تستهل الكاتبة اللبنانية نجوى بركات روايتها «غيبة مَي» (دار الآداب) بمنادٍ غريب ينادي: «مَيْ!»، لتفزع البطلة، وتبدأ بسرد ذاتي يرافق القارئ للاستماع إلى تفاصيل يوميّة تعيشها امرأة ثمانينية تخاف الكِبر وأمراضه وعثراته. نحضّر مع مَي قهوتها الساخنة كما تحب. نسقي الزرع في الشرفة المطلة على بحر بيروت، ونتساءل ما الذي جعل امرأة مسنّة تخشى العلاقات جلّها، حتى لو كانت مع قطة؟ لنعي فيما بعد الأسباب التي جعلت من قلب تلك المرأة موصدًا. تجربة حياتية نسجت بركات أحداثها على نول لغة شاعرية وخبايا فلسفية، ضمن حسّ إنساني عالٍ بجمل قصيرة تحمل من الموسيقا ما يُطرب الحواس.
عقد سياسية
تدور أحداث الرواية، التي استغرقت عامين من الكتابة، في بيروت. تحديدًا في زمنها الحديث، حيث أثقلت العُقد السياسية المشهد. فقد تطرقت الرواية لانفجار بيروت وتأثيره في المواطنين الذين ما لبثوا يستفيقون من أزمة سرقة ودائعهم في المصارف اللبنانية، وأزمة النفايات، والعنف والسرقات. وكأن بركات تذكّرنا كل حين بأن المدينة مثل بطلتها ليست بخير. وكأنها تجعل ذلك سببًا يُثقل الأحداث التي تحيط بالشخوص. فتتماهى شخصية العجوز الثمانينية مع بيروت المكدسة بالهموم على مرّ الأزمان، وكيف عاث بها الغريب والقريب فسادًا لتغدو فضاءًا نزقًا يضيق بأيّ ضيف. فقد هجر بيروت أولادها بحثًا عن فرصة متاحة، وهجر التوأمان «مَيْ»؛ إذ لا عاطفة تربطهما بها، هي التي لم تحنُ يومًا.
تتوقف صاحبة «مستر نون» عند الأزمة الاقتصادية الخانقة للبلاد. وكيف أثّرت في مفاصل الحياة الاجتماعية والعملية. تضخّ الحوالات المالية من المعيلين شيئًا من الأُكسجين؛ ليجعل من تلك الحياة مستمرة. كل هذا، إلى جانب سنوات الحرب القاسية التي خلقت واقعًا اجتماعيًّا متشظّيًا مغمورًا بالندوب والتجاذبات وعدم الاستقرار.
عزلة الخوف والذاكرة

نجوى بركات
الفوضى حاضرة: في الأفكار المتدفقة للبطلة، والفلسفة المرافقة للمونولوج. التي تشي بأن وراء كل هذا امرأة ذات ثقافة خسرت الرغبة في الحياة ذات يوم. حيث تقرّبنا مَي من ماضيها تارةً، وتارة أخرى تحوم حول حاضرها. وكأن الحوار يستحيل إلى عصا سحرية تنقلنا بين الأزمان بخفة، من دون ثقل، من امرأة تخاف أرذل العمر وما قد يحمل لها من مفاجآت غير مرضية، إلى أخرى تستحضر ذكريات طفولتها مع أب رؤوم حلّ مكان أمها، فكان التداعي الحرّ مطواعًا لبركات التي أطلقت العنان لبطلتها؛ كي تحكي كلّ ما يجول في خاطرها، من دون رقابة أو منطق. حيث استنطقت اللاوعي ليحدثنا عن الجذور الخفية لتلك الحالة النفسية المتذبذبة. فمَيْ؛ الشخصية الأساسية في الرواية، تبحث عن ذاتها. تخاف الخرف، فباعتقادها أن الرابح هو من يكسب معركته ضد النسيان.
لا تخاف الموت، إلا أنها تعدّ له ما استطاعت. يستحوذ على أفكارها: هل ستموت وحيدة وتتعفن قبل أن يفطن لها أحد؟ ألهذا أمَرت التوأمين، ناطور البناء، بالتردّد عليها كل يوم؟ هل ستموت بكامل قواها الذهنية؟ هل ستبقى قادرة على تنظيف نفسها من دون أن تتلقى الحرج الاجتماعي من أحد؟ كل هذه الأسئلة، والكثير من توجسات الكبر وعلاماته التي تلاحظها على جسدها، أرّقتها. حضر الخوف بصور متعددة؛ عند وداد، العمة الصغرى، القلقة من طارئ يغيّر قدرها، ويلبسه ثوب التعاسة مع كل عريس يتقدّم لخطبتها. مَي ذاتها تسرد عن مخاوف اعترتها في شبابها المتأخّر بأن تفقد القدرة على الإنجاب. كل هذا القلق حاصرها في عزلتها التي جدّفت بأفكار متضاربة بين الماضي والحاضر، فنجت إلى حين.
البناء الدرامي
عرّفتنا الكاتبة، وهي إعلامية أسّست «محترف كيف تكتب رواية»، على شخصيات روايتها، من خلال استرجاع مواقف وتحليلات فلسفية جمعت البطلة معهم، وهم: جدتها وعماتها العوانس الثلاث، الأب المميز ضمن مجتمع ذكوري، ما فتئ يسيطر على أماني النساء. رواية تكاد تخلو من الحبكة، التي ظهرت كمفاجأة في قسمها الأخير عند فصل «هي»، لتكون على لسان الزائرة غير المرحّب بها. أشعلت سؤالًا خفيًّا منذ البداية في وجدان القارئ؛ لتجيبه عليه في نهاية المطاف. وفي حين استرسلت مَي بالحديث عن حاضرها وأيام طفولتها، وهي تحتضن قطة استقر في جوفها سرطان لئيم أهلك زوجها وصديقتها وأمها. كانت الضيفة تتحدث عن حقبة زمنية مفقودة. عقدت الحبكة، ثم حرّرت جميع خيوطها المتشابكة التي رسمت علامات استفهام عن: مكامن نزق مَي، خيباتها، تشظّي هويتها. عن غيبتها لسبعِ سنوات كانت روحها هائمة، بينما هي في جسد مكلوم لا يتحرك، عن الحب والخذلان، عن نرجسية فتكت بشبابها. عن فريدا كاهلو وفيدراليتين ظهرتا ضمن الماضي كشخوص مسرحية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الكاتبة حاصلة على إجازة عليا في الفنون المسرحية. فكان ذكر المسرح لعبة أجادتها جيدًا. وقد تضمّنت الخاتمة جملة للمسرحي الأميركي تينيسي ويليامز، ضمن مسرحيته «عربة اسمها الرغبة»، خاطبت بها «مَيْ» ناطور البناء، وهي: «لطالما اعتمدتُ على لطف الغرباء». (ص222)
اتكأت الكاتبة على لغة بسيطة مفهومة. كانت متّسقة مع ثقافة السرّاد، ضمن رواية متعددة الأصوات، حيث تتلوّن الحقيقة بحسب راويها.
المأخذ الوحيد على الرواية، ربما هو السطحية التي تناولت شخصية يوسف؛ ناطور البناء السوري، الذي ألقى بأوجاعه المتقاطعة مع الثيمات الرئيسية للعمل. فقد كان يمكن لهذه الشخصية أن تحمل عمقًا إنسانيًّا أكثر من كونه يذكر قسوة أبيه ومدرّب التربية العسكرية؛ وكيف استطيب مذاق حبات الأفوكادو التي يرميها بائع الخضار مساءً. وعلى الرغم من أن الكاتبة حاولت جاهدة أن تتكلم بلسانه البسيط؛ فإن حاجزًا يظهر ليذكّر بأنها حاضرة تستعيره، وذلك على نقيض مَي وضيفتها. حيث كان السرد مخلصًا لهما. بينما كان لسان يوسف متعجّلًا، وكأنه أُقحم ليروي أيام مَي الأخيرة بعد أن غابت للمرة الأخيرة.
0 تعليق