الفنون في الجامعات السعودية وتحولاتها البنيوية: قراءة في سياق تأسيس المعهد الملكي وجامعة الرياض للفنون

الفنون في الجامعات السعودية وتحولاتها البنيوية:

قراءة في سياق تأسيس المعهد الملكي وجامعة الرياض للفنون

في ظل الرعاية الكريمة لخادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبدعم ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، وما أولته الدولة السعودية من عناية بالثقافة والفنون؛ يشهد التعليم السعودي للفنون تحولًا عميقًا، يتمثل في انتقال الفنون والدراسات الإنسانية من هامش المنظومة الأكاديمية إلى قلبها الإستراتيجي. وهذا التحول جدير بأن يُقرأ في عمقه الفلسفي قبل أبعاده المؤسسية؛ لأن الأمر لا يتعلق بافتتاح كيانين أكاديميين جديدين فحسب، بل بتعبير ثقافي وسياسي بوعي جديد يعيد تعريف مفهوم المعرفة النافعة في ضوء رؤية المملكة الطموحة ومسارات الانفتاح والنهضة الشاملة.

فبعد عقود ظلت فيها الفنون والإنسانيات تؤدي دورًا تكميليًّا في بنية تعليمية غلب عليها المنطق التقني والتطبيقي، أخذت اليوم تحتل موقعًا متقدمًا في الاهتمام الإستراتيجي، بوصفها ركيزة في الاقتصاد الإبداعي، ومكوّنًا محوريًّا في تشكيل الهوية الوطنية. وليس هذا التحول استجابةً ظرفيةً لمتطلبات السوق، بل تعبيرًا عن وعي متجدد يدرك أن الحضور الحضاري للأمم لا يُقاس بحجم ناتجها المحلي وحده، بل بثقلها الثقافي ومكانتها الرمزية في ذاكرة العالم.

ويجيء تأسيس المعهد الملكي للفنون التقليدية وجامعة الرياض للفنون تعبيرًا مؤسسيًّا واضحًا عن هذا الوعي المتنامي، غير أن التحول الحقيقي لا يُقاس بتأسيس الكيانات فحسب، بل بقدرتها على إعادة صياغة العلاقة بين المعرفة الإنسانية والإنتاج الثقافي، وبين الجامعة والمجتمع، وبين الموروث وآفاق المستقبل. ومن هنا تسعى هذه المقالة إلى قراءة هذا التحول من داخل الحقل الأكاديمي، بوعي يرى في الفرصة أفقًا واعدًا، من غير أن يُغفل ما يحيط بهذا المسار من تحديات.

من الهامش إلى المركز

قبل الاحتفاء بالجديد، ينبغي إنصاف القائم بفهمه لا بإدانته. فقد ظلت الفنون والإنسانيات في جامعاتنا تؤدي أدوارًا تعليمية راسخة في اللغة والأدب والدراسات الشرعية والاجتماعية والتخصصات الفنية المتنوعة. وعلى أهمية هذا الدور التكويني في بناء الإنسان وتشكيل وجدانه، فإنه لم يتصل على نحو كافٍ بمنظومة إنتاج ثقافي أو صناعات إبداعية فاعلة. وهذا الانفصال لم يكن إهمالًا بالضرورة، بل انعكاسًا لنمط تنموي ساد طويلًا، رأى في التخصصات التطبيقية والتقنية الحامل الرئيس للتنمية وخصّص للفنون والإنسانيات دورًا مكملًا لا مركزيًّا؛ فهو منطقٌ عرفته دول نامية كثيرة قبل أن تكشف التحولات العالمية الحاجة الماسة إلى مراجعته جذريًّا.

فالعقود الأخيرة شهدت إعادة اعتبار عالمية واسعة للفنون والإنسانيات، بعد أن أثبتت التجارب الكبرى أنهما مكوّنان فاعلان في إنتاج القيمة الاقتصادية والرمزية، وليستا عبئًا على التنمية ولا ترفًا لا طائل منه. وفي هذا السياق برز مفهوم الاقتصاد الإبداعي تعبيرًا عن تداخل الثقافة بالإنتاج، والهوية بالسوق، والخيال بالتنمية المستديمة. وباتت الفنون موردًا وطنيًّا قابلًا للتجدد والنمو. هذا التحول ليس توسعًا في البنية التعليمية القائمة فحسب، بل إعادة تأسيس معرفي لمفهوم الكليات الإنسانية ومكانتها الإستراتيجية في منظومة التنمية الوطنية.

المعهد الملكي: إحياء الموروث وبناء الهوية

يُجسّد المعهد توجهًا مؤسسيًّا راسخًا لإعادة تأطير فنوننا الموروثة -خطًّا وزخرفةً وعمارةً وحِرفةً تقليدية- بوصفها ليست تراثًا ساكنًا يُحفظ في المتاحف وتُنسب إليه الذكريات، بل ممارسات ثقافية حية قابلة للتطوير والاستدامة والاحتراف. فالتراث الفني هنا رصيدٌ خصب تتولد منه صناعات إبداعية معاصرة تجمع بين القيمة الجمالية والأثر الاقتصادي في آن واحد، على غرار ما حققته اليابان وإيطاليا من صناعات مستلهَمة من حِرَفهما التقليدية ومتجذّرة في هويتيهما الثقافيتين.

جامعة الرياض للفنون: بناء منظومة الاقتصاد الإبداعي

تقوم الجامعة على وصل التعليم الفني بالإنتاج الإبداعي والإدارة الثقافية في كيان أكاديمي واحد متماسك. وهذا يكشف عن وعي متقدم بأن الفنان المعاصر لا ينجح بموهبته وحدها، بل بجمعه بين الرؤية الإبداعية والكفاءة المهنية والوعي الإداري والقدرة على التفاعل مع السوق الثقافية المتحولة. ويندرج المشروعان في إطار رؤية 2030 التي جعلت الثقافة والترفيه والسياحة مكونات أساسية في تنويع الاقتصاد الوطني؛ وهو ما يضعهما أمام مسؤولية فعلية تتجاوز الرمزية المؤسسية إلى بناء منظومة وطنية متكاملة للاقتصاد الإبداعي تحتاجها البيئة الثقافية الناشئة.

الخبرة المتراكمة: طاقة تستدعي التفعيل

الاحتفاء بالجديد لا يُسوّغ إغفال ما تراكم من خبرات. فجامعاتنا تمتلك رصيدًا مؤسسيًّا راسخًا تجلّت معالمه في كليات التصميم والفنون، وبرامج الإعلام والاتصال البصري، وتخصصات العمارة والتخطيط، وأقسام اللغة والأدب والدراسات الثقافية المنتشرة في مختلف مناطق المملكة. وقد أسهمت هذه الكيانات في إنتاج معرفي معتبر، وخرّجت كوادر تمثل اليوم قوة بشرية مؤهلة في قطاعات ثقافية وإبداعية متعددة، غير أن هذا المنجز، على قيمته، واجه ثلاثة اختلالات بنيوية متشابكة عاقت تحوّله إلى قيمة فاعلة داخل منظومة الاقتصاد الإبداعي.

أولا: من أبرز التحديات التي تواجه التعليم الفني اليوم الحاجة إلى تحقيق توازن أوثق بين التحصيل المعرفي والممارسة الإنتاجية؛ إذ يكتسب الطالب قدرًا معتبرًا من المعرفة النظرية، ويُنجز البحوث، ويجتاز أدوات التقييم، غير أن هذا المسار لا يفضي دائمًا بالقدر الكافي إلى إنتاج أعمال فنية مكتملة قابلة للعرض أو النشر أو التداول. ولا يُفهم ذلك بوصفه قصورًا مطلقًا في بنية التعليم الفني، بقدر ما يعكس حاجة إلى تعزيز البعد التطبيقي في تصور العملية. ويتصل بذلك تحدٍّ آخر يتمثل في محدودية بعض البيئات التطبيقية؛ فالإبداع يرتبط بطبيعته بوجود فضاءات عملية وأدوات تقنية وتجهيزات إنتاجية ملائمة، وكلما اتسعت هذه البيئة وارتفعت كفاءتها، ازدادت قدرة الطالب على الانتقال من التعلم إلى الإنجاز.

أما التحدي الثالث، فيتعلق بالحاجة إلى مزيد من التكامل بين الفنون، والتقنية، والإدارة الثقافية؛ إذ إن التعامل معها في مسارات متوازية قد يحد من فاعلية مخرجاتها، في حين أن الاقتصاد الإبداعي المعاصر يقوم في جوهره على تفاعل هذه المجالات وتكامل أدوارها. والتحدي لا يكمن في وجود التخصص ذاته، بل في كيفية تفعيله داخل بيئة تعليمية وإنتاجية قادرة على تحويل المعرفة إلى ممارسة. فالتخصص الجيد، من دون بيئة إنتاجية حاضنة، كالبذرة الخصبة في تربة ميتة.

نحو نموذج جامعي حاضن

إن تجديد التعليم والإبداع في مجال الفنون لا يتحقق بالكيانات الجديدة وحدها، بل بالتجاوب مع الحاجة إلى جامعة تحتضن الموهبة منذ تشكّلها الأول، وترافقها حتى تتحول إلى أثر ثقافي ومهني ملموس. والجامعة المنشودة ليست مجرد مؤسسة للتدريس، بل هي فضاء مؤسسي متكامل يتيح للمبدع الممارسة والإنتاج والارتباط بمحيطه الثقافي والاقتصادي. ويقوم هذا النموذج على أربعة مستويات متكاملة تعيد تصميم الجامعة من الداخل:

أولًا: التكامل المعرفي، بإنشاء برامج تجمع الفنون والتقنية الرقمية والإدارة الثقافية في إطار واحد، لا تمييعًا للتخصص، بل توسيعًا لأدوات المبدع وأفق رؤيته.

ثانيًّا: البنية الإنتاجية، بتحويل البيئة الجامعية إلى فضاء إنتاجي فعلي يضم أستوديوهات متخصصة، ومسارح تعليمية، ومعامل وسائط رقمية تتيح التعامل مع تقنيات عصرية من التصوير السينمائي إلى الذكاء الاصطناعي الإبداعي.

ثالثًا: الارتباط المهني، بشراكات إستراتيجية مع قطاعات الإنتاج الإعلامي والمؤسسات الثقافية ومنصات المحتوى الرقمي، تُمكّن الطالب من ملامسة الواقع المهني قبل التخرج، وتمنح الأستاذ صلةً حية بمستجدات المجال.

رابعًا: المسار الريادي، بحاضنات إبداعية جامعية تحوّل الأفكار الطلابية إلى مشروعات قابلة للحياة، مانحةً المبدعَ وعيًّا بالقيمة العملية والثقافية لما ينجزه، وهو وعي لا تُتيحه المقررات الأكاديمية وحدها.

هاكاثونات الفنون: حين يلتقي الإبداع بالتحدي

في سياق تجديد تعليم الفنون عالميًّا، تبرز هاكاثونات الفنون أداةً فاعلة لإحداث تحول في ثقافة التعلم؛ إذ تهيئ فضاءً مكثفًا يلتقي فيه الفنان والمبرمج والمصمم والمنتج والباحث الثقافي للعمل المشترك على سؤال إبداعي أو قضية ثقافية محددة. وتنبع قوتها من جمعها بين الإبداع والتقنية، وحَفْزها العمل متعدد التخصصات، وتسريعها انتقال الأفكار من التجريد إلى نماذج أولية قابلة للفحص والتطوير. غير أن قيمتها لا تكتمل إلا حين تُدمج في المنظومة التعليمية بوصفها أداة بنيوية لا فعالية موسمية: جزءًا من التقييم الأكاديمي، ومسارًا لتطوير مشروعات التخرج، ومنصةً تصل الطلاب بالمؤسسات الثقافية عبر تحديات واقعية متصلة بالسوق.

تؤكد التجارب العالمية أن الفنون والإنسانيات ليستا ترفًا ثقافيًّا، بل موردًا حيويًّا من موارد الثروة الوطنية؛ فمن لندن إلى سيول، غدت الصناعات الإبداعية رافدًا اقتصاديًّا مؤثرًا، وتحولت الثقافة إلى أحد أكثر الصادرات استدامة. ومن هذا المنطلق، ينسجم توجه رؤية 2030 في الاستثمار الجاد في الفنون والثقافة مع منطق اقتصادي يدرك أن تنويع الدخل لا يمر عبر القطاعات التقليدية وحدها، بل عبر اقتصاد متجدد يجد في الإبداع والمعرفة الإنسانية موردًا قابلًا للنمو.

ومن ثم، فإن كليات الفنون والإنسانيات في جامعاتنا مطالبة بإعادة تعريف دورها: من إنتاج معرفة نظرية محصورة في الأوراق الأكاديمية، إلى الإسهام في إنتاج قيمة ثقافية واقتصادية تتجه إلى الإنسان والمجتمع والسوق، بما يقتضي إعادة تصورها بوصفها مراكز للإنتاج المعرفي وحواضن للابتكار الثقافي.

في أفق الجامعة المبدعة

يجيء تأسيس المعهد الملكي للفنون التقليدية، واعتماد تأسيس جامعة الرياض للفنون، شاهدًا على تحول نوعي في الوعي الوطني بمكانة الفنون والثقافة في المشروع التنموي والحضاري للمملكة. وهو تحول جدير باحتفاء واعٍ، يدرك قيمة ما تحقق، ويتأمل ما يفتحه هذا المسار من تساؤلاتٍ تمس دور الجامعة وحدود أثرها.

فأهمية هذا التحول لا تقف عند بعده المؤسسي، بل تمتد إلى ما يتيحه من إعادة النظر في وظيفة الجامعة ذاتها: رسالتها، وكيفية بنائها للمعرفة، وصلتها بالمجتمع. ومن ثم فإن السؤال الأعمق ليس عن عدد المؤسسات، بل عن قدرتها على إحداث نقلة في تعليم الفنون: من حدود التلقين إلى أفق الإنتاج، ومن تحصيل المعرفة النظرية إلى صناعة أثر ثقافي ذي قيمة تنموية.

وهذا التحول لا يكفي فيه تغيير الأسماء أو استحداث الهياكل، بل يقتضي إرادة مؤسسية تعيد التفكير في الجامعة من الداخل، وتقدم سؤال الغاية على الوسيلة، والأثر على الشهادة. عندئذٍ تغدو الجامعة بيئة مولدة للإبداع، وحاضنة لتفعيل الموروث، وجسرًا يصل المعرفة بالفعل، ويمنح الفنون مكانها المستحق في بناء المستقبل.