يبدو أن سؤال الخوف من المستقبل ليس منفصلًا عن سؤال المصير بكل ما يحمل من إشارات ومدلولات، غير أن هذا السؤال -سؤال الخوف الذي يعبّر عن علاقة الإنسان بالمجهول- لا يمكن تفسيره، أو تسويغه، أو اختزاله في إجابة واحدة، فهو السؤال الأزليّ/ اللحظي الأكثر التباسًا في ثقافات الشعوب، وفي مختلف العصور.
والحقيقة أن الخوف من المستقبل هو امتداد للخوف الماثل في الحاضر، فما يراه الإنسان في الواقع اليومي المشحون بكل أسباب التوجس، والتوتر، والقلق، والعبث؛ يدفعه دفعًا لأن يبني صورةً متخيلةً مخيفةً لما يمكن أن تؤول إليه الأمور في المستقبل كنتيجة محتملة لتأزم الأمور في الحاضر.
الخوف من المجهول طبيعة إنسانية فطرية، وهي تخضع للنسبية من شخص لآخر، ومن مجتمع لآخر، ومن بيئة ثقافية لأخرى، وتدخل فيها عوامل كثيرة متعلقة بالوعي، والثقافة، والمعرفة، والدين، واليقين، والتوكل، والإدراك، وغيرها من العوامل التي تتشكل منها رؤية الإنسان للحاضر ثم المستقبل.
اللافت في الأمر أن «الخوف» لم يعد سلوكًا أو فعلًا عابرًا قابلًا للزوال بزوال الأسباب العرضية كما يرى بعض علماء النفس والاجتماع، فقد تعددت أشكاله، وصار جزءًا من المكونات الثقافية، وتحول إلى طاقة تعبيرية هائلة يمكن رصدها وتتبع مساراتها ليس فقط في الممارسات الحياتية، بل في صُلب العادات الاجتماعية ومختلف أشكال الفنون والآداب، وأخذ حيّزًا كبيرًا من اهتمامات العلماء والفلاسفة والمفكرين، فضلًا عن السياسيين والاقتصاديين وغير ذلك من التخصصات المعرفية المرتبطة بالإنسان والحياة.
ويمكن القول: إن مصطلح «ثقافة الخوف» الذي سعى إلى ترسيخه قبل ثلاثة عقود تقريبًا الأكاديمي المجري فرانك فوريدي، يعكس حالة التصاعد المستمر لمشاعر الخوف في العصر الحديث عامةً، وفي المشهد الراهن خاصةً، وهو ما أدى إلى ربط مصطلح الخوف الفاعل واقعيًّا في الحاضر البشري بصورة المستقبل المتخيَّل أو المجهول، وبات من الطبيعي أن يتوقع الإنسان ملامح الصورة المحتملة للقادم، متسائلًا: كيف سيكون المستقبل أمام سلطة الخوف المتنامي في ظل التوترات المتسارعة التي تسود العالم؟
هذا السؤال الكبير يتطلب قدْرًا كبيرًا من البحث والتحليل والتأمل، ولأن الأسئلة المرتبطة بالمستقبل هي امتداد طبيعي لأسئلة الحاضر القلِق، خصصنا ملف هذا العدد من مجلة (الفيصل) للبحث عن أجوبة مغايرة لدى عدد من المثقفين والمتخصصين.
0 تعليق