ذات يوم، في أواخر تسعينيات القرن العشرين، اتصل بي أحمد أبو دهمان، وأخبرني برغبته في أن نلتقي؛ ليطلعني على أمر خاص. اتفقنا على موعد، والتقينا في أحد مقاهي الدائرة الثامنة. في أثناء اللقاء، فتح حقيبة جلدية صغيرة وأخرج منها حزمة أوراق. ناولني إياها من دون أن يتلفظ بكلمة. حملتها بين يدي وتصفحتها، ولم تكن تتجاوز الأربعين صفحة. قرأتُ الأسطر الأولى من الصفحة الأولى، ثم انتقلتُ بسرعة إلى صفحات أُخرى، متوقفًا عند مقطع هنا، وعند كلمات هناك. وبينما كنت أجمع الأوراق وأقربها من بعضها لتعود كما كانت، سمعته يقول: إنها رسالة كتبها بالفرنسية لزوجته وابنته ليعلما من هو، وما هويته، ومن أي عالم جاء، وهذا ما لم يتمكن من قوله شفويًّا في سنوات طويلة.
في ليل ذلك النهار، قرأتُ النص الذي حملته معي، وأدركتُ أنه نواة كتاب سيكون له أثر، وهذا ما نقلته إليه صباح اليوم التالي. وسمعته يردد كلمات المندهش مما أقول، المتردد في تحويل رسالة خاصة إلى كتاب مفتوح أمام الجميع. لكنه اقتنع في النهاية، وراح يحولها إلى نص أطول وأكثر غورًا في نفسه وفي مسار حياته، لا سيما مرحلتها الأولى والمشاهد البصرية التي طبعته.
منذ ذلك الحين، نشأت بيننا صداقة عميقة، كنا نجتمع خلالها مع أصدقاء مشتركين، منهم في العاصمة الفرنسية أستاذه في جامعة السوربون، المفكر محمد أركون، وفي بيروت عبده وازن، وعقل العويط، وبسام حجار، ومارلين كنعان. وكنتُ كلما التقيتُ أحد هؤلاء، يذكرني بما قاله لهم عني، وما قاله كان يفاجئني بالفعل: إن علاقته بي بدأت حين لم أتركه يدفع ثمن فنجانَي القهوة في نهاية لقائنا الأول. وحين سألته عن معنى ذلك، أجابني قائلًا: «منذ أن وصلتُ إلى باريس، وطوال سنوات عدة، ما كنتُ ألتقي بأحد، حتى وإن كان هو الداعي، إلا وأجد نفسي مضطرًّا إلى تسديد الحساب. لم يكن يستوقفني ذلك بذاته، وما أدفعه لم يكن شيئًا مهمًّا، لكنهم كانوا يشعرونني بأنه واجب علي، طالما أنني آتٍ من بلدٍ منتجٍ للنفط، أي أنهم كانوا يختزلونني بهذه الصورة فقط». وكان يحلو له أن يكرر هذه الطرفة أمام الأصدقاء.
طريقة مفتوحة على الشعر والتأمل
حين اكتمل كتاب «الحزام» وصدر عن دار «غاليمار» الفرنسية، اكتملت صورة أحمد في ذهني. فهذا الكتاب الذي يروي بطريقة مفتوحة على الشعر والتأمل سيرته وسيرة قريته الجبلية في جنوب السعودية، في مرحلة أساسية من حياته، فاضَ بأسلوبه عن الذات وعن المكان، وتجلت بصورة أعمق سعة روحه.
يقول في مستهل كتابه، وفي حديثه عن حزام، الشخصية الرئيسة، كاشفًا عن عادات وتقاليد متوارثة: «حفظتُ نسَبي استعدادًا ليوم الختان الذي نتهيأ له منذ لحظة الولادة، كأنه اليوم الوحيد الذي يستحق الحياة». القرية في مخيلة أحمد أبو دهمان تضرب جذورها في التاريخ القديم، كما تحفظ المناطق النائية أسرارها. هكذا «تم ختاننا كما يبدو على الطريقة التي كانت تمارَس منذ ألفين وخمس مئة عام».
ويتابع أبو دهمان رسمَ ملامح القرية: «روت لي أمي يومًا أن قريتنا كانت في البدء أغنية فريدة، تمامًا كالشمس والقمر، وأن الكلمات التي يمنحها الناس طاقة شعرية تطير كالفراشات، بعضها الأكثر غنى لونيًّا والأكثر جمالًا يطير بخفة لا مثيل لها».
نتبين في الرواية أن لتلك البقعة العالية أبجديتها الخاصة. المطر فيها «يصعد ولا ينزل». كأن هذا الكلام الآتي من مطارح الدهشة هو الحقيقة الفعلية، خارج ما هو محدود وثابت ومتعارف عليه. ويأتي أيضًا من قرية، منعزلة نسبيًّا، ومهددة في وجودها. هذا الواقع الغرائبي يقف على مسافة من العلم، لا لأنه بدائي أو ناقص، بل لأنه لم يُفرغ من طاقته الحُلمية، ولم يُختزل بعدُ، ولم يتحول إلى معادلات.

العلاقة بالطبيعة، في هذا السياق، علاقة اندماج لا علاقة سيطرة أو توصيف: الإنسان لا يقف قبالة الشجرة، بل معها. لا يراقب الحيوان، بل يجاوره. وهذا ما تكشف عنه الرواية من خلال تسجيلها ذاكرة القرية وأثرها الباقي في الزمن المتغير. يقول حزام: «يلزمنا أن نترك أثرًا أبديًّا في هذه الأرض، حتى لو اقتصر ذلك على تقبيل شجرة». لكن أحمد لا يردد ذلك بوصفه فكرة، بل يعيشه جسدًا وذاكرة، حين يكتب: «اغتسلتُ وشربتُ من كل الآبار والأحواض، عبرتُ القرية بكل طرقاتها المعوجة والمظلمة مغمض العينين. أحببتها وعرفتها. أعرف أين كانت الطيور تخبئ أعشاشها. أعرف حيواناتها، أشجارها، أدوات العمل فيها، أيامها، لياليها. رائحة كل فرد فيها. رائحة المطر، وزمن كل شيء».
ودع أبو دهمان قريته مرتين: الأولى للذهاب إلى المدينة القريبة حيث توجد المدرسة المتوسطة الوحيدة في المنطقة يومذاك، والثانية إلى باريس لمتابعة تحصيله العلمي في جامعة السوربون. غير أن هذا الرحيل كان أشبه بالاقتلاع، وهذا ما جاء على لسان الراوي: «كانت مغادرة القرية بالنسبة لي نوعًا من الموت لا يمكن مقاومته إلا بالماء الذي هو أصل القرية والمرجع الأمين لذاكرتها، لتاريخها، لصراعاتها، لأسرارها، ولروحها». هكذا كان هذا الوداع وداعًا لعالم البراءة والدهشة، وكذلك للحظة الشعرية الأولى التي كان أحمد يتمسك بشعاعها الأخير في كل كلمة يكتبها.
نار لا تنطفئ
صحيح أنه سافر، وانتقل إلى بلد آخر وقارة أخرى، لكن علامات المكان الأول ظلت تتراقص بين جفنيه. في إحدى المرات، وكنا نسير معًا في يوم صيفي على ضفة نهر السين، أخبرني أحمد، وكان هو نفسه مندهشًا مما يقول، أنه عندما وصل إلى هنا اكتشف الطبيب خبايا دفينة من طفولته، ووجد آثار أشواك غاصت في الجلد، وبقايا من تربة كان يمشي فوقها حافيًا، وترافقه أينما كان. وكان يقول: إنه يحتمي بها، ويحملها في نفسه كنارٍ لا تنطفئ. فِعلُ الاحتماء هنا مُسَوغٌ؛ لأن الفاصل كبير بين صِغر المكان الذي أتى منه، وبساطته المطلقة، ونمط عيشه الأشبه بطلوع الشمس وغروبها -هكذا، بلا سؤال ولا انتظار جواب- وبين مدينة بهذا الحجم، وبهذا التكوين المُركَّب والمتشعب والمنفتح على الثقافات المختلفة.
ولئن كان حزام تجسيدًا لذاكرة القرية التي حملها أحمد في جسده ونفسه -وعَبْرها كان ينظر إلى العالم ويقيس نبضه- فإن بطل روايته كان توأم روحه. وهذا ما جاء على لسانه: «لقد ولى ذلك الزمان البهي، ولم يعد من أحد سواي يحمل روح القرية ويقينها، لكنني بدوري سأموت، وليس بعدي سواك يا روحي ويقيني». وكان لأحمد أن يحمل الوديعة ويحولها إلى كتاب وشهادة.
ناثر الرياحين نثَرها في كلماته التي نُقلت إلى لغات عدة، وجعلت قريته النائية في الجبال البعيدة عند تخوم المملكة قريةً عالمية تسقط عند عتبتها الفواصل الجغرافية؛ ليصبح كل من يقرأ «الحزام» صديقًا لها ولمن كتبها.
في النصف الثاني من القرن العشرين، خلطَ عدد من كتاب أميركا اللاتينية، بأسلوب متميز، بين الواقع والمتخيل. في روايته «الجنرال في متاهته» (الجنرال هو سيمون بوليفار)، لم يقارب غبريال غارسيا ماركيز الواقع التاريخي مقاربة حرفية؛ لأن الخرافة، بالنسبة إليه، جزء من الحياة اليومية. في هذه الرواية يتحدث عن «مذكرات تحتاج كمية من الورق والحبر كافية لتغطية أربعين عامًا»، كما يتحدث عن حلم وعن «بغلة سوداء مذهبة الأسنان». وفي تحفته الأدبية «مئة عام من العزلة»، يصف النهر الذي يمر قرب ماكوندو، ومياهه التي «كانت صافية كأنها زجاج» فوق حصى بيضاء، ضخمة، شبهها بــ«بيض ما
قبل التاريخ».

يُسمى هذا الأدب بــ«الواقعية السحرية»، لكن لا يمكن اختصاره بهاتين الكلمتين. فهو لا يضع الواقع في مواجهة الخيال، بل يجعلهما يعيشان في النسيج نفسه، في مركب واحد يقلهما إلى مكان آخر جديد، لا هو الواقع ولا هو الخيال.
السحر، هنا، ليس خرقًا أو معجزة، بل جزء طبيعي من الحياة نفسها؛ لأنه لا يبدأ حين ينتهي الواقع، بل يولد من داخله، في مكمن الدهشة بالذات. وبهذا التوازن الذي يُحدثه الأدب، يفقد الخيال صفته الاستعراضية، ويغدو جزءًا من نظام العالم. وهذا كله له صلة بالمخيلة الجماعية: الحكايات الشفوية، الأمثال، المعتقدات القروية، الزراعة والطبيعة، الزمن الدائري، وحضور الأموات بين الأحياء. يقول هذا البُعد الأنثروبولوجي: إن العالم لا يُفهم هنا بالعقل التجريبي، بل بالذاكرة، وبما تراكم في الوعي الجماعي.
الكتابة، ضمن هذه الصيغة، فعلُ تواطؤٍ واعٍ مع الخرافة والأسطورة، لا بوصفهما نقيضين للعقل، بل بوصفهما ممرين إلى ما يتعذر قوله بلغة الواقع العاري.
وما يبدو في عُرف البشر أنه لم يوجد بعدُ، موجودٌ، وعلاقته بالطبيعة علاقة عضوية، أكثر مما هي عند الذين يعيشون في الحواضر ومدن الكثافة السكانية، حيث الإسمنت يغلف مساحات واسعة من الأرض والشوارع والساحات والأرصفة. ما يسمى يُختزل ويُحد. وحين نضع الكلمة على الشيء، نعتقد أننا امتلكناه، بينما نكون قد فقدنا جزءًا من ماهيته. اللغة لا تملك دائمًا القدرة على الإفصاح عما تُحيل إليه، ولذلك تكون الإشارة والعلامة، في مواضع معينة، أكثر قدرة على التعبير.
موجة أخرى
أحمد أبو دهمان موجةٌ أُخرى تُفارق الشاطئ، وتعود إلى عرض البحر، إلى الفسحة التي تتسع للأحلام الكبيرة، وتنضم إلى حبات اللؤلؤ القليلة المتبقية في أعماقه. في الرسالة الأخيرة التي وصلتني منه، أخبرني بدخول صديقنا سعيد السريحي المستشفى، واختصر الكلام بعبارة واحدة: «لكي نحزن معًا».
رحل أحمد أبو دهمان وترك لنا ابتسامته، وأحلامه الملونة، وحبه للأرض التي وُلد فيها، وجعل كتابه الوحيد شاهدًا عليه. ترك لنا أيضًا صوته في كل كلمة كتبها، وفي هذا الصوت يتردد في خاطري ما قاله الزعيم الهندي «سياتل» في خطبته الشهيرة عام 1854م: «كل صنوبرة ملتمعة، كل شاطئ رملي، كل سحابة في الغابات المظلمة، كل فُرجة مُضاءة، وكل طنين حشرة؛ كلها مقدسة في ذاكرة شعبي وتجربته. سوف تبقى الضفاف والغابات مسكونة بأرواح شعبي؛ لأننا نحب هذه الأرض كما يحب الطفل الرضيع دقات قلب أمه».
0 تعليق