«نسج الريح» لعبدالعزيز السبيل: فصول نقدية تكشف تحولات السرد السعودي الحديث

«نسج الريح» لعبدالعزيز السبيل:

فصول نقدية تكشف تحولات السرد السعودي الحديث

يتيح كتاب «نسج الريح: قراءات نقدية في السرد»، الصادر حديثًا عن دار أدب للنشر والتوزيع، بالرياض، الإطلالة على جانب حيوي من جهود الناقد الدكتور عبدالعزيز السبيل في مجال النقد السردي. ويتجلى ذلك عبر الاهتمام بالنظرية السردية، وبمفاهيم السرد والسرديات، والاهتمام بأجناس سردية بارزة (القصة القصيرة، والرواية) نظريًّا وتاريخيًّا وتطبيقيًّا.

وعلى الرغم من أن الكتاب في الأصل مقالات نُشرت في الصحافة السعودية في تسعينيات القرن الماضي وفي السنوات الأولى من الألفية الثالثة، فإن الكتاب يبدو مترابطًا، تتكامل فصوله لترسم لوحة مشرقة من لوحات السرد العربي الحديث؛ ذلك لأن مؤلفه، فيما يبدو، قد اتبع خطة للعناية بالسرد وبعلاماته ونصوصه، وظل وفيًّا لخطته على مدار السنين، وهو ما انتهى بالمقالات إلى هذا الكتاب الحيوي الذي يمنح القارئ إطلالة نقدية ثمينة على السرد العربي في المملكة العربية السعودية، في مراحل النشأة والتأسيس، وفي مراحل التطور والنضج، وصولًا إلى المراحل الأخيرة التي قويت فيها التجربة ودخلت مراحل من التحديث والتجريب.

تبسيط النقد دون تفريط

يدل الكتاب، من جهة أولى، على مواكبة الناقد الدكتور عبدالعزيز السبيل للإنتاج القصصي والروائي السعودي، وعلى اهتمامه به منذ عقود عدة، وما الكتابة النقدية في الصحف الذائعة إلا لون من ألوان هذا الاهتمام وتلك المواكبة، وما يختبئ وراءها من دعم مؤيد لهذا الإنتاج الإبداعي، ومن وعي بدور السرديات في حياة المجتمعات المعاصرة. ومن جهة ثانية يطلعنا الكتاب على ثقافة نقدية وعلى متابعة واسعة للنقد السردي العربي والعالمي، وكذلك على حركة القصة والرواية في العالم العربي. فلا يعني اهتمام المؤلف بالإنتاج السعودي أنه يفصله أو يستقل به عن محيطه العربي، بل هو شديد الحرص على تقييم هذا الإنتاج ونقده ضمن رؤية موسعة تجتهد في موازنته مع ما يقابله أو يوازيه من الإنتاج العربي، ووضعه في سياقه الموسع، نظرًا للتقارب والتشابه في كثير من الظواهر المرتبطة بذلك الإنتاج.

وعلى الرغم من تعدد فصول الكتاب إلى خمسة عشر عنوانًا، فإننا بعد الفراغ من قراءته نجدها تتجمع في دوائر واضحة. تبدأ بالدائرة النظرية التي تضم المقالات الأولى المهمة التي تقدّم إطارًا نظريًّا شديد الكثافة والفائدة. وهناك دائرة تاريخية تشمل التأريخ للقصة القصيرة وللرواية السعودية، وتقدم إطلالة شاملة على مراحل تطورها في قراءات شاملة تتخذ من البعد الزماني وتتابع المراحل والأجيال أساسًا لضبط المراحل.

وتنصرف بقية المقالات إلى القراءة التطبيقية التي تتركز معظمها في قراءات نقدية نصية لقصص وكتابات سردية محدّدة، وتكشف عن طاقة تحليلية رفيعة، وعن قارئ حصيف شديد الإصغاء للنص السردي، ولأصوات الرواة وحركة الشخصيات. أي أننا هنا أمام تجليات الثقافة السردية الحديثة للمؤلف عبر أثرها العميق في القراءة النقدية التي تسبر النص وتتعمق في أبعاده، وتكشف طبقاته الفنية والدلالية، ولا تسهو عن ربطه بالحركة الثقافية والمجتمعية وبمجمل التحولات الحضارية التي تقف وراء كثير من هذه القصص المختارة للتحليل.

يكتب السبيّل كتابه/ مقالاته بأسلوب واضح، دقيق، يجمع في نسيج واحد بين الكثافة والإيجاز والإمتاع. ومن البيّن أن اقترابه من عالم الصحافة والحياة العامة مبكرًا قد أسهم في تكوين هذا الأسلوب؛ ذلك أن مثل هذه التجربة تعلّم الكاتب كيف يقترب من القارئ العام، ويبذل الجهد في تبسيط المعرفة، ويخلّص النقد من المصطلحات والعبارات الصعبة التي تشيع في كتابات بعض النقاد الأكاديميين، وتغمض على القارئ العادي وأحيانًا المتخصص.

ولذلك فإن مقالات السبيّل تشدك وتدعوك لمتابعتها، حتى لو لم تقرأ الأعمال والنصوص التي يكتب عنها. فهو يوضح لقارئه خلفيات العمل وسياقاته، ويبين هويته المضمونية والفنية، ويقتبس فقرات منه، تجعل المقال النقدي مكتفيًا بذاته، ومكتملًا، ومفيدًا، حتى لو لم يكن النص الإبداعي المقصود متاحًا.

الرواية الأولى: إعادة نظر

السمة الأخرى التي تراءت لنا بين ثنايا هذه المقالات أن السبيّل يحرص على أن يكوّن صورة شاملة عن مادته وموضوعه، عبر تعدّد المراجع والموارد والآراء التي يعرضها. ثم هو يوازن بينها، ويقتبس أبرز ما فيها، ثم يصدر أحكامًا تتميز بالاعتدال والرويّة، متفقًا أو مختلفًا مع من سبقوه، أو مصححًا ومستدركًا على ما ذهبوا إليه، خصوصًا في المقالات النظرية والتاريخية التي تقتضي ضروبًا من التتبع والمراجعة للآراء والاجتهادات السابقة.

ومن أمثلة ذلك تعديله لما ذهب إليه عدد من النقاد ومؤرخي الأدب بخصوص الرواية الأولى في الأدب السعودي، فقد شاع أنها رواية عبدالقدوس الأنصاري «التوأمان»، في ثلاثينيات القرن الماضي، وقد تبين له أنها ضعيفة ومرتبكة رؤية وفنًّا ولا تستحق هذه المكانة التأسيسية. وذهب إلى أن رواية أخرى هي الأجدر بهذه المكانة وهي رواية بعنوان «الانتقام الطبعي» لمحمد الجوهرجي التي نشرت أول مرة عام 1935م. وهي لأسباب فنية في رأيه «تستحق بجدارة أن تمثل بدء الرواية في المملكة العربية السعودية».

وتبعًا لما سبق، لا يميل السبيّل إلى المبالغة في رسم صورة غير دقيقة للحركة القصصية والروائية، فيأخذ على محمد الشنطي وخالد اليوسف أنهما بالغا في إحصاء كتب كثيرة ضمن بحثهما عن نشأة الرواية وتطورها في الأدب السعودي، وأن كثيرًا منها لا يستحق الاهتمام ولا التوثيق لتطامن المستوى الفني؛ ذلك أن الأدب والفن ليسا بالكثرة أو بالكم، وإنما بالإبداع والفرادة والتميز.

وتُظهر مقالة المؤلف حول الكاتبة السعودية الراحلة نثار يحيى زكريا (1925-2017م) مساندته لأدب المرأة ومتابعته للإنتاج النسوي السعودي. فقد كشفت هذه المقالة عن رائدة ومثقفة عربية شبه مجهولة للقارئ العربي، اتجهت مبكرًا للدفاع عن المرأة وموقعها الاجتماعي والثقافي، وضرورة أن تحقق ذاتها وأن ينظر باحترام لأدوارها المتشعبة. وقد كتبت الراحلة مقالاتها وكتاباتها المبكرة موقعة بالحروف الأولى من اسمها، وهو ما يضعنا أمام ظاهرة الأسماء المستعارة للكاتبات العربيات خصوصًا في النصف الأول من القرن العشرين؛ بسبب عدم تقبل المجتمع ظهورَ المرأة صراحة في الحواضن الثقافية والإعلامية، ومعاداته للنساء المثقفات اللواتي ينافحن عن مكانة المرأة ويطالبن بحقوقها.

يذكّرنا المؤلف بعدد من الكاتبات السعوديات اللواتي استعملن أسماء مستعارة في مراحل من حياتهن الثقافية من مثل: سميرة بنت الجزيرة (سميرة خاشقجي)، وغجرية الريف وغيداء المنفى (هيا العريني)، والخنساء ونداء (سلطانة السديري)… وهذه الظاهرة جزء من ظاهرة عربية واسعة ضمن محاولات المثقفات الأوائل للتحايل على القيود التي أحاطت بهن، وهي صورة من صور مقاومة الرائدات العربيات للضغوط الاجتماعية التي لم تنفك بيسر أو دون تضحيات على مر السنين والعقود الحديثة.

مشروع ثقافي متكامل

لقد طوّف الناقد عبدالعزيز السبيل في مسيرة القصة القصيرة والرواية السعودية، وإلى جانب عشرات الأسماء الرائدة، التي وردت في القراءات البانورامية والتاريخية، فقد وقف عند تجارب قصصية وسردية بعينها وقفات متأنية متعمقة، تدل على خبرته في قراءة النص السردي، وعلى ضروب من القراءة الفاحصة لأبعاده وعناصره، وذلك في قراءاته قصص مختارة لكل من: إبراهيم الناصر الحميدان، وحسن النعمي، ومحمد علي الشيخ، وتركي ناصر السديري، وجارالله الحميد، ومحمد علي قدس وغيرهم.

أما قراءة السبيّل للكتاب السردي للدكتور عبدالله الغذامي «حكاية سحارة» فهي قراءة حديثة جمعت خيوطًا متعددة. فلقد حلل المؤلف سيمياء الغلاف والعنوان وعتبات الكتاب، رابطًا بين جهد الغذامي السارد، وجهد ابنته الفنانة التي أنجزت رسوم الغلاف وتصميمات الكتاب. وهذه القراءة السيميائية تدل على اجتهاد السبيل في الإفادة من الاتجاهات الحديثة التي تفتح الباب واسعًا أمام قراءات تأويلية تُعنى بما سماه جيرار جينيت بالعتبات، وشدّد على وظائفها في قراءة النصوص وتفكيك أعماقها.

وإلى جانب وعي السبيّل بالأبعاد السردية الشعبية للكتاب، وتقصّده التعالق مع نوع سردي عربي قديم هو (تكاذيب الأعراب)، فإنه لم يكتفِ بالتحليل السردي الاعتيادي، وإنما أضفى على حكايات الغذامي أبعادًا تبدو أقرب إلى السيرة والتجربة الذاتية، مبينًا تعالق بعض هذه الحكايات مع مكانة الغذامي ومسيرته في حركة الحداثة العربية في السعودية، وما شهدته هذه الحركة من مواجهات مع التيارات التقليدية خصوصًا في ثمانينيات القرن العشرين، وأن بعض حكايات الكتاب ليست إلا تمثيلًا موازيًا لبعض القصص الحقيقية، وليس التكاذب أو التخييل إلا سبيلًا فنيًّا للتعبير عنها والإفادة منها وتحويلها إلى مادة تستعاد لتأريخ معركة الحداثة.

يضاف هذا الكتاب إلى رصيد ثمين للدكتور عبدالعزيز السبيل (مواليد القصيم 1955م) مما تمثل في مؤلفاته وترجماته وبحوثه السابقة مثل: «الشعرنة بين السياسة والشعر»، و«الغذامي الناقد» 2002م، و«عروبة اليوم»، و«رؤى ثقافية» 2010م، و«أزمة الموروث الثقافي»، و«المثقف المؤسسة السلطة» 2011م، و«السرد والشعر: رؤى نقدية» 2019م، إلى جانب ترجمات بارزة منها: «تاريخ كمبريدج للأدب العربي» 2002م، وشارك في ترجمة مختارات ونصوص قصصية إلى الإنجليزية منها: «أصوات التغيير: قصص قصيرة للكاتبات السعوديات» 1997م، و«أصوات جديدة في السعودية: القصة القصيرة» 2014م. وأما جهوده في التعليم الجامعي وإدارة الثقافة وهندستها وتنظيمها في السعودية والعالم العربي فهي جهود لا تخفى على المتابع، وما زال حتى اليوم يواصل دوره الثقافي التنويري عبر الكتابة والإدارة وتأسيس المجلات وتنظيم الفعاليات الفكرية، والمشاركة في المجالس واللجان الرفيعة، وقد عمل أستاذًا جامعيًّا في جامعة الملك عبدالعزيز، وجامعة الملك سعود، وترأس مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، وعمل وكيلًا للشؤون الثقافية بوزارة الثقافة والإعلام، وما زال يواصل مسؤوليته أمينًا لجائزة الملك فيصل العالمية. إنه باختصار مثقّف الحِراك الذي يرى الثقافة في حركتها لا سكونها، ويراها قابلة للتجدد وللتأثير وللإسهام في تنمية المجتمعات كلما استمرت في المواجهة والحركة والصمود.

الأديب والناقد الكيني نغوجي واثيونغو… صوت المقاومة الثقافية وأدب ما بعد الاستعمار في شرق إفريقيا

الأديب والناقد الكيني نغوجي واثيونغو… صوت المقاومة الثقافية وأدب ما بعد الاستعمار في شرق إفريقيا

رحل الأديب والناقد الكيني نغوجي واثيونغو، أحد أبرز أصوات المقاومة الثقافية وأدب ما بعد الاستعمار، في 28 مايو (أيار) 2025م عن 87 عامًا، مخلفًا أكثر من ثلاثين عملًا في الرواية والقصة القصيرة والمسرحية، إلى جانب مقالات ومؤلفات نقدية تمثل نظرية فرعية في مجال أدب ما بعد الاستعمار ونقده. هذا النشاط الدؤوب لم يفتقر للشجاعة وللجرأة، بل كثيرًا ما شهد مواقف صدامية مع أطراف مناهضة له، سواء في بلاده الأصلية (كينيا)، أو في المهجر الأميركي، حيث عمل في جامعات عدة، أو حتى مع أصحاب الرؤى المغايرة، ضمن زملائه، من أعلام الأدب ما بعد الكولونيالي. وقد سجن واثيونغو ولوحق في بعض المراحل؛ نتيجة كتاباته ومواقفه تجاه السياسة الاستعمارية في كينيا وفي شرق إفريقيا بشكل أوسع.

وعلى الرغم من هذه الوجوه المتعددة، وربما بسبب منها غدا اسم الراحل محوريًّا في تمثيل الأدب الإفريقي المعاصر وأدب ما بعد الاستعمار، بكل ما فيه من تنويعات ومواجهات تضع الأدب والفكر في علاقة جدلية مع مواجهات الاستعمار والسياسة ومع اضطرابات واقع ما بعد الاستعمار. والأديب الراحل معروف للقارئ العربي منذ عقود، فقد اتصل القارئ العربي بأعماله المترجمة إلى العربية أو المنشورة بالإنجليزية، إلى جانب أسماء أدباء إفريقيا الكبار مثل: وول سونيكا، وتشينو أتشيبي، وج.كويتزي، وعبدالرزاق قرنح، وغيرهم.

مولده ونشأته وتعليمه

وُلد نغوجي واثيونغو في بلدة (ليمورو) في كينيا، عام 1938م، قرب العاصمة نيروبي، لأسرة ممتدة تعمل في الزراعة والفلاحة. وكانت كينيا، في مرحلة ميلاده، لا تزال مستعمرة بريطانية، في شرق إفريقيا، وكانت قوى الاستعمار تجاهد للبقاء فيها أطول مدة ممكنة. تلك المرحلة التي امتدت من عام 1895م حتى 1963م.

درس نغوجي في مدارس كينية مثل: كامندورا، ومانجو، وكينيوجوري، وانتقل في المرحلة الثانوية إلى مدرسة خاصة أسسها المبشرون الإنجليز (ألاينس)، وهي تتصف بنوعية متقدّمة من التعليم. وقد أهَّله تعليمه وتفوقه لإتمام دراساته الجامعية في أوغندا وبريطانيا. فدرس في (ماكيريري) في كمبالا عاصمة أوغندا، أبرز جامعات إفريقيا آنذاك، ثم انتقل إلى جامعة ليدز البريطانية العريقة. وعاش وعمل في كينيا وأوغندا وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، ولم يكن نشاطه يبعد مِن الآداب الأفرو-إنجليزية في كل الأحوال.

مؤتمر الأدب الإفريقي عام 1962م

نظمت جامعة ماكيريري، الجامعة الأوغندية المرموقة، مؤتمرًا مهمًّا للأدباء الأفارقة، عام 1962م، شكل علامة فارقة -حتى اليوم- في تطور الأدب الإفريقي واتجاهات كتابه. وكان من بين الحضور والمشاركين أبرز الأعلام آنذاك: تشينو أتشيبي، وول سونيكا، وجون بيير كلارك… ولم يكن واثيونغو قد عرف طريقه الأدبي بعد. كان طالبًا موهوبًا في جامعة ماكيريري التي انتظم فيها منذ عام 1959م. اقترب الشاب الموهوب من هذا المناخ واختلط بالأدباء المشاركين، وتعرف إلى تشينو أتشيبي، ثم عرض عليه مخطوطة روايته الأولى. قرر أتشيبي مساندة واثيونغو، فأرسل المخطوط إلى ناشر كُتُبِهِ في بريطانيا. وصدرت الرواية بعنوان «لا تبكِ أيها الطفل» عام 1964م، وهي الرواية التي كفلت لمؤلفها الشهرة المبكرة والدخول في «نادي» الأدب الإفريقي العالمي بعد نشرها في سلسلة بريطانية شهيرة مخصصة للأدب الإفريقي. ونشر بعد ذلك أعماله اللاحقة: «حبة قمح»، و»النهر الفاصل»، في بداية سبعينيات القرن العشرين، مستفيدًا من شهرة روايته الأولى. خلال هذه المرحلة كان يستخدم اسمه الأول (جيمس نغوجي). من الواضح أن تسمية جيمس جاءته من المرحلة الاستعمارية التي كانت تقتضي إطلاق أسماء إنجليزية على الأطفال الكينيين، وقت ميلادهم أو عند تعميدهم. كأن هذا كان طقسًا ثقافيًّا للتعميد في الثقافة الإنجليزية، أكثر من التعميد بالمعنى الديني.

واظب نغوجي طوال هذه السنين على الكتابة والنشر، إلى جانب شهرته أستاذًا وأكاديميًّا له مكانة مرموقة في التنظير لأدب ونقد ما بعد الاستعمار، الذي ارتفع الاهتمام به في الجامعات الأميركية بصفة خاصة، ضمن المناخ الذي خلفته دراسات واهتمامات إدوارد سعيد وغياتري سبيفاك وهومي بابا وإعجاز أحمد وغيرهم من كبار النقاد والمنظرين في القرن العشرين.

جسر يربط ثقافة إفريقيا بالعالم

تقوم شهرة واثيونغو على مكانته الأدبية في التعبير عن بلاده وعن ثقافة شرق إفريقيا في مرحلة الاستعمار وما بعد الاستعمار، ثم في الدور الفكري والريادي للرجل في إطار تطوير سياسات النقد والفكر ما بعد الكولونيالي. كتب مقالات ودراسات ومؤلفات متعددة، إلى جانب إسهاماته التنظيمية ومشاركاته المتشعبة في العديد من المؤتمرات والفعاليات المرتبطة بهذا المناخ. وقد حظي بمكانة خاصة ونادرة؛ لأنه تقريبًا ظل يطل على الجانبين: المحلي (في كينيا وإفريقيا)، والنظرة الأخرى المتأتية من إتقانه للإنجليزية، وموقعه الأكاديمي في الجامعات العالمية في بريطانيا والولايات المتحدة. ذلك ما منحه موقع الجسر الذي يربط ثقافة إفريقيا بالعالم، ومكّنه من المناورة ومن إيصال صوته الذي لم يخلُ من تشدّد ومن مواقف حادة، تعكس الآلام التي ظل يحملها نتيجة ما عايشه في أواخر حقبة الاستعمار، حيث شهد نضالات قوى التحرر الكيني في مواجهة سلطات الاستعمار (جماعة الماو ماو)، ثم ما شهده في مرحلة ما بعد الاستعمار تحت ظل الدولة الوطنية الجديدة، حيث وجد نفسه في خلاف معقد معها؛ بسبب الفساد وغياب الديمقراطية، وتلقى بسبب مواقفه كثيرًا من أذى الاضطهاد والسجن.

عمل نحو عشر سنوات أستاذًا في جامعة نيروبي في كينيا (1967-1977م)، وفي أثنائها كان زميلًا في برنامج الكتابة الإبداعية بجامعة (ماكيريري) الأوغندية في العام الدراسي 1969/1970م وأستاذًا زائرًا بجامعة نورث وسترن 1970/1971م. ومن ثمار تجربته وعمله في نيروبي، اجتهاده مع العديد من زملائه في تطوير سياسات أقسام اللغة الإنجليزية والتمرد على أسسها وبرامجها البريطانية التي انتقدها الرجل. اقترح نغوجي تطويرها بحيث تغدو أقسامًا للآداب العالمية والإفريقية، ولا يكون الهدف الرئيس منها الترويج للثقافة الإنجليزية ذات الطابع الاستعماري. ودعا في بعض الأحيان إلى إلغاء هذه الأقسام؛ بحجة أصولها وسياساتها الاستعمارية وضرورة بنائها من جديد على أصول جديدة تنسجم مع ثقافة ما بعد الاستعمار وحاجات الشعوب التي عانت طويلًا التجربةَ الاستعماريةَ. وهو ما عبر عنه في العديد من مقالاته ومؤلفاته مثل: «الكتّاب في السياسة»، و«تصفية استعمار العقل»، وغيرهما.

الكتابة باللغات المحلية

منذ بداية الستينيات، ظهرت دعوات خافتة، لم تلبث أن توسعت تدريجيًّا، تتعلق بلغة الكتابة الإبداعية في إفريقيا ما بعد الاستعمار؛ ذلك أن الكتّاب المعروفين جميعًا، يكتبون باللغات «الاستعمارية» الإنجليزية أو الفرنسية أو غيرهما، وفق الدولة الاستعمارية المهيمنة. وقد قويت هذه الدعوة عندما تبناها الناقد النيجيري (أوبي والي) وكرّر نقده لعدد من مشاهير الأدب الإفريقي، داعيًا إياهم إلى إظهار انتمائهم إلى إفريقيا من خلال الكتابة بلغاتها المحلية، وعدم اقتصار كتاباتهم على اللغات «الاستعمارية».

ويبدو أن هذه الدعوة هي السبب المباشر الذي دفع نغوجي واثيونغو لاحقًا إلى إعلان تخليه عن الكتابة بالإنجليزية، مختارًا لغته المحلية التي كانت تستعمل في الإقليم الذي ولد فيه. وغدت هذه الاستجابة معلمًا من معالم شخصية الأديب الراحل؛ ذلك أنه اختار لغة محدودة الانتشار، ليكتب بها رواياته وأعماله منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين. وقد ظل ملتزمًا بهذا الأمر، ولكنه في الوقت نفسه كان يترجم تلك الأعمال بعد كتابتها الأولى، فتظهر منها طبعات إنجليزية متزامنة أو لاحقة، إلى جانب طبعاتها المحلية.

نشر واثيونغو روايته الأخيرة المكتوبة بالإنجليزية «تويجات الدم» عام 1977م، وتخلى منذ ذلك الحين عن اسم (جيمس) الإنجليزي، وجعل اسم شهرته الجديد اسمًا إفريقيًّا بالكامل: نغوجي واثيونغو. وكان واثيونغو قد انتقد الأدباء الآخرين الذين يصرون على الكتابة بالإنجليزية، ومن ضمنهم صديقه وأستاذه القديم أتشيبي، الذي يرى أن الإنجليزية أقرب إلى هبة أو غنيمة حرب، وهو رأي يذكرنا بالكاتب الجزائري كاتب ياسين الذي ألف أعماله باللغة الفرنسية ولكنه عبر من خلالها عن هموم شعبه وقضيته من منظور وطني. وبالرغم من هذا الموقف، الذي يعبر عن شكل من أشكال الرد على الاستعمار، وشكل من أشكال الدفاع عن الهوية، والإعلان الصريح عن الانتماء إليها، فإن واثيونغو قد اختار طريقًا مواربًا للمحافظة على حضوره العالمي، وذلك أنه اتبع طريقته الجديدة في التأليف باللغة المحلية، ولكن مع ترجمة يقوم بها بنفسه إلى الإنجليزية، فتظهر كتبه بطبعات محلية وعالمية في الوقت نفسه، مع اكتساب مزيد من صفات المناضل والثوري، والمتخلي عن الإنجليزية، وهو ما أغضب زملاءه الكتاب؛ إذ رأوا في ذلك موقفًا أقرب إلى المزايدة أكثر مما هو موقف فكري أو لغوي جوهري. فهو ما زال يعمل في أعرق الجامعات الأميركية، وينشر كتبه بالإنجليزية بترجمات ينجزها بنفسه، وفي الوقت نفسه يصرح أنه يكتب بلغته المحلية الكينية! فإن كان جادًّا فلم لا يتوقف نهائيًّا عن الإنجليزية ولا يعيد كتابة أعماله ونشرها بها في أكبر دُور النشر العالمية؟!

أعمال (واثيونغو) في اللغة العربية

اهتم الشاعر العربي العراقي الراحل سعدي يوسف (1934-2021م) بإنتاج واثيونغو في زمن مبكر منذ بداية ثمانينيات القرن العشرين، فترجم له روايته «تويجات الدم» (نشرتها دار ابن رشد، بيروت عام 1982م) وكانت قد صدرت بالإنجليزية عام 1977م. تناولت الرواية أوضاع كينيا، في ظل دولة الاستقلال القمعية؛ ذلك أن الخلاص من الاستعمار ليس نهاية المطاف، فمعظم دول العالم الثالث، بما فيها الأقطار العربية، عانت الأنظمةَ الحاكمةَ، في مرحلة الاستقلال، أضعاف معاناتها في المراحل الاستعمارية، وذلك بنشوء طبقات حاكمة تعد امتدادًا للاستعمار وأقرب إلى أعوان أو أدوات استعمارية لا تنشد التحرر الحقيقي بمقدار رغبتها في الاستيلاء على السلطة وعلى ثروات البلاد.

الهاجس الرئيس في «تويجات الدم» هو أحوال كينيا في مرحلة الدولة الوطنية بعد الاستقلال. فعلى نحو ما تعرضت له البلدان العربية من اضطرابات، فكذلك كان شأن معظم الدول التي استقلت حديثًا. فكان لا بد من مواجهة اختلالات ما بعد الاستعمار، والصراعات المستجدة بين السلطات الوطنية القمعية التي حاولت بسط سيطرتها بالقوة البوليسية على الخصوم وعلى فئات الشعب وجماهير ما بعد الاستقلال. فاستمر النضال ضد هذه القوى من المؤمنين بالحرية والرافضين للعسف والقمع من أية جهة جاء.

أما كتاب واثيونغو الفكري السياسي «تصفية استعمار العقل» فكان الكتاب الفكري الوحيد الذي نشر ضمن سلسلة (ذاكرة الشعوب) التي أصدرتها دار الأبحاث العربية في بيروت. ونشر الكتاب بترجمة سعدي يوسف عام 1987. يدافع واثيونغو في هذا الكتاب عن خياراته اللغوية في الكتابة باللغة المحلية، ويبذل جهده لبيان العلاقة بين اللغة والاستعمار، فكأن مواجهة اللغة هي لون من ألوان تصفية الاستعمار وإنهاء وجوده بصفة جوهرية. وبذلك فإنه يقدم خطابًا يقع في صميم اهتمامات نقد ما بعد الاستعمار وكيفية الرد على الإمبراطورية، ليس بالإنجليزية وحدها، وإنما باللغات المحلية التي يمكن أن يتفاعل معها الجمهور المحلي العام.

ومن أبرز الأعمال المنشورة باللغة العربية، للأديب الكيني الراحل: رواية «النهر الفاصل»، وقد نشرتها وزارة الثقافة بدمشق عام 1988م، بترجمة عبدالله صخي. ورواية «شيطان على الصليب»، ترجمة عبدالعزيز عروس، ونشرها اتحاد الكتاب العرب بدمشق عام 1999م. كما نُشر له كتابان عن دار روايات في الشارقة: «أحلام في حقبة حرب»، وهو كتاب خصصه لسيرة طفولته، وترجمته ريوف خالد، ونُشر عام 2023م. والكتاب الثاني هو: «لا تبكِ أيها الطفل»، وهو روايته الأولى التي نُشرت بالإنجليزية عام 1964م، وكانت بداية شهرته الواسعة كأديب ممثل للصوت الإفريقي الحديث، وظهر الكتاب بالعربية عام 2022م بترجمة أمينة الحسن.

وصدر له كتاب يضم مجموعة من بحوثه ومساهماته الفكرية والسياسية بعنوان «الكتّاب في السياسة: إعادة شراك قضايا الأدب والمجتمع». وهو متمم لكتابه «تصفية استعمار العقل»، ويتناول قضايا لا تبعد من هموم المؤلف واهتمامات أدب ما بعد الاستعمار، سواء من ناحية المضامين أو الأساليب. وقد نشرت الكتاب دار ابن النديم ودار روافد في الجزائر وبيروت، بترجمة عهود بنت خميس المخيمي عام 2020م. وللأديب الراحل عشرات الأعمال الأخرى التي تتوزع بين: الرواية والمسرحية والقصة القصيرة، إلى جانب الكتابات النقدية والفكرية التي واظب على كتابتها انطلاقًا من خلفيته الأكاديمية والسياسية. ويمكن أن تسهم هذه الكتابات في إثراء النقاش الدائر في مختلف قضايا التقدم والعدالة والحرية، وتأمل العلاقات بين الثقافات، إضافة إلى موقف المثقف من السلطة، وغير ذلك من قضايا مهمة.

نهضة الرواية الإفريقية

وقد اتجه أربعة من أبناء نغوجي إلى الكتابة، من أبرزهم (موكوما وانغوجي) الذي يكتب الرواية، إلى جانب الدراسات النقدية، وقد نشر كتابًا مهمًّا بعنوان: «نهضة الرواية الإفريقية»، صدر عن مطبعة جامعة ميشيغان عام 2018م، وترجمه صديق محمد جوهر إلى العربية، ونشر في مارس 2024م ضمن سلسلة عالم المعرفة (الكويت). وهو كتاب قيّم، وينطلق من مؤتمر جامعة ماكيريري في أوغندا 1962م، بوصفه حدثًا فاصلًا في تاريخ الرواية والأدب الإفريقي. يطرح الكتاب مشكلات تتعلق بلغة الكتابة وموضوعاتها. ويبدو أن موكوما الابن لا يتبنى موقف أبيه، وموقف الناقد والأديب الإفريقي أوبي والي، الداعي إلى الكتابة باللغة الأم.

ينتصر موكوما بصورة ما لرأي الروائي تشينوا أتشيبي، وقد اقتبس عنه قوله: «هل من الصواب أن يتخلى المرء عن لغته الأم من أجل لغة أخرى؟ يبدو هذا وكأنه خيانة مروعة، ويفضي ذلك إلى شعور بالذنب. لكن بالنسبة لي لم يكن هناك خيار آخر: لقد مُنِحْتُ [وُهِبْتُ] هذه اللغة وأعتزم استخدامها». يعكس موكوما في كتابه معظم أصداء النقاشات المتعلقة بأدب ما بعد الاستعمار، بصورته الإفريقية والعالمية، ويورد الكثير عن أبيه وعن بقية أدباء إفريقيا واختلاف مواقفهم وتنوعها. لكن هذه المواقف، في كل حال، تعكس نهضة رواية إفريقيا بأصواتها المتنوعة، وبحضورها الأخّاذ في العالم.

نجوان درويش.. تجربة فلسطينية جسورة تليق بالشعر الجديد فاز بالجائزة الكبرى للشعر الأجنبي في فرنسا

نجوان درويش.. تجربة فلسطينية جسورة تليق بالشعر الجديد

فاز بالجائزة الكبرى للشعر الأجنبي في فرنسا

  ينتمي الشاعر الفلسطيني نجوان درويش (مواليد القدس 1978م) إلى التجربة الراهنة في مسيرة قصيدة النثر الفلسطينية والعربية. من يطالع مجموعاته المتتابعة في العقدين السابقين سوف يستوقفه هذا الاجتهاد في الانتماء إلى مسيرة هذه القصيدة واستيعاب منجزها وخصائصها في مراحلها السابقة، وسيتنبه إلى اجتهاد الشاعر في البحث عن صوته الخاص استنادًا إلى تجربته الفلسطينية التي تمثّل مركز كتابته وقصيدته، إلى جانب إثراء هذه التجربة من خلال تنقله وتجواله في عدد من البلدان العربية والأجنبية، إلى جانب ثقافته المتشعّبة التي ألقت بظلالها على قصيدته، وشكّلت موردًا أساسيًّا من مواردها.

وكان نجوان درويش توّج مؤخرا بالجائزة الكبرى للشعر الأجنبي لعام 2024م، التي يمنحها «بيت الشعر- مؤسسة إميل بليمونت» في باريس، لشاعر عالمي عن مجمل تجربته، وقاسمه الجائزة الشاعر والمترجم المغربي عبداللطيف اللعبي، الذي تَرجَمَ مختارات من التجربة الشعرية لنجوان.

قصيدة نثر بخيوط الهوية والشتات

يلجأ نجوان درويش بشكل مجمل إلى الاتكاء على خصائص قصيدة النثر التي تتميز بتكثيف الشعر خارج الوزن وخارج الإيقاع المنظّم، لكنها في الوقت نفسه تبحث عن إيقاعها الخاص خارج البحور والتفعيلات النمطية. وفي سبيل ذلك يعتمد على إيقاع الجمل وطريقة تقطيعها وطبيعة الأصوات المكونة لمفرداتها، إلى جانب الاهتمام بالإيقاع المعنوي أو الدلالي، ذلك الإيقاع الذي يتشكّل من خلال استثارة العلاقات الدلالية، وما يمكن أن تخلّفه من دهشة وسخرية ومفارقة. كذلك يعتني الشاعر بالجانب التخييلي وبالصور المرتبطة بجذور الشعر وبلغته، ولكنه يظهر ضربًا من الإحجام أو الاحتراس من انفجار الصورة، فتأتي منضبطة غير مطلوبة لذاتها، بل كثيرًا ما يعمد إلى آليات أخرى يمكن عدّها بدائلَ فنيةً للصورة وطرق تقديمها أو تعبيرها عن المعنى.

وفي مقدورنا القول: إنه شاعر جديد من شعراء المعاني، غير المولعين باللفظ وبإظهار التفنن اللغوي؛ ذلك أن الشعر عنده تجربة في التعبير عن الهوية والشتات ورسم صورة جديدة للفلسطيني في إطار عالم متسع ممتد، وهو ما يقتضي إظهار معاناته وتجاربه في إطار عالمي وإنساني يقرن تجربة تشقق الهوية وتجربة الشتات الفلسطيني بتجارب الشعوب الأخرى. وتبدو هذه النزعة في «أنسنة» التجربة الفلسطينية وتعميمها وربطها بغيرها من التجارب نزعة مقصودة ذات أساس راسخ في وعي الشاعر ووعي جيله، أملًا في تحقيق تفاعل وتواصل أوسع وأعمق يعيد تقديم الفلسطيني بوصفه «إنسانًا» ذا تجربة عريضة مختلفة، وليس ضمن القوالب النمطية التي رسمها الأصدقاء والأعداء على حد سواء. وكل ذلك لا يتطلب تخييلًا منفلتًا أو مفتوحًا قدر حاجته إلى التخييل المنضبط أو المحكوم بدواعي المعنى وقوته وعدالته. يمكن الإصغاء عميقًا في قصائد نجوان إلى أصداء الهوية الفلسطينية، وترجيعاتها في مختلف القصائد والتجارب، بدرجات متفاوتة من الوضوح والقصد، ولكن عندما ندقق نجد أنها لا تتقدم بصيغتها الأحادية المنفردة، وإنما هي في سياق عربي وإنساني واسع، إلى جانب تشاكلها مع التجارب الهوياتية المهددة مثلها، لجماعات أخرى، تعرضت لضروب من تهديد الهوية، خصوصًا الجماعات التي تنتمي للعالم العربي ولإفريقيا، وللشعوب التي تعرضت لألوان مختلفة من الاستعمار والاضطهاد والتشتيت ضمن تحولات العالم الحديث، وإعادة رسم خرائط البلدان والجماعات والهويات.

التَّناصُّ محركًا للقصيدة

يعتمد نجوان درويش على إمكانات «التناص» في كثير من قصائده، ويؤدي من خلاله وظائف عدة: فهو مظهر مهم من مظاهر ثقافة القصيدة وأنها لا تنطلق من فراغ، وإنما من «تراث» تسترشد به وتتحاور معه، وهو يعين الشاعر على وضع معناه الجديد، وإضافته المتوخاة إلى جوار ما يقاربها أو يتصل بها، وكذلك هو تقنية فنية تساعد الشاعر على تشييد بنية قصيدته، وتأسيسها على ما يثيره النص الأول أو المادة الأولى، ومع أنه كثيرًا ما يعمد إلى بنية «المخالفة» أو «التقويض» في التفاعل مع النص الأصلي أو الواقعة المرجعية، فإن القصيدة تظل محكومة في إنتاجها وتلقّيها بتفهم الخلفية المرجعية وتتبع توجيهاتها وتأثيراتها
في النص الجديد.

وتتعدد صور التناص التفاعلي الذي أشرنا إليه، فقد يكون جملة أو بيتًا شعريًّا، وقد يكون حادثة أو واقعة معينة، وقد يكون عملًا فنيًّا أو لوحة، وقد يكون شخصية أدبية أو تاريخية يؤسس صلته الخاصة بها في صورة من صور «البورتريه» أو السيرة الشعرية المختلفة، فهذه الصور وما ينشأ عنها تعد في نظرنا صورًا من التناص القصدي الذي يمثل ميزة من ميزات هذه القصيدة المثقّفة.

يبدو التناص في هذه التجربة آلية فنية ورؤيوية مقصودة؛ ذلك أنه يتيح للتجربة الفلسطينية أن تتعالق مع ماضيها ومكوناتها الذاتية إلى جانب تعالقها مع التجربة العربية والإنسانية وتجربة الاتصال بهويات فرعية ومهمشة على خلفية التشابه في مواجهة الظلم والاستبعاد والاستثناء من مكاسب العالم الحديث. هذا التناص إذن، على الرغم من طابعه الأدبي العمومي، فإنه يبدو منفذًا للتواصل والتثاقف وإغناء الهويات على مبدأ البحث عن وجوه من التشابه أكثر من الاختلافات، إلى جانب ما ينهض به من وظيفة مهمة تتمثل في إدراج مكونات التجربة الفلسطينية في إطار إنساني واسع، وإظهار قدر من التفهم لما تعرضت له تلك الهويات وأصحابها من عوامل التعرية والهجوم والاستبعاد.

كلما اقتربت عاصفة أو فصل في لندن

في مجموعة «كلما اقتربت عاصفة» المنشورة عام (2018م)، يقدم الشاعر جانبًا من تجربته في لندن وتأريخها ونقل أصدائها وإيحاءاتها بأسلوب شعري. وربما لذلك وضع عنوانًا تصنيفيًّا دالًّا تحت عنوانها «فصل في لندن» كما نصّ بوضوح على مكان الكتابة وتاريخها (لندن، يوليو 2014م، حتى يناير 2015م)، وعبارة «فصل في لندن» ربما تتصادى مع عنوان رامبو المعروف «فصل في الجحيم». مكان الكتابة في مثل هذا الديوان ليس مجرد جغرافيا أو موقع محايد، بل هو جزء أصيل من التجربة والذاكرة، ولذلك في مقدورنًا أن نضيف سمة أخرى إلى قصيدة نجوان تتمثل في شعرنة مكونات السيرة الذاتية، والانشغال بها لتكون ضربًا من ضروب التخييل الذاتي الشعري، الذي تمتزج فيه وقائع الحياة بتأويلات المخيلة، مع الاستئناس بفيوض الذاكرة التي تستحضر الماضي وتقرنه بالراهن. وتبدو كثير من القصائد أشبه بيوميات تعتني بشعرية التفاصيل وبلاغة اليومي والمنسي، ولكنها تذهب في دلالتها بعيدًا لتصل إلى ما يقرب من مواجهة الشرق والغرب واستعادة اختلافهما، من بوابة التفاصيل والجزئيات والعناصر الجانبية:

«أحيانًا أفتح الراديو على أمل أن أسمع أم كلثوم/ منطلقة في «حبيبي يسعدْ أوقاته»/ فلا أجد سوى سيمفونيات/ «زواج فيغارو» لا تساوي عندي طقطوقة من حنجرة الست».

وكذلك ما كتبه في قصيدة أخرى:

«تمر كالطيف بالكافتيريات المسترخية بلا شمس في/ صباح «إيلينغ برودواي»/ إيلينغ لا تصنع شيئًا سوى تذكيرك بإيلاف قريش/ في رحلة الشتاء والصيف/ والـ«إيل» هو أيضًا رب هذا البيت/ لست الآن سوى مائدة جوعهم/ لست الآن سوى أفئدة غزلانهم المروعة في قصائد تجرفها المستوطنات».

هذه الصور والتعبيرات التي تلتقي فيها الأضداد ليست إلا نتاج المخيلة الشعرية التي تجمع بين الذاكرة واليومي والتاريخي وتتفاعل مع المكان ومحمولاته المتشعبة، كأنما صارت جزءًا أصيلًا من تجربة الذات الشعرية، بمعناها الداخلي المؤثر، وبما تشف عنه من دلالات ثقافية وحضارية تصل تجربة الفرد بالجماعة، وتصل في النهاية تجربة الشرق بالغرب، وتصل تجربة فلسطين بتجربة العالم، لنصل مع القصيدة الأخيرة في المجموعة إلى ما يوحي بقرار الهرب من «جزيرة الإنكليز»:

«وأسمع صوتًا يقول لي: اهرب/ واترك جزيرة الإنكليز وراءك/……………………/ وتسمع الصوت: اهرب/ بجميع لغات سكان المدينة الهاربين من أحلام طفولاتهم/ من آلام مستعمرات تحولت تواقيع باردة في كتب
مات مؤلّفوها».

«بورتريهات» أماكن وشخصيات

مجموعة «تعب المعلَّقون»،  2018م، لا تبعد عما أشرنا إليه من تعالق قصيدة نجوان درويش مع مكونات ثقافية شتى، ولذلك نجد فيها عددًا من القصائد المهداة، والمستوحاة من حياة أشخاص وأعلام عرفهم الشاعر وتفاعل مع بعض تفاصيل حياتهم أو كتابتهم، من مثل المناضلة الفلسطينية (رسمية عودة) التي يهدي إليها قصيدة «عندما أيقظوك في الفجر» ويؤسس قصيدته على حكاية اعتقالها وسجنها الطويل بسبب دورها في رفض الاحتلال ومواجهته في ستينيات القرن الماضي، وهناك قصيدة مهداة إلى الشاعر العراقي الراحل عبد الأمير جرص (1965-2003م) الذي قضى شابًّا في حادث مؤسف في منفاه الكندي، وكذلك قصيدة أخرى بعنوان «ظهورات طه محمد علي» تستوحي شخصية شاعر فلسطيني معروف. هذه القصائد يمكن تقريبها بوصفها «بورتريهات» شعرية تقتضي من القارئ التعرف ولو قليلًا إلى الشخصيات المقصودة؛ ليمكن الإحاطة بمعنى القصيدة التي تظل في دائرة التفاعل والتناص عبر التجاوب مع ما تثيره الشخصية المرسومة من دلالات وأخيلة.

ولا يقتصر الأمر على الشخصيات الحديثة أو المعاصرة، بل يمتد إلى إعادة صياغة مواقف شعرية استنادًا إلى شخصيات تاريخية، من مثل ما نطالعه في قصيدة «حكاية من شيراز» التي تعيد سرد حادثة لقاء الغازي التتري (تيمورلنك) بحافظ الشيرازي، وتتأمل هذا اللقاء وتتجادل مع المؤرخين الذين نقلوا هذه الحادثة، وتمثل ضربًا من التعالق مع التاريخ وإمكانية أن ينهض الشعر بدور تخييلي في إعادة قراءته وتأويله، وتتكرر فيها عبارة مهمة «اقرأ التاريخ ولا تصدّق المؤرخين»، وهي عبارة مفتاحية تشير إلى جانب حيوي من علاقة الشعر بوقائع التاريخ ومرويات المؤرخين.

وقصيدة «فلتنته الرحلة هنا» تستعيد قصيدة لأبي نواس في مدح الخصيب (والي مصر في زمن الرشيد). تترسّم القصيدة أولًا خُطَى أبي نواس، ثم لا تلبث أن تتماهى معه بصورة سيرية، فيغدو أبو نواس أقرب إلى قناع للشاعر الحديث الذي يعيش تجربة جديدة مع مصر والقاهرة:

«فلتنته الرحلة ههنا/ فلتنته عند هذين البيتين/ لا تتذكر غيرهما/ وهم يودعونك «غرفة التوقيف» في مطار القاهرة».

ثمة بعد تضامني يمكن تأمل وشائجه في الروابط التي عقدها الشاعر مع فئات مهمشة في أكثر من قصيدة مثل: عمال المياومة المصريين في الأردن، والعمال النيباليين في الخليج العربي، ونحو ذلك من جماعات، ونقرأ في مثل هذه القصائد عن الفئات المنسية اجتهاد الشاعر في توسيع أفق التجربة واستيحاء تجارب جماعية لآلاف البشر المنسيين، مع اتساع معاناتهم وقسوة حياتهم وعطائهم المجهول الذي قلما يجد من يعبر عنه.

مجموعة «استيقظنا مرة في الجنة» المنشورة في طبعتها الأولى عام 2020م، نرى فيها ما وسم معظم مجموعات الشاعر من العناية بالتبويب والتنظيم حيث ينقسم هذا الديوان إلى سبعة فصول/أقسام، يتميز الأول والأخير بأن كلًّا منهما يتكون من قصيدة واحدة، وهذا يعطي وظيفة «التأطير» ودلالة المفتتح والختام، وما بينهما أقسام تتعدد قصائدها ضمن مسارات لا يخفى على القارئ المدقق ما يلوح فيها من علاقات ودلالات تتكون نتيجة ترتيبها ونظام تتابعها. وهذا التنظيم يذكّرنا أننا أمام شعر يُتلقّى عبر القراءة البصرية أكثر من القراءة الشفوية، وبعبارة أخرى نرى أنه أميل إلى أن يكون شعرًا مقروءًا بصريًّا أكثر من التلقي عبر الأذن أو السماع، وهو أكثر وفاء بخصائص الثقافة الكتابية ذات الطابع البصري من متطلبات الشفاهية التي تقترن بالإلقاء والسماع.

ولا شك في أن نظام توزيع القصائد توجيه قرائي واستقبالي حيوي ومحكم في الوقت نفسه. يؤثر في بناء المجموعة ويوجه القارئ للتعامل معها بوصفها كتابًا شعريًّا مركبًا وليس مجموعة قصائد جمعتها المصادفة في كتاب واحد.

أما مجموعة «كرسي على أسوار عكا» المنشورة عام 2021م فلا تبعد كثيرًا من أجواء المجموعات السابقة، سوى بمزيد من الخبرة وصقل التجربة، فقصيدة «تل السمك» على سبيل المثال تعيد استعادة المعلقات والوقوف على الأطلال، وتذكرنا في الشعر الحديث بوقفة فدوى طوقان على أبواب يافا:

«على أبواب يافا يا أحبائي/ وفي فوضى حطام الدور/ بين الردم والشوك/ وقفت وقلت للعينين: يا عينين/ قفا نبك/ على أطلال من رحلوا وفاتوها/ تنادي من بناها الدار/ وتنعى من بناها الدار».

في حين أن نجوان درويش يقف على أطلال «تل السمك» في حيفا ويكتب:

«تعال إلى تل السمك/ للموج كلمته المسموعة/ وأطلال الميناء القديم توقظ من رقدتها كل المطالع الجاهلية:/ هل غادر الحيفاويون من متردم؟/ آذنتنا ببينها/ أقفر من أهله../ فقط تعال إلى تل السمك».

تذكرنا هذه الطللية التي تقتبس جملًا بارزة مما يتكرر في مطالع المعلقات العربية قبل الإسلام، بأصداء متعددة للطلل في الشعر الفلسطيني، منها طللية فدوى طوقان التي أشرنا إليها، ومنها طلليات محمود درويش وعز الدين المناصرة وغيرهما من كبار الشعراء؛ ذلك أن التخريب والتدمير والتغيير قد أحال مواطن كثيرة في فلسطين إلى أطلال، ليس بفعل الزمن وحده، وإنما بفعل الاحتلال، ووجد الشاعر الفلسطيني في ميراث «الأطلال» والديار المقفرة وشدة تعلق الشاعر بها، على الرغم مما آلت إليه، مفاتيح ثمينة للاحتفاظ بذكرى الوطن وأماكنه ومرابعه بالرغم من آثار الاحتلال.

ومن الصور المهمة والمتكررة في شعر نجوان درويش ما يمكن تسميته بصورة القدس التي تمثل فضاءً تخييليًّا وواقعيًّا وتاريخيًّا مؤثرًا في تجربة الشاعر؛ ذلك أنها مدينة ميلاده ونشأته وشبابه المبكر، إلى جانب مكانتها الرمزية المجللة بالقداسة، ومكانتها الفاصلة في الصراع مع الاحتلال. وقد تعاضدت مجموعة عناصر أدت إلى هذا الظهور الفريد للقدس في تجربة نجوان، بعيدًا من الهوس الخطابي الذي ظهر في معظم الكتابات المتصلة بالقدس؛ ذلك أن نجوان يكتب عن القدس من موقع المعايشة العميقة، ويجهد في تسجيل علاقته بها ضمن سيرة متقطعة تأثرت عميقًا بعوامل الاحتلال والتغيير والإغارة على كل مكون ينتمي
للقدس العربية:

«دعي رأسك على صدري واسمعي/ طبقات الخرائب وراء (المدرسة الصلاحية)/ اسمعي البيوت المبقورة في «لفتا»/ اسمعي المعصرة المهدومة ودرس القراءة/ في الطابق الأرضي من المسجد».

إنها كتابة شعرية ترصد من الداخل لا الخارج، وتتأسس على التجربة والمعاينة المقرّبة، وليس على الشعار البعيد، وتدل في كل حال على موهبة شعرية خرجت من قلب القدس إلى العالم، دون خوف أو فزع، بل بجسارة تليق بالشعر الجديد.