في سعيه المحموم نحو الحداثة، لم يدرك الإنسان أنه ببلوغ غاياته يصنع واقعًا قاسيًّا ومجتمعات ضاغطة، وأن ثمة سلالة من أرواح مأزومة ستصبح أثرًا جانبيًّا لكل مرحلة من حداثته المنشودة. هذه الأرواح التي طاردها واقعها وجدت طريقها إلى الأدب لتصرخ عبره في وجه العالم. صرخة أطلقها «راسكولنيكوف» بطل «ديستويفسكي»، الذي كان ضحية التمدن في مجتمعات صناعية باردة، ثم واصلها بطل «كافكا»، «غريغور سامسا»، حين مزقته العلاقات النفعية في مجتمع تسيره المادة، وكذا «مورسو» بطل «ألبير كامو، الذي لم يكن سوى انعكاس لمجتمع تراجعت فيه القيمة وتوارت العاطفة. وعاد يطلقها من جديد بطل رواية «ترف الانكفاء» للكاتب السعودي «وائل هادي الحفظي»، الصادرة عن دار الآداب- بيروت، والفائزة بجائزة أسماء الصديق للرواية الأولى في دورتها الثالثة لعام 2025م.
منذ بداية رحلته السردية وعبر عتبتها الأولى، قرر الكاتب اعتماد المفارقة في عنوانه «ترف الانكفاء»، فخلق صدمة دلالية، ربما أراد عبرها حَفْز وعي القارئ وتهيئته لسرد سوداوي، يرصد مآسي الذات الإنسانية في صراعها مع الواقع الحديث، ويتتبع شعورها باللاجدوى، وجنوحها للعزلة والاغتراب. وعزز الغاية ذاتها عبر توطئة أخرى استدعى خلالها شعر «أبي العلاء المعري»:
«تعب كلها الحياة فما أعْــــ ــــــجبُ إلا من راغب في ازدياد»
مشيدًا بهذا الاستهلال جسرًا بين الحاضر والتراث، أحال عبره إلى قدم مأساة الإنسان واقترانها بوجوده. وهيأ كذلك قارئه لمناخ من الألم والانكسار، فتح بدوره بابًا للتعاطف مع البطل، الذي تولى عبء قيادة الحكي عبر ضمير المتكلم. واتسق أسلوب السرد الذاتي مع طبيعة البطل الداخلية المعطوبة بالتشظي والاضطراب، فضلًا عن أثره في زيادة حميمية النص.
البطل المضاد
عمد الكاتب إلى تجهيل شخوصه ولا سيما شخصيته المحورية، وهو ما أضفى عليها هالة من الغموض، زادت من جاذبيتها. وأحال التجهيل -ضمنًا- إلى شيوع هذا النموذج الإنساني المأزوم في العصر الحديث. وعلى خلاف نموذج البطل التقليدي، اتسم الراوي باعتلال سلوكي وقيمي؛ يناقض الصورة النمطية التي تميز الشخوص المحورية عادة، فبدا متمردًا، قلقًا، مدخنًا، متقلبًا، انطوائيًّا حد النفور من الناس، يعاني اضطراباتٍ وهلاوسَ نفسيةً، يحمل أعباء وجودية، فاقدًا للمعنى، معطوبًا من الداخل، غير موثوق، لا يتعاطى مع الزمن كمساحة للحياة وإنما كساحة لانتظار للموت، يعيش أزمة في علاقته مع العالم حتى مع جسده، فكان ضعفه، نحافته وإنهاكه، مؤشرًا إلى عدم انسجامه مع العالم، وعجزه عن مواجهته، وتآكله من الداخل.
أججت كل تلك السمات صراعاته النفسية، فتنازعت نفسه بين ما يحبه هو وما يحبه الناس، وراوَحَ بين رغبة في الانسحاب من المجتمع، تجلَّت في جنوحه للعزلة واستساغته برودتها، وبين احتياج للدفء دفعه للتواصل مع جارته العجوز وإبداء استعداده لمعاونتها، بين كراهية للحداثة، ونظام السوق الذي حوَّل كل شيء إلى سلعة، وبين محاولته الاستفادة من أدوات تلك السوق لتحصيل مكاسب مادية تعينه على العيش، بين وعيه بأساليب المعلنين لاصطياد فرائسهم، وانقياده خلف إعلانات الفضاءات الإلكترونية التي ساقته لتطبيق التقى فيه طبيبته النفسية، بين كراهية بيئة عمله، وتحملها حتى بلوغه مرحلة الاعتلال النفسي، بين تمرد على الاحتراق الوظيفي، ورغبة متوارية في الحصول على الاعتراف.
كذلك تأرجح بين رفضه لتروس الرأسمالية ونقمته على توحشها، وفي الوقت عينه قبوله زيادة الإيجار التي يطالب بها المالك بين فينة وأخرى، بين قلب حساس يبرر لأخيه الأكبر تركه وحيدًا مع أب مريض، وعقل غاضب يدين الأخ ويبغض انسحابه، بين الغثيان من العالم حد الظن بألا شيء يستحق الكتابة، والحنين إلى معنى عدِّ كل شيء يستحق الكتابة لأجله. وقد قاد هذا الصراع العنيف الذي تأجج في دواخل البطل، إلى انفجار ظله، وغلبة جانبه المظلم الذي دفعه لاقتراف القتل غير المسوَّغ. كما أذكى صراعاته الخارجية مع جارته، وطبيبته، مع الزحام والوحدة والحياة. «تخيلي يا سيدتي أن القضية التي أحارب من أجلها هي أن أبقى وحيدًا، وعندما أكون كذلك أجدني أحارب الوحدة. قضيتي خاسرة منذ البداية، ولكنني قررت أن أحاول، ليس لأنني متيقن من النصر، ولكن لأنني متيقن من أنها الملهاة الوحيدة أمامي كي أبقى» ص 67.

المشهدية والرمز
بدت المشهدية أداة مركزية استثمرها الكاتب بهدف بث الحياة في الحكي؛ إذ أتاحت له، إلى جانب ما استخدمه من تقنيات سينمائية مثل تقنية عين الكاميرا؛ تحويل السرد إلى عرض. ولم تكن البصرية غايته الوحيدة من هذا التكنيك؛ إذ وظفه لإبطاء حركة النص، بما يمنح المتلقي فرصة للتأمل والمشاركة في لعبة السرد. ودفع عبره بمزيد من التوتر الدرامي. وطوعه أيضًا لتمرير دلالات رمزية تحيل إلى هشاشة البطل، اضطرابه النفسي، وتناقضاته الداخلية. «تقدمت أمامي فلحقتها. كان الكهل فاغر الفم، وممدًّا على الأرض بسكون.. فككت عن صدره القميص وبدأت أضغط على منطقة القلب.. وصل المسعفون.. ركبت زوجته معهم في القمرة الخلفية لسيارة الإسعاف. وقبل أن يغلق عليهم السائق باب القمرة، نظرت إليّ وكأنها توقعت أنني سأرافقها. رمقتني بنظرة فيها الكثير من خيبة الأمل. فيما نظرت إليها بحزن كبير وعميق. عليك الآن أن تصارعي الحياة وحدك. أهلًا بك في مكب النفايات».
ولم تكن المشهدية جسرًا وحيدًا للتشفير؛ إذ امتد إلى عمق البنية السردية، فأحالت كراهية البطل للمنبه ورغبته في أن يبول على قبر من اخترعه؛ إلى شعوره بالاغتراب ورفضه لعالم تهيمن عليه الآلة. وأحال إعجابه بأغاني «لانا ديل ري» إلى هشاشته، ألمه الداخلي وحنينه لمن فقدهم، ولا سيما أنها الموضوعات ذاتها التي تعرضت لها المطربة الأميركية. أما سخريته من أيام الأمم المتحدة فكانت امتدادًا لرفضه الحداثة، وكل ما يرتبط بها من مظاهر سطحية ومصطنعة.
كذلك كانت تصميماته رافدًا للرموز والدلالات؛ إذ أحالت إلى عدميته، واغترابه، ورفضه للنظام الاجتماعي، وازدرائه للرأسمالية ونظام السوق، الذي يكرس لهيمنة المادة وخضوع الإنسان «سيكون التصميم عبارة عن مأدبة.. جميع المدعوين إلى هذه المأدبة من العلماء الذين ساهموا بشكل واضح في إطالة عمر هذه المهزلة. يجلس هؤلاء إلى الطاولة محيطين بالكائن الخارق، أو الكسلان كما يطلقون هم عليه، وقد علت ملامح وجهه المسنود بيده اليمنى أمارات الملل» ص 129. كذلك استغل الكاتب ارتباط نبات السدر ببعض الطقوس الجنائزية التراثية، وصنع منه شفرة خاصة، ربطت بين مسحوقه والموت داخل العالم الروائي، فمهد عبره لموت الأم، وكذا لموت الجارة.
المكبوت واللاوعي
عبر هذه البنية الرمزية مَرَّرَ الكاتب بعضَ الرؤى الفلسفية، حول الحياة، والموت، والمصير. وطرق العديد من القضايا مثل الاحتراق الوظيفي، توحش الرأسمالية، والنفاق الاجتماعي، والاستهلاك والتسليع. وجسّد عبر شخصية الراوي الذات الإنسانية الممزقة في مواجهة العالم المادي. وحرص في الوقت عينه على تفسير عطب البطل وفق منهج فرويدي، فكشف عن المكبوت في لاوعيه، عبر قيامه بكسر الزمن الخطي باستخدام تقنية الفلاش باك، مستعيدًا طفولته وما وقع فيها من تصدعات نفسية، أحدثها موت الأم ثم غياب الأب بغياب ذاكرته، وما خلفه فقد الأبوين من عقد مكبوتة، أثمرت تلك الشخصية السوداوية المضطربة. «في المدرسة صرخ طالب لحظة خروج الجميع.. انظروا إلى ثوبه، إنه متسخ! ما يزال يحمل البقعة نفسها منذ أسبوع.. لم يعلق أحد بكلمة، لكن تجنبهم إياي بعد ذلك كان أبلغ من كل الكلمات».
كذلك أبرز الكاتب شعور بطله بالذنب تجاه «اللافعل» كجزء من إرث طفولته. وفسر عبر هذا الشعور وذاك الإرث إخفاقه في التعاطي مع أنماط اجتماعية تكرس لعبودية العمل، وإخفاقه أمام تروس الرأسمالية، وفي مواجهة العالم وذاته؛ وهو ما دفعه لممارسة الإزاحة النفسية، وتعويض كل تلك الإخفاقات بارتكاب جريمة، لم تكن تستهدف الضحية في الأساس، بل كانت تفريغًا لما يعانيه من قهر وكبت واغتراب. وكانت كذلك وسيلة رمزية أخرى اعتمدها الكاتب لإدانة الواقع ومسائلته، ولا سيما أن شخصيته المحورية تعبر عن جيل كامل يعيش الحياة ذاتها، التي لا تنفك تتحول يومًا بعد يومٍ لنسخة أكثر آلية، وأشد قسوة.
0 تعليق