وصفتان لتطوير علومنا السلوكية: الاطراد والتجريب

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية:

الاطراد والتجريب

العلوم السلوكية Behavioural والذهنية Cognitive تطورت تطورًا مذهلًا في العقود الماضية، وانتقلت من كونها: تأملات فلسفية أو خواطر نفسية أو شذرات أدبية حول «الطبيعة البشرية»، إلى علوم متحاقلة (=بينية) تعتمد على: البيانات الدقيقة والملحوظات المتراكمة والأدلة الصلبة، بما في ذلك بيانات تجريبية دقيقة عن دماغ الإنسان وبقية أجزائه الفسيولوجية.

ومن الجوانب الإيجابية اللافتة في ساحتنا السعودية وجود قدر متنامٍ من الاهتمام بهذه العلوم، وتأسيس عدد من المنظمات الحكومية لوحدات إدارية ضمن هياكلها التنظيمية؛ في محاولة لإنهاض هذه العلوم في ميادين التطبيق، كوزارة الصحة ووزارة الثقافة ووزارة البلديات والإسكان ووزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية وصندوق تنمية الموارد البشرية، بجانب تأسيس الجمعية السعودية للعلوم السلوكية.

ولكي تؤتي علومنا وتطبيقاتنا السلوكية في عالمنا العربي عامةً والسعودية خاصةً، ثمارها، فإنه من المهم إخضاع النشاط البحثي السلوكي لتفحص نقدي بقالب موضوعي؛ لأن البحث العلمي هو المبتدأ، وخبره التطبيق. وحين ننظر في اشتغالاتنا البحثية في العلوم الإنسانية عمومًا والسلوكية من ضمنها، يمكننا تحديد أبرز ثغراتها المنهجية والإجرائية، التي يمكن وضعها في أربع ثغرات كبيرة، وهي:

أولًا- الهُوّة الإبستمولوجية

تندر الأبحاث المحلية التي تتأسس على رؤية إبستمولوجية عميقة من شأنها تشكيل «العقيدة الإبستمولوجية» للباحث، حيث يغلب على أبحاثنا عدم الالتفات إلى المنظور الإبستمولوجي من حيث الأصل، وهو ما يحيل البحث غالبًا إلى ممارسة بيروقراطية ذات طابع بروتوكولي، فيسير الباحث على هدي «دليل منهجي إجرائي»، فكل خطوة تقوده إلى أختها، حتى ينتهي البحث إلى «وثيقة أكاديمية» مكتوبة بلغة متخشبة، لا تكاد تكون صالحة للقراءة. ومن شواهد الهوة الإبستمولوجية أن الباحث حين يقرر تنفيذ بحث كمي أو بحث نوعي (كيفي)، فهو لا يصدر عن «رؤية إبستمولوجية» تمايز بوعي شديد بين طبيعة المعرفة الكمية من جهة والمعرفة النوعية من جهة ثانية، وتستجلي قدر الطمأنينة التي يمكن أن يصير إليها حال تنفيذ بحث كمي أو نوعي في هذا البحث أو ذاك، وهو ما يجعل القرار باختيار منهج بعينه قرارًا بروتوكوليًّا بامتياز. فواقع الحال في كثير من الحالات أن مثل هذا القرار يكون محكومًا بتقليد ممارسات سابقة في الأدبيات المتخصصة، وربما يكون السبب براغماتيًّا صرفًا يتمثل في كون هذا المنهج هو: «الأسرع» و«الأيسر» و«الأخف».

ثانيًا- النطنطة البحثية

تتمثل في ممارسات بحثية غير منطلقة من أولويات بحثية دقيقة، فالباحث قد يعالج موضوعًا مهمًّا في جانب العلوم السلوكية، غير أنه ما يلبث أن يرتحل إلى موضوع آخر، وقد يكون الباعث على الاشتغال البحثي باردًا، كالحصول على ترقية علمية أو الوفاء بمتطلب الكلية أو القسم العلمي في الإنتاج البحثي أو الظفر بمكافأة مالية، وما شابه. والممارسة البحثية المؤسسية ليست بأحسن حال في هذا الصدد، حيث لا نكاد نجد مؤسسة حددت أولويات بحثية وفق محددات دقيقة، ثم استمرت على هذه الأولويات لعدة عقود؛ إذ هي الأخرى مبتلاة بالنطنطة البحثية أيضًا. وقد يكون دافعها السير وراء «الموضات البحثية»، أو أن ذلك يحدث فقط لكون الفريق المسؤول عن الأولويات البحثية قد تغير، فتغيرت القناعات والاهتمامات، وربما المصالح!

ثالثًا- الشكلانية البحثية

يغلب على أبحاثنا الإنسانية ومن ضمنها السلوكية الانطلاق من «مقاربات شكلانية»، حيث تلامس الموضوعات السلوكية: المركبة المبهمة المعقدة بمعالجات بحثية ضعيفة، ومن شواهد ذلك انتشار الأبحاث الكمية السطحية، التي تفي بمتطلبات شروط «الورقة الأكاديمية» ظاهريًّا من حيث البناء الهيكلي للورقة، بيد أنها تعجز عن الغوص في عمق الإشكالية السلوكية، وتفشل في الخلوص إلى نتائج معمقة متماسكة ذات تفسيرات سياقية مقنعة. نعم، البحث الكمي السطحي هو المتسيد، حيث يقوم الباحث بتبني «استبانة» ينسخها عادة من بحث سابق، ويوزعها على عينة عشوائية لتكون «ممثلة» للمجتمع وفق مزاعم المدرسة الكمية، ويحللها إحصائيًّا أو تُحلَّل له، ويرصع البحث بجداول رتيبة تعكس نتائج إحصائية صماء، ثم يتبعها بتوصيفات مكرورة لا قيمة لها، سوى أنها «تسمّن» البحث وتجعله في مصاف الورقة القابلة للنشر. ويبدو أن نسبة كبيرة من هذه الأبحاث في العالم، لا يقرؤها سوى أربعة أو خمسة، هم: الباحث ومحرر المجلة ومحكما البحث.

رابعًا- الاستهلاكية البحثية

العلوم السلوكية هي «علوم سياقية»، أي أنها تتأثر بشكل كبير بثقافة المجتمع ورؤيته الكلية وسردياته الكبرى، وهو ما يجعل من الصعب استيراد المصطلحات والنظريات أو النماذج من بيئة ثقافية مغايرة، والزعم بأنها صالحة تمامًا للمجتمع المنقولة إليه. ونظرًا لضعفنا في سبك المصطلحات التي تلائمنا وتقصيرنا في بناء نظريات علمية ونماذج تفسيرية، فإننا نبرر لأنفسنا النهج الاستيرادي الببغائي، زاعمين أنها «مفاهيم إنسانية كلية» أو «كونية». وهذا غير صحيح، والدليل يقوم على خلافه. وهذا لا يعني بطبيعة الحال أنني أقول: إن كل المصطلحات والنظريات والنماذج المنقولة غير مناسبة جُملةً وتفصيلًا، كلّا؛ إذ فيها ما قد يكون مناسبًا لاحتوائه على «مكون كلي مطلق متعال»، غير أن ذلك يحتاج إلى «نخل» و«التقاط» دقيقين، وهذا ما لا يطيقه من تقوم تجارته البحثية والمعرفية على الترجمة والنقل، بل قد يمارس جانبًا من الاستعراض المعرفي!

ولكي ننهض بعلومنا وتطبيقاتنا السلوكية، فإن علينا تأسيس عقول بحثية جادة رصينة، تمتلئ بالمنهج وتكتنز بالشغف وتُصقل بالمراس وتتهذب بالصدق، قولًا وبحثًا وتطبيقًا. ولعلي أركز فيما تبقى من مساحة هذا النص على وصفتين إبستمولوجيتين منهجيتين مع المزج بين التنظير والتطبيق، وهما:

وصفة الاطراد

هذه الوصفة قائمة على تعريفي للعلم، حيث إنني أرى أن «العلم هو محاولة القبض على الاطراد في العالَم». لا يمكن أن يكون للنشاط البحثي أثر إيجابي ملموس دون أن يتأسس على فكرة الاطراد؛ إذ بدون الاطراد يفقد العلم هُويته، ويتحول إلى نشاط معرفي آخر، كالفلسفة أو الأدب أو حتى الأساطير. ولكي تتضح هذه الفكرة بشكل مختصر، دعونا نتأمل في هذا التوصيف التحليلي:

يمثل الدين المرجعية النهائية ويشكل الرؤية الكلية تجاه الإله والإنسان والكون، ويجسد التوحيد في الإسلام الركن الركين للعلم من وجوه وجودية (أنطولوجية) وإبستمولوجية وغائية وأخلاقية، كما في هذه الآية القرآنية العجيبة المكثفة: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ [الأنبياء:22]. ويتعذر الحصول على معرفة صحيحة متماسكة بدون اطراد في العالَم، ولا يمكن لهذا الاطراد أن يحدث دون وجود خالق واحد لهذا العالَم وفق إرادته وحكمته وقوته المطلقة، فيكون الخالقُ بذلك هو أصل المعرفة؛ مما يؤسس مبدأ المعرفة المطردة، ويعد هذا المبدأ شرطًا لصحة المعرفة وتماسكها؛ إذ لا تستقيم معرفة دون اطراد مؤسَّسٍ على التوحيد الخالص. وهذا ما يجعلنا نصل إلى قانون القوانين في المعرفة، ومفاده: «لا معرفة بدون اطراد، ولا اطراد بدون توحيد». وهذا القانون يقر بأن مثل هذا الاطراد لا يسع أحد الخروج عنه، فهو مُلزمٌ فطرةً وعقلًا وواقعًا. ويمكن لنا أن نتبين كون التوحيد ركنًا في مشروعية وصول الإنسان إلى معرفة مطردة أي منتظمة تحدث بشكل مستمر وفق قوالب محددة، عبر أربعة أنواع من المشروعية:

المشروعية الوجودية، وذلك أن وجود إله واحد -سبحانه وتعالى- هو الضمانة الوحيدة لوجود عالَم متماسك متناغم، وهو ما يمنحنا الفضاء الوجودي للعلم (=الإمكانية الوجودية)؛ إذ لا يمكن تصور وجود علم في فراغ، وعليه فإن هذا العالم المتماسك المتناغم هو الميدان الذي يتحرك فيه الانتظام (=الاطراد).

المشروعية الإبستمولوجية، فوجود إله واحد هو الضمانة الوحيدة لوجود الاطراد في العالَم (=تماسك العالم المدرَك) من جهة، بجانب الاطراد العقلي أي وجود قبليات ذهنية تضمن فهمًا موضوعيًّا يحظى بالعمومية والقبول لدى الناس بمختلف أجناسهم وعقولهم وأديانهم وتخصصاتهم كمبدأ الهوية ومبدأ عدم التناقض ومبدأ السببية ومبدأ أن الكل أعظم من الجزء (=تماسك العقل المدرِك) من جهة ثانية، وذلك أن المعرفة لا تكون ممكنة للإنسان وأن العلم لا يعمل إلا بوجود مبدأ الاطراد في الطبيعة والعقل معًا (=الإمكانية الفلسفية)، وهو ما يقضي بالقبض على النمط العام Pattern، وهذا الاطراد «الموضوعي» لا يمكن أن يتأسس إلا على التوحيد.

المشروعية الغائية؛ إذ بدون غاية سامية، يمكن للعلم أن يستبد ويتغول ويعيد سردية فرنكشتاين، حيث يخرج الوحش ويتمرد على صاحبه، وهو ما يؤسس لهذه المشروعية (=الإمكانية الغائية).

المشروعية الأخلاقية؛ إذ لا يمكن للعلم نفسه أن يرسم حدود كونه أخلاقيًّا في انطلاقاته وتطبيقاته المتنوعة في مختلف الحقول والموضوعات، وهو ما يؤسس لهذه المشروعية (=الإمكانية الأخلاقية). ويتأكد هذا الجانب بعد دخول العلم المعاصر في مجالات يمكن أن تُحدث تأثيرات خطيرة في الإنسان والطبيعة، مثل: أبحاث الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي.

وصفة التجريب

يعد المنهج التجريبي من أهم المناهج التي توسلت بها العلوم السلوكية الغربية، وقد نتج عن ذلك فهم لجوانب أساسية من الطبيعة البشرية، وإن كانت نسبة من هذه الأبحاث استغلت للأسف في مسار غير أخلاقي، كاستغلالها في بعض تطبيقات الاقتصاد السلوكي والتسويق العصبي من أجل التأثير في قرارات الشراء وزيادة الاستهلاك دون حاجة، بل خلق الشخصية الاستهلاكية، ضمن نموذج يجعلها تقتات على «سرديات صغيرة منمنمة» مثل: سردية الموظف الفائق، سردية الجسد الفائق، سردية الغني الفائق، سردية الصيت الفائق (للمزيد، انظر كتابي: مصائر قيد التحقق).

وبالنظر إلى خطاطة أبحاثنا في العلوم الإنسانية والسلوكية من ضمنها، نجد أن الأبحاث التجريبية الرصينة تكاد تكون منعدمة. بل إنني ألحظ تأهيلًا ضعيفًا في المنهج التجريبي لدى الباحثين من أكاديميين وغيرهم. وهذا ما يدعو إلى إيجاد برامج تكوين في المنهج التجريبي، بل ابتعاث طلبة للتخصص في هذا المنهج في إطار العلوم السلوكية؛ لكي يحكموا تصاميمه المنهجية وقوالبه التجريبية وممارساته التطبيقية، وهو ما يحول دون الوقوع في أخطاء تشوه نتائج التجارب المطبقة.

ومن المبادرات العملية في هذا الاتجاه، تجهيز معامل لتقنية التصوير الرنيني المغناطيسي الوظيفي (fMRI) وإتاحتها للباحثين الجادين ضمن بروتوكول دقيق. وهنا أشير إلى أنه قد زادت في المدة الأخيرة أهمية هذا التصوير، حيث نمت الحركة البحثية في عدة حقول، ومن ذلك البحوث المتخصصة في التربية Educational fMRI، ضمن بحوث تتوسل بالمنهجية التجريبية، حيث تمكِّن هذه التقنية من تحديد التغيرات التي تطرأ على الدماغ من جراء تعرض الإنسان (المتعلم/الأستاذ/المدير/الموظف) لتجربة تعليمية أو إدارية معينة، الأمر الذي يرفع من دقة عزو النتائج إلى أسباب محددة، مع إمكانية تفعيل بعض التحليلات الإحصائية المتقدمة مثل GLM والسلاسل الزمنية. ويمكن لمبادرة كهذه إن هي دعمت أن تكتسب أهمية كبيرة، نظرًا لضعف تفعيل البحوث التربوية التجريبية في البيئة العربية ومنها البيئة السعودية، وهو ما يسهم في تحقيق ريادة بحثية في هذا المجال. ومثله في مجال الاقتصاد السلوكي، فمن يحرك ساكن البحث التجريبي بخطوات عملية ملموسة؟!

اللغة والقيم العابرة… مقاربة لفك الرموز

اللغة والقيم العابرة… مقاربة لفك الرموز

القيم تَعْبُرُ المجتمعات والثقافات (= عبور عَرَضي)، وهي أيضًا تعبر الأزمان والأوقات (= عبور طولي). هذا العبور مَحُوطٌ بالعديد من الأسرار والإشكاليات من جهات تأسيسية عديدة، ومن تلك الجهات دور اللغة. وفي هذا النص المختصر، نقدم مقاربة مكثفة للإجابة في قالب أولي عن هذا السؤال الكبير: هل العبور يُفرض على اللغة فرضًا، في باحات العالَم التواصلي وساحات السرديات الكبرى والصغرى، مما يضطرها لحمله في تعبيراتها الصريحة والمضمرة على حد سواء؟ أم إن اللغة تؤدي دور الميسِّر أو المهرِّب لمثل هذا العبور؟ أم إن ثمة موقفًا مركبًا سياقيًّا متنوعًا بتنوع الثقافات وأشكال العبور؟

سأقدم مقاربتي الصغيرة عبر محاور مكثفة متوالية:

أولًا- الإنسان «كائن عبوري»

نعم، الإنسان «كائن عبوري» بامتياز، وذلك أنه يمارس العبورَ بأقدار وأشكال متنوعة، ويمكننا صب هذا العبور في قالبين كبيرين، وهما:

القالب الأول: العبور الوجودي «الأنطولوجي» الأول:

حيث يعبر الإنسان من العدم إلى الوجود، ولا يعبر إذ ذاك إلا وهو مسلَّح بقبليات ذات طابعين: روحي، وذهني، وتؤسس هذه القبلياتُ منصاتٍ صلبةً للانطلاق والتفاعل مع العالَم. وبعد تشكل هذا العبور الوجودي، يكون الإنسان إزاء عبورات عديدة، ومن أهمها ما يلي:

العبور اللغوي: حيث يرتحل الإنسان من ذاته إلى العالَم؛ إذ إنه يتجاوز اللغة الحسية المتمحورة حول ذاته ليصل إلى تخوم لغة تجريدية حوَّامة حول عالم أكبر من ذاته وأكثر تعقيدًا، وتنمو ذخائره وملكاته اللغوية بالوقت والتنشئة والمِراس، وبهذا يَفتح باللغة كُوةً في جدار الوجود؛ لينفتح له العالَمُ ببعض تجلياته وأسراره، وذلك بحسب حجم الكُوة وموضعها.

العبور الإبستمولوجي: حيث يرتحل الإنسان من ذاته إلى الموضوع، في رحلة تحسس للعالَم الخارجي وتعقل له، ويعود المرة بعد الأخرى إلى ذاته مستكشفًا ملكاته العقلية وأدواته الحسية، ليغنم مزيدًا من المعرفة حول ذاته وحول العالَم، وليصنع له قدرًا كافيًا من الطمأنينة والسعادة، إن شاء ذلك، وإلا فالتيهُ والشقاءُ، و«هديناه النجدين»، فـ«كل نفس بما كسبت رهينة».

العبور المعنوي الفكري: كل ما سبق من العبور يمهد لمرور أفكار وثقافات وقيم وهُويات من بيئة إلى أخرى بشكل أو بآخر، وذلك أن الإنسان قد يكون عرضة لتغيرات بِنيوية في عقله أو روحه أو وجدانه أو جسده، كما أنه قد يُلمُّ بغموض ينغِّص عليه تفكيره، أو بشظف ينشِّف به معاشه، فيكون بهذا محتاجًا أو متهيأ لاستقبال فكرة أو ثقافة أو قيمة أو هُوية بقدر صغير أو كبير.

القالب الثاني: العبور الأنطولوجي الثاني:

وهذا عبور من وجود إلى وجود، بيد أن الوجود الأول هو «وجود عمل»، وأما الثاني فهو «وجود جزاء»، ويعد الثاني شرطًا للأول بل ركنًا له، حيث إنه يدخل في ماهيته عبر القبليات التي أومأنا إليها آنفًا؛ إذ لا يتصور وجودُ عمل إنساني صالح دون إيمان بجزاء عادل، إن ثوابًا أو عقابًا. وهذا العبور له شأن خاص من وجوه عديدة، وهو ما يعيدنا إلى التعارك مع العبور الأنطولوجي الأول بتفريعاته المتنوعة المربكة.

هذه إلمامة خاطفة بفكرة العبور وتجذرها في حياة الإنسان، وهو ما يمنحنا مُكنة للانتقال إلى معالجة قضيتنا المركَّبة؛ إذ إننا نستكنه طبقات العبور القيمي والهُوياتي ودور اللغة فيه، كما في المحور الموالي.

ثانيًا- الفكرُ قابلٌ للعبور

هل تملك الفكرة أو القيمة أو الهُوية إرادةً أو ميزةً تحركها من بيئة إلى أخرى (= عبور عرضي)، أو تزحزحها من أزمنة إلى أخرى (= عبور طولي)؟ من الجلي أنها لا تملك إرادة، فهي لا تتوافر على العقل والحرية، وهما شرطا الإرادة، ولكنها قد تملك ميزة تتحرك عبرها. حسنًا، لنقف قليلًا عند هذه الميزة المحتملة، أهي ميزة جوانية أم برانية؟

عند النظر والتحقيق، يمكن القول: إن الفكرة والقيمة والهُوية لها ميزتان:

الميزة الأولى: جوانية من جهة الفاعلية: وهذه هي الأخطر في سياقنا هذا؛ إذ إن لها كاريزما متشكلة من جراء انتظامها وجمالها الداخلي، وهو ما يخلق لها قدمين قويتين، فتطيق إذ ذاك المشي وتجاوز الحدود وربما قفز الحواجز، ولا سيما إن هي أبرمت عقدًا مع اللغة، حيث تملك اللغة ركائب الإقناع ومطايا الإمتاع، وهو ما يؤمِّن لها خاصية العبور العرضي من ثقافة إلى أخرى، وخاصية العبور الطولي من زمان إلى آخر.

الميزة الثانية: برانية من جهة المفعولية: فالفكرة والقيمة والهوية مطواعة بيد صاحبها، حيث إنها لا ترفض أن تُنقل من موضع إلى آخر، وقد تمارس قدرًا من التواطؤ عبر إعادة تشكلها بطريقة تيسر تبيئتها بشكل مضمر أو معلن، وقد لا تكون في ذاتها جاذبة، مما يحيل إلى دور خطير تنزلق إليه اللغة، حيث تقوم بدور «المهرِّب»، فتلوذ بلغة رمزية مشفرة، أو باطنية ملغمة.

ثالثًا- نموذج العبور

إذا تقرر ما سبق، يمكننا رسم نموذج يعكس حالات أو مستويات العبور، وذلك بالنظر إلى عاملين اثنين، وهما: مدى جاذبية الفكر، ومدى رشاقة اللغة.

وبتفاعل هذين العاملين ينتج لدينا أربعة احتمالات، وهي:

الاحتمال الأول: عبور كبير، ويحدث حينما يكون الفكرُ جذابًا واللغةُ رشيقة.

الاحتمال الثاني: عبور متوسط، ويحدث حينما يكون الفكرُ جذابًا واللغةُ غيرَ رشيقة.

الاحتمال الثالث: عبور محدود، ويحدث حينما يكون الفكرُ غيرَ جذاب واللغةُ رشيقة.

الاحتمال الرابع: عبور منعدم، ويحدث حينما يكون الفكرُ غيرَ جذاب واللغةُ غيرَ رشيقة.

قد يبدو هذا التحليل منطقيًّا ومعقولًا إلى هذه اللحظة، ولكن ماذا لو زدنا في تركيب المسألة، فأدخلنا عامل مشروعية/ خيرية الفكرة؛ هنا سنجد أنفسنا إزاء احتمالات أكثر تعقيدًا وتنوعًا من الاحتمالات الأربعة السابقة. ولكيلا نكثر من الاحتمالات، نتوجه لتصنيف المجتمعات الإنسانية المعاصرة إلى نوعين، اتكاء على فكرة المرجعية وفقًا لعبدالوهاب المسيري:

النوع الأول: مجتمعات المرجعية المتجاوزة.

النوع الثاني: مجتمعات المرجعية الكامنة.

في المجتمعات الأولى، نجد أن الاحتكام يكون لسلطة أعلى من الإنسان، في حين يجري الاحتكام في الثانية إلى سلطة الإنسان نفسه. ولذا، فمن المنطقي أن يكون العبور عسيرًا أو محدودًا في المجتمعات الأولى بعكس المجتمعات الثانية. هذا تحليل مبسط جدًّا، ولذا فهو ساذج ولا يصلح من ثمَّ أن نعوِّل عليه في الخروج بنتائج معمقة واضحة، وذلك أن المجتمعات المعاصرة باتت معرضة إلى حد كبير لهندسة تُغيِّر إعداداتِها الفطريةَ وأسلاكَها القبْلية؛ وفق نموذج سائد مهيمن، وهذا النموذج يخدم سوقًا ضخمة تلقف كل شيء، فالسوق بات المرجعية الخفية الذي يحدد للإنسان المعاصر: المقبول من المرفوض، الحسن من القبيح، النافع من الضار، القيّم من التافه؛ في سياق يجعل من الاستهلاكية المادية فكرةً سامية، ومن اللذة الحسية قيمةً سامقة، ومن الشخصية «الوظيفية» هُويةً شامخة، ولذا أصبح من الممكن تسويق كل شيء، فمثلًا الشذوذ الجنسي، بات «مثلية جنسية» و«خللًا جينيًّا» و«حرية شخصية» و«موقفًا وجوديًّا تحرريًّا»، وتورطت اللغةُ «شذوذذاك» (نحت جديد على غرار حينذاك) في مسايرة من يقلب ميزان معانيها ويعكس بوصلتها الدلالية، فكانت التهمة أن أخرجوهم من القرية؛ «إنهم أناس يتطهرون». وقد تَعمِدُ بعضُ الأفكار إلى خرم المبدأ الصلب المؤسس للغة وهو مبدأ «المدلول المتجاوز» -وفق تحليل المسيري- وهذا المبدأ هو الذي يمنحُ اللغةَ تماسكَها، وهو «الإله»، حيث يمنح اللغةَ معانيَ ثابتةً تكون بمنزلة عمود الخيمة وأطنابها، وإلا سقطت اللغة في «الأبوريا»، وهي هُوة لا قاع لها؛ إذ نكون إزاء مدلولات لا خطام لها ولا زمام، وربما تحضر الفكرة العدمية التي تقرر «إرجاء المعنى» أو «المعنى المؤجل»؛ ليتحول الإنسان إلى كائن مؤجل لأجل غير مسمى.

ولو عدنا إلى العصر الحديث، لألفينا نموذجًا رأسماليًّا نيوليبراليًّا، يجهد لأن يعبر كل شيء ويباعَ فيه كل شيء. ومن الطرائف أن مفكرًا اقتصاديًّا غربيًّا في معرض نقده للرأسمالية، يقول: إنها نظام مراوغ يربح من كل شيء، حتى من الشيوعية ذاتها؛ إذ تقوم هذه الرأسمالية ببيع مئات الآلاف من قمصان تحمل صورة تشي غيفارا، ثم تربح من الهجوم على هؤلاء «الأوغاد» في شبكات التواصل الاجتماعي وهكذا دواليك؛ إذ هو نظام مصمم على مبدأ «حركة لا تتثاءب»، ومن هذه الحركة يتولد رأس المال وينمو ويتغوَّل ويتألَّه.

إن إمبريالية النموذج المهيمن تجعل من شعب ما عبارة عن كينونة في عالَم ليس هو عالَمه، وربما وصل «كائن معبور» في «عالم معبور» في لحظة تأمل وتجلٍّ في كونه معبورًا إلى أن يقول: إنني أتحسس رأسي: من أنا وما عالَمي؟، ولمن أتحدث؟ وكيف أتحدث؟ وماذا عسى قومي أن يفهموا من حديثي هذا أو ذاك؟ إنها غربةُ كينونةٍ وكينونةُ غربة. إننا غرباء نحتل عقولنا وأرواحنا وأجسادنا!

أمام مفترق طرق ولعلي أختم بفكرة ذات علاقة، قررها فتحي المسكيني، بقوله: إن «العالم كف عن أن يكون متاحًا لجميع اللغات»؛ إذ صار يمر عبر شاشة منمَّطة كولونيالية معولمة (انتهت الإحالة). إن العالم ظل وسيظل مفتوحًا لمن يتفهمه ويُحسن فك شفراته، ولمن يدفع كُلفة تشكيله وتمرير أفكاره وأنساقه وفق رؤيته الكلية وسردياته الكبرى و«مصيره المشتهى»! إن البشرية أمام مفترق طرق في حقيقة الأمر، فإما أن تستعيد وعيها بالمرجعية المتجاوزة وفطرتها الخيّرة المبدعة، أو أن تنحدر في منزلق «دعه يعمل، دعه يمر»، أو لنقل: «دعه يعبر» وفق مقاربات قد تتنوع في الظاهر وتتحد في الجوهر.

وأخيرًا، أحسب أننا مطالبون بتطوير مناهج بحثية لتحليل تورط اللغة بتمرير أفكار معطوبة وقيم عَدَمية وهُويات رديئة، فمن يتصدى لمشروع إنساني خيِّر نبيل؟ وضمن هذا المنهج البحثي المنشود، أحسب أننا بحاجة ماسة ماسة ماسة ثلاثًا إلى تفعيل فلسفة التاريخ؛ إذ هي القادرة على رشوة التاريخ ليذيع لنا أسراره، وهي القادرة على إيقاع العلة التاريخية في فخ الاستنتاج، وهي القادرة على طلاء التاريخ بطلاء التحضر، أو بطلاء الانحطاط، ولنتذكر دومًا أن الماضي هو ماء الحاضر، وأن الحاضر هو جنين المستقبل، وأن التاريخ هو مجرد مسرح للفعل الإنساني الحر في ظل إرادة مطلقة عليا. ويبقى السؤال المركب المعقد: كيف تنتقل الثقافات المعبورة إلى ثقافات عابرة؟!