بواسطة خالد بن صالح - شاعر وصحافي جزائري | مايو 1, 2026 | قراءات
في صراعِ الذاكرة والنسيان، وبين السخرية والعبث؛ ينسجُ الروائي الجزائري سمير قسيمي خيوطَ كتابته السردية منذ ما يقاربُ العقدين، مانحًا الخيالَ مساحةً شاسعة للتجريب واستخدام التكنيك الأدبي ما بعد الحداثي؛ لجمعِ شظايا الواقع وملء فراغاته المهولة، في عمليةٍ إبداعية تتسم بالفوضى الخلّاقة، والحدس الواعي، والتشويق والإثارة التي تفرض على القارئ حالة من الترقّب والانغماسِ التامّ في دوائر وطبقات سردية معقّدة ومكثّفة، يرى الكاتبُ فيها أسلوبًا روائيًّا قادرًا على استيعاب تعقيد التجربة الإنسانية وطبيعتها المتصدّعة في عصرنا هذا.
تعودُ روايته الصادرة حديثًا «الكهل الذي نسي» إلى متنه الروائي السابق، وتتقاطع معه، ومع الكتابةِ في حدِّ ذاتها، بل تشتبك مع الكاتب ذاته، باسمه المتواري خلف طبقاتٍ من النسيان، وذاكرةٍ مثقلة بالمآسي والتصدعات في مجتمعٍ تائهٍ حادت به نُخبتُه السياسية والثقافية عن طريق الحرية والعدالة، بعد أن تشتّتت بها السبل!
يقولُ نيتشه: «من الممكن للمرء أن يعيش سعيدًا من دون حاجة إلى ذاكرة على وجه التقريب، شأنه شأن الحيوان، إلّا أنّه من المستحيل عليه أن يعيش من غير نسيان». لكن قسيمي يعارضُ نيتشه بدايةً في مقاومة النسيان المفروض بقوةِ القرار، ثمَّ يُوافقه أخيرًا حين يصبح النسيان أو الخروج عن الرواية الرسمية للتاريخ ضرورةً إبداعية لأجل كتابةٍ جديدة لا تنسى، تتقاطع فيها الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، خالقةً سؤالها الدرامي المفتوح واللانهائي.
العبث.. كأسلوب كتابة
في أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة نشر روايته الأولى «تصريح بضياع»، التي فازت بجائزة هاشمي سعيداني للرواية، عن أفضل أوّل رواية جزائرية، تتحدث عن السجن في الجزائر المعاصرة. بأحد عشر عملًا منشورًا وشهرة واسعة تتجاوز حدود العالم العربي، يُعدّ الروائي سمير قسيمي من أبرز الأصوات الأدبية في جيله؛ بأسلوبه الكتابي المثير للجدل، بعناصره السردية وحبكاته الملتوية المُحكمة، وما يطرحه من أسئلة جوهرية تلامس الواقع السياسي والاجتماعي العبثي والمعقّد في الجزائر.
لا يكتفي سمير قسيمي في رواياته بسردِ القصصِ التي تتغلغل أحداثها وشخصياتها في قاعِ المجتمع، في انحيازٍ أدبي وشاعري لأحياء الجزائر العاصمة وضواحيها؛ إنما يحاولُ تمثيلَ الذاكرة بنسج خيوطٍ مرئية تربطُ بين الماضي والحاضر، متخذًا من الغرابة والسخرية والفكاهة سبلًا لمقاربةٍ سرياليةٍ لواقعٍ يتجاوز في الكثير من الأحيان الخيال، بل يصطدمُ به، مخلفًا أثرًا أعمق؛ إذْ ما مِن حدودٍ تقف حيال اجتراح جمالياتٍ جديدة في مساحة لا حدّ لها من التجريب والمغامرة.
في أحد حواراته يكشف قسيمي سرَّ أسلوبه السردي العبثي في جلِّ رواياته التي تَسِمُها كذلك مسحة فلسفية عميقة: «عندما أكتب، لا «أختار» العبث، بل أستسلم له». هذا الاستسلام لا يجعل من «العبث» مجرد خيار جمالي يستعيره الكاتب لتتقمّصه شخصياته، بل كما يضيف: «هو الحقيقة المجرّدة، إنه نسيج وجودنا، وبصفتي كاتبًا، لا أملك ترف تجاهله أو تجميله. مهمّتي هي الغوص في هذا الواقع حتى أصل إلى جوهره، وما أجده هناك ليس سوى هذا الشعور العميق بانعدام المعنى الذي يطاردنا جميعًا».
السلاح الأخير في مواجهة عالم لا يرحم
استطاعَ الأدب الجزائري المكتوب باللغة العربية في بداية الألفية الخروج من محلّيته وحدودهِ الجغرافية، فاتحًا الباب لقراءات نقدية مكثفة، واكتشاف قارئٍ عربي جديد راحَ يتلمّس عوالمَ أدبية مختلفة، تنبثق من مآسٍ فردية وجمعية، أهمّها «العشرية السوداء» في تسعينيات القرن الماضي، وما كُتِبَ عنها انطلاقًا من المدينة، مرورًا بالقرى والمداشر، وصولًا إلى الصحراء، كفضاءات سردية لها خصوصيتها، وذاكرتها المثقلة بالتحوّلات العنيفة والانعطافات الخطيرة في مجتمع لم تمرّ على تشكّله سوى عقودٍ قليلة بعد ما يفوق الـ 130 عامًا من الاحتلال الفرنسي الاستيطاني.
لعلّ السؤال الذي طرحه الروائي سمير قسيمي على نفسه يمثّل جوهر هذا التحوّل، وهو كيفية إجراء تشريح دقيق لمجتمعٍ تُشكِّل ملامحَه هذه التناقضات، هذه المآسي والممنوعات، هذه الجدران العالية الصمّاء، التي لا يملكُ الكاتبُ «الحالم» أمامها سوى التسلّح بالسخرية، وهو ما ينحو بالتراجيديا لتصبحَ نوعًا من الكوميديا السوداء، مانحةً القارئ ملاذًا مؤقتًا، وكاشفةً عن حقيقة الإنسان بلا مساحيق، وبما لا يُخفي كدمات الزمن. يبرِّر قسيمي ذلك بالقول: «إنها طريقتي في مواجهة الفراغ، لا بالهروب منه، بل بمواجهته مباشرة حتى يتراجع مهزومًا. السخرية والفكاهة السوداء في رواياتي ليستا للتسلية السطحية؛ بل هما السلاح الأخير المتبقي للبشرية في مواجهة عالم لا يرحم».
يُتقن سمير قسيمي استخدام هذا السلاح في رواياته، التي تسافر في الزمن والتاريخ والذاكرة، من دون أن تغفل الاصطدام بالواقع بحبكاتها البوليسية ومراياها المتشظية وخيالها اللامحدود، وهي تحاول أن تسدَّ الفراغات التي يتركها عبور الإنسان المعاصر في هذه الحياة، بأسئلته الوجودية وحيرته متعدّدة الأوجه، وما يجعلُ رسالة أو مخطوطة أو صورة أو حكاية عابرة تتشابك مع مصير وطنٍ بأكمله، ولتُمسي محاولةُ الانتحار، مثلًا، في «يوم رائع للموت» مدعاة للتمسّك بالحياة رغم كل مآسيها، مختزَلةً في ثوانٍ معدودة لتُعرّي المجتمع المنهار اقتصاديًّا وأخلاقيًّا، وفيما يعيش الهائم «في عشق امرأة عاقر» اغترابًا مزدوجًا بين الذات والوطن، لا يمكن الاستغناء عن الحبّ ولو في الأنفاس الأخيرة من العمر، حين يواجه عجوزان حكيمان نفسيهما بأسئلة «الحب في خريف مائل»، بينما تُمسخ معالمُ الدولة في العراء المرعب لشخصياتٍ أسطورية تتسلّق «سلالم ترولار»، الدولة التي رسمتْها على لوحةِ الحماقة يدُ العبث في «الحماقة كما لم يروها أحد»، وكيف يُستخدم الخوف لصياغة سرديات السلطة على مرِّ الأزمنة والحقب، ورغم عنوان الرواية التحذيري «احذر دائمًا من الكلاب» إلا أن الخضوعَ يتحوّل إلى تحدٍّ لاسترجاع الأحلام المسروقة.
الكتابة صِنْو الذاكرة
في روايته الجديدة «الكهل الذي نسي» الصادرة عن دار نوفل – هاشيت أنطوان، ببيروت (2026م)، ينطلق سمير قسيمي من سؤال إشكالي مركّب: «هل النسيان حقًّا ضياع؟ أم إنه المساحة البيضاء الضرورية لنعيد رسم ملامحنا بعيدًا عن ضجيج التاريخ الرسمي؟» وهو ما يحيلنا منذ البداية إلى أسئلة النسيان والذاكرة، الهوية والاغتراب، والحقيقة التاريخية في مقابل الوجع الإنساني المقيم.
هذا ما كتبه أيضًا الناشر على صفحة غلاف الكتاب: في هذا العمل الذي تدور أحداثه في الجزائر العاصمة، ينسج سمير قسيمي سردًا دائريًّا محكمًا، تتوالد فيه ثلاث روايات داخل رواية واحدة: حكاية مريض نفسي يطارد اسمه الضائع بين هويّات فُرضت عليه، وحكاية «دائرة الكتّاب المجهولين» حيث يواجه البطل الفشل في طقسٍ غرائبي يشبه الاعتراف؛ لتفتح الاثنتان الباب أمام رواية ثالثة، أعمق وأكثر خطورة، عن تاريخٍ مطموس يُستعاد عبر عمارة مسكونة، وأبٍ مختفٍ، وأسماءٍ شُطبت عمدًا من الذاكرة الرسميّة، من أحداث أكتوبر 1988م مرورًا بالعشريّة السوداء وصولًا إلى الحاضر.
يتكئ قسيمي في كتابة روايته الجديدة على أدواتٍ سردية طوَّرها على مدار ما يقارب عقدين من الزمن، ليفرد على مدى 296 صفحة بناءً روائيًّا متعدّد المستويات، يمزج بين التحليل النفسي والاستقصاء التاريخي والتخييل الذاتي أو المحاكاة الذاتية، التي يتداخل فيها اسم السارد مع اسم الكاتب الحقيقي، في مزيجٍ بين الواقع والخيال، ولا سيما حين يدعم الروائي هذا المنحى بتقنية الميتاسرد، وهو ما يجعل النصَّ واعيًّا بذاته، كاسرًا الجدار الرابع بين الواقعي والخيالي في لعبة سردية تُشرك القارئ في هواجس الكتابة، وأسرارها الخفية والغامضة.
ففي مصحّةٍ غامضة يبحثُ مريضٌ نفسيٌّ عن ذاته، عن اسمه، وعن ذاكرته المفقودة، تحت إشراف طبيب عسكري وبمتابعة سلطةٍ غير مرئية يمثلها العقيد الذي ترسلُ إليه تقارير الطبيب تباعًا، ولتأتي الأوامر على شكلِ جملٍ قصيرة: «اكتُبْ حتى تتذكّر»، فالكتابةُ هنا صِنْو الذاكرة، هي أشبه بالاعتراف بالحقائق المخفية، هي الخريطة الوحيدة التي تُنجي صاحبها من الضياع، وسط هويات مفروضة عليه، وسلطة بأذرع كثيرة سالبةٍ لكل فعلٍ حرّ، تتحكّم في المصاير وترسمُ بنفسها النهايات. وفي هذا الجزء من الرواية ينجح قسيمي في استدراجنا لنتعاطف مع بطله التائه المنفصم، ونمضي معه في رحلةٍ بحثٍ ذاتية لا تكاد تجدُ إجابة حتى تصطدم بسؤالٍ جديد.
دائرة الكتّاب المجهولين
«هذه الرواية هي رحلتي في دائرة مغلقة، حيث الكلمات هي السلاح الوحيد ضد المحو، وحيث يتشارك الجميع عبء الحقيقة المنسيّة»، هكذا وصفَ سمير قسيمي تجربته الأدبية الجديدة، ففي الرواية التي أهداها لكل من ضلّ الطريق ليجد نفسه، مسارات سردية مكثفة، تدور وتلتقي مشكّلةً دائرة تتابعُ فيها الأحداث والذكريات والهواجس، تتسع وتضيق وتستحيل أحيانًا مجرّد نقطة. لا يمكن الإمساك بخيطٍ منها دون أن يكون متصلًا بما سبقه، فالشخصيات الطيفية التي تظهرُ، ثمَّ تغيب، ثم تعاود الظهور مرّة أخرى، ما هي إلا رحلة البطل الشاقة في إكمال القطع الناقصة من لوحةٍ فسيفسائية صادقة عن جزائر لا يعرفها الكثيرون.
في «الكتاب الأول: دائرة الكتّاب المجهولين» التي انتسب إليها مجبرًا ربّما، الكهلُ الذي نسي؛ عليه أولًا الاعتراف بأنه كاتب فاشل؛ بسببِ إدمانه الرضى عن أعماله الروائية التسعة التي أنجزها ولم تُحقق شيئًا يذكر، في مقابل تطلّعه لكتابةِ عملٍ حقيقي ينقلُ الشكَّ والتحرُّر إلى القانعين الآخرين بكتاباتهم الهشّة. وهنا تتقاطع مصاير شخصياتٍ غامضة أخرى، تنتقلُ من حالتها الواقعية لتكون كائنات حبرية والعكس، ومن مرآة إلى أخرى تتعدد الأطياف المهمّشة، التي تفتقد لمن يكتب عنها، وعن حقيقتها، دون تزييفٍ ولا محاباة. لتأتي هذه الدائرة كما وصفها المسؤول عنها كـ: «ثورة صامتة على هذا النسيان المتعمّد، سعي حثيث لاستعادة أصواتِ نصوصٍ أُجبِرتْ على الصمت، على الموتِ قبلَ الولادة».
في جزء «بين الكتابين: خلفة الأقنعة» يكتشف البطل، الذي اسمه «سمير» عدد الأقنعة التي لَبِسَها أو أُلبِست له، وتعدّد الأصوات من حوله، فيعترف: «جميع من تراءى لي كائنات حبر اخترعتُها: سمير الآخر، المدير، خديجة، وحتى عبدالله طرشي نفسه… كلهم كانوا أنا. كلهم أقنعتي، جنودي، شياطيني، وملائكتي الحارسة في هذه الحرب الأهليّة التي تدور رحاها في عقلي». لكن هل هذه هي كلّ الحقيقة؟
عبء الحقيقة المنسية
يعود سمير قسيمي بالذاكرة الجزائرية إلى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وبداية التسعينيات والأحداث الدموية التي مرَّت بها البلاد وعانتْها فئات المجتمع الهشّة، بين العوز والخوف، بين الألم والموت. بتفاصيل لا تغفل تاريخًا ولا مكانًا، بين الريف والمدينة، في الشوارع والأزِقّة المعتمة، وخلف الجدران الخائفة، تتجلّى الأحداث في «الكتاب الثاني: عمارة الوِصْفان» بشكلِ لا يفقدها غموضها، حين يستعيد سمير طفولته مع أبيه وأمه وجدّه وصديقه يوسف الذي كان صريحًا معه: «العاصمة مريضة يا سمير، ألا تشعر؟».
وسمير لا يفعل شيئًا سوى أنه ينبش الذاكرة، منذ ابتلع دخانُ أحداث أكتوبر 1988م أباه، فيما ظلّ جدار عمارة الوِصْفان أخرسَ من الفقد. ويوسف الذي سيختفي هو الآخر يلحّ عليه: «يا سمير، هذا الجدار… مثل قلوبنا تمامًا، مليء بالحكايات المكسورة والندوب التي لا تندمل»، فكيف الهروب من واقع قبيح؟ هل التلاشي هو الحلّ أم الصمود؟ هنا يسرد قسيمي وباقتدارٍ قصصًا مؤلمة عن تلك الحقبة المفصلية في تاريخ الجزائر، منحازًا لذاكرة الناس وآلامهم.
فالحربُ لا تخترق الكهل وطفولته كاسرةً بابَ الذاكرة فحسب، إنما تستعيد مشاهدها الدموية بلا ضجيج، كأنها شاشة ملوّنة بلا صوتٍ، تسيلُ الدماء من كل زواياها بلا صراخ أو عويل. هكذا يستحيل الحبُّ وجهًا آخر من أوجه الحرب، حين يلتقي سمير الجامعي بخديجة؛ لتشتعل بينهما قصة حبٍّ وألمٍ وخيبة، قبل أن يفترقا بسببِ الأشباح التي تسكنه، وهو يبحث عن حقائق الماضي والتاريخ المغيّب.
الكهل الذي تذكّر أخيرًا
يستعيد الكهلُ وعيه وذاته في آخر الرواية: «في الخمسين من عمري وما زلتُ سجينَ بيتٍ قديمٍ في شارع طنجة، أرى العالم بعينَيْ طفلٍ في التاسعة، شاهدًا على سرٍّ يهمس به المكان بصمتٍ عتيق، جعلني أدرك أن الحياة فصل عابر في رواية». وهو يكتب لا بحثًا عن مجدٍ أدبيٍّ، ولا ليقدِّم إجابات نهائية، بل ليُقاوم الخواء الذي يهدد بابتلاع كل شيء. الكتابة هنا كما ينسجها سمير قسيمي بحرفيةٍ وحدسٍ إنساني عالٍ هي مقاومة ضدَّ النسيان الذي يمحو، النسيان الذي يطمس الوجوه والقصص والأسماء، كما أنها جرحُ طفولةٍ لا يندمل!
هنا تتسّق جملة خوزيه ساراماغو من كتاب «كل الأسماء» التي صدّر بها الكاتب روايته مع حالة الاستلاب في النصّ: «أنتَ تعرف الاسم الذي أطلقوه عليك، لكنّك لا تعرف الاسم الذي هو لك». ويتضح أكثر الإهداء الذي خصّ به قسيمي الطفل الذي كانَهُ متسائلًا: أما زلت تكتبُ قصّتي؟
بواسطة خالد بن صالح - شاعر وصحافي جزائري | مايو 1, 2025 | بورتريه
تتبدّى منطلقاتُ تناول المشروع الروائي لرشيد بوجدرة (1941-) عبر أفق التلقي الذي زعزعَ أركانَه نصٌّ سرديٌّ تخريبيٌّ واعٍ خلخلَ كل المسلّمات الأدبية والاجتماعية والدينية والسياسية لجزائر عاشت وتعيش حقبًا متوترة منذ ما قبل الاستقلال، مرورًا بمراحل لاحقة أكثر توترًا وحرجًا لم تُرسِ فيها السلطةُ أسسَ الدولة الديمقراطية القائمة على العدالة الاجتماعية والمساواة. فبوجدرة منذ أولى رواياته «التطليق» (1969م)، أشهر قلمه الحر ليواجه الظلم الاجتماعي، والتطرف الديني، والفساد السياسي، والأبوية وقمع المرأة؛ كمواضيع أساسية تتناصّ وتتكرَّر في متنه الروائي كثيمات لنقدِ أنظمة الاستبداد على اختلافِ تمثّلاتها السلطوية والواقعية –جزائريًّا وعربيًّا- لتفكيكها وتجاوزها أدبيًّا وجماليًّا من خلالِ أعمالٍ روائية تأسيسية خلّاقة تجمعُ بين الحداثة والتجريب والأصالة والخيال، وبين مواقفَ سياسية ونضالية حادة تتماهى مع شخصِ كاتبٍ متمرِّدٍ، صعبِ المراس، إشكاليٍّ ومُلهِم، تنقّل باحترافية بين لغتين، الفرنسية التي كتب بها أولًا والعربية التي عاد إليها لاحقًا، مراهنًا على القطيعة الأسلوبية والحرية الإبداعية وجوهر مشروعِه الإنساني، ما جعله يتخطّى حدودَ الجغرافيا واللغة، وقد تُرجمت أعمالُه لأكثر من أربعين لغة عبر العالم.
بدايات جريئة ومغايرة
بدأ رشيد بوجدرة الكتابة منتصف ستينيات القرن الماضي، بإصداره لديوان شعري بعنوان «من أجل إغلاق نوافذ الحلم»، تحديدًا في 15 يونيو/ حزيران 1965م، إذ يمرُّ في التاريخ ذاتهِ هذا العام؛ ستّون سنة من الكتابة المتفجّرة المثيرة للجدل. كتابةٌ لم تركن للسائد والمستبد، بل سعت على الدوام إلى تفكيكه وانتقادِ انعكاساته المترامية في المجتمع، منتصرةً للقِيَم الإنسانية وحرية الفرد المنفلتِ من هيمنة الأب والقبيلة والجماعة. إنها كتابةُ الذاكرة الجريحة، الطفولة المقهورة، والأحلام المضطهَدة. وبين هذه وتلك، مساراتٌ روائية متشعّبة وجريئة يهاجمُ فيها الكاتبُ قوالبَ السلطة الأبوية والتعاليم الدينية الرجعية والإقطاع السياسي، بلغة حداثية لا تأبه بالسير الخطّي للزمن، إذ هي سردٌ مُجزّأ إلى قِطعٍ نثرية تتباعد وتتناغم في أسلوبٍ فريدٍ ينهلُ من روحِ مارسيل بروست ووليم فوكنر وجيمس جويس، وأيضًا من «ألف ليلة وليلة» والجاحظ وابن عربي.
يصرّح رشيد بوجدرة في أحدِ حواراته أن حنينه إلى اللغة العربية -التي كتب بها وترجم إليها عددًا من رواياته- لازمه كإحساسٍ بالذنب تجاهها، وأن عودته إليها هي عودة إلى الجذور: «علاقتي بالعربية هي عشق صوفي يستولي على مشاعري وعواطفي. ولا شك أن انتقالي إلى الكتابة بها، عقب رحلة طويلة، هو نتيجة لضغوط نفسية أكابدها، فعندما أكتب بالفرنسية أعيش نوعًا من العصاب». لعل هذه العودة إلى العربية، ترتبطُ بشكلٍ أساسيٍّ بالتحامه العاطفي حين الكتابة عن الجزائر، التي ترتبط بها جلُّ موضوعات رواياته، حيث تتقاطع المصاير الجمعية والتاريخ الكبير، مع كل ما هو خاص وحميمي وخارج عن المألوف، متجاوزةً روايةَ القصص والحكايات، إلى تتبّع حيوات المهمشين والمعذبين في الأرض، المنسيّين في الزوايا المظلمة والمضطهدين، الذين أُجهِضت ثوراتُهم الحالمة بالتغيير، من دون الادعاء بحملِ قضيتهم العادلة ضد من سلبوهم حريتهم وحقهم في اختيار مصايرهم، فالواقعية هنا صنو الخيال والميتافيزيقا، ما يمنح قلم الكاتب شاعريةً بقدرِ ما تُجرِّدُ الوجوهَ من أقنعتها، وتفضحُ هياكل المجتمع وتركيباته الطبقية؛ فهي في الوقت ذاته لا تخلو من قلقٍ فرديٍّ مزمنٍ، وحوار ذهنيٍّ صامت، وجنونٍ ترفعه الأسئلةُ الوجودية، ومقارعةُ ثالوث الدين والجنس والسياسة، إلى أعلى مستوياته.
في كتابه «زناة التاريخ» (2017م) يستدلّ رشيد بوجدرة بمقولة الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر «إن اللغة هي منزل الكينونة»، مبررًا بذلك انفتاحه على كل اللغات بما فيها الفرنسية التي راوَح الكتابة بها في أعماله الأولى واللاحقة، مزاوجًا بينها وبين العربية عادًّا الأخيرة مكوّنًا حضاريًّا يتعالى عن «كراهية الذات» التي يسوّق بها بعض الكتاب الجزائريين الفرنكوفونيّين أعمالَهم؛ ذلك أن الكتابة بالفرنسية بإشكالاتها المتعدّدة جزائريًّا لم تكن قد حُسِمت لدى الرعيل الأول، ففي الوقت الذي عدّها كاتب ياسين «غنيمة حرب»، ووصفها مالك حدّاد بـ»منفاه»؛ ظهر موقف الشاعر جان سيناك الحاسم حين فصلَ في موضوع الانتماء، فالحياد هنا لا يتعلق بسؤال اللغة التي يكتب بها الجزائري الذي عاش تحت وطأة الاستعمار لـ 132 سنة، في ظل غياب التعليم باللغة العربية إلا فيما ندر وفي الخفاء؛ إنّما يُعتبر كاتبًا جزائريًّا كلُّ من انتصر لهموم الشعب وأحلامه مهما كانت اللغة التي يكتبُ بها. فالأمر هنا مرتبطٌ بالموقف الإنساني بالدرجة الأولى، بعيدًا من تمجيد الاستعمار واسترضاء الناشر الفرنسي، حيث تصدرُ تلك الأعمال في الغالب.
تقنيات سردية
في «التفكك» (1982م)، أول رواية يكتبها رشيد بوجدرة بالعربية، ويصنفها أقرب الأعمال إلى نفسِه بسبب شاعريتها الماثلة؛ يجد القارئ نفسَه أمام عملٍ ملحميٍّ، يستلهمُ فيه بوجدرة قصة مناضل شيوعيٍّ حقيقيٍّ هو الطاهر الغمري، دون أن يرسو على الحقائق التاريخية بشكلٍ قاطع، مستخدمًا المونولوغ حوارًا داخليًّا بين شخصياتها، في سردٍ متشظٍّ زمنيًّا، لا ينقطع معه خيط السرد والتخييل، ما يشبه نهرًا متدفقًا بتشعباته وتعقيداته وتفرّعاته، فالتاريخ كما جاء في الرواية «قاطرة خارقة للزمن والفضاء، التاريخ يُصنع بالدم والوحل.. لكنه يُصنع، الإنسان يصنعه والمجموعات والأمَم والشُّعوب تُصنّفه». وفي موقع آخر: «قاطرة التاريخ تخرق فيافي العقائد وتُفتِّت الآراء وتبعثر الاعتقادات». من هنا يلجأ بوجدرة إلى معجمه الخاص، فاردًا مساحة لا يُستهان بها لمقارعة الممنوع واللامسموح، مقدّمًا نقدًا لاذعًا للمجتمع ولمسارات الثورة، مجادلًا كل المسلّمات والمقدّسات، بلغةٍ عنيفة فاضحة تطفح بالألفاظ الفاحشة والشتائم المتداولة في المعجم الجزائري اليومي. وفي هذا السياق نعود إلى تصريح لبوجدرة حول مفاضلته بين اللغة العربية والفرنسية بأنه «عندما يكتب بلغة الضاد يشحنها باللغة الشعبية وبالدارجة حتى اللغة السوقية»، بل نجده يضع تلك الألفاظ على لسانِ الأطفال لأنهم يعيشون حالة خوفٍ شديد في أثناء الختان، رواية «الرعن» مثلًا.
يتساءل الروائي والناقد السعيد بوطاجين عن أحد أهمِّ تقنياتِ وخصائص مدوّنة رشيد بوجدرة السردية، في ورقة بحثية بعنوان «المقابسات المضيئة»: كيف تقتاتُ الرواية من نفسها دون أن تقع في التكرار ذاته؟ وما دور التناصات الخارجية في تقوية المعنى؟ ولكن قبل الإجابة عن هذه التساؤلات (وهنا نزرٌ منها فقط) نعودُ مع بوطاجين إلى هذا النوع من النصوص المتشظية من بدايتها إلى نهايتها. هناك خرابٌ بنائيٌّ مدروسٌ ومقصودٌ نجده، بتفاوتٍ نسبيٍّ، في رواياته «التطليق»، «الحلزون العنيد»، «ألف وعام من الحنين» (1979م)، «التفكك»، «ليليات امرأة آرق» (1977م) وغيرها، إذ تتخلّل جلّ الروايات اقتباساتٌ جزئيةٌ، يتعامل فيها بوجدرة بمهارة عالية مع النصوص الوافدة إليه من مختلف الكتب والمراجع ولا سيما التراثية منها، يطوّعها لتتماهى مع معجمِه الخاص وإن كانت عبارة عن مقاطع من كتابات الجاحظ، وابن خلدون، وابن عربي، وصولًا إلى غارسيا ماركيز وكلود سيمون. بل يذهب إلى تقنية التناص من داخل متنه السردي ذاته، باستعادة مقاطع من نصوصه السابقة، في شكل «تكرارات» يحوّرها ويوظفها من جديد.
يجيب صاحب «علامات سردية»، بأن هذا الأسلوب قد يكون أحد أهداف الكتابة لدى بوجدرة، وعلينا قراءة الاقتباسات والإحالات المتفاوتة موضوعيًّا ورؤيويًّا من منجزٍ إلى منجز، بوصفها مقاصد تنتج دلالاتٍ ترتبط بروايات مهاجرة في أشكال مختلفة، تؤثث نفسها بمعارف ومرجعيات أخرى بحثًا عن الشكل الأمثل للإقناع أو التواصل؛ للتدليل على المجاورة التاريخية للأحداث، والانفتاح على الثقافات من دون الخروج عن منطق الحكاية ومقاصدها.
من جهته سأل الروائيُّ والأكاديمي محمد ساري بوجدرة عن وظيفة هذا التكرار داخل المتن الروائي، فاكتفى الأخير بالقول: «بما أن رواياتي في أغلبها هي رواية واحدة وهي أقرب إلى السيرة الذاتية فما المانع من إدخال نصوصٍ سبق نشرها في النصوص الجديدة». لعلَّ هذا الترحال أو التناصّ يتناغم مع الحياة ومساراتها الفكرية بوصفها نصّ العالم الأكبر، وقد لا يكون هناك من مبرّرٍ لهذه الهجرة الداخلية المستمرة في جلّ كتب بوجدرة، سوى أنه تمركزٌ حول الذات يحيل إلى رواد «الرواية الجديدة» الفرنسية، والتركيز على الوصف والمونولوغ بجُمَل طويلة مكثفة مغرقة في التفاصيل والمشاهدات وتقنيات الفلاش باك والمتاهات السردية التي في الأخير هي إحدى سمات نصّ بوجدرة العابر للأنواع.
شغف آخر: السينما
مثّلت السينما والكتابة لها، شغفًا آخر للروائيّ رشيد بوجدرة الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، فقراءةُ منجزهِ لا تحيد عن الأحكام التي تُراوِح بين النقيض والنقيض، هناك من انبهر بمشروعه الإبداعي، وهناك من ابتعد منه مسافاتٍ طويلة، من منطلق الإلغاء حتى الاتهام. لكن بوجدرة أثبت جدارته بكتابة السيناريو أيضًا، ولعل سيناريو فِلْم «وقائع سنين الجمر» للمخرج الجزائري محمد لخضر حمينة الذي حاز السعفة الذهبية لمهرجان «كان» عام 1975م؛ يُعَدّ علامة فارقة بتوظيفه للتاريخي والأسطوري في ملحمةٍ جزائرية خالصة، رغم الشكوك واللغط وقتها: هل فعلًا كتب بوجدرة السيناريو كاملًا أم ساهم في كتابة جزء منه فقط، أم إنه صراع أحقية وأضواء ومباهاة؟ لكن هذا ما سيُفنّده بوجدرة بتمكنه وباقتدار من كتابة سيناريو فِلْم «علي في بلاد السراب» (1978م)، الذي أخرجه الجزائري أحمد راشدي، ونال به إحدى جوائز مهرجان قرطاج بتونس، وهو يروي حياة المهاجرين الجزائريين وتصوّراتهم الاجتماعية والثقافية في بلاد المهجر، وأضافت له موسيقا المبدع العالمي «إيدير» رمزية كبيرة تناغمت مع حالة العزلة والعنصرية. وبالعودة إلى قضايا التحرر واضطهاد الشعوب، كتب بوجدرة كذلك سيناريو فِلْم «نهلة» (1979م)، من إخراج الجزائري فاروق بلوفة، الذي يعدّ واحدًا من أفضل الأفلام العربية بتناوله للحرب الأهلية اللبنانية، انطلاقًا من تحدّي الفنانة نهلة، الفلسطينية الثائرة التي على الرغم من اختناق صوت الحرية بأدخنة الاقتتال الأهلي، تُصرّ على البقاء والغناء في بيروت. أما في عام 1983م فخاض رشيد بوجدرة تجربةً أخرى بكتابة سيناريو فِلْم «الرجل الذي ينظر إلى النوافذ» لمخرجه الجزائري مرزاق علواش، وقد وظّف فيه بوجدرة تقنياته الخاصة، المكرّسة في رواياته، من قبيل المونولوغ والفلاش-باك.
مواقف بصدى أدبي
تتجلى في مسيرة الكاتب رشيد بوجدرة كثير من المواقف الصريحة والحادّة على الرغم من عدِّها إشكالية لدى بعض. لعلّ أبرزها في سياق الدفاع عن الشعوب المحتلة والمضطهدة، موقفُه من القضية الفلسطينية، التي أفرد لها كتابًا بعنوان «يوميات فلسطينية» صدر عام 1972م، وقد رفضت طبعه –في البداية- دار النشر الفرنسية التي دفعت تكاليف الرحلة لما عدّته تواطؤًا مع العرب ومعاداةً للسامية. وهو ما شكّل منعرجًا حاسمًا في مسيرته الإبداعية، تجلّى أكثر في منتصف التسعينيات حين تنكّرت له -بسببِ تصريحاته- كثير من دور النشر الفرنسية وبلاتوهات الإعلام الموجّه، على الرغم من رواج أعماله الروائية عالميًّا، والاعترافِ بأهميّته ومكانته الأدبية. أصرَّ بوجدرة أكثر من مرَّة على مقولة «فلسطين أرض محتلة»، دون ذكر اسم الكيان الذي يحتلّها لعدم اعترافه به، غير آبهٍ بما تكنّه له تلك المؤسسات من «عداء سياسي وتاريخي خالص» حسب تعبيره.
يشيرُ صاحب «الحلزون العنيد» (1977م) في أكثر من مكان إلى تلك الرحلة، وإلى هذا الكتاب الذي كان نتيجة معاينة ميدانية، حيث عاش في سوريا ولبنان وفلسطين لعامٍ كامل، وزار المخيّمات الفلسطينية هناك، وقد ساعده صديقه الراحل «جورج حبش» على الدخول إلى الأراضي الفلسطينية المحتلّة، ليكتبَ مشاهداته التي لازمته لاحقًا في العديد من أعماله، انطلاقًا من خلفيته الثورية إبان حرب التحرير الجزائرية (1954-1962م)، ولاحقًا كشيوعيٍّ ماركسيٍّ تمسّك بفكرة الانتصار للمضطهدين، وأساسًا ككاتبٍ بلوَرَ تصوّراته الفنية والأدبية من تجارب إنسانية تمتدُّ لعقود، وصولًا إلى متابعته لما يحدث في غزة الآن، مستعيرًا في ذلك تعبير «المحرقة» التي يمارسها الاحتلال الإسرائيلي ضدّ أهالي غزة.
لم يجامل رشيد بوجدرة بعض الكتّاب «المحابين الباحثين عن اعتراف الغربِ بهم»، قال ذلك وكتَبه وجادل به في أكثر من منبرٍ، كما أنه صرَّح بمعتقداته الدينية في إحدى القنوات التليفزيونية الجزائرية، ما جعله عرضةً لهجمةٍ إعلامية وجماهيرية شرسة دفعته إلى العدول عن موقفه بشكلٍ بائس. لكنه ضمَّن كثيرًا من القضايا الإشكالية في رواياته التي لم تستكن للتاريخ المتعارف عليه، سواء تعلّق الأمر بالثورة التحريرية أو مختلف التقلّبات السياسية والاجتماعية التي عاشتها الجزائر، بما فيها عقد الإرهاب والدم، مبرزًا تلك التناقضات و»الأخطاء» التي حيّدت البلاد عن مسارها، ولا تخلو روايات مثل «الرعن» (1972م) و»طبوغرافيا مثالية لاعتداء موصوف» (1975م)، من مواقف سياسية راديكالية في معالجة المسألة الجزائرية تاريخيًّا.
ومن بينِ رواياته التي تصوّر التيه، والجراح النائمة بين طيّات التاريخ، رواية «فندق سان جورج» (2007م) مثلًا، التي تكشف فظائع وممارسات الجيش الفرنسي ضدّ الثوار الجزائريين، بتتبع سيرة فنّان حوّلته دوامة الحرب إلى صانع توابيت في خدمة الجلادين. تلك الوحشية الاستعمارية حاضرة أيضًا في رواية «الصبّار» (2010م)، لكن تتطرّق أيضًا لقضية «الحركى» الجزائريين الذين حاربوا إلى جانب المستعمر، والأكثر جرأة تناولها لحربِ الإخوة. مثلًا، إعدام عبان رمضان، أحد أبرز قادة الثورة، على أيدي رفاق السلاح، ناهيك عن الاغتيالات التي طالت مئات الطلبة الذين أوهمت الاستخبارات الفرنسية بعض كبار القادة أنهم جواسيس مندسّون في صفوف جيش التحرير. كما أن موضوعات الحرية والمقاومة والفشل السياسي والاجتماعي لم تفارِق جلَّ أعمال وتصريحات الكاتب المعلنة. هو الذي لم يغادر الجزائر التي عاشت في قلبِ جحيمٍ مستعر زمن التسعينيات، حيث كان يخرج متنكرًا إلى الشارع، قبل أن يلتحم بالصحراء ويكتب روايته «تيميمون» (1994م)، التي يقول على لسان بطلها: «اخترتُ الصحراء فقط لأن أتألم فيها. لم أجد مكانًا أفضل في العالم كله لمثل هذه الأحاسيس السلبية».

شهادات أدبية
بعض الكتّاب تحدثوا لـ»الفيصل» عن علاقتهم بالمشروع الروائي لرشيد بوجدرة، انطلاقًا من سؤال: هل أثّرت كتابات رشيد بوجدرة في المسار الإبداعي للروائيين العرب والجزائريين خاصّة، وما الخاصية التي تفرّد بها في نظرهِم وتستمر في إلهام القراء والكتّاب معًا، سواء بالاتفاق أو بالتضاد؟
يبدأ الروائي والمترجم التونسي محمد الحباشة من استحالة فصل الكاتب عن مواقفهِ وآرائه ورؤيته للحياة، ويقول: «ما يشدّني في مسيرة بوجدرة الطويلة، بين الكتابة والنضال السياسي، هو شجاعته الكبيرة في أن يقول ذاتَه دون لفٍّ أو دوران. ما يكشِف أصالةَ هذا الكاتب وامتلاءه بمبادئه وقِيمه وثقافته. وهو بهذا لا يُشبه العديد من الروائيين الفرنكوفونيّين الذين قرأتُ لهم وأعرِفُ سِيَرهم. ويُمكن القول: إنهم يتعاملون بـ»دبلوماسيّة» شديدة إذا تعلّق الأمر بقضايا سياسية مصيرية أو بالتعبير عن قناعاتهم. أمّا بوجدرة المتخصّص في الفلسفة والإعلام والمناضل السابق ضدّ الاستعمار الفرنسيّ والمُهاجر المنفيّ الذي لا يتنكّرُ مطلقًا لجزائريّتِه، فيبدو لي شديد الاختلاف عنهم».
ويضيف صاحب «مستودع الخنازير» شارحًا هذا الاختلاف القِيمي والمبدئي الذي يمتدُّ إلى «مدوّنة بوجدرة السردية، وذلك في عدمِ مقاربتها للعشرية السوداء كـ (فونتازم) أدبيّ، أو كبضاعة تُباع إلى بعض دور النشر الفرنسية التي تتعامل مع هذه المسألة الدموية بـ (إكزوتيكية). بل درجَ بوجدرة في أعمالٍ من قبيل «الجنازة» (2003م) على الحفرِ في الذّات الجزائرية الحرّة، لا بمنطق الضحية بل بمنطق كسر أغلال الاستلاب، وكشف استغلال الدّين لتفريغِ شحنة العنف في المجتمع المكبوت والغارق في بؤسه الجسدي والنفسي. كما لم يتوقّف رشيد بوجدرة عند هذه الثيمة، مثلما فعل كثيرون من مواطنيه أو من كتّابِ المغرب العربي عمومًا، بل تجاوزها إلى استلهام التراث الصحراوي لبلاده وتسريده في رواية مثل «تيميمون». يستفيد بوجدرة من السرد العربي والغربي، على حدٍّ سواء، وهو ما يُفسِّر خصوصيّة أسلوبه الشفّاف والمُباشر، البعيدِ من الإسراف البلاغي، والمُجيدِ في الوقتِ نفسه لشاعريّة مرهفة، ما نعثر عليهِ في «ألف وعام من الحنين» على سبيل المثال».
في هذا السياق أيضًا يُبرز الروائي الجزائري سمير قسيمي أنَّ مقاربة المشهد الروائي لا تكتمل دون التوقف عند «التجربة الفريدة والمُربِكة التي يمثّلها رشيد بوجدرة. لقد شكّل، منذ بروز اسمه في أواخر الستينيات، لحظة مفصلية في الأدب الجزائري المكتوب بالفرنسية، ثم لاحقًا بالعربية. تأثيره لا يُقاس فقط بعدد الكتّاب الذين تأثروا به أو تمرّدوا عليه، بل بالأثر البنيوي الذي تركه في تصوّر الكتابة ذاتها، من حيث علاقتها باللغة، والتاريخ، والهوية، والجسد، والمقدس. فبوجدرة لم يكن روائيًّا تقليديًّا، بل جاء إلى الرواية بوصفها حقلًا للتجريب الفلسفي واللغوي، وكأن كل نصٍّ يكتبه هو مشروعٌ وجودي يتقصّى فيه أسئلة الإنسان الجزائري المعاصر، الممزّق بين ماضٍ استعماري عنيف، وحاضر موسوم بالانكسارات. أسلوبه الكثيف، المعقد، والمتداخل، الذي كثيرًا ما قارنه النقاد بجيمس جويس، لم يكن مجرّد ترفٍ لغوي، بل محاولة لخلق «لغة ثالثة»، هجينة، تتجاوز الثنائية التقليدية (العربية/ الفرنسية)، وتفتح المجال لتعدد الأصوات داخل النص الواحد».
أمَّا عن الخاصية التي تفرَّد بها بوجدرة في نظر قسيمي فتتمثَّل في «هذا الإصرار على مقاومة القارئ، على ألا يمنحه أيّ راحة، بل يدفعه دومًا إلى إعادة التفكير في المسلمات، سواء من خلال الشكل الروائي أو من خلال المضمون. لم يكن معنيًّا فقط بالحكاية، بل بكيفية حكي الحكاية، وهو ما جعل رواياته تمثل تحدّيًا حتى للقراء المخضرمين، وهذا ما جعله نموذجًا مثيرًا للجدل؛ إما أن تنبهر به أو ترفضه، لكن من الصعب أن تظل حياديًّا أمامه». فيما تتعدَّد طبقات تأثير كتابات بوجدرة في الكتّاب الجزائريين فـ: «هناك من تبنّى نزوعه التجريبي (مثل واسيني الأعرج في بداياته)، وهناك من رفض نخبويته لصالح كتابة أكثر بساطة وقربًا من المتلقي، كما فعل كثير من الكتّاب في التسعينيات. لكن حتى هذا الرفض لم يخلُ من الاعتراف غير المباشر بسطوة حضوره، كأيقونة سردية أزاحت مركزية الرواية الواقعية، وفتحت المجال للغموض، واللايقين، والتفكك البنيوي».
يذهب الكاتب والمترجم الجزائري صلاح باديس إلى عدّ رشيد بوجدرة «حالة متفرّدة، حيث لم يسبق لكاتبٍ جزائريّ أن حازَ انتشارًا واعترافًا باللّغتين كما حازهُ هوَ. نشرَ أول أعماله، منذ منتصف الستينيات، لدى دار نشر مهمّة هي «دونوال-Denoël»، وهي دار كاتبِه الأثير لوي فرديناند سيلين، وناشرة روايته الأبرَز «رحلة إلى أقاصي الليل». لقيَ بوجدرة منذ تلك الانطلاقة استقبالَ واهتمامَ النقد والقرّاء، والتحقَ بقطار «الرواية الجديدة» الفرنسية، مستفيدًا من المخبر الذي صنعه كُتّاب دار «مينوي-Minuit»، أمثال روب غرييه ونتالي ساروت وبخاصّة كلود سيمون. في الجزائر، تقريبًا لا يوجد من يُضاهي بوجدرة من ناحية غزارة الإنتاج وجودته سوى أستاذه محمد ديب (والطاهر وطار، غريمه، نوعًا ما). كان أثرُ بوجدرة –الذي كتب بدايةً بالفرنسية- حاسمًا في جيل رشيد ميموني والطاهر جاووت. كما ساهمت لاحقًا الترجمات المبكّرة لأعماله في أن يحظى بمكانةِ الأكثر قراءة لدى جمهور المعرّبين في الجزائر».
ويصرّح باديس: «أنا شخصيًّا اكتشفته عبر نسخة مترجمة من روايته «الحلزون العنيد» كانت في مكتبة المتوسّطة التي كنت أدرسُ بها. وأدركتُ لاحقًا أن هذا الحضور الأدبي الذي يقارب اليوم 60 عامًا من الكتابة لم يزل له أثر على الكتّاب الجزائريين؛ إن بكتبِه أو بمواقفه وحواراته الدسمة. أخيرًا، وربما هذه أهمُّ نقطة، بوجدرة هو الكاتب الذي التقطَ الكرةَ التي مرَّرها كاتب ياسين، في ملعبِ الأدب الجزائري، عند كتابته رواية «نجمة»، وأحسنَ المراوغة بها وتسجيلَ أهداف عديدة، ولم يكتفِ فقط بتسجيل «ضربة جزاء» (1981م)».

ما يشبه الخاتمة
لا شكّ أن قارئ الغد، سواء اتفق مع بوجدرة أو اختلفَ معه، سيعيدُ قراءة هذا المنجز الإبداعي الاستثنائي بعينٍ مختلفة، حتى الذين قرؤوا هذا المنجز، أو بعضًا منه، ستختلف نظرتهم بتطوّر تصوراتهم وخبراتهم في الحياة، فالوعيُ تراكميٌّ والأسئلة ولّادةُ ذاتها حين يتعلّق الأمر بالفارق الدقيق لسؤال المطابقة المجحفة بين الكتابة والواقع؛ لأن أيّ محاولة لِلَيِّ النص الأدبي هي جريمة في حقِّ كاتبه. فالسؤال المرجعي، محضُ وَهْمٍ، إن لم يكن على صلة بدلالاته النص الأدبية، وإن كانت المقولات صادمة وعصيّة على الفهم منذ الوهلة الأولى، كالكبت الجنسي، واضطهاد المرأة، وسلطة الأب، وذكورية المجتمع، والخيانة، وزنى المحارم، والطبقية وغيرها؛ كونها تمثّل مفاهيم سوسيولوجية واقعية وغير مختلقة. لكن لها في المقابل انعكاس رمزي في نص بوجدرة، الذي لم يتخلّ كذلك عن القضايا الشائكة لتاريخ الجزائر، وبجرأةٍ رفَع التقديسَ عن المقولات والمغالطات الرسمية، والملائكية الزائفة التي توصف بها المرجعية التاريخية. وسيجد النقاد الجادون مادّة دسمة وفضاءً خصبًا لقراءة هذا النص المترامي بفضاءاته المتعددة، وموضوعاته الفلسفية والتاريخية، والأكثر بشخصياته وكائناته الورقية غير المتجانسة، المتناقضة والجامحة، التي تؤثث مرويةً خاصة ملهِمة لجزائر رشيد بوجدرة!
على عتبة 84 عامًا، وستة عقودٍ من الكتابة، يقول رشيد بوجدرة، المولود في مدينة عين البيضاء بأم البواقي شرق الجزائر (05 سبتمبر/ أيلول 1941م): إنه ليس راضيًا على ما أبدع، وإنه مسكونٌ إلى الأبد بطفولتهِ، جرحُه العائلي والرّمزي، ومنبع إبداعاته، متمسّكًا رغم هذا العمر الطويل بنوافذ الحلم المشرعة، بالشغف ذاته للكتابة والمشاكسة، للرسم في وقتِ المحنة، والتجوال في الذاكرة عبر المدنِ الجزائرية وبخاصّة مدينة قسنطينة مدينةُ الصّبا.
المراجع:
– كتب وروايات رشيد بوجدرة، بلغتيها الفرنسية والعربية، وبترجماتها، بعناوينها المذكورة مع تاريخ النشر الأصلي.
– حوار مع رشيد بوجدرة، شاكر نوري، صحيفة الشرق الأوسط، أكتوبر 2013م.
– «شكرًا رشيد، خمسون شهادة في اليوبيل الذهبي»، شهادة السعيد بوطاجين، منشورات مهرجان وهران الدولي للفِلْم العربي، 2015م.
– «هاجس التمرد والحداثة عند رشيد بوجدرة»، محمد ساري، مجلة الاختلاف، العدد الأول، جوان 2002م.
– حوار مع رشيد بوجدرة، سليم بوفنداسة، ملحق كرّاس الثقافة، جريدة النصر، 26 فبراير 2019م.