بواسطة علاء خالد - شاعر مصري | مارس 1, 2026 | مقالات
في بداية علاقتي بالكتابة، كانت جملة «اقتل أحباءك» أو «اقتلوا أحباءكم»، Murder your darlings التي سمعتها على لسان العديد من أصدقائي الكتاب، وتعبر عن اتجاه متقشف في الكتابة من دون زخارف جمالية، والتي قالها الروائي الأميركي وليم فوكنر لإرنست همنغواي، سواء في سياق مباشر أو معبرًا عن رأيه في أدب الأخير؛ بمنزلة مانيفستو الكتابة لأجيال عدة، وكثيرًا ما كنت اصطدم بها في النقاشات حول الكتابة، وأغراضها، وبخاصة في التسعينيات. كان لهذه الجملة، مرونة في تشكلها، وهو ما أكسبها وجوهًا عدةً في تطبيقها، حسب ميول كاتبها، فالتقشف لم يكن له طريق واحد للتعبير عنه.

إبراهيم أصلان
بداية من عقد الستينيات حتى التسعينيات، تبلور هذا الاتجاه الكتابي بوضوح في مصر عبر العديد من الكتاب؛ منهم على سبيل المثال: إبراهيم أصلان وروايته «مالك الحزين»، التي استغرق في كتابتها تسع سنوات تقريبًا، الذي صرح أكثر من مرة بإعجابه بهمنغواي ومنهجه في الكتابة، وصنع الله إبراهيم عبر روايتيه «تلك الرائحة»، و«اللجنة». بالطبع ارتبط الاتجاه بالسرد وليس بالشعر، فهو منهج لا ينطبق إلا على ما له فائض لغوي وليس في نيته الإيجاز، أو الترميز؛ لأنه يتعامل مع النص السردي كشخص مترهل يُعاني السمنةَ.
ربما ارتباط الجملة بوليام فوكنر وإرنست همنغواي؛ لأنهما كانا يرددان الفكرة نفسها في حديثهما واهتمامهما بالصرامة والتقشف في كتابتهما. لم أكن من مدرسة الكتابة التي تتبع هذه الجملة، ولكن ربما كنت من مدرستها في الحياة نفسها، فالجملة تحمل بين طياتها، ليس فقط طريقة للكتابة الجيدة؛ بل طريقة في تنقية النفس من الزيادات والترهلات العاطفية، فالقسوة أو الصرامة في تربية النفس، أو إعادة النظر للعاطفة المبالغ فيها كبلاغة زخرفية يجب تشذيبها؛ هي نفسها طريقة النظر للذات كنص لا يحتمل التجميل الزائف، ولا أن يحمل أفكارًا ليست لها أصالة في نفسه.
* * *
أخذتْ معي الجملة رحلتها، وكشفت عن بعد آخر، يقطع مع الطريقة التقليدية لسبر الحياة عبر توسيع دائرة العلاقات الإنسانية، ومعها تتسع من حولها دائرة العواطف السطحية، حتى تتحول إلى حمل زائد على صاحبها، تؤدي في النهاية إلى الانتقاص من جوهرها الثمين.
ربما تشير الجملة إلى لحظة استنارة تباغت حياة النص/الإنسان، يستفيق عندها ويدرك أنه أصبح محاطًا بمؤسسات عاطفية تستنزفه، كما النص محاط بمؤسسات بلاغية، ومجازات، وكنايات أكبر من أن يحتملها، تحيد به عن طريق الصدق، فيغوص جوهره بعيدًا من السطح، كجبل الجليد حتى يستفيق ويتخلص من زبد السطح البلاغي؛ لتطفو من جديد قمته التي تحمل المعنى الدالّ، وتلخص رحلة القتل للبلاغة وللزيف، ولكل ما ليس حقيقيًّا بالنسبة لصاحبه.
ربما تحمل هذه الجملة التي تبدأ بفعل الأمر «اقتل»، كرسالة موجهـة من مرتبة أعلى؛ رغبة في الاتساق بين النص والحياة، بين الذات ونموذجها الأصفى، أو بين النص ونموذجه الأصفى في الإنسان، وهو الشكل الذي جاءت عليه الحياة، قوتها في وظيفية رموزها وعناصرها وإيجاز دلالاتها، من دون تعقيد، يبعدها من الحقيقة التي جاءت لتخبرنا بها. هكذا أيضًا يسعى الإنسان/ الكاتب أن يحوط نفسه/ نصه بالضروري بلاغيًّا ليصل المعنى ودلالاته وإيحاءاته إلى المكان الصحيح في نفس القارئ، ومن أقصر طريق.
* * *
أعجبت بهذه النصوص المتقشفة لهؤلاء الكتاب، ولكني كنت في بداية علاقتي بالكتابة، وما زالت في داخلي ثرثرات، مثل ثرثرات السورياليين، أو ثرثرات كراسي الاعتراف؛ أريد أن أبوح بها في كتابتي، فكانت تخرج بتداعٍ حر واسترسال لا رابط بين موضوعاته وأفكاره، سوى صاحبه -وهو ما أطلق عليه تيار الوعي في الكتابة، وكان من جيمس جويس وفوكنر وفرجينيا وولف، وغيرهم- لتملأ الهيكل العظمي لهذا النص الأدبي الذي كنت أشيده لنفسي.
كانت هذه النصوص التي كتبتها بهذه الطريقة أكثر منها سمينة، أو محملة بزخارف وترهلات عاطفية، تروم أن تصفي ترهلاتها بإخراج كل ما يدور داخلي للنور، من أزمات نفسية، وذكريات طفولة، وأيقونات السلطة، حتى يصبح النص نتاج تفاعل وتربية داخلية، وبعدها يمكنني حذف الزائد عليه، ما لا يحتاجه، بعد أن يمتلك الوعي الداخلي، أو الميزان الحساس، الذي يربط بين التجربة والتعبير عنها، عظمًا ولحمًا، وفهمًا لمعنى التقشف وأهميته.
* * *
لا أتذكر أين قرأت هذه الفكرة، وهي لروائي عالمي شهير لا أتذكر اسمه، أن الثرثرات أو الحشو، هي لحم الحكاية، وبدونها لا معنى للرواية، بالتأكيد ليس هو الكاتب الأرجنتيني بورخيس، الذي أدان نوعًا أدبيًّا بكامله كالرواية؛ لأنها من وجهة نظره، عبارة عن حشو، وأكتفى بكتابة القصة القصيرة والشعر، والمقالات. هذه الزيادات والزخارف المفترض أن تذهب إلى المقبرة، فلكل نص مقبرة يدفن فيها أحباءه؛ حتى يتخلص من انتمائه الزائد لنفسه، ويحرِّر ذاته، ليكشف عن نص/ ذات جديدة، تنتمي بعواطفها الجديدة له، ولحقيقته، وحقيقة الكتابة، وليست سابقة عليه.

ربما تنتمي هذه الجملة بحسها الجذري لعصور تنوير/ تثوير أورُبية، لاستعادة الانسجام بين الذات والعالم، ولكن عن طريق آخر غير الحب؛ لأن الأحباء المقتولين، استولوا مؤقتًا على هذا الرصيد من الحب، ولم يعد أمام الكاتب سوى استعادة الحب عن طريق آخر.
في كتاب «من الأعماق – رسائل» لأوسكار وايلد ربما هناك اقتراب لفكرة القتل الرمزي البارد، الذي لا يسبب الموت حيث يقول في نهاية القصيدة: «لا يموت أحد لأنه قتل»
«رغم أنهم قد أحبوا إلا أنهم قتلوا أحبابهم/ فأصغوا جيدا لما سأقوله لكم :/ من يفعلون هذا قد يفعلونه بنظرة عين/ ومنهم يفعلونه بالمراءاة والكلمات (…)/ بعضهم قد يخنق بيدي الشهوة/ وبعضهم يخنق بيدين ذهبيتين/ والأرحم بينهم يستخدم سكينًا/ لأن من يموت بالسكين، يبرد بسرعة/ بعضهم لا يحب كفاية/ وبعضهم يحب زيادة/ بعضهم يبيع/ وبعضهم يشتري/ وبعضهم من يذرف الدمع وهو يَقْتُل/ وبعضهم لا يرف له جفن/ كل شخص قادر على القتل قد يقتل حبيبه/ ولكن لا أحد يموت لأنه قُتل!» (من الأعماق- أوسكار وايلد- ترجمة عن الإنجليزية عبداللطيف محمد الدمياطي- دار المدى).
ربما جاءت النسخة العربية لهذه الجملة الجذرية بديلًا من السياسة، تمثل تيار يسار الكتابة؛ لذا تبناها أصحاب الهوى اليساري في الكتابة. وجد هذا النهج التقشفي الصارم حياته في النصوص، بعد أن اختفت السياسة من الحياة اليومية، وأصبح النص الأدبي يمثل فضاء العمل السياسي، عبر هذه الاستلهامات للتعامل مع اللغة كشعب وثقافة، وأيضًا التعامل مع النفس واكتشاف هذا الجانب الآخر من الحياة الذي يُتَوصَّلُ إليه عبر القسوة، أو القتل المجازي للعواطف المجانية، أو السير مع الشيطان المجازي؛ لاكتشاف الخير، بعد أن تحمل إله اللغة في تمثلاته اللغوية كل المجازات والزخارف التي جعلته غير قادر أن يخلي طريقًا لتلك الذوات المتفردة التي تبحث عن الاتساق، سواء في اللغة أو الحياة.
* * *
نتخفف من البلاغة كي نكشف عن الجوهر، أن تصمَّ آذانك ولا تتعاطف مع كل ما هو ملحمي أو غنائي داخلك، أو ليس له تمثيل حقيقي وصادق؛ لكونه يحمل عاطفة ذات جمعية، أكبر من وعي صاحبها بها. توقفت أمام ملاحظة كتبها صنع الله إبراهيم في «أيام الواحات» يبدي فيها إعجابه بطريقة همنغواي في الكتابة، وملحوظته حول وجود علاقة بين الحس الملحمي والكاتب الفاشل.

صنع الله إبراهيم
صدمتني الفكرة حول علاقة الكاتب الفاشل بالحس الملحمي، «كأن على رأسي بطحة»؛ لكوني ربطتها بالحس الملحمي والغنائي الذي ألمحه في كتابتي، والاثنان، الملحمي والغنائي، يعبران عن ذاتية أو مركزية لذات البطل، في الأولى هناك ذات جماعية تُملِي عاطفتها على النص، والثانية ذات مركزية للكاتب تفرض عاطفتها دون مناقشة أو نقد هذه الذاتية والتوجه نحو الموضوعية.
صدمتني الجملة لأني كنت أشعر بذاتيتي، وربما لها مركزيتها، داخل النص الذي أكتبه، وربما تحمل غنائية ما، فهناك جدران بنيت حول الذات تعيد ترديد النغمات الأساسية، ربما بتنويعات مختلفة. هذا التكرار رغمًا عني صنع هذه الغنائية، ربما المأساة هي التي تلغي هذه الغنائية وتفتح فيها طاقة جديدة.
كنت أجد أنه من الصعب أن تتماهى الكتابة، بكل وسائل التغريب التي تملكها، وباللغة؛ لتكون سطحًا باردًا أُحادي الجانب حتى تخفي جبل الجليد، وتعري فقط الجزء المكشوف منه؛ لتكسر مركزية الذات لهذا البطل، وتقدم بطلًا آخر، مختفيًا، أو ذائبًا داخل النص من دون تبجيل أو رثاء، كما أوحى همنغواي، عبر كتابته، لصنع الله إبراهيم، وكما أوحى من قبلُ وليم فوكنر لهمنغواي.
* * *
كانت نظرية همنغواي في الكتابة هي «قمة جبل الجليد الطافي» كما يشير كارلوس بيكر كاتب سيرة همنغواي «كيف يستخلص الأكثر من الأقل، وكيف يقلم اللغة ويتجنب فقدان الحركة، وكيف يضاعف الكثافة، وكيف لا يقول إلا الحقيقة بطريقة تمكنه من قول أكثر من الحقيقة» فالكتابة تبعًا لهذه النظرية يكمل بيكر«تطفو الحقائق الثابتة فوق الماء، بينما تعمل البنية الداعمة مكملة بالترميز بعيدًا من الأنظار» (ويكيبديا).
هذا القمة التي تساوي، بالنسبة لنظرية همنغواي، ثمن جبل الجليد، بينما سبعة الأثمان المتبقية مدفونة تحت السطح. إلى هذا الحد هناك صرامة في الحذف، وتمنع عن الاستعراض، حتى يُختار هذا الثمن ليمثل النص، بينما بقية سبعة الأثمان تذهب للمقبرة التي توجد داخل النص، وبدوره يقوم القارئ باستكناه المحذوف الذي بُنِيَت فوقه هذه القمة المجردة الإيحائية.
* * *
تأثر صنع الله بهذا الاتجاه في الكتابة، كما يحكي في مذكراته التي كتبها في سجن الواحات «يوميات الواحات». يكتب «سأحاول أن أحقق النثر ذا الأبعاد المختلفة، إن طريقي يبدأ من همنغواي وكامو». (يوميات الواحات، صنع الله إبراهيم – مؤسسة هنداوي). بل صَكَّ مصطلحًا جديدًا لهذه العاطفة المتقشفة عند همنغواي، التي هي معادل للقتل، وسماها «الشكم العاطفي»، وسمى طريقة همنغواي في الإيحاء وليس التصريح، «الْمِسْ وامْضِ»، مثل النحلة، أو الفراشة، يذكرني هذا التعريف بالطريقة التي كان الملاكم محمد علي كلاي يطبقها في جولاته، يدور حول الخصم كالفراشة، ثم يقترب سريعًا ويسدد ضربته كالنحلة، ثم يتراجع سريعًا، ثم يعيد الكَرَّةَ، حتى يستسلم الخصم.

ألبير كامو
في روايتي «اللجنة»، و«تلك الرائحة» يظهر هذا الشكم العاطفي بوضوح، ولكن في رواية «التلصص»، يستخدم صنع الله لغة ما بعد الإيحاء، فيظهر جزء كبير من جبل الجليد الغاطس، وليس فقط قمته، على عكس بقية رواياته. فالعاطفة في الرواية ليست مشكومة، كما يتمناها، ربما لأنّ هناك صراعًا أساسيًّا بين الشكل والمضون، يريد أن تكون له لغة محايدة متجاوزة العاطفة، والذاتية معًا، «هل يمكن أن أُوحِّد الذاتي بالموضوعي في كتابتي؟» (المرجع السابق) بينما هناك مراحل عمرية، أشكال وأنظمة تفكير تحكم مسار هذه اللغة، وربما أيضًا أن الرواية تدور حول الطفولة، فبها مسحة من حنين؛ لكونها مكانًا مشحون بالعاطفة.
يستشهد صنع الله في يومياته بطاعون ألبير كامو، كأحد النماذج العاطفية المشكومة، ويمكن أن أضيف لها أيضًا رواية «الغريب»، الذي أجدها نصًّا مفارقًا يجمع بين العاطفة الباردة المشكومة، والمأساة. نص شديد القوة في إخضاع القارئ للتماهي معه. ميرسو، غريب كامو الذي ماتت أمه، ويرتكب جريمة بقلب بارد، ولا يشعر بالحزن أو الذنب، ولا يريد حتى أن يظهر مشاعر لا يحس بها، أثناء محاكمته، مهما كان الموقف. ربما الوحيد الذي وجدت ضمن كتاباته تطابق بين شكل ومضمون شعرية جديدة لا عاطفية، ونافذة في الوقت نفسه.
* * *
هناك نصوص أخرى مثل «رجال في الشمس»، لغسان كنفاني، و«الضوء الأزرق» لحسين البرغوثي الذي نصح زياد خداش في حديث معه عن أهمية هذه الطريقة في الكتابة. يحكي زياد خداش أن «حسين البرغوثي أول شخص مسك كتاباتي وحكالي بالحرف الواحد جملة نقلًا عن كاتبة أميركية: اقتل أحباءك؛ والأحباء في الكتابة هم الجمل اﻹنشائية البلاغية الرائعة يلي بنحبها لكنها جاية بسياق غير طبيعي بمعنى مقحمة إقحام على النص» (صفحة حسين البرغوثي على الفيسبوك، 19 يوليو 2016م).
لم يذكر زياد اسم هذه الكاتبة الأميركية، ولكنها تصبح صاحبة هذه الجملة التي تفرقت بين العديد من الكتاب، وربما يرجع السبب أنها ليست رمزًا لكاتب واحد، بل رمزًا لعصر.
* * *
ربما المقابل/ النقيض لهمنغواي هو دستويفسكي الذي كانت نصوصه وأفكاره وتفسيره للسلوك النفسي لأبطاله، وإشفاقه عليهم، فيظهر هذا الراوي العليم خلف الكتابة، ويسهب في تداعيه، نيابة عن أبطاله، في تفسير مواقفهم وانفعالاتهم، فيطرح الغارق من جبل الجليد على السطح، ويخفي القمة، في الأعماق.
في نص دستويفسكي لا توجد مقبرة. المقبرة كانت ضمن النص نفسه، تعيش داخله برائحة الخطر. كان المحذوف جزءًا من المتن، ربما لأن المحذوف من هذا التاريخ هو السبب الذي دفعنا للكتابة، ودفع أي كاتب لها، أن يعيد تكوين هذا المحذوف سواء في التاريخ الشخصي للنص أو تاريخ الثقافة التي يعيش داخلها.
كل هذا الاسترسال من دستويفسكي ليتحول أبطاله إلى نماذج إنسانية حية بلحم وعظم، «مشكين»، «راسكولينكوف» فالتركيبة النفسية لأبطاله وأزمانهم الروحية العاصفة، كانت تحتاج إلى استطرادات طويلة للشرح، كأن النص أو أبطاله يجلسون أمام المؤلف، المحلل النفسي، ويبوحون بكل ما بدواخلهم. ربما أزمنة الإيمان في روسيا نهاية القرن التاسع عشر كانت تحتاج لكل هذا «الحشو» المحبب والضروري، كأنها مرافعة للإنسانية قبل أن تنجرف وتتيه.
* * *
يكتب ماركيز عن همنغواي وفوكنر اللذين تأثر بكتابتهما ومنهجهما في الكتابة «القصص التي كتبها تترك انطباعًا لدى القارئ بأنه لم يقل كلّ ما لديه، وأن هناك ما صمت عنه، وهنا يكمن سحر وجمال أدب همنغواي(…) كتابات همنغواي مليئة بهذه الومضات، تبدو في ظاهرها بسيطة لكنها باهرة ومميزة، كما تظهر الحدّ الذي انزوى فيه الكاتب في عالمه الإبداعي الخاص، وهو شبيه بجبل الجليد الذي يقع سبعة أثمانه تحت الماء».( موقع إيلاف: ماركيز يتحدث عن همنغواي: همنغواي كما عرفته- ترجمة خيري حمدان https://elaph.com/Web/Knowledge/2010/4/553535.html)
بالنسبة لماركيز الفارق بين فوكنر وهمنغواي، أن فوكنر يقدم في رواياته وقصصه هذا العالم النوراني غير القابل لتفكيكه، لا يترك أثارًا يمكن أن يستدل بها على طريقته في الكتابة، لاكتشاف الحرفة التي كان يهتم بها ماركيز؛ لذا التعلم منه كان يتم عبر هذا التأثير المباشر في رُوحه. بينما همنغواي كان يترك آثارًا خلفه في النصوص، يرى تلك المسامير التي استخدمها لبناء هذه الماكينة المعقدة؛ لتعلم الحرفة لمن يقرؤها.
«همنغواي من ناحية أخرى، بإلهام، وبشغف وجنون أقل نسبيًّا، لكن بصرامةٍ واضحة، يترك براغيه ظاهرة من الخارج كما في عربات السكك الحديدية. ربما لهذا السبب كان لفوكنر علاقة كبرى بروحي، في حين أن لهمنغواي التأثير الأكبر في مجال مهنتي. ولا يرجع ذلك لأعماله وحسب، بل بسبب إلمامه المذهل بالجانب الحِرَفي لعلم الكتابة». (المرجع السابق)
* * *
عندما كان فوكنر زائرًا في جامعة فيرجينيا ليقدم نصائحه للكتّاب الشباب في عامي 1957 – 1958م، كتب عما تعني له التجربة، وطريقة إدراكها؛ ليستخلص مفهوم الحقيقي والحقيقة والتجربة. وهو المفهوم الذي يوليه همنغواي عناية خاصة. «بالنسبة لي، التجربة هي أي شيء تُدركه بوَعي. ويمكن أن تأتي من الكتب، كتاب -قصة- حقيقية وحيَّة بما فيه الكفاية لتؤثّر فيكم. تلك في رأيي، هي إحدى تجاربكم. ليس بالضرورة أن تفعلوا ما قام به شخوص هذا الكتاب، ولكن إذا بدا لكم ما يجري حقيقيًّا، حيث أن تفهموا سبب ما قاموا به وتشعروا بمشاعرهم التي دفعتهم إلى فعل ذلك، هذه تجربة بالنسبة لي». (سبع نصائح من وليم فوكنر عن الكتابة الروائية ح موقع تكوين https://takweenkw.com/blog/298/single?srsltid=AfmBOopA8-WaYxxF-5SHjFwS_eYdoq0tyJCL1PCIOp0fcCqHGrrBP_qd).
وهنا يتخذ من كتابة همنغواي مثالًا لنصائحه: «إن عمل همنغواي مليء بهذه الاكتشافات البسيطة والرائعة التي توضح مدى التزامه بتعريفهِ الخاص للكتابة الأدبية على أنها -كالجبل الجليدي- لا تُعَدُّ صالحةً إلا في حال امتدَّت تحت الماء بعمقٍ يُعادِل سبعة أثمان حجمها» (المرجع السابق).
* * *
انصبت نصائح همنغواي على الحقيقة، وليست التجربة: «إذا بدأت الكتابة بتكلف أو كمن يمهد لتقديم شيء ما، شعرت بأن علي أن أحذف الزخرفات والمقدمات والالتواءات اللفظية، وأرمي بها بعيدًا لأبدأ بأول جملة خبرية حقيقية بسيطة كتبتها» (وليمة متنقلة – ترجمة على القاسمي).
ويضيف: «لأن هناك دائمًا جملة حقيقية أعرفها أو رأيتها، أو سمعت شخصًا ما يقولها» (المرجع السابق).
بالطبع ليس بالضرورة أن تكون جملة خبرية، ولكن فكرة الجملة الحقيقية، هي أيضًا لها مجسّات يستشعرها بها، ليس بها زيف بلاغي بشكل ما، الذي يضرب الصدق الكامن في أي جملة في مقتل. يختار الجملة التي تتماشى مع فهمه عن الصدق الفني، أو البراءة، كأنها جملة بريئة وبسيطة لم تُلوَّثْ بعدُ بجماليات الحياة وبهرجها الزائف. ربما همنغواي، في كتابته، يبحث عن النقاء، ويستعيض بدلًا من الزخرفِ الألمَ العميقَ أو اللمحةَ السريعةَ، ليس لأن التصريح خطأ، ولكن لأنه يريد أن يصنع مجالًا غامضًا غموضًا بسيطًا ونقيًّا يمكن إدراكه مِن طريق الحدس أو القلب أو الفلسفة أو الشعر.
بواسطة علاء خالد - شاعر مصري | يناير 1, 2022 | فضاءات
في بداية علاقتي بالكتابة، في التسعينيات، كنت أنحاز لتلك الكتابات التي تأتي من عمق وجودي، كانفجار يترك فجوة في النفس: فان جوخ، لوتريامون، هنري ميللر، بيكيت، أنتونين أرتو، رامبو، جان جينيه، دوستويفسكي، لوركا، أوكتافيو باث، ريلكه، وغيرهم. أهم ما يميز هذه الكتابات ارتباطها بالحياة، وتأسيسها لشكل أخلاقي جديد. كانت الحياة وقتها، وما زالت، يملؤها السأم، تحتاج لكتابات تهز «القلب». وهذا «القلب» كان يصنع هناك في أوربا وأميركا، وأميركا اللاتينية. أما مصريًّا فقد كان هذا القلب تابعًا بشكل ما، كان هذا العمق الوجودي في الكتابات المصرية مسيسًا، باستثناءات قليلة.
على الرغم من فنية الكتابات المصرية والعربية، وتماسكها الشكلي، فكانت تجنح أكثر للسرد الحكائي الأفقي للذات، وليس القفز داخل هذه الذات واكتشاف طبقاتها، بانفجارات ورموز تختصر الحكاية وتحولها إلى شعر. كان الشعر سيد العالم في هذا الوقت من التسعينيات. ربما هذا النوع من الكتابات الوجودية الممسوسة بروح جماعية كان يتحقق في بعض نتاجات السوريالية المصرية وبخاصة أشعار جورج حنين، التي ترجمها المترجم المخلص لمشروع السوريالية بشير السباعي، لها هذا الغموض الحقيقي، وشكلت إحدى علامات الكتابة التي تهز القلب في حقبة التسعينيات.
الحياة بأثر رجعي
كنا نبحث، كأصدقاء مبتدئين في الكتابة، عن الصدق، داخل النص. كان هذا «الصدق»، أكثر التصاقًا بالشعر؛ لأنه صدق غير محكي، تجلط دلالي، ورمزي، يتشكل عبر زمن متقطع داخل سيرة حياة الكاتب، بعد أن تتحول، هذه السيرة، إلى رموز ذائبة ومنثورة في تاريخ أكبر منها. هذه العلاقة الجدلية بين التاريخ الشخصي والتاريخ العام، كانت تشكل نقطة تقاطع مهمة، في هذه الكتابات المؤثرة التي تهز القلب. إلى أي مدى يملك هذا الرمز الوجودي الغامض، سواء في قصيدة أو مقولة، أو أي نص؛ نفاذية لأن يمر مثل سهم من الضوء عابرًا بتواريخ، وكاشفًا عن تفاعلات وجذور هذه العلاقة الجديدة/ القديمة.
كنت/ كنا، كأصدقاء يحبون الكتابة، نبحث عن هذا التاريخ الأكبر، وليس التاريخ السياسي فقط، الذي لا نراه متمثلًا في حياتنا اليومية والأدبية الفقيرة، كأننا نحمل وزر غيابه. أبحث عن سير التشرد والاستبياع الحياتي، التي يتناثر فيها الصدق، أكثر من جودة الكتابة. كانت الحياة وقتها تتلخص في الشعر، الذي يحتفظ تاريخه بنموذج إنساني مفارق، ليس له علامات طريق موروثة، ولكن له انفجارات نفسية تصنع هذا الطريق. كانت هذه الكتابات تسحبني إلى البدايات، إلى مشترك إنساني، هو وحده الذي يملك الحق في أن يهزني، ويصلنا، مرة أخرى، بهذا القلب القديم/ الحديث، نقطة الاتصال بين الماضي والحاضر.

ديستويفسكي
عندما يطول بنا زمن السأم، أنا وشلة أصدقائي الكتاب، يبزغ هذا الخاطر، التنقيب، عبر ذاكرتنا، عن «كتابات تهز القلب». كتابات تغير من نظرتك للحياة، ومن نفسك، ربما لن تغير هذا السأم الذي نتنفسه، ولكن ستغير من طريقة نظرتك له، ولنفسك. هذا العمق المخدر أو المتيقظ الذي نغرق فيه، عندما نقرأ مثل هذه النصوص، فنخلع عن أجسامنا هذا الجلد الراكد. كان هذا التنقيب كفيلًا بأن يرتفع معه سقف هذه الحجرة الواطئة، أو السماء الواطئة، أو البلد، التي نجلس تحتها.
داخل هذه الكتابات هناك وعد دائم بأن هناك مفاجأة، بالرغم من أن زمن كتابتها يسبقنا زمنيًّا، ولكن ظل زمنها له القدرة على التأثير فينا، أو يمكن أننا كنا، ككتاب مصريين شباب في وقتها، نعيش زمنهم الذي ولى، وما زلنا نتأمل إنسانهم ومثلهم الأعلى في الكتابة. كان هذا «الإنسان» قد دخل عصور ما بعد الحداثة، ولم يعد له المواصفات نفسها التي نفضلها. كنا نعيش عصرهم بأثر رجعي. كانت التسعينيات نقطة تحول، نهاية زمن الحلم لهذا النوع من الكتابات المؤثرة التي تهز القلب. لا شك أنها ستظل، ولكن ستتغير طريقة النظرة لها، لن يكون لها التأثير نفسه، ستتحول لنماذج أدبية، وروحية، توضع في متحف التاريخ الأدبي، وليس كتجارب حية قادرة على التغيير.
الكتابة من مكان آخر
هذه الهزة الروحية التي تسببها قراءة هذه الكتابات كانت شرطًا من عقدك مع الحياة ومع الأدب، أن تشعر بزلزال يمر بجسدك، قد تقاومه، أو ترفضه، أو تضع حاجزًا بينك وبينه، ولكن في النهاية تستسلم له، حتى لو كان استسلامك يجعلك تتخلى عن جزء حميم في نفسك. كان نموذج «الموظف الكاتب، أو «الكاتب الموظف» يخيفنا، بعد أن أخافنا أكثر في بيوتنا التي كان فيها آباؤنا موظفين. العلاقة بين السلطة والآباء والكتاب والموظفين، في دولة الموظفين الأدبية؛ كانت تخيفنا، وبالتالي جنحنا ناحية اللاوظيفة للأدب، ولحياتنا الشخصية، ومحاولة التحرر منها، بقوة الموت الكامن في حياتنا اليومية، وبقوة الخوف من الدخول في نموذج أبوي. حولنا هذا الموت البرجوازي لموت من نوع آخر داخل نصوصنا، التي سنكتبها آنفًا، لتنتقل لنا عدواه، ونحوز شرف الموت في سبيل الكتابة، بدلًا من الموت في سبيل الوظيفة.
أحيانًا كما نتخفى وراء هذه الكتابات، التي تهز القلب، وراء هذه الأسماء الكبيرة لأصحابها، ووراء استحالة الوصول إليها. نتخذ من كتَّابِها الأعلام قناعًا في أحاديثنا، على المقاهي وفي البارات الفقيرة، لكي نخفي عورة كتاباتنا الوليدة. نضع المثال الأقصى؛ كي ترفع من نظرتنا لأنفسنا، ولنصوصنا، وحياتنا الضيقة. نرفع كتاباتنا المتمناة إلى هذا المستوى من الاستحالة، ونقول لأنفسنا، كشلة كتاب مبتدئين: «هذا هو حلمنا.. فلا تنظر لي الآن، ولكن انظر لحلمي هذا، هذا رهاني، على الحياة والكتابة». النص الذي نكتبه، وقتها، ككتاب مبتدئين، شعرًا أو نثرًا؛ كان أسهل في التشبه بهذه «الكتابات التي تهز القلب». حدث أحيانًا كثير من الخلط في فهم طبيعة هذه الكتابات المثل، وفي فهم طبيعة تحولاتنا، فتحولت نصوصنا أحيانًا إلى قناع.
كان نشاط الخيال والأمل أكبر بكثير من قدرتنا على الحلم، وربما حتى الآن. ولكن رحلة الحياة، بعدها، وتحولاتها، وكل ما حدث فيها من رد اعتبار للتجربة، وللعيش، ومحاولة التفلت من السلطة، وأحيانًا الاستسلام لها؛ أعادت بأثر رجعي حقنا في أن نتشبه بهؤلاء الكتاب وبنصوصهم. كل حلم حلمناه كان يتحقق بأثر رجعي؛ لأن الحلم كان متخلفًا عن الحياة، أو يسبقها، كان يقع في مكان مجهول، ليس في الدماغ، ولكن في ثنايا الزمن الذي يجري، في الوصلات الفارغة بين السنوات. عادة ما تكشف هذه «الكتابات التي تهز القلب» عن ماضٍ إنساني كامن فيها، سواء ماضي صاحبها، أو ماضي الجماعة الكبيرة التي ينتمي إليها. بداخلها، غالبًا، ميزان مختلف للعدالة، يريد أن يعيد التوازن للإنسان، فخلف هذه الكتابات يكمن قانون إنساني، يتأثر بالنقص، وأيضًا يمنح الحياة توازنها، ويكمل ويفسر نواقصها مثل الأديان والرسالات الكبرى. قد لا يتحقق العدل على الأرض، ولكنه «صورة» من هذا العدل، تتحقق في هذه الكتابات، كأنها أخذت بثأرنا جميعًا أمام من ظلمنا.
تأتي هذه الكتابات من وراء الوعي، فتحمل شجن صوت جماعات قديمة، عندما كان الضمير الجمعي جزءًا من صيرورة الفرد المغني، الساحر، للقبيلة. لا تقطع هذه الكتابات مع الماضي، ولكن تضعه في صيرورة حياتية، كما يقول هنري برغسون في كتابه «حدس اللحظة». تحرك هذه الكتابات الماضي، وتسحبه للحاضر، ويتحول الزمن لزمن واحد أبدي، تخرج منه الكلمات والمشاعر والرؤى، والأفكار. شيء قريب من هذيان اللاوعي، ولكنه الهذيان الأصيل، عندما كانت المخيلة جزءًا من العقل، والعقل جزءًا من المخيلة. كتابات ليست قديمة أو حداثية، ليست ماضوية أو مستقبلية، لها القوة أن تتجاوز هذا التصنيف الزمني؛ لكونها منبثقة من قاع وجود إنساني يتجاور فيه الماضي والحاضر والمستقبل. ربما تكون هذه الكتابات جزءًا من أي رسالة دينية، مهما كان محتواها، فهي تملك قوة تأثير كامنة في تكوينها الانفجاري، أو في خلطها الماضي بالحاضر في وحدة واحدة. لا تهتم هذه الكتابات بالشكل الفني؛ لأنها تبتدع شكلًا لها، على مقاس هذا الانفجار الذي يعيشه صاحبها، حياتيًّا وفكريًّا. أصحابها عادة ما يعيشون لحظة تحول تتجسد في كتاباتهم، أو تكون حياتهم بأكملها، لحظة تحول طويلة.
كان جزءًا من خصائص هذه «الكتابات التي تهز القلب»، أن تكون متخلصة من ضغط الخارج، ومتأثرة به، في آن، متخلصة من أي مفهوم استهلاكي للكتابة، ومُخلصة لهذا النداء الداخلي مهما كان، فالكتابة معنى وليس مادة، ولا يمكن أن تسلم نفسها لقانون السلعة، إلا حدث تحول في مسار كتلتها ومادتها وهدفها. جاءت هذه الكتابات لتكون أعلى، أخف، وطافية على الدوام، تتحرك في مكان خلفي، أو فوقي، أو ورائي، أو تحتي، بعيدًا من أي مركز مستلب بالاستهلاك والكذب والاستعراض، كما قال الفيلسوف الفرنسي جي ديبور. كنا نبحث عن النقاء في مكان آخر، بعيد من مركز الكتلة الاجتماعية، حتى لا تدخل كتاباتنا في مجال الجاذبية والانسحاق، ربما هذا يمنحها استقلالها وأيضًا يمنحها هشاشتها.
ربما في الكتابات الحديثة، في الألفية وما بعدها، تغير مفهوم «القلب». أصبحت أغلب الكتابات محكمة شكليًّا، وتوزَّع ميراث هذا «القلب القديم» على زوايا فعل جديدة. تمكنت الحرفة، لو شيدت بناءها الصناعي المحكم، وتوارى القلب وراء هذا، وتوارى الكاتب، وتوارى انفعاله، صار جزءًا من ماكينة كتابة ضخمة، شديدة التعقيد، وعديدية التصنيفات. ربما تحدث الآن الحياة في مكان، بينما الكاتب يكتب من مكان آخر، بعيدًا منها، من مكان افتراضي. أصبحت الكتابة محكومة بالسطح البراق والآلي للحياة. سُحِبَت الطاقة من الحياة، وضخها في شرايين هذه الآلات، والأرقام، والتعقيد الشكلي، وأصبح هناك نوع من الاستمناء الذهني ربما ليعوض انفجارات لذة «القلب» القديم.
العودة إلى زمن مفقود
خرجنا كشلة كتاب أصدقاء من مكان واحد، ثم تفرقنا وعشنا في سياقات مختلفة. كلما تهنا نعود لهذا المكان العلامة، لتلك الكتابات الأثر. نعود لمشترك لم يتغير عبر تلك السنوات، ربما بسبب قوة تمسكنا بالماضي، ليس كزمن وثني، بعيد، ولكن كزمن متجدد دومًا. نعود لتلك الكتب التي أحببناها، وأَنْسَتْنا سأمَ الحياةِ وموتها المبكر. أتذكر «ريلكه» عندما صرح في إحدى رسائله لشاعر شاب، بأن هناك كتابين يعود إليهما دومًا، من كُتُب مكتبته، ولا يفارقانه، ويحملهما معه حيث ذهب: الإنجيل وكتب الشاعر الدانماركي «ين بيتر جاكوبسون». أغلب كتب «ريلكة» تلمس الوحدة والحداد، برغم هدوئها الظاهري، تلمس فيها الوحدة بعمق، وتسعى لها كأحد أشكال العيش التي تحمل أملًا/ يأسًا وجوديًّا بالخلاص. عند قراءة ريلكه ورسائله ومراثيه لدوينو، ستنعكس عينك على الداخل، تتلمس نفسك، ليست كطبقات تاريخية، ولكن كوجود ملموس متوحد تأتنس به.

أوكتافيو باث
ربما في أثناء رحلة الحياة، التي تفوق رحلة الفكر، لا يصلح إلا أن تتخلى عن كثير من الكتب التي أحببتها، وستحبها، حتى يتعمق إيمانك بالنهاية، عبر «كتاب واحد» أو أكثر قليلًا، يتلخص فيه تاريخك مع القراءة، ومع الخيال؛ لأن اللحظة لا تتسع لأكثر من هذا، لا تحتاج لتشوش بل لتركيز شديد. لن يحمل القلب إلا ما يقدر على حمله؛ لأن الميزان، في البعث، شديد الرهافة: قلب في كفة، وريشة ماعت في الكفة الأخرى.
أوكتافيو باث، الشاعر والكاتب المكسيكي، الحاصل على نوبل، كان يبحث عن «وحدة» من نوع آخر. حرارة هدوء كتابات أوكتافيو باث هي التي تهز القلب، تفكيكه للأساطير ومعرفته بها، وإرجاعها لأصل إنساني واحد، سواء في كتابه «اللهب المزدوج» أو في «متاهة الوحدة». هناك أصل واحد للإنسان خرجت منه كل الأساطير، وخرج منه هذا التشابه في الحب، والعزلة، والإيروسية، والتصوف. كلها اختيارات خرجت من مقاومة الوحدة أو للعزلة، والتمرد عليها. في البدء كان هناك طريقان: إما طريق الاتحاد بالله عبر التصوف، أو الاتحاد بالآخر عبر الإيروسية. الطريقان ضد الوحدة. في كل لحظة، في كتابات أوكتافيو باث، بقعة الاختيار هذه تزداد اتساعًا لتشمل الكون بثقافاته المتعددة. بينما الكاتب يقف بينها، غير منحاز لإحداها، بل مع الجميع، من دون مواقف مسبقة، ربما هذا الموقف الهادئ، يولد هذه الحرارة الإنسانية التي تستشعرها وأنت تقرأ كتاباته، التي تقف وراءها «الوحدة»، ومقاومتها، سواء كانت «الوحدة» موقفًا إنسانيًّا وجوديًّا، أو مكانًا خرج من الاختلاف.
مقام الوحدة والعزلة
ربما منحتنا هذه «الكتابات التي تهز القلب» إيمانًا من دون عنوان، وهذه هي أهميتها، أنها تجدد ثقتك في الله والكون، والطبيعة، عن طريقك، كفرد منفتح على الحياة، وليس كفرد طقوسي. كفرد فاعل ومنفعل، حتى لو اتخذت طرقًا أخرى للبحث في الحياة. على الرغم من أنها عصور تحرر ولكنها كانت عصور إيمان من نوع جديد؛ لذا كانت فكرة الأخلاق، جزءًا أساسًا من طرح هذه الكتابات، سواء الإيمان بالله، أو الإنسان، وما يقف وراءه من لاوعي أو جماعة إنسانية كبيرة، أو شعب.
أتذكر رواية «الدرويش والموت» للكاتب البوسني محمد سليموفيتش، ومناجاة بطله الشيخ أحمد نور الدين حول العدل والحياة والموت، هذا الصوت الاعترافي الذي كان يكلم به نفسه، طوال الرواية، وخلال المِحَن التي يتعرض لها، ويذوب صوته وسط سهول وسهوب البوسنة. كنت مخطوفًا بأن هناك داخل هذه الرقعة الغربية التي تسمى يوغسلافيا، من يتكلم بلغة وروح مسلمة متسائلة.
أتذكر أيضًا دوستويفسكي في خطبته الشهيرة بمناسبة الاحتفال بإزاحة الستار عن تمثال بوشكين عندما قال في «يوميات كاتب»: «الحقيقة ليست في خارجك، بل في داخلك أنت؛ جِدْ نَفْسَك في نَفْسِك، وأخضع نفسك لنفسك، امتلك نفسك، وعندئذ سترى الحقيقة. هذه الحقيقة ليست في الأشياء، ليست خارج ذاتك، وليست في مكان وراء البحار، بل هي، قبل كل شيء، في عملك على نفسك، فإذا انتصرت على نفسك، وذللتها لإرادتك، تغدو حرًّا، إلى حد لم تتخيله قط، وتبدأ القيام بعمل عظيم، وجعل الآخرين أحرارًا، وترى السعادة لأن حياتك ستصبح ملأى، وستفهم أخيرًا شعبك وحقيقته المقدسة». ص 645 – يوميات كاتب.
كان غرض هذه «الكتابات التي تهز القلب» أن تلمس هذه النفس التي تبحث عنها، أو تلك الروح العميقة، التي نحملها جميعًا. هذه الروح ليست لك وحدك، وإن كانت داخلك كما قال دوستويفسكي، هناك شعب مقدس بداخلها، هناك ذاكرة جمعية، تعيش بداخلها هذه النفس وتتغذى وتنمو، وتكتشف الحقيقة. يرى دستويفسكي أن نموذج «الشاعر بوشكين»، نموذج روسي أصيل، لكونه نموذجًا عالميًّا متعددًا، هو تعبير عن الروح الجمعية في روسيا المقدسة. فرد يعبر عن مجموع، أو مجموع مختزن داخل فرد. هذا القلق الفردي المنفتح على الآخرين سواء كان فردًا بعينه، أو شعبًا. من هذه الإحداثيات تتولد تلك الكتابات التي تهز القلب، نتيجة هذه التفاعلات الحساسة، لتهز قلوبنا؛ لأننا جزء منها بشكل ما، نحن «آخرها»، أي كان مصدرها ومكانها ولغتها. هذه الهزة التي تصيبنا من كتابات معينة، لكونها أيقظت هذه «الذاكرة الجمعية» التي تعيش داخلنا، فالفردية مهما تطرفت، حتى لو كانت فردية «غريب كامو»؛ أصيلة، وغير منفصلة عن جماعتها الإنسانية. ربما كنا كشلة أصدقاء كتاب، أحببنا هذه الكتابات البعيدة، لكونها تمثل مجتمعًا آخر لنا؛ لأن المجتمع الحقيقي من حولنا، لم يكن حاضرًا، ولا منفعلًا بنا، ولا نحن منفعلين به، كنا نريد أن نندمج فيه بشروطنا، وليست بطريقته المترهلة في العيش.
نص الأرض الخالد
«كتابات تهز القلب»، تلك الكتابات التي تنضح بالألم المقترن باللذة؛ الألم لأنه وسيلة التعرف إلى «القلب»، بكل ما يحتويه، ولا يظهر بأكثر صورة تجردًا، وسموًّا، إلا وهذا الألم يسيجه من الداخل، ليلفظ المعنى العميق من داخله للخارج. الألم كوسيلة تعبير فردية، واللذة، كمكافأة من تلك الروح الجمعية على هذا الألم. لذة الاكتشاف وسبر غورها.

جان جينيه
في مكان آخر وعبر منحوتات وحياة النحات والرسام السويسري ألبرتو جياكوميتي، يكتشف الكاتب الفرنسي «جان جنيه» عزلة من نوع آخر، لها أبواب خلفية، تفتح على عزلات أخرى. في كتابته عن جياوكوميتي والمعنونة بـ«الجرح السري»، التي ترجمها من الفرنسية الدكتور محمد برادة، العزلة مادة للتعرف إلى الآخرين، الجماعة. داخل العزلة لا تقابل نفسك فقط، ولكن تقابل الآخرين الذين يعيشون داخل نفسك. هذا النص شديد التأثير في حقبة التسعينيات، والمؤسس لكتابة مغايرة وشديدة الخصوصية. يبدو أننا ككتاب مبتدئين آنذاك، كنا نبحث عن الآخرين من خلال اعتزالنا المجتمع وأداءاته المترهلة. يكتب جان جينيه على لسان جياكوميتي: «أنا وحيد، إذن أنا مأخوذ داخل ضرورة لا تستطيعون أن تفعلوا ضدها شيئًا. إذا لم أكن سوى ما أنا عليه، فإنني غير قابل للتحطم، ولما كنت هو ما أنا موجود عليه، فإن عزلتي من دون تحفظ، تعرف عزلتكم».
أتوقف قليلًا عند «لوركا»، الشاعر الإسباني، ونصه الخالد الذي تداولناه فيما بيننا، وتحيرنا أمام غموضه الجذاب كأننا أمام لغز صعب حله، بل لا نريد حله. هذا الكتاب البرتقالي الصغير في حجم الكف، الذي كان يحمل مختارات من أشعاره، بجانب مقدمة عبارة عن محاضرته بعنوان «نظرية الدويندي وعمله»، التي ترجمها أحمد حسان، أحد المفتونين بالنصوص المركبة، التي تحمل روحًا وجودية تقدمية. كان هذا الكتاب وهذه المقالة خاصة، إحدى الأيقونات الجمالية للتسعينيات. يتحدث فيها لوركا عن هذا المصطلح الغريب «الدويندي»، الذي أثر في كثيرين عند قراءته، ومحاولة تفسيره، وفك شفرة غموضه، وطاقته الكامنة. كان هذا النص من أسمى درجات هذه «الكتابات التي تهز القلب»؛ لأنه يضعنا مباشرة في رحاب روح خفية، وغامضة وداكنة، فالدويندي كما يقول لوركا «الروح الخفية لإسبانيا المعذبة». هذه الروح الخفية تتناثر بين الشعر والرقص، وفنون أخرى، ليس لها مكان محدد لتتواجد به، ولكن طريقة التبدي في لحظة معينة، عندها يتحقق «الدويندي»، كأنه شبح يظهر بقدر يسمح برؤية سريعة، بلمحة، كأي شيء ثمين، وعميق، ليس له وصفة جاهزة للوصول إليه. يكتب لوركا عن هذه الروح الجمعية، التي ينبثق منها «الدويندي»:
هذه «القوة الغامضة التي يحسّها الجميع لكن لم يشرحها أي فيلسوف «هي، باختصار، روح الأرض، إنها الدويندي نفسه الذي ملك قلب نيتشه، الذي كان يَنْشُدُه في أشكاله الخارجية على جسر ريالتو، أو في موسيقا بيزيه، دون أن يجده أو يدرك أن الدويندي الذي كان هو يقتفي أثره قد قفز من الإغريق الغامضين إلى رقصات قادس، أو إلى الصرخة الديونيسية المقطوعة الرأس لسيجيريّا سيلـﭬيريو».
«أمّا مانويل تورِّيس، الرجل الذي في عروقه من الثقافة أكثر من أي شخص عرفتُه، فإنه عندما استمع إلى دي فايّا يعزف مقطوعته «ليلية جنّة العريف» Nocturno del Generalife، قال قولته الرائعة: «كلُّ ما فيه أصواتٌ داكنة فيه دويندي. وليس هناك صدقٌ أعظم».
لقد صاغتنا هذه الكتابات بفنائها المتواري، زرعت هذا «الدويندي الشبحي» في خيالنا، وجعلتنا نؤمن بالفناء كجزء من حيوية الوجود ولهيبه ودفئه. ربما الكتابات التي ستأتي مستقبلًا، سيكون لها طريق آخر للفناء؛ لأن لها «قلب جديد» يتشكل بعيدًا من العصر الذي عشناه. سيؤمن كتاب هذا العصر بلا شك مثلنا بالفناء، ولكن الفناء هذه المرة ربما له طريق آخر، ربما لن نلمسه بهذا الوضوح القديم. بالطبع داخل كل كتابة أو قلب، هناك مكان خالد، هو جزء من حركة الماضي، ولكن في عصر يتشكل فيه الخلود بشكل استهلاكي، سينعزل هذا الماضي. فالخلود مثل الفناء، ليس هو النهر الذي نشاهده مرتين. ربما من هذه النقطة المفصلية، أؤرخ لموتي، أو لخلودي المقنع.