ثمة حقيقة نفسية لافتة للنظر: بعضٌ يفضل أعمال ليف تولستوي، وبعضٌ يفضل أعمال فيودور دوستويفسكي. وقلما نجد من يحب أعمال الكاتبين العملاقين بالقدر نفسه. يمكن القول: إن تولستوي ودوستويفسكي على طرفي نقيض. هذا واضح ليس فقط في خلقهما عالمين مختلفين، ولكن أيضًا في تفضيلات القارئ. عادة أولئك الذين يحبون أحدهما لا يحبون الآخر. ولكن لا يوجد مكان للمنافسة في عالم الإلهام. كل كاتب عظيم بطريقته الخاصة، والاختيار بين أعظم كاتبين روسيين يعود في نهاية الأمر إلى نوع العظمة الذي يتوافق مع مزاج قارئ معين.
إن التقييم الموضوعي في الأدب غير ممكن. هناك العديد من العوامل التي تؤثر في عملية القراءة أكثر مما نتصور. صفحات الكتب مأهولة بأشباح تجربتنا وتحيزاتنا ومخاوفنا في الحياة وأذواقنا المختلفة؛ لذلك عندما يقول أحد: إن تولستوي أعظم من دوستويفسكي، فإنه أعظم بالنسبة إليه فقط. بعض القرّاء يحبون تولستوي بسبب القصص التي رواها، وآخرون يحبون دوستويفسكي للأفكار التي ابتدعها. ولكن حتى لو كنت لا تحب تولستوي ودوستويفسكي على قدم المساواة، فأنت لا تزال تشعر بشكل حدسي بالاختلافات العميقة بين عالميهما. تولستوي هو «أعظم وريث للتقاليد الملحمية»، ودوستويفسكي هو أحد الممثلين الرئيسين للتقاليد الدرامية بعد شكسبير. بعضٌ ينتقد دوستويفسكي للحبكات غير المنطقية في رواياته وقصصه. وهذا أمر لا يمكن إنكاره. وينتقد آخرون تولستوي؛ لأن رواياته الطويلة جدًّا تضجر القارئ.
أوجه الاختلاف
يصور تولستوي حياة المجتمع الراقي في قصور سانت بطرسبرغ الأنيقة، حيث تحيا الشخصيات الرائعة والمعقدة. كتبه عبارة عن عروض للمهارة الأدبية، حكايات ملحمية مكتوبة بلغة لا تشوبها شائبة. تولستوي يصور العالم الداخلي للشخصيات في حركتها المستمرة وتناقضاتها وتطورها. ويهتم بنقاط التحول ولحظات الأزمة في حياة الإنسان، وتأثير أحداث العالم الخارجي في العالم الداخلي للشخصية. وعلى هذا النحو فإن المسعى الروحي لأندريه بولكونسكي، وبيير بيزوخوف، في «الحرب والسلام»، يكمن في حقيقة أن هذين البطلين قادران على التطور الروحي. وهذا وفقًا لتولستوي هو أهم معيار للتقييم الأخلاقي للشخصية. إضافة إلى ذلك، يبحث أبطال تولستوي عن معنى الحياة والسعادة الشخصية، ويظهر المؤلف هذه العملية في تناقضها الجدلي: في إيجاد السعادة وفقدانها.
يمكننا أن نميز الوسائل التالية للتعبير الفني في أعمال تولستوي: التحليل النفسي، والكشف عن النفاق اللاإرادي، والرغبة اللاواعية في رؤية الذات في وضع أفضل، والسعي بشكل حدسي لتبرير الذات، والمونولوغ الداخلي الذي يخلق انطباعًا عن الأفكار المسموعة (الأمير أندريه تحت سماء أوسترليتز) والأحلام التي تكشف عن عمليات اللاوعي (أحلام بيير)، تصوير رؤية الشخصيات للعالم الخارجي (حفلة الرقص الأولى لناتاشا روستوفا)، التفاصيل الخارجية (أشجار البلوط، سماء أوسترليتز)، التباين بين الوقت الذي جرى فيه الحدث، ووقت سرده (المونولوغ الداخلي لماريا بولكونسكايا حول سبب وقوعها في حب نيكولاي روستوف). وهكذا، فإن «ديالكتيك الروح» في أعمال تولستوي، أي إظهار الشخصيات قيد التطور يسمح برسم صورة الحياة الداخلية للشخصيات بموضوعية، والتعبير عن التقييم الأخلاقي لما يسرده المؤلف.
عند قراءة أعمال تولستوي، نلحظ أن المؤلف يعرف دائمًا ما تفكر فيه شخصياته، ولماذا يتصرفون بهذه الطريقة أو تلك. هذه ليست مصادفة، فقد كان الدور التعليمي للأدب مهمًّا لتولستوي دائمًا. هذا هو السبب في أن جميع شخصياته المفضلة في حالة بحث روحي لا نهاية له، ويوضح المؤلف هذا البحث بكل قوة عبقريته. علاوة على ذلك، يعرف قارئ تولستوي دائمًا كيف يصور الكاتب هذه الشخصية أو تلك. على سبيل المثال، عائلة روستوف وكوراجين في «الحرب والسلام». كان تولستوي واقعيًّا بكل معنى الكلمة. يقول بهذا الصدد: «الحقيقة هي بطل روايتي». ويعترف كل جيل بهذه الحقيقة على أنها حقيقة خاصة به، بغض النظر عن الأزمات الاجتماعية أو الرعب الوجودي. إذا حاول دوستويفسكي أن يجعلنا نصل إلى السماء، فإن تولستوي يوضح لنا بمثال حي كيف نلمس المتعالي هنا والآن في عالمنا الملوث.
لا شك في أن نثر تولستوي المتقن تجسيد للتناغم والنظام والرغبة في الجمال. كقاعدة عامة، في جميع روايات الكاتب لا توجد تفاصيل عشوائية، فكل شخصية مدروسة بعناية، والراوي منتبه جدًّا لكل حركاتها.
ومن هذه التفاصيل مثلًا «أسنان فرونسكي الصلبة القوية». بحلول نهاية الرواية، بطلة الرواية آنا كارينينا تحرك عظمة الفك السفلي من ألم الأسنان المستمر. وعلى هذا النحو، نرى أن التفاصيل التي قد تبدو عشوائية، لا تؤدي وظيفة وصفية فحسب، بل تصبح أيضًا تعبيرًا عن تجارب البطل العاطفية.
يعرف الكاتب والناقد الروسي ديمتري ميريجكوفسكي التقنية الرئيسة لكتابات تولستوي السردية بأنها انتقال من المرئي إلى غير المرئي. ومن الخارجي إلى الداخلي. ومن المادي إلى الروحي أو في الأقل «الوجداني». وأنه من خلال الكشف عن «ألغاز الجسد» يقترب تولستوي من معرفة «أسرار الروح». دوستويفسكي على النقيض من ذلك ينتقل من الباطني إلى الخارجي. من الروحي إلى المادي. ويشير ميريجكوفسكي إلى أن تولستوي يقدم للقارئ كثيرًا من التفاصيل الفنية ويكشف بوساطتها عن الجوهر الداخلي للشخصيات. في حين تبدو شخصيات دوستويفسكي تخطيطية ولكنها تكتسب الحياة في خيال القارئ بفضل المحتوى الروحي.
تغطي نصوص تولستوي مجال خبرة أوسع من خبرة دوستويفسكي. لم يصف أحد الطفولة أو الحياة الأسرية أو الصيد أو الحرث أو الحرب بشكل أفضل. هذا يظهر اهتمامه بالجسد والعمل. ليس من قبيل المصادفة أن يشتهر تولستوي بوصف الطبيعة والحيوانات. عادة ما يعدّ دوستويفسكي الحالات المرضية هي الأساس لكل شيء آخر، والتي تؤدي إلى البصيرة، بينما يفضل تولستوي عادة (ولكن ليس دائمًا) الحالات الصحية على غير الصحية.
أعمال دوستويفسكي أقل دقة وأكثر غموضًا. أي رواية لدوستويفسكي مليئة بالقلق والاضطراب، حزمة من اليأس. يظهر أبطاله في مواقف متطرفة، حيث لا يتم اختبار شخصياتهم فحسب، بل يتم أيضًا اختبار طبيعتهم الحقيقية. تصوير النفس البشرية لدى دوستويفسكي له خصائصه الخاصة. دوستويفسكي نفسه أشار إلى تميزه عن بقية الكتاب الواقعيين المعاصرين له قائلًا: «إنهم يدعونني كاتبًا نفسانيًّا: هذا ليس صحيحًا، أنا فقط واقعي بالمعنى الأسمى، أي أنني أصوّر كل أعماق الروح البشرية.»

تتميز روايات دوستويفسكي، كما قال ميخائيل باختين، بتعدد الأصوات: ولكل شخصية صوتها المميز، والمؤلف يمنح الجميع الفرصة للتحدث، في حين أن صوت المؤلف ليس سوى أحد الأصوات. روايات دوستويفسكي روايات نفسية. فهو يصوّر أبطال رواياته خارج أوضاعهم الاجتماعية، أولئك الذين انسلخوا من طبقتهم، وليس لديهم أي مهنة، ولا يعمل أيًّا منهم (الاستثناء الوحيد سونيا مارميلادوفا، لكن ما كانت تقوم به أمر شائن). جميع الشخصيات لديها محادثات طويلة ونزاعات حول المشكلات الكبرى، أي أن أبطال دوستويفسكي هم أبطال أيديولوجيون، وصراعهم الرئيس محمل بالأفكار الفلسفية. المؤلف لا يجبر القارئ أبدًا على الوقوف إلى جانب هذا البطل أو ذاك، وبتعبير آخر لديك خيار في عالم دوستويفسكي فيما تعتقده وما تفضله من شخصيات رواياته، ومن تتعاطف معه.
تقول زوجة دوستويفسكي آنّا دوستويفسكايا: «كان تولستوي وتورجينيف وجونشاروف أشخاصًا أصحاء وأثرياء، وكان لديهم كل الفرص للتفكير وإكمال عملهم. لكن فيودور ميخائيلوفيتش عانى مرضين خطيرين، وكان مثقلًا بديون كثيرة ويتعين عليه إعالة أسرة كبيرة، وكان مهمومًا بأفكار مقلقة حول المستقبل وكيفية ضمان القوت اليومي لعائلته».
عندما تقرأ دوستويفسكي باللغة الروسية، تبدو كتاباته خشنة. هناك شعور بأنه في عجلة من أمره باستمرار، وإذا نظرت من كثب، يمكنك العثور على عبارات مكررة وغير دقيقة. والحقيقة هي أن دوستويفسكي لم يكن لديه الوقت للعمل على أناقة أسلوبه الأدبي، لسببين؛ أولهما أنه كان مدينًا وتعاقد على بيع روايات غير مكتملة، وهو ما أجبره على الكتابة بسرعة من أجل نشرها في أقرب وقت ممكن. وثانيهما أنه كان لديه دائمًا هدف فلسفي؛ للتعبير عن فكرة معينة في الرواية. مثل هذا الهدف العالمي جعل أسلوبه متوترًا، وكتب كما لو كان في حمى عصبية. كل هذا محسوس بقوة خاصة في نصوصه الأصلية باللغة الروسية.
القارئ الروسي يقرأ دوستويفسكي بتوتر، يخوض في خشونة النص، وفي الغرب لا يوجد شيء من هذا القبيل. لدى القراء الأوربيين والأميركيين فكرة عن أفكار دوستويفسكي الفلسفية العميقة، وشخصياته وحبكات رواياته، لكن ليس لديهم أي فكرة عن أسلوبه في الكتابة.
لم يكن نابوكوف يحب دوستويفسكي؛ لأن صاحب «لوليتا» كان نقيضه، وفهم العالم، ورأى الإنسان والأدب بطريقة مختلفة تمامًا. قال نابوكوف: إنه بالنسبة إليه، الأدب هو مسألة أسلوب، وليس أفكارًا. وعدّ دوستويفسكي صحفيًّا واتهمه بالميلودرامية، والارتباك الدرامي والتصوف المبتذل الكاذب. لكن برغم ذلك، لو راجعنا روايات نابوكوف المبكرة مثل «الجاسوس» (1930م) و «اليأس» (1934م) والهدية «(1938م) سنجد أوجه تشابه كثيرة بين أعماله وأعمال دوستويفسكي، سواء في الموضوعات أو رسم الشخصيات. نأى نابوكوف بنفسه عن دوستويفسكي بشكل استعراضي فقط، ولم يستطع تحرير نفسه منه تمامًا؛ فقد كان لأدب دوستويفسكي تأثير لا يمكن إنكاره، ليس في إبداع نابوكوف فقط، بل في الثقافة الروسية عمومًا.

أوجه التلاقي والتشابه
تولستوي ودوستويفسكي كاتبان عظيمان على حد سواء. كل واحد منها تعامل مع قضايا الحياة الجوهرية. تساءل إيفان كارامازوف في «الإخوة كارامازوف»: كيف يمكن لإله عادل أن يخلق عالَمًا يوجد فيه متسع لمعاناة طفل بريء. وسأل كوستانتين ليفين في «آنا كارينينا»: ما معنى الحياة؟ كان كلاهما على يقين من أن الجوهر لا يمكن فهمه بالاعتماد على العقل فقط. أدرك كل من دوستويفسكي وتولستوي أنه من أجل التوافق مع إيقاع الحياة الحقيقي، من الضروري تصوير التدفق غير الخطي للوقت.
كل واحد منهما يقدم ملحوظاته العميقة عن الروح البشرية. يؤكد تولستوي التعاطفَ الذي يظهره الناس تجاه بعضهم بعضًا في سياق النظام الاجتماعي. دوستويفسكي يحفر عميقًا في النفس البشرية. يصور تولستوي عالَمًا تحدث فيه أشياء فظيعة للناس العاديين. يظهر دوستويفسكي الفظائع التي يستطيع الناس العاديون القيام بها. يصور كلاهما أزمة الإيمان. والطريق إلى اكتساب القيم الروحية، ويجعلنا نفكر فيما هو مهم في حياتنا. كلاهما يقنعنا بتقدير ما لا يمكن أن نحصل عليه بالمال: الحب والحياة نفسها.

كلاهما يربط الفرد بالاختيار الأخلاقي؛ ويعتبر الإنسان مصدر الشر والخير. بالنسبة لكل واحد منهما، الخير طبيعي ولكنه هش، ينطوي على التغلب على المصالح الشخصية. كلاهما يعد الحواس أعلى من العقل. على الرغم من أن تولستوي أقرب إلى الإغريق والتنوير في ربط الفضيلة بالعقل. بالنسبة لدوستويفسكي، فإن العقل دائمًا ما يكون ملوثًا بالأنانية؛ لذلك في أثناء ملامسته للدوافع الأخلاقية يعتمد دائمًا على الحب. يركز دوستويفسكي أكثر على الشر؛ لذلك فإن أعماله كانت تنذر بأهوال القرنين العشرين والحادي والعشرين.
وبصرف النظر عن كل الانتقادات، فإن روايات دوستويفسكي تقف على قدم المساواة مع أعمال تولستوي، وبالنسبة لبعض القراء تتفوق عليها. مهما كان الأمر، من الصعب عدم ملاحظة مدى تطابق أسلوب السرد مع المحتوى في أعمال دوستويفسكي. إن بعض الإهمال والعامية واهتزاز السرد هو الذي يخلق الجو الضروري الذي يحبه القراء من مختلف البلدان في أعماله.
في النصف الثاني من السبعينيات، تقاربت مُثُل تولستوي الديمقراطية والمسيحية بشكل واضح مع مُثُل دوستويفسكي، الذي كتب يقول: «لم أستطع أبدًا أن أفهم فكرة أن عُشر الناس فقط يجب أن يحصلوا على أعلى تطور، ويجب أن يعيش تسعة الأعشار المتبقية في الظلام، ويكونون بمنزلة مادة ووسائل فقط للسادة. لا أريد أن أفكر أو أعيش بطريقة أخرى إلا مع الإيمان بأن كل مواطنينا الروس البالغ عددهم تسعين مليونًا (أو كم سيكون عددهم حينها) سوف يصبحون جميعًا، يومًا ما، متعلمين، وإنسانيين، وسعداء.» وكتب دوستويفسكي في دفتر ملحوظاته بشكل أكثر حزمًا: «إذا كان ثمة شرط أن يكون عشر الروس فقط محظوظين، لا أريد حتى الحضارة. أنا أُومِنُ بملكوت المسيح الكامل».
ويقول تولستوي في كتابه «اعتراف»: «لقد تخليت عن حياة طبقتنا، مدركًا أن هذه ليست حياة، بل مجرد مظهر من مظاهرها، وأن الرخاء الذي نعيش فيه، يجعل من المستحيل علينا فهم الحياة. ولكي نفهم الحياة، يجب أن نفهم حياة الشعب البسيط الكادح، الذي يصنع الحياة، والمعنى الذي يعطيه لها.» استولى عليه اشمئزاز لا يقاوم لرفاهية حياته، ولكذب وامتيازات واحتكارات الأثرياء الذين أصبح المال لديهم، قوة ووسيلة لاستعباد الفقراء. وتوصل إلى نتيجة مفادها أن المال شر عظيم. تخلى تولستوي تدريجيًّا عن نمط الحياة الثرية ووسائل الراحة، وأدى كثيرًا من العمل البدني، وارتدى أبسط الملابس، وأصبح نباتيًّا، ومنح عائلته كل ثروته الكبيرة، وتخلى عن حقوق الملكية الأدبية. وبدأ مرحلة جديدة من نشاطه الفكري والأدبي، على أساس الرغبة الصادقة في التكامل الأخلاقي.
0 تعليق