حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

ما مستقبل الشعر؟

لا يسأل المرء عن مستقبل ما لم تتزعزع ثقته به، ولا يتأمل مصير ما لم يُخَيَّل إليه أن الظلال بدأت تُزاحم الضوء؛ لذلك يبدو سؤال مستقبل الشعر أشبه بقلق طارئ، أو رعشة خاطفة تصيب يدًا تمسك بقنديل لم يُطفأ يومًا، حتى حين بدا وهجه ضعيفًا في أعين من ظنوا أن الأنواع الأدبية الأخرى تملك قدرة أعظم على أسر القارئ. ومع ذلك، يظل الشعر، بصفته أقدم مرايا الروح وأشدّها حساسية، أقلّ الفنون عُرضةً للاندثار؛ لأنه ليس ترفًا لغويًّا، بل حاجة نفسية تقف بين جمال مرجوّ ونجاة ممكنة.

ولعلّ التمعّن في هذا السؤال يمنحنا فرصة لقراءة مشهد الثقافة العربية كما هو: متسع، متداخل، ومفتون بتجارب سردية تنافس حضور القصيدة، لكن دون أن تزيحها من مكانها العميق في ذاكرة اللغة والوجدان.

الشعر كوعي أول لا ينقضي

ليس الشعر عابرًا في تاريخ العربية؛ إنه الوعي الأول الذي شكّل حساسية التعبير وشكل الذائقة وعمّق قدرة الذات العربية على الإصغاء لنبضها الداخلي. فهو الذاكرة التي لطالما سخّرت اللغة لإضاءة ما لا يُرى، ورفع ما لا يُسمّى، وتثبيت المشاعر التي تتقافز في أعماق المرء ولا تجد غير الوزن أو الصورة أو الإيقاع ليكون ظلًّا لها في العالم.

لهذا يبدو سؤال المصير غريبًا عن طبيعة الشعر نفسها. فالكتابة التي تولد من حاجة الإنسان إلى تسمية خساراته، وترميم هشاشته، وتثبيت ما يوشك أن يفلت من قبضته؛ كتابةٌ لا تنقرض؛ لأنها تتغذّى من المصدر الذي لا يجفّ: الحاجة الإنسانية ذاتها.

وما دام المرء لا يعيش بلا ذاكرة، ولا يتقدّم بلا خيال، ولا يشفى بلا اعتراف، فالشعر يظلّ قائمًا كضرورة لا يمكن أن يُستبدَلَ به أي سرد آخر مهما غلب على الساحة.

الرواية وتوهّم الإزاحة

من الطبيعي أن يتقدّم جنس أدبي ما، وأن يخطف اهتمام الجمهور والنقاد؛ لأن الذائقة العامة تتبدّل تبعًا للإيقاع الاجتماعي، وتبدّل طرق العيش، وحاجة الناس إلى القصص التي تشبههم. وقد شهدت المنطقة العربية، خلال العقدين الأخيرين، طفرة روائية لافتة؛ جوائز مغرية، دُور نشرٍ تركّز على الرواية، قرّاء يبحثون عن حكايات واسعة لا تختصر العالم في بيت أو صورة. غير أن صعود نجم الرواية لا يعني أفول نجم الشعر، بل يكشف عن رغبة في قراءة الوجود من زاوية أخرى. فالحياة لا تُرى من نافذة واحدة، ولا تعبّر عن نفسها بلغة وحيدة. وإذا بدت الرواية قادرة على احتواء التفاصيل الكبيرة، فإن الشعر يحتفظ بقدرته على التقاط الدقائق التي تفلت من عيون الساردين، تلك الدقائق التي لا تُقرأ إلا بنبرة مكتوبة بدم القلب.

ومن اللافت أن كثيرًا من الروائيين العرب، مهما ازدحمت صفحاتهم بالحكايات، يعودون إلى الشعر عند محطات الخوف، والغياب، والفقد، والدهشة. كأنما الرواية تُصاحبهم في النهار، فيما يترك لهم الشعر نافذة الليل.

القصيدة في زمن التشتت: مقاومة داخلية

الشعر لا يموت لأن كثافة العالم لا تخيفه. بل على العكس، كلما تعاظم التشويش حولنا، احتاج المرء إلى شيء لا يعتمد على الخوارزميات ولا يُقرأ بعينٍ متعجلة. قصيدة واحدة قد تعيد التوازن إلى الروح حين يتكاثر الضجيج ويضيق الهواء. وهي في ذلك تُمارس أعمق أنواع المقاومة؛ مقاومة تُبقي الإنسان يقظًا تجاه مشاعره، غير قابل للابتلاع الكامل من قبل السرعة أو الخوف أو الاستهلاك.

وهذا ما يفسّر عودة الشباب إلى الشعر، على الرغم من الزعم المستمر بزوال جمهوره. فالحكايا الواسعة تُقرأ لأجل المتعة، بينما تُقرأ القصيدة لأجل النجاة. ومن يبحث عن نفسه، لا يذهب إلى النصوص الطويلة أولًا، بل إلى الجمرات الصغيرة التي تشبه نبضًا مكتومًا ينتظر الإصغاء إليه.

لو أغمض المتلقي عينيه دقيقة واحدة لاسترجاع مشهد واحد من حياته دون أثرٍ شعريٍّ ما فلن يَجِدَ؛ لأن الشعر ليس فقط ما يُكتب على الورق، بل ما يتشكّل في النظرات، وفي الشرود، وفي الحزن الذي يسكن الملامح، وفي الكلمات التي تتردّد على اللسان حين تعجز اللغة العادية عن تثبيت انفعال حقيقي.

إنّ القصيدة تعيش في الوعي اليومي بطرقٍ لا يستوعبها مَن يقيس الثقافة بعدد منشورات المكتبات فقط. فهي تتسرّب إلى الذاكرة مثل الموسيقى؛ لا يُشترط أن يكون المرء شاعرًا ليتذوّق إيقاعها. يكفي أن يكون صاحب قلب حيّ، وعينٍ تقرأ ما بين الكلمات، ووجدانٍ يعرف أنّ أعلى أشكال الفهم تأتي حين تتخفّف اللغة من ثقلها وتصبح أقدر على التعبير عما لا يُقال.

مستقبل الشعر… أم مستقبل القارئ؟

ليس السؤال الحقيقي: هل سيبقى الشعر؟ السؤال الأعمق: هل سيبقى القارئ قادرًا على الإصغاء لجمالٍ شديد الكثافة؟ وهل يستطيع الحفاظ على مهارته القديمة في التوقّف أمام بيتٍ واحد ليعيد ترتيب علاقة قلبه بالعالم؟

الشعر يطمئن نفسه لأنه يعرف جذوره. أما القارئ فيحتاج إلى تذكير دائم بأن اللغة التي تُهذّب انفعالاته لا تتطلّب وقتًا طويلًا بقدر ما تتطلب انفتاحًا صادقًا. فمستقبل الشعر مرهون بمستقبل الحساسية الإنسانية، لا بالإحصاءات والدوريات والمهرجانات. ولأن الشعر ليس مشروعًا مؤسسيًّا بل علاقة فردية جدًّا بين ذات وقصيدة، سيظلّ حيًّا ما دام هناك قلب واحد يبحث عن عبارة تحجب عنه اليأس، أو توقظ فيه دهشة مؤجلة.

يُخيّل إلى كثيرين أنّ الأمواج الكبرى التي تصنعها الرواية ستبتلع القصيدة، لكنه تخيّل لا يصمد طويلًا. فالشعر لم يَبْنِ مَجْدَه على الصخب، بل على الصمت العميق الذي يمنح الكلمات وزنها الحقيقي. وكل زمن له لغته التي يحب، لكن الشعر ظلّ اللغة التي يحتاجها المرء؛ كي يفسّر لنفسه ما يعجز عن شرحه للآخرين.

لذلك يبدو سؤال المستقبل عدميًّا؛ لأن الشعر لا يتطلّع إلى الغد كمن يبحث عن فرصة للبقاء؛ إنه موجود أصلًا في كل لحظة يتساءل فيها المرء عن معنى ما يشعر به. وما دام هذا السؤال لا يتوقف، فحضور الشعر لا يتراجع.

فالقصيدة، في نهاية المطاف، ليست نصًّا فنيًّا فقط، بل مساحة للنجاة. ومن يبحث عن نجاته لا يسأل عن مستقبلها، بل يجدها، كلما اقترب من نفسه خطوة واحدة، واقفة عند الباب، تنتظر أن يفتح لها.

إذا كان ثمة ما يستحق الطمأنينة اليوم، فهو أن الشعر باقٍ لأنه يكتب من مكانٍ لا يعرف الزوال: حاجة الإنسان العميقة إلى أن يجد في اللغة مرآةً صادقة لقلبه، مهما تبدّلت الأزمنة وازدحمت الأجناس الأدبية.

النسوية.. أو صورة المرأة ككائن استفزازي

النسوية.. أو صورة المرأة ككائن استفزازي

‏لقد تحولت المرأة إلى قضية منذ أن بدأ الوعي بأهمية مناقشتها؛ إذ ظلت دائمًا وبمختلف تجلياتها، مفهومًا غامـضًا ليس لعدم وضوح ما يشير إليه وحسب، ولكن لتعمد كثيرين ممن تناولوا هذا المفهوم أو تماسُّوا معه أن يظل غامضًا حتى يظل متسعًا لكثير من الرؤى المختلفة بل المتناقضة أحيانًا. فالنسوية والكتابة، والنسوية والنقد النسوي، إضافة إلى مفردات أخرى قريبة منها تتداخل في كثير من الكتابات وتبدو، في صورها المتداخلة أو المستقلة على حد سواء، تعبيرًا جليًّا عن شكل التداخل وحجمه الذي تتعرض له القضية المركزية وتفرعاتها الكثيرة. أما إذا قدر لنا أن نتماسّ مع كل هذا في إطاره العربي، فلنا أن ننظر لهذا التداخل ذي الطبيعة الإشكالية بحجم مضاعف، إضافة إلى ما يحيل إليه هذا الإطار العربي للقضية برمتها من أسئلة فرعية أخرى تتعلق بصورة المرأة ككائن استفزازي في المجتمعات العربية الراهنة بالذات.

ولكن بغض النظر عن طبيعة هذه الاختلافات والتداخلات، وقريبًا من فهمنا لها في الوقت نفسه نستطيع الإشارة إلى أن كل ما يتعلق بالحركة النسوية الحديثة، وبالمرأة كقضية، وبالمفهوم ككل، تخطى الآن، بل منذ عقود عديدة، مرحلة الاعتراف به، وأخذ يتوغل في مختلف مجالات اهتمام المرأة. فالحركة تشق طريقها باستمرار، وكانت دائمًا في قلب مرحلة الحداثة، حتى تشكل الجسر الثقافي شبه الوحيد للمرأة للمشاركة في «معركة» ـ وأُصرّ على كلمة معركة – ما بعد الحداثة بعد أن ماتت المذاهب الكبرى التي ادعت اهتمامًا بقضايا المرأة في إطار تفسير شمولي مجد النزعات الوصفية والعلمية والعقلانية من دون أن تشعر المرأة بأن التمييز ضدها قد توقف.

شمولية الخطاب

والنسوية بدورها تتحفظ أيضًا على شمولية الخطاب، وترفض التحديدات المسبقة وتشارك حركة ما بعد الحداثة في هذا التوجه. ولا يضير النسوية كحركة كونها نزعة ثقافية تناصر المرأة، كما لا يضــيرها أن تشارك معها؛ لأن نهاية عصر الحداثة أظهرت أن المساواة الثقافية هي منطلق كل مساواة بعدما لمست المرأة أن المساواة القانونية التي حصلت عليها أحيانًا، وما زالت تحارب للحصول عليها أحيانًا أخرى، لم تُلغِ التمييز ضدها، إضافة إلى أن التعليم والاستقلال الاقتصادي والخروج من المنزل، وهي إنجازات أو حقوق مما كانت المرأة تظن أن التحصل عليها سيساهم في رفع الغبن الاجتماعي العام عنها لم تفعل سوى القليل على هذا الصعيد، بل الغريب أن هذه الحقوق في بعض المجتمعات صارت نقمة بدلًا من أن تكون نعمة؛ لأنها لفتت أنظار المتزمتين إلى ما يمكن أن تحصل عليه المرأة مستقبلًا انطلاقًا من حصولها على هذه الحقوق، وهو ما جعلهم يعتمدون سياسة الهجوم المسبق عليها، والرفض المطلق لكل ما يمكن أن ينظر إليه على أنه من حقوقها حتى لو كان ذلك من الحقوق المتفق عليها شرعيًّا وإنسانيًّا واجتماعيًّا.

ولكن هذا لا يعني أبدًا تجاهل هذا القليل الذي تراكم كثيرًا في العقود الأخيرة ليصير تيارًا يساعد في تحديد أدوات المرأة المستخدمة في التجليات الأخرى لقضيتها المركزية، بغض النظر عن ردود أفعال، وفعل التيارات المتزمتة الرافضة. وإذا كانت المرأة بدأت تخوض في تفاصيل معركة جديدة في موقع يفترض أن أحدًا لا يستطيع أن يلغي تميزها فيه، أي الأدب واللغة والنقد تحديدًا، لتعيد تظهير حقوقها كما يجب أن تكون وهو ما لم تستطعه التيارات والأحزاب والنقابات والمؤسسات والبرلمانات والدول، فإن ما أفرزه الواقع شكل صدمة جديدة للمرأة في هذه المنطقة، وبخاصة أن اللغة ظلت دائمًا إحدى أدوات التمييز ضد النساء، ولعل نظرة سريعة للمكتبة العربية التراثية تكشف أي جور مارسته اللغة وأهلها ضد المرأة وكتابـاتها…

النقد النسوي

وإذا كانت المرأة العربية قد تحققت على الصـعيد اللغوي والكتابي رغم ما اعتور مسيرة التحقق من تشكيك دائم من الذات الذكوريـة المخلـصة لقيمها الموروثة والمتنامية والمتخذة أشكالها الجديدة وتعبيراتها الجديدة، فإن مسيرتها النقدية ظلت مسيرة مبتسرة. وإذا كنا ننطلق من جغرافيتنا العربية في مقاربتنا لهذا الموضوع بالذات، فيبدو أن كل الجغرافيات صالحة على هذا الصعيد للانطلاق منها وإن اختلفت نسبة الصلاحية بين جغرافية وأخرى وبالتالي ثقافة وأخرى. وإذا كان البعض يعرف مصطلح النقد النسوي بأنه تحليل النص الأدبي من وجهة نظر المرأة الناقدة، أو أنه تحليل النص الأدبي الذي تكتبه المرأة المبدعة، فإن هذا البعض يحدد الوظيفة الأساسية لهذا النقد بأنها الدفاع عن قضايا النساء والمطالبة بحقوقها.
وإذا كان هذا المصطلح قد ظهر تاريخيًّا لأول مرة في الولايات المتحدة الأميركية في سياق الحركة النسائية العامة المدافعة عن المرأة والمطالبة بحقوقها قبل أن ينتقل إلى فرنسا وبقية أوربا ثم يأتي إلينا محملًا بكل إشاراته الحضارية ومندغمًا بكل سياقاته التاريخية والبيئية، فإن هذا لا يمنعنا من التساؤل إن كانت الحركة النسوية في بلادنا مرادفة للحركة النسوية في الغرب؟ وهل تحمل المظهر نفسه؟ والإجابة التي نقترحها تقول: بالطبع لا… لأن أي حركة نسوية عربية تخوض معركة مضاعفة في استكمال مطالب المرحلة الماضية إضافة إلى مطلب الاعتراف الثقافي الراهن.
إن الحركة النسوية العربية لا تستطيع أن تمتلك كثيرًا من مقدرات نظيرتها الغربية وترفها؛ لأسباب ليست خافية على أحد لأنها ما زالت تعاني التمييز الحقوقي، وهو أوسع بكثير من التمييز القانوني، إضافة إلى التمييز العملي في الحياة اليومية وفي تفاصيل الحياة العربية من الأمثلة، ما يغنينا عن مزيد من الإشارة إلى هذا الموضوع.