عبدالرحمن الدرعان كاتب يتكاثر في وحدته
الرهان على الكتابة هو حياة الكاتب، هي اللعبة التي يجيدها، لا لأنها طريقه إلى النجاة، بل لأنها طريقه إلى صنع الاحتمالات. هناك، بين جملة لم تكتمل وأخرى تتشكل، يصنع معناه الخاص، ويختبر نفسه بصمت، كمن يراهن على قلبه في كل مرة، ولا يخسر.
عبدالرحمن الدرعان واحد من هؤلاء الذين جعلوا من الكتابة جسرًا بين عالمين.. بين العزلة التي بناها بصمته وفكره وبين الحكاية في كل تشكلاتها الإبداعية. ما وراء ملامحه الهادئة كمساءات مدينته «سكاكا» بمنطقة الجوف التي وُلد فيها عام (1962- ) صخب هائل من الفكر، من الإحساس، من التجربة التي امتدت على سنوات طويلة، جعلت منه شاهدًا على الإنسان في أعمق حالاته، هاجس القلق والحرية وتمرد الذاكرة وبين الحاضر والمستقبل.
«الجوفي» الذي قضى صباه بين الطين والنخيل والكتب القديمة، حمل منذ البداية شعورًا بالدهشة تجاه العالم. لم يكن يرضى بالمألوف، ولا بالعابر. كان يرى في كل شيء فرصة، في كل كتاب نافذة، في كل تجربة حياة يمكن أن تتسع لتشمل الآخرين. وإذا أردنا أن ننصف «الدرعان» بحق، فعلينا أن نقول دون تردد: إنه من مؤسسي تيار الكتابة القصصية الجديدة في المملكة، وإن كان مُقِلًّا فإنه قاصّ نوعي اشتغل على لوحته الخاصة في فضاء السرد. الإبداع عنده نوع من الحرية أولًا.. تلك الأجنحة التي تنبت في روح الفنان والمثقف فتأخذه بعيدًا حيث التساؤلات التي يبحث لها عن إجابة، أو حيث الشك الذي يبحث له عن يقين.
الكتابة ليست مجرد كلمات
في عوالم عبدالرحمن الدرعان تتعلم أن الكتابة ليست مجرد كلمات، بل هي مساحة للعيش، فن منح الآخرين فرصة لمشاهدة أعماقك، لرؤية ما ترى، للشعور بما تشعر. هو يؤمن أن الكتابة صنعة من نور، من خلالها يتبعك الآخرون للعبور إلى الضفة الأخرى. يتميز في سرده بتعدد الأصوات، حيث تتوزع الحكاية بين آفاق متفاوته، وهو ما يمنح النص عمقًا ويكسر الرؤية الأحادية. كما أنه يعتمد على الزمن، فيتنقل بين الماضي والحاضر عبر الذاكرة والاسترجاع، ليعكس تعقيد التجربة الإنسانية. لغته مكثفة، فيها الكثير من الشعر الذي لم يرده أن يكون شعرًا. لكنها تخدم البناء النفسي لحيرة أبطاله، ولا تنفصل عن سياقها الاجتماعي. صوره تتسلل بهدوء، وجمله تنفتح على أكثر من معنى، وإحساسه يتشكل دون ضجيج. ربما هو لا يثق كثيرًا في الجملة المكتملة، يميل في كتابته إلى ما يُشعر به… لا إلى ما يقال مباشرة. ولهذا عندما تقرؤه تشعر كأنك تتذكر، تتلمس الوجوه من جديد.
جودة عالية
مقدرته واعية على توظيف الرمزية في حكايته ليمنح النص أبعادًا دلالية تتجاوز المعنى المباشر.. وهذا ما أكسبه جودة عالية في بناء مساحة سردية ودرامية في أعماله. يظن الكثير أن «الدرعان» غائب عن تفاعلات المشهد، ربما لأنه لم ينتج غير مجموعتين قصصيتين هما «نصوص الطين» عام (1990-1989م) والأخرى «رائحة الطفولة» عام (2000-2001م). ولكن على العكس تمامًا؛ لأنه باختصار يراقب بهدوء وتأمل، يصغي للتحولات ويدونها وجدانيًّا. كأن الحياة عنده لا تُعاش بالاندفاع، بل بالتأمل الطويل، بالنظر إلى الأشياء وهي تحدث وتنمو داخل عقله. هو لا يلفت الانتباه، ولا يسعى إليه، لكنه يشبه تلك التفاصيل الصغيرة التي لا تراها أولًا… ثم تكتشف لاحقًا أنها كانت الأهم.
هو نفسه يقول: «كتبت كثيرًا من النصوص القصصية، بل وغامرت أحيانًا في الذهاب إلى الشعر، وتماديت أكثر من ذلك وخضت في تجربة اللون. لكنني لم أطبع سوى مجموعتين؛ لأنني أعتقد أن الكتابة تجربة ذاتية، أكثر منها وثيقة تتطلب طرفًا آخر هو القارئ للمصادقة عليها». هذا هو هاجس المبدع الذي دائمًا ما يسير في طرقات من القلق والهيبة كلما تذكر قارئه في لحظة التلقي. الإنسان داخل عبدالرحمن الدرعان يشبه ذلك البدوي الذي لا يهدأ، يراقب السماء ويطارد المطر. البدوي الذي لم يخدعه السراب ولم يغفر الغدر وظلت يداه تعتني بالطين ورائحة أجداده.
ينتصر دائمًا لقلق روحه من الواقع، لا يقبل هزائم أبطاله في القصص التي يكتبها؛ لذلك نجده في مقطع مملوء بالتساؤلات والحيرة وربما الغضب، يقول بصوت بطل قصة «العرس»: «عاودني الهلع الذي اعتراني في أحد نهارات الجمعة يوم أخذني أبي لنتفرج على القصاص؛ لكي يلقنني درسًا في الموت لو أنّي فتحتُ فمي وسألتُ عن أمي، منذ ذلك اليوم الأسود لم أعرف طعم الأمان ولا مذاق الانتماء، ومن يومها وأنا أسأل: أين أنا؟ هل أعثر على نفسي في السياف أم في القتيل، في قسوة أبي أم في نعش أمي؟».
في داخل «الدرعان» وفي مخيلته يسكن ذلك الطفل الذي لم يغادر الجوف. طفلٌ يخاف من الأبواب التي تُفتح وحدها، ويتلفت في الأماكن الجديدة، كأنه يتوقع مفاجأة في كل زاوية. طفلٌ لم يتصالح تمامًا مع فكرة العالم الواسع، فاحتفظ بمسافته الخاصة، وراح يبني عالمه الصغير في اللغة.
ربما لهذا، تبدو الطفولة عند عبدالرحمن الدرعان كأنها ملاذ أكثر من كونها ذكرى. يعود إليها لا ليستعيدها، بل ليحتمي بها، ليعيد ترتيب خوفه، ويمنح نفسه فرصة أخرى للفهم. هناك، في نصوصه، القرية لا تغيب، والأم لا تختفي، والطفل لا يكبر تمامًا.
إطلالة
أطل الدرعان على المشهد الثقافي السعودي، في ليلة تدشين جمعية الأدب وفنون السرد، خلال ليالي شهر رمضان المبارك؛ إذ كان حاضرًا بقوة. جاء من مدينته البعيدة، لم يكترث لهول المسافة، كما لم يستسلم، هذه المرة، إلى إغراء العزلة، وأن يكون مع (وحده) فقط. قدم إلى الرياض ليؤازر الجمعية الوليدة؛ إذ يرى فيها تجربة واعدة لأنشطة نوعية ستحتفي بالسرد في مختلف أشكاله. إطلالة الدرعان في تلك الليلة كانت محل حفاوة الأدباء والحضور، بتعدد اهتماماتهم، بل إن هناك، وهم كثر، من رأى في هذا الحضور، إشارة إلى جدية المشروع وعلامة على صدقية ما تتطلع الجمعية إلى النهوض به، وبالتالي كأنما كان الدرعان بإطلالته ومشاركته يحث الجميع، على ضرورة الاهتمام بالجمعية ودعمها بكل السبل.
الوحدة والغياب
الوحدة في حياة عبدالرحمن الدرعان ليست غيابًا عن الآخرين، بل هي حضورٌ مكتمل للذات. كأنه أدرك مبكرًا أن الإنسان لا يُنصت لنفسه إلا حين تخفّ حوله الأصوات، وأن ما نظنه فراغًا هو في الحقيقة امتلاء خفي لا يُرى. في عزلته، لا يهرب من العالم، بل يعود إلى لحظة الحقيقة، ويعيد نفسه إليه دون زوائد. هناك، حيث لا أحد سواه، تتصالح تناقضاته، تهدأ أسئلته، ويصبح أقرب إلى يقينه الأول: أن السكينة لا تصنع… بل يعثر عليها في الداخل، حين نكفّ عن البحث عنها خارجنا.
الرجل الذي جمع بين التعليم والثقافة والفن، بين الصمت والكلمة، بين الماضي والمستقبل، بين الطفل والرجل، بين الحلم والواقع. رجل يعرف قيمة كل لحظة، قيمة كل كلمة، قيمة كل لقاء، وقيمة كل تجربة إنسانية. عبدالرحمن الدرعان ليس مجرد شخصية، بل تجربة كاملة للإنسان، لعظمة الروح، ولغنى الفكر، ولدفء القلب الذي لا يعرف الحدود. مسيرته طويلة وتجربته أكبر من أن نحيط بها.. ولكننا حاولنا أن نمد أيدينا نحو الضوء القادم من دروب الجوف ليظل شامخًا كقيمة الإنسان وأبدية المثقف.