في ديوانه الشعري الأحدث، «لا أحد هنا سيميل عليك»، (يناير 2026)، يتخذ الشاعر المصري محمد سليمان (1946-2026م) الشعر كمرثية جمالية للشحوب الإنساني والأفول الوجودي. يبكي الشعر وجودًا تذبل أوراق جماله، فيفقد بهاءه، وتتشوَّه حياة إنسانية باستلابات تقنية، تحت شعار الحداثة التقنية، فتمسي القصيدة مرثية لعالم تُمسخ هويته وتسحقه الحروب ويعمه الدمار، وتتفسَّخ العلاقات بين أناسه، ما يُعمِّق اغترابات الذات الإنسانية ويفاقِم عزلتها ويراكِم أحزانها ويزيد انكساراتها ويُضاعِف هشاشتها.
أمسى الشعر طقسًا اعترافيًّا وتطهُّرًا جماليًّا يمارسه الشاعر المُحمَّل بهموم ينوء عن حملها، والمكبَّل بواقع يقيِّده ولا يستطيع تغييره. فالوجود تنهار أركانه والعالم تتداعى أشياؤه والشاعر عاجزٌ، وفقد قدرته على تثوير الوعي الجمعي أو إصلاح عالمه.
الوحدة الوجودية
ثمة شعور بالوحدة الوجودية يخامر وعي الشاعر بعالمه الذي يحسُّه بات منفصلًا عنه، فيقترن هذا الشعور برؤية أخرى ملازِمة له بجدب العالم وشحوب الطبيعة بمعناها المادي أو الرمزي الميتافيزيقي. في قصيدة «لم تكن صديقة» تكشف الذات الشاعرة عن وحدتها الممتدة في مواجهة الأزمة الوجودية العارمة: «لم تكن الريح صديقةْ/ لنهُبَّ معًا/ ونسوقَ إلى الساحات نجومًا/ ونَصُدَّ عَمًى يَتَدَحْرج من ألواح الماضي/ وبَراريهِ وَوَرَقِهْ». «لم يكن الحلمُ سحابةْ/ تسْقي/ وتُجيرُ وتُغْري/ لأُباهيَ به/ وأعيدَ إلى الألفاظ ربيعًا ضاعَ وأَنسى/ أنَّ النورَ قميصُ النارِ/ وأنَّ الماءَ له أجنحةٌ/ والشّيخوخةَ غرْبةْ».
في شعر سليمان حضور طاغ لعناصر الطبيعة بهوية رمزية، وكأنَّ الشاعر ينشد وحدة الوجود، لكنَّ ثمة شعور بالخذلان مما كان يعلقه الشاعر من آمال على عناصر الطبيعة لتؤازره بتحقيق أحلامه، ليحسُّ بانعدام التعضيد الوجودي حتى يغير العالم ويحقق عالمه المنشود. تكشف الاستعارة المُرشَّحة- «لم تكن الريح صديقةْ/ لنهُبَّ معًا/ ونسوقَ إلى الساحات نجومًا»- عن انخذال الشاعر الذي أراد الانفتاح على العالم فلم تساعده الريح، أي قوى التغيير العارم في سوق النجوم، أي طاقات التنوير إلى الساحات. ولم تقف أزمة الشاعر عند عدم استطاعته تغيير العالم وإنَّما عجزه عن صد المدَّ الظلامي المتسرِّب من الماضي كما يتبدى باستعارة: «ونَصُدَّ عَمًى يَتَدَحْرج من ألواح الماضي/ وبَراريهِ وَوَرَقِهْ»، التي تكشف عن هيمنة قوى الرجعية المتسلحة بسلطة الماضي على الحاضر وتصديرها العماء الفكري لناسه، ووقوف الشاعر عاجزًا أمامها عن النهوض بدوره التنويري.
يداخل الشاعر شعور بفقدان المدد من عناصر العالم، فتشي استعارة «لم يكن النور صدًى لحروفي» بشعور مُحبَط لعدم استطاعة خطاب الشاعر أن يحدث أثرًا تنويريًّا، يزيل به علامات الشؤم «غُرابًا يتشبَّث بالنافذةِ» والظلام النفسي «وليلًا في الأحداق انْدَقَّ» وتجريف الوعي بالتصحُّر الفكري واليباس الوجودي عبر وسائل الإعلام والكتابة واحتلال الفضاء العام والخاص أيضًا «وصَحْراواتٍ تَقْتحم الشاشات وتَحْشو/ بالأشباح دفاتِرَ ودكاكين ودورًا». الشاعر أخفق في استعادة النضارة التعبيرية لمعجمه الشعري، كما في استعارة «وأعيدَ إلى الألفاظ ربيعًا ضاع» ما يفضي إلى هيمنة شعور اغترابي بأثر الشيخوخة.
وإذا كان شعر محمد سليمان يعتمد نوع الشعر التفعيلي الموزون فإنَّه في المقابل يكاد يستغني عن القافية، نمط الشِّعرِ الأبيض، إلا أنَّه لم يخلُ من تلوُّنات إيقاعية كما في تركيبه المكرور- لأربع فقرات متتالية- المكوَّن من فعل كون منفي ولام التعليل المتبوعة بفعل مضارع: «لم تكن/ يكن-…) التي تشكَّل موتيفة إيقاعيِّة تجمع بين المنشود والمفقود، فبدا الشاعر واقفًا على أطلال الأحلام المُهدَرة واليوتوبيا الضائعة.

محمد سليمان
وإزاء ما يعتري الوجود من تصحُّر وما يحسُّه الشاعر من اغتراب عاصف فإنَّه يبدأ في مساءلة نفسه عن هويته الوجودية: «هل أنتَ قديم مثلي/ وجديدٌ مثلي/ ووحيد مثل النيل وتَحْبو/ لتحاصرَ عصر النار بعصر الماءِ/ ورمليًّا بالأخْضرِ/ والأشياء بأسماء تُلْجِمها؟/ أم أنتَ صبيٌّ مُلْتصقٌ بصباكَ/ طيورُك حول سريرك تلهو/ وسواقيكَ تلُمُّ وجوهَ الغائِب وأغانيهِ/ وتهب العابرَ ظلًّا/ والتائهَ بابًا/ والشاعرَ عرشًا أو عاصمةً/ فوق رصيف المقهى؟»
ثمة التفات ضمائري في حديث الشاعر عن نفسه، من ضمير المُتكلِّم إلى ضمير المخاطِب، في تعمُّق تحديق الذات الشاعرة في مراياها، ليناوش الشاعرَ في تمثُّله لهويته شعوران متقابلان بين القِدم والجدة، ليعلن عن هوية ديالكتيكية للشاعر، حيث الوعي بالوجود الزمني. لكنَّ ثمة وعيًا آخر ومكوِّنًا يتدفق في شخصية الشاعر يتمثَّل في توحده بالنيل، وشعور بمماثلته له في الوحدة. ثمة جدل بين بين عناصر الوجود والطبيعة المتقابلة في فضاءات قصيدة سليمان، ولاسيما جدل الرمل والأخضر، وتشي استعارة «والأشياء بأسماء تُلْجِمها» بمعافرة الشاعر بمنح الأشياء هوية اسمية، باعتبار أنَّ الشعر هو إعادة اكتشاف الأشياء وتحديث هويتها.
وتبدو استعادة الشاعر لوجه الصبي كمقاومة لحركة الزمن وغربة الشيخوخة، واللافت أنَّ الشاعر يقيم في فضاء الغرفة، فضائه المكاني الخاص والمحدود- فضاءً تخييليًّا بديلًا- فالتخييل الشعري يقوم بممارسة تعويضية وبعبور زمكاني، لعهد الصبا، وفضاء الطبيعة البكر المقترن بعهد الصبا، وتبعث استعارة «وتهب الشاعرَ عرشًا أو عاصمةً/ فوق رصيف المقهى؟» الصورة التاريخية للشاعر- منذ عهد الشعراء السورياليين الفرنسيين- الذي يؤسس عرشه الشعري في المقهى الذي يُمثِّل بؤرة إشعاع ثقافي ومركز إلهام جمالي وفضاء توجيه جماهيري، لاسيما لعوام المثقفين.
خذلان الشعر وتغيُّر الوجود
يتسلل إلى صوت الشاعر وخطابه نبراتُ شعور بخذلان الشعر وإحساس مُحبَط بالعجز عن مقاومة التشوُّه الوجودي أو معالجة آثار القبح الذي طال العالم والمسخ الذي تمكَّن من البشر، كما في قصيدة «هواء آخر»:
«لم تُعِد لي القصائد شيئًا/ من هواء الصِّبا/ ولم تمنح الحلم مهرًا يطير بهِ/ أو يدورُ…/ ولم تُقْصِ حربًا». «الهواء تَغَيَّرْ/ الهواءُ…/ وغيَّرَ نبض الشوارع/ والوقت… والناسَ والكلماتِ/ وهَمْسَ العصافير فوق الشجرْ»
من عنوان القصيدة، «هواء آخر» يتبدى أنَّ ثمة شعور اغترابيّ يداخل الذات الشاعرة بأنَّ الهواء الذي يرمز إلى الفضاء العام ليس كما المألوف، يتساوق معه حس أسيان بعدم قدرة الشعر على استعادة هواء الصبا، أي روح النضارة. كما لم تمكن القصائد الحلم من التحليق، في إشارة إلى عدم قدرة الشعر على بلوغ اليوتوبيا المنشودة، ولم تستطع إقصاء الحروب، كبيان لعجز الشعر أمام توحُّش الواقع ودمويته.
ويتنامى الإحساس بتغيُّر الأشياء، وتحوُّل الهواء من حياديته اللونية ولطفه إلى جمود كالحجر، وثقل قاتم السواد. وهو تحول يعكس تمثُّلًا نفسيًّا لذات تستشعر وحشة عالمها، فأمسى مشابهًا للحروب التي تحيط الإنسان وتحاصره وتلتهم العابرين، وتتسلى بحرق الكلام، في إشارة لاحتراق المعنى في عصر الحروب.
يتوسَّل التشكيل الشعري في بناه التركيبية بآلية التكرار بتنويعات مختلفة، بوصفها إستراتيجيةً بنائيةً لا مجرد حلية لفظية. فيتواتر نفي الفعل المضارع بأداة الجزم (لم) ثلاث مرات في الاستهلال: «لم تُعِد/ ولم تمنح/ ولم تُقْصِ». هذا التوازي الصرفي لا يكتفي بإحداث رنين إيقاعي، بل يعمق دلالة «العجز الوجودي» للقصيدة، معلنًا إخفاق الفعل الشعري في مغالبة قسوة الواقع أو تقويض قبحه. كذلك تكرار كلمة الهواء مرتين في سطرين متتاليين، في مطلع الفقرة الثانية من القصيدة: «الهواء تَغَيَّرْ/ الهواءُ…» فتأتي بالسطر الثاني كموضوع، ولكن دون محمول. فبدا التكرار (الهواء)، في المرة الثانية- رغم فصاحته- إلا أنَّه يمتص أسلوب التكرار في بلاغة الشفاهية، ليعكس صدمة الذات من «الهواء» الذي تغير وثقل وقعه عليها ودهشتها واستغرابها لما يجري.
الاغتراب التقني واستلاب الإنسان
يواكب الخطاب الشعري لمحمد سليمان التحولات العصرية الفارقة التي تمسُّ الحياة الإنسانية؛ تغير سلوكيات الإنسان وتبدِّل نمط حياته وطرائق عيشه. ومما يرثيه سليمانُ الاغترابَ التقني الذي استلب الإنسان وأدى إلى انطفاء العلاقات الإنسانية:
«بالشاشات ازدحم البيتْ/ بالشاشاتِ التصقوا/ واخْتَصروا معجزةَ الأفواه ولاذوا/ بأحاديث الصمتْ».
يهجو الخطاب الشعري لمحمد سليمان التحوُّل السلوكي الطارئ على الذوات الإنسانية بالاستلاب التقني والالتصاق بالشاشات الذكية الذي يُفضي إلى مسخ الهوية الإنسانية. فتتجلى المفارقة أنَّ الأحاديث صارت صمتًا، ليفقد الإنسان أفعاله الإنسانية وطقوسه الحميمة؛ كالغناء والضحك والحكي، ما يُشعر الشاعر بافتقاد فضائه الوجودي لإيقاع يلوِّنه ويحرِّك سفن الإلهام الجمالي لديه. ويتجاوز تمدُّد الهيمنة التقنية البيت (الفضاء الخاص) إلى المقهى (الفضاء العام) الذي يُفتَرض أن يكون مكان تلاقي الأصدقاء أو مجلسًا لأحاديث المسامرة بين رواده. لكن المقهى احتفل بالشاشات المتلفزة أو غيرها من الهواتف الذكية ما أدى إلى تواري الحكاءين، وكأنَّ الشاعر يرثي أفول السرود الشفاهية من المقهى بإحلال التلفاز ومواده محلها، ويرثي آلية الإنسان بأثر طغيان الآلة والتكنولوجيا على هويته، فيفتقد الإنسان التلامس الجسدي الحار بدلالالته الإيمائية «لا أحدَ هنا سيهزّ ذراعي»، وتبادل أحاديث الثرثرة. تلك الأفعال التي قد تمثِّل برغم عاديتها سلوكًا يحفظ للإنسان كينونته الطبيعية، فانعدام الإيقاع الإنساني يصيب الذوات الإنسانية بالجمود والحياة بالركود والتجمُّد.
ويتكوَّن هذا المقطع من أربع فقرات تبدأ بالتبادل بـ (بالشاشات+ فعل ماضٍ) في الفقرتين الأولى والثالثة، و(لا أحد هنا+ مضارع تسويفي مبدوء بحرف السين) ما يجعل هذه الجمل منطلقات إيقاعية تؤكِّد الاستسلام الإنساني المستلب للشاشات، وفقدان الذات للآخر وأفعاله الحميمة. كما يشي تقدُّم شبه الجملة (بالشاشات) على الفعل المضارع في أول سطرين شعريين من الفقرة الأولى، وأول سطر من الفقرة الثالثة على تصدُّر الشاشات للمشهد الوجودي وقيادتها للإنسان وتحكُّمها في أفعاله. ويمضي الخطاب الشعري في تعديد الآثار السلبية لاجتياح الشاشات الإليكترونية بضراوة للحياة الإنسانية:
«لا أحدَ هنا سيميل عليك/ لا أحدَ سيفتح بابًا/ أو نافذةً/ لهواءٍ يوقظ نَخْلَكَ وعصافيركْ/ الشاشاتُ انْتشَرت مثل وباء/ وانْزَرَعتْ في الساحاتِ/ وفي الحاراتِ/ وفي أيدي الأطفالِ/ وحَولكْ»
وفي عرامة الانجراف البشري للعوالم التقنية يفقد الإنسان مشاعر التعاطف: «لا أحدَ هنا سيميل عليك»، ما يكرِّس للعزلة الإنسانية والقطيعة السلبية: «لا أحدَ سيفتح بابًا»، في شحوب للطبيعة البكر: «أو نافذةً/ لهواءٍ يوقظ نَخْلَكَ وعصافيركْ»، في استعارة تؤكِّد جمود عناصر الطبيعة لحلول الشاشات الإليكترونية محلها.
وبتأمُّل الجملة المحورية في القصيدة، التي جاءت عنوانًا للديوان: «لا أحدَ هنا سيميل عليك»، نجد الفعل «سيميل» رغم انتمائه لغويًّا إلى تكوين الفصحى إلا أنَّه يخرج من تضاعيف لاوعي لغوي أقرب للعامية وتعبيراتها ولازماتها. فالميل، كتعبير في العامية، يتشارك مع الفصحى ويحمل دلالات التلاحُم والدعم الإنساني، لذا فهو تعبير- وإن انتمى إلى الفصحى لغويًّا- يتجذَّر دلاليًّا من معجم ثقافي عامي، ربَّما تعبيرًا عن نشدان الذات حميمية مفتقدة تحسن أحيانًا التعبيرات العامية تمثيلها.
0 تعليق