الرياحين نثَرها في كلماته التي نُقلت إلى لغات عدة، وجعلت قريته النائية في الجبال البعيدة عند تخوم المملكة قريةً عالمية تسقط عند عتبتها الفواصل الجغرافية؛ ليصبح كل من يقرأ «الحزام» صديقًا لها ولمن كتبها.
في النصف الثاني من القرن العشرين، خلطَ عدد من كتاب أميركا اللاتينية، بأسلوب متميز، بين الواقع والمتخيل. في روايته «الجنرال في متاهته» (الجنرال هو سيمون بوليفار)، لم يقارب غبريال غارسيا ماركيز الواقع التاريخي مقاربة حرفية؛ لأن الخرافة، بالنسبة إليه، جزء من الحياة اليومية. في هذه الرواية يتحدث عن «مذكرات تحتاج كمية من الورق والحبر كافية لتغطية أربعين عامًا»، كما يتحدث عن حلم وعن «بغلة سوداء مذهبة الأسنان». وفي تحفته الأدبية «مئة عام من العزلة»، يصف النهر الذي يمر قرب ماكوندو، ومياهه التي «كانت صافية كأنها زجاج» فوق حصى بيضاء، ضخمة، شبهها بــ«بيض ما
قبل التاريخ».

يُسمى هذا الأدب بــ«الواقعية السحرية»، لكن لا يمكن اختصاره بهاتين الكلمتين. فهو لا يضع الواقع في مواجهة الخيال، بل يجعلهما يعيشان في النسيج نفسه، في مركب واحد يقلهما إلى مكان آخر جديد، لا هو الواقع ولا هو الخيال.
السحر، هنا، ليس خرقًا أو معجزة، بل جزء طبيعي من الحياة نفسها؛ لأنه لا يبدأ حين ينتهي الواقع، بل يولد من داخله، في مكمن الدهشة بالذات. وبهذا التوازن الذي يُحدثه الأدب، يفقد الخيال صفته الاستعراضية، ويغدو جزءًا من نظام العالم. وهذا كله له صلة بالمخيلة الجماعية: الحكايات الشفوية، الأمثال، المعتقدات القروية، الزراعة والطبيعة، الزمن الدائري، وحضور الأموات بين الأحياء. يقول هذا البُعد الأنثروبولوجي: إن العالم لا يُفهم هنا بالعقل التجريبي، بل بالذاكرة، وبما تراكم في الوعي الجماعي.
الكتابة، ضمن هذه الصيغة، فعلُ تواطؤٍ واعٍ مع الخرافة والأسطورة، لا بوصفهما نقيضين للعقل، بل بوصفهما ممرين إلى ما يتعذر قوله بلغة الواقع العاري.
وما يبدو في عُرف البشر أنه لم يوجد بعدُ، موجودٌ، وعلاقته بالطبيعة علاقة عضوية، أكثر مما هي عند الذين يعيشون في الحواضر ومدن الكثافة السكانية، حيث الإسمنت يغلف مساحات واسعة من الأرض والشوارع والساحات والأرصفة. ما يسمى يُختزل ويُحد. وحين نضع الكلمة على الشيء، نعتقد أننا امتلكناه، بينما نكون قد فقدنا جزءًا من ماهيته. اللغة لا تملك دائمًا القدرة على الإفصاح عما تُحيل إليه، ولذلك تكون الإشارة والعلامة، في مواضع معينة، أكثر قدرة على التعبير.
موجة أخرى
أحمد أبو دهمان موجةٌ أُخرى تُفارق الشاطئ، وتعود إلى عرض البحر، إلى الفسحة التي تتسع للأحلام الكبيرة، وتنضم إلى حبات اللؤلؤ القليلة المتبقية في أعماقه. في الرسالة الأخيرة التي وصلتني منه، أخبرني بدخول صديقنا سعيد السريحي المستشفى، واختصر الكلام بعبارة واحدة: «لكي نحزن معًا».
رحل أحمد أبو دهمان وترك لنا ابتسامته، وأحلامه الملونة، وحبه للأرض التي وُلد فيها، وجعل كتابه الوحيد شاهدًا عليه. ترك لنا أيضًا صوته في كل كلمة كتبها، وفي هذا الصوت يتردد في خاطري ما قاله الزعيم الهندي «سياتل» في خطبته الشهيرة عام 1854م: «كل صنوبرة ملتمعة، كل شاطئ رملي، كل سحابة في الغابات المظلمة، كل فُرجة مُضاءة، وكل طنين حشرة؛ كلها مقدسة في ذاكرة شعبي وتجربته. سوف تبقى الضفاف والغابات مسكونة بأرواح شعبي؛ لأننا نحب هذه الأرض كما يحب الطفل الرضيع دقات قلب أمه».
بواسطة عيسى مخلوف - شاعر وكاتب لبناني | يناير 1, 2024 | قراءات
يشهد العالم اليوم تحولات كبيرة يتعذر على الآداب والفنون أن تنعزل عنها. مع هذه التحولات، يتغير المعنى الثقافي ومعنى الإبداع، شرقًا وغربًا، في ظل تراجع معرفي وضمور الثقافة النقدية. أما التقدم العلمي والتقني فلم يواكبه تقدم على المستوى الإنساني، بل بخلاف ذلك، يزداد العنف والحروب، مع إمكانيات تدمير وقتل لم تُعرَف خلال ألوف السنين. والسؤال الآن: تُرى، كم ألف سنة أُخرى تحتاج البشرية، إن استمرت، لتتأَنسَن وتخرج من هذه الدوامة الآتية من سحيق الأزمنة؟ يستتبع هذا السؤال سؤال آخر له علاقة بالواقع الراهن، ومنا من يطرحه على نفسه كل صباح: كيف يمكن للمرء أن يكون إنسانيًّا في عالم غير إنساني على الإطلاق، وأي جهود هائلة عليه أن يبذل من أجل ذلك؟ ضمن هذا المناخ العام، يولد الشعر الآن. ضمن الصراع الذي يعيشه الشاعر مع نفسه ومع العالم حوله تُنسَج القصيدة. في هذا السياق، يأتي ديوان الشاعر السعودي أحمد المُلّا وعنوانه: «يا له من يوم هائل»، الصادر حديثًا عن منشورات «روايات»، تُواكبه رسوم تحمل توقيع الفنانة والمخرجة ريم سمير البيّات.
من «أجنحة ترفرف على الكون» و«موسيقا تُطعم العاشقين» إلى الحرب والموت والخراب، ترتسم الملامح الأولى لهذا الديوان. نقرأ في قصيدة بعنوان: «تَجنّب الصواب»: «لا تُصبْ هدَفَك أبدًا،/ انطلق نحوه/ فقط./ تجنّبْه إن أقبل، وتفادَ ظلَّهُ لو مال،/ وإذا أُجبرتَ/ دَع الطلقةَ تحاذيه/ لاحقْهُ أينما فرّ،/ صوِّب عليه/ ولا تصبْه،/ في مقتله مقتلُك». كأنّها دعوة إلى البقاء في السؤال والحيرة، في تجنُّب اليقين لأنّه سجن، وفي ترقُّبِ ظهور نجمة الصبح.
ليكن الهدف، إذًا، المسعى الدائم إلى الهدف لا بلوغه. لا الاستكانة عند عتبة المُنجَز. وفي القصيدة التالية، «مغزَى يدك»، يتواصل، في مَقام آخر، المسعى نفسه: ألَّا ينقطع «الوهم» إن التقينا أو تصافحنا. إنّه الهرب من الوصول الذي يعقبه خواء وكآبة. وإن وصلنا، فكيف نحتفظ بعطر اللمسة الأولى، وبالانطباع الأول الذي أدهشَنا؟ كيف نحمي هذا الانطباع من مشقة الأيام التي تطحن الحجر، حتى لا نبلغ ما بلغه ماياكوفسكي حين قال: «الحياة اليومية حطَّمت مركب الحب»، أو بصيغة أخرى: «تَحطَّمَ مركبُ الحب على صخرة الحياة اليومية»؟ وما أشقى تلك الصخرة؛ لأن موت الحب، كموت الشعر، نهاية لما يعطي معنى للحياة!

فجيعة الواقع
لا تنحصر كلمات أحمد المُلّا في ندبة «طاردته في كل صورة وعلى كل مرآة»، ولا تسرد «حكاية طويلة لموسيقا خبيئة»، ولا تتنبه إلى حركة الوقت الذي يسيل فينا وحولنا، وإلى الموت والعدم فحسب، بل تلتفت أيضًا إلى فجيعة الواقع وحضور الإنسان داخل متاهاته، يتخبط فيها ولا يجد منفذًا. في قصيدة «فهرس الخراب»، نستدل على المقلب الآخر للحياة والأشياء حيث النصر هزيمة ماحِقة: «ها هم يطلقون الرصاص من كل صوب/ وكلما نُكِّلَ بجثّة/ نصبوا خيالها في الحقول وارتجلوا عدوًّا يحشون جيوبه بالقشِّ وأكمامَه/ بالوهم،/ ساوَت الأرض بدخانها بين قاتل وقتيل،/ كلٌّ يخطُّ بصراخه الأجشّ/ الفصلَ الأخير من فهرس الخراب».
هذه التساؤلات، بجانبَيها الذاتي والموضوعي، نجدها كامنة في خلفية الديوان، خصوصًا في القصيدة التي أعطته عنوانها، التي ترتفع بين القصائد كنَصل، كوصية شعرية: «يا له من يوم هائل/ بهذه العبارة/ أو بالأحرى بمعناها،/ عليك أن تنهي اليوم، وكل يوم…/ أن تنهض وتسمّي الأيام بأسماء ملأى بالمعنى،/ بل أن تنهض وتسمي الأيام بأفعال ترتكبها عنوة وليس أسماء ورثتها أو صفات استعارتها من السابقين». إنها دعوة للعابر بين عدَمَين ألا يخاف. أن يكون قائمًا بذاته لا بغيره، وأن يكون صدًى لتساؤلاته وقلقه، وهذا لا يستقيم فعلًا من دون الخروج من القطيع السعيد، واجتراح أفق آخر غير الذي كان. وإلا كيف يخترق الشعرُ المجهولَ ويذهب من المرئي إلى اللامرئي، في رحلة تبدأ ولا تنتهي؟ إلى ذلك، يحذّر الشاعر من أن يداهمنا الوقت وننسى أن إقامتنا مُوَقّتة («مجرّد إغماضة طارفة/ ونختفي»)؛ لأن «الوقت يأكل الحياة»، بحسب شارل بودلير. تأكلها أيضًا الرتابة والابتذال والقهر.
فِلم طويل غير قابل للعرض
الشعر الذي يحضر فيه المشهد، والصورة، والموسيقا، لا تغيب عنه تجربة أحمد المُلّا مع السينما، وذلك من خلال تَقاطُع اللغة السينمائية والرؤية الشعرية. في قصيدة «فيلم طويل غير قابل للعرض»، يصبح الشاعر الأنا والآخر معًا: «أُصَوِّرُ حياتي،/ بمجرد أن أصحو/ وما إن أفتح عيني/ حتى أصرخ: Action». هكذا، يمكن المرء أن يراقب حياته ويشاهد كيف تمرّ أمام عينيه، أن يحتفظ بها كما الأفلام داخل أشرطة، وأن يعود، كلما شاء، إلى لحظات منها كان يرغب ألا يأخذها الوقت. وأين، في غير اللجوء إلى المونتاج، يصبح في الإمكان اقتطاع أجزاء زُجَّت في حياتنا، على غفلة منا، وما كان لها أن تكون؟
لا يقع أحمد المُلّا في نزعة عبثية أو عدمية، مهما اقترب من الجرح الملتهب: «تَحصَّني أينما كنتِ بالرقص، لئلا يستدل عليك الألم»، كأنما الرقص رُقية، كما في العلاج الشعبي القديم، تطرد الأرواح الشريرة وتبعد الألم. الألم الذي يَفد في صُرَّة الولادة ومَتاعها. خفيفًا يأتي ويكبر مع الأيام، ويرافقنا كظلنا. هذه الإشارة إلى الرقص تذكِّرنا بما قاله الفيلسوف الروماني لوكيوس سينيكا: «ليست الحياة أن ننتظر مرور العاصفة، بل أن نتعلّم كيف نرقص تحت المطر».
تداخل وتكامل

ريم البيّات
في قصائد ديوان «يا له من يوم هائل»، نجد العناصر الأساسية التي تتألف منها تجربة أحمد المُلّا، وقد بلغت أوجها في كتاب مميز يتزاوج فيه الشعر والرسم. هناك تداخُل وتكامُل بين هذين التعبيرَين؛ لأن الاهتمامات الجمالية المتنوعة موجودة عند أحمد وريم، وهذا الكتاب تتويج لتجربة طويلة جمعَتْهما معًا. الرسم الأول يغطي غلاف الكتاب ويمثل صورة الشاعر والفنانة، الرجل والمرأة، وهو يكسب معنى خاصًّا في ظروف التحول الذي يشهده المجتمع السعودي اليوم وينعكس على المجال الثقافي زخمًا لم تعرفه المملكة من قبل.
ولئن كانت ريم سمير البيّات تُرافق موضوعات القصائد وإيحاءاتها العامة، فهي لا تزينها بل تواكبها بحساسيتها الفنية، انطلاقًا من الفن البصري الأوبتيك– سينيتيك. رسومها المنفذة بالأسود والأبيض تحفل بمرجعية ثقافية وتنهل من الماضي والحاضر، كما تُحيلنا أحيانًا إلى أعمال فنية معروفة، ومنها ما ينتمي إلى عصر النهضة الإيطالية («ولادة فينوس» و«النِّعَم الثلاث»)، لكنها تضفي عليها من ذاتها ومن خصوصيتها، بأسلوب ينم عن حرية داخلية عميقة. إنه حوار الرسم والكلمات، مع «انعطافة طائر/ فجأةً،/ لمجرّد الحدس». وإذا انقطع «الصوت في وسط الكلام»، فالشعر يبقى شاهدًا، كبتلات وردة مَضمومة على السر الذي سيتكشف يومًا لا محالة.
بواسطة عيسى مخلوف - شاعر وكاتب لبناني | سبتمبر 1, 2023 | فعاليات
تتناول النسخة الثانية من معرض «رحلة الكتابة والخط» الذي يقام في مدينة الرياض وينتقل لاحقًا إلى المدينة المنورة، البُعد الروحي لفن الخط المتجذِّر في قلب الحضارة العربية الإسلامية وهو أحد مكوّناتها الأساسية، بعد أن تناولت النسخة الأولى التي أقيمت في المتحف الوطني في الرياض، في عام 2021م، نشأةَ الكتابة العربية وتطور فن الخط.
يحتوي المعرض الراهن الذي نظمته وزارة الثقافة السعودية، على مجموعة فريدة من الأعمال الكلاسيكية والمعاصرة، ويتمحور حول أربعة مَحاور أساسية هي: النور والحرف والمساحة والشعر، مَحاور متكاملة ضمن رؤية جمالية واحدة. النور عِمادُ البصر، ومنه ينطلق كل شيء ويتجلى في الفنون الإسلامية وأدواتها وموادها المختلفة، في حين أن المساحةَ «محلُّ الانفعال» والمدى الذي تتحرك فيه يد الخطاط ومخيلته. تصبح الورقة البيضاء فضاءً تسبح فيه الحروف والحركات والنقاط التي تعكس إيقاعات وأشكال متموجة. ونرى الخط كيف يتوافق مع البناء الهندسي لهذه التحفة أو تلك. يد الخطاط هي الجسر الذي ينقلنا إلى التفاعل مع ما تقدمه إلينا خطوطه وأساليبه. اختيار أساليب الخط لا يلجأ إليه الخطاط بالمصادفة، بل بما يوحي إليه النص. وهذا يعني أن ثمة تداخلًا بين الخط والكتابة، مهما كان نوع الكتابة، آيات قرآنية أو نصوصًا أدبية أو أمثالًا شعبية. الخطاط ينقل إلى البصر والأحاسيس فنَّه وارتعاشاتِ روحه معًا.
أما الشعر فهو الإيقاع والموسيقا، وهو المعنى الذي تقترحه العلامة، أي المعنى المفتوح على احتمالات لا تُحصى. ولئن كان ثمة علاقة عضوية بين الخط والكتابة، فإن للخط أيضًا خصائص ومميزات تجعل من كل حرف من حروف الأبجدية كونًا صغيرًا داخل كون أكبر يتمثل في المخطوط بأكمله، سواء كان المخطوطُ منجزًا على ورق أو جلد وزجاج وخزَف وأقمشة، أو متمثلًا في نَقشٍ على الحجر والرخام والعاج والخشب والنحاس.

الخط من وسيلة إلى لغة
ضمن هذا المسار، تتحدد وظيفة القلم بصفته مَعبَرًا وأداةَ تَواصُل وإلا كيف وصلتنا الكنوز المعرفية والعلمية والأدبية خلال أزمنة وأجيال؟ والخط الذي يتعاطى مع اللغة بصفتها وَحدةً جمالية، لا ينقل النصوص ويدونها فحسب، بل يجسدها ويضيء حروفها أيضًا. إنه الكلمات وقد اتخذت شكلًا يتنفس أمامنا ويختلج. إنه التجويد واللحن المتأني لقَصَبة تَعزِف.
هكذا تحول الخط العربي من وسيلة لنقلِ الكتابة، إلى لغةٍ أخرى قائمة بذاتها، تنطلق من نظام هندسي له إشاراته ورموزه، وله شروطه وقواعده الخاصة. من هذا المنطلق، أصبحت الكتابة مفتوحةً على اللانهائي والمُطلَق، خارج الزمان والمكان. وأصبحت، بفعل الخط، أحد دروب الروح التي تتكشف في حركة وجودية نادرة تُعانق الرجاءَ والأمل.
الخط العربي موسيقا مرئية تعكس حركة الإحساس والفكر. إنه، بحسب الخطاط ياقوت المستعصمي: «هندسة روحانية ظهرت بآلة جُسمانية». هذا البعد الروحاني التفتَ إليه، منذ قرابة مِئتَيْ سنة، الكاتب الألماني غوته في حديثه عن اللغة العربية وعن فرادة «التناغم فيها بين الروح والكلمة والخط». وقال الشاعر الفرنسي شارل بودلير: إن «فن التوريق العربي (أرابِسك) هو الأكثر مثالية على الإطلاق».
يبرز فن الخط بصفته أحد الوجوه الأساسية للحضارة العربية الإسلامية، وهو حاضر في جميع الفنون والمظاهر المتصلة بالإسلام. ويتضح البُعد الروحي فيه من خلال تجويده وفقَ رؤية جليَّة، وقواعد هندسية وزُخرفية. وهذا ما يساعدنا على فهم العلاقة بين الخط العربي ورموزه وإشاراته، بل، بصورة أكثر تحديدًا: «ميتافيزيقا ما ورائية العلامة»؛ لذلك، لا ينحصر هذا المعرض في رصد واقع فن الخط وماضيه فحسب، بل يرصد حاضره أيضًا، وكيف يواكب التحولات التي يشهدها العالم اليوم، كما يستشرف مستقبله وتوجهاته الجديدة، وإمكاناتِ تشكيل خطوط تستوحي من الموروث وتطرق باب التحديث.

أثر الخط العربي شرقًا وغربًا
جمالية فن الخط العربي تركت أثرها في كثير من الفنانين التشكيليين، شرقًا وغربًا. ولقد تبين ذلك في العالم العربي، خصوصًا في النصف الثاني من القرن الماضي، مع فنانين عُرفوا بالفنانين «الحروفيين»، من أمثال شاكر حسن آل سعيد، ومديحة عمر، وضياء العزاوي، ورافع الناصري. واستمرّت هذه الحركة بأشكال مختلفة مع كثير من الفنانين ومنهم، على سبيل المثال، إيتل عدنان، وكمال بلّاطة، ورشيد قريشي وعبدالرحمن الشاهد. ومن الفنانين الذين ركزوا على الخصائص الجمالية للكلمة المكتوبة: سمير الصايغ ومنير الشعراني، غير أن أثر الخط العربي لم يقتصر على الفنانين العرب وحدهم، بل ذهب أبعد من ذلك ووصل إلى الضفة الأخرى من المتوسط، وذلك بدءًا من منتصف القرن التاسع عشر، حين راح الفنانون الغربيون يسعون إلى اكتشاف فنون أخرى، آسيوية وإفريقية وإسلامية، واستلهامها، بعد أن كانت مرجعية الفن الأوربي تنحصر في الفن الإغريقي وفنون النهضة الإيطالية.
أدباء وفنانون ورحّالون كُثُر التفتوا إلى الشرق القريب، وسافروا إليه، واستلهموا موروثه الفني، ومنهم الفنانان الفرنسيان أوجين دولاكْروا وهنري ماتيس اللذان سافرا إلى المغرب العربي وانبهرا بِخامة اللون والضوء هناك، وتعاملا معها من زوايا جديدة. وهناك مَن تأثر بصورة مباشرة بفن الخط العربي، كالفنان السويسري الألماني بول كْلِي الذين استوحى المظهر التشكيلي للخط، والفنان الهولندي بيت ماندريان، أحد رواد المدرسة التجريدية الذي تأثر بروحية الخط العربي، ولا سيما الخط الكوفي، وكذلك الفنان الروسي فاسيلي كاندنسكي الذي ولدت معه التجريدية الحديثة، والذي التقى بعض قيم الفن الإسلامي في كتاب له بعنوان: «عن الروحيّ في الفن». هذا الفن الذي لا يروي ولا يَصِف. لا يُشاهِد بل يَشهد للذي «ليس كمثله شيء»، ويؤسس لعلاقة بصرية- سمعية جديدة يتجلى فيها الجانبُ الماورائي للفن في الإسلام. واللافت أن الطريق الذي سلكه رواد الحداثة الغربية في اتجاه الشرق، اقتفى أثره فنانون عرب نظروا إلى أنفسهم من خلال رؤية أولئك الفنانين إلى التراث العربي الإسلامي، وهذا ما حدث، في الوقت نفسه، على المستوى الأدبي، شعرًا ونثرًا.
هكذا استطاع الخط العربي أن يجمع في بوتقة واحدة جميع الذين يمارسونه. التفاعل بين الشرق والغرب، ولا سيما الغرب الأوربي، كان واضحًا، كما رأينا. في هذا السياق، اهتم فنانون وخطاطون عرب أيضًا بالخطوط الآسيوية، وفي المقابل، التفتَ فنانون وخطاطون آسيويون إلى فن الخط العربي، ومنهم الخطاط الياباني هوندا كُويشي الذي افتُتِنَ بالخط العربي ودخل معترك التجديد فيه ووضعه في قلب الحداثة الفنية، وهو القائل: «أتحسس جمالية الكتابة العربية بمعزل عن مضمونها، تمامًا كما أتحسّس الموسيقا».

البعد الجمالي والروحاني للخط
تقتضي الإشارة إلى أن الحرفَ في الرسم جزءٌ من التشكيل، وهذه ليست حال الخط الذي يقيم علاقة عضوية مع اللغة، ويمثل حالة من الذوبان في كل حرف من حروف الأبجدية، بل يمكن القول: إن الخط يتضمن في داخله فنونًا أخرى كالرسم والشعر والموسيقا. عوامل وإمكانات كثيرة تجعل منه، وإن في سكونه، حركةً لا تهدأ. وهذا ما تلحظه العين في احتكاكها مع ارتعاشاته البيِّنة وحركته التي تبدو أمامنا كنبض حي. هكذا يقترب الخط من الكتابة ويجوِّدها ويسمو بحروفها وكلماتها، بل يفتحها على البعد الروحاني واللامرئي، مضيفًا إليها دلالات جديدة.
يأخذنا هذا المعرض في رحلة يصبح معها البُعد الجمالي مرادفًا للنزعة الإنسانية، للحوار والقواسم المشتركة بين الشعوب. هذا هو الحلم الذي يسعى إلى تحقيقه أيُّ مشروع ثقافي مهم، وهذا ما سعت إليه أيضًا اللجنة العلمية للمعرض وفق رؤية فنية وثقافية منفتحة على الماضي والحاضر. تأكد ذلك أيضًا في الندوات التي واكبت هذا الحدث وشارك في إحيائها عدد من الكتّاب والمتخصصين، كما طالعَنا في الكتالوج الفخم الذي نشرته وزارة الثقافة السعودية ودار سكيرا للنشر. يضم هذا الكتالوج، إضافة إلى كلمة وزير الثقافة، صاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، وكلمة وكالة الأصول والمراكز الثقافية، دراساتٍ ومقالات تركز على دروب الروح في فن الخط العربي الكلاسيكي (نوريا غارسيا ماسيب)، والنقوش والكتابات الإسلامية المبكرة (الدكتور لطفي عبدالجواد)، وقراءة في الهندسة المعمارية المقدسة (إيريك دلبون)، والأبعاد الروحية للفن المعاصر والتصميم (الدكتورة هدى سميتسهوزن)، وتجسيد الحداثة من خلال الحرف العربي (ندى شبوط)، فضلًا عن قصيدتين لشاعرين سعوديين هما محمد الحرز وغسان الخنيزي، ومراجعة لتجربة الخطاط المصري خُضَير البورسعيدي، الحاضر من خلال أعماله في هذا المعرض، كما حضر في النسخة الأولى منه الخطاط العراقي المقيم في باريس عبدالغني العاني.
البورسعيدي الذي وُلدَ في عام 1942م في مدينة بورسعيد، حيث بدأ مسيرته الفنية في سن مبكرة، يدعو إلى خروج الخطاط من عزلته كما تخرج الفراشة من الشرنقة إلى العالم الأوسع، متكئًا على أصوله وتراثه، ومنفتحًا، في الآن نفسه، على تحولات العصر وعلى الثقافات الأخرى، وإنجازاتها والتحاور معها، وعلى التجارب الفنية والخطية الراهنة. بالنسبة إليه، «الخط الجديد يرتكز على الخط القديم ويتطلع إلى أبعد ما يمكن من أجل تقديم رؤى جديدة. وهذه هي بالضرورة حركة الفن التي لا تعرف الثبات، والتي تنصت إلى التغيُّرات والابتكارات على مر الزمن وتتفاعل معها».
يؤكد هذا التعامل مع فن الخط أن هذا الفن ينمو ويتطور باستمرار، ويرافق تحديات العصر والثورة العلمية. هناك خطاطون واكبوا التقدم التقني الذي بدأت معه رحلة جديدة في كتابة الحروف، وهناك من لا يزال وفيًّا للقصَبة التي يجهزها بنفسه، كما يجهز ألوانه، معتمدًا على النهج ذاته الذي تبناه أسلافه في فن الخط وجعلوه واحدًا من الفنون الجميلة. هذا ما يفعله الخطاط السعودي ناصر الميمون، وكذلك الفنان العراقي عبدالغني العاني الذي يرافق التطوُّر التقني عن بعد، هو الذي يُعِدّ أدواته وألوانه بصورة حِرَفية داخل محترفه.
يندرج معرض «رحلة الكتابة والخط/ دروب الروح» في سياق توجُّه عام لا يحصر الاهتمام في الخط من خلال الحفاظ على الموروث الثقافي فحسب، وإنما أيضًا من أجل تكريسه فنًّا قائمًا بذاته. من هنا فإن المعرض يشكل احتفالًا بفن الخط العربي وبمكانته المشهود لها في العالم أجمع عبر حضوره في كُبريات المتاحف العالمية والمعارض، وفي الإصدارات المخصَّصة له للإضاءة على جمالياته، كما تطالعنا في الكتابة والعمارة والنقوش المختلفة، وفي كل ما يزين حياتنا اليومية ويساهم في إعطائها معنًى.