حسناء موسكو: إيلينا بولغاكوف أرملة الكاتب المناهض للسوفييت
إنها الزوجة الثالثة لميخائيل بولغاكوف. إيلينا نيورِنبيرغ– نيلوفا– شيلوفسكايا– بولغاكوف. (ولو أنها شاءت لكان بإمكان هذه القائمة أن تصبح أطول). ويستحق الحديث عن ذلك على وجه التحديد؛ لأنها بدت كأنها تركت العديد من صفحات حياتها في الظل. ليس لأنها كانت منافقة أو تعمدت إخفاء الحقيقة. لقد أزالت ببساطة كل شيء زائد وغير ضروري، كل شيء لا يمت بصلة إلى بولغاكوف.
«مُرَّ بجانب سعادتنا…»
ولدت إيلينا سيرغييفنا نيورنبرغ في 21 أكتوبر 1893م في عائلة من المثقفين البيروقراطيين، وتوفيت في 18 يوليو 1970م. كانت والدتها ابنة لكاهن أرثوذكسي، وكان الأب، سيرغي ماركوفيتش نيورنبرغ، لوثريًّا تحول إلى الأرثوذكسية، لكنه ينحدر من اليهود الألمان الذين انتقلوا إلى الإمبراطورية الروسية في عهد يكاترينا الثانية.

ميخائيل بولغاكوف
في عام 1915م، انتقلت العائلة إلى موسكو، وفي ديسمبر 1918م، تزوجت إيلينا نيورنبرغ من غيورغي مامونتوفيتش نيلوف، وهو ضابط شاب في الجيش الأحمر. لم يدم هذا الزواج طويلًا. بعد عامين فقط، جرَّد رئيسُ أركان الجيش السادس عشر في الجبهة الغربية، يفغيني شيلوفسكي، الضابطَ الأصغرَ رتبة، من زوجته.. تخلّت إيلينا نيلوفا عن ضابط أحمر، وذَهبَتْ إلى قائد أحمر آخر.
ولد لإيفغيني وإيلينا شيلوفسكي ولدان: جينيا وسيرغي. سيصبح شيلوفسكي رئيسًا لأركان حامية موسكو العسكرية، وسوف يعيشون في منزل خاص في شارع بولشوي رجيفسكي. جيران عائلة شيلوفسكي هم أشخاص لامعون ومعروفون، وسوف يُعدمون جميعًا تقريبًا في غضون عشر سنوات، ولكن سكان ذلك المنزل كانوا يعيشون في حينه حياة مزدهرة بشكل لا يصدق، وفقًا لمعايير تلك الفترة. كان ثمة خادمة لدى زوجة القائد العسكري شيلوفسكي، وكانت هناك مربية ألمانية لطفليها. كانت إيلينا شيلوفسكايا تُعَدّ واحدة من النساء الفاتنات اللاتي يلفتن الأنظار في موسكو التي أُنعِشَتْ بعد الحرب الأهلية.
أحبّت الأشياء الجميلة بقوة كالعطور ومستحضرات التجميل، وخصوصًا ملابس الفراء.. ولكن هذه المرأة الجميلة والمغناج، في الوقت نفسه، وُلدت لأجل مأثرة، ومن أجل تحقيق عمل عظيم، وكانت تدرك ذلك جيدًا.
التقت ميخائيل بولغاكوف في فبراير من عام 1929م. بدأت بينهما علاقة غرامية. كان لكل منهما عائلته، ولم يكن ينوي أيًّا منهما أن يتخلى عن هذه العائلة. كان ميخائيل بولغاكوف في ذلك الوقت يمر بواحدة من أسوأ أوقات حياته. وبالفعل، كانوا قد منعوا مسرحياته «الجزيرة القرمزية» و»شقة زويكا»، كما حُرم من أي عمل. كانت هذه العلاقة تبدو كأنها جنون مطلق. وعندما عرف بها الضابط شيلوفسكي بعد مرور عامين على بدئها، هدّد زوجته بأنه سيحرمها من الأطفال، وطالبها بأن تتوقف عن مقابلة عشيقها.
في صيف عام 1932م، خرجت من المنزل وقصدت أحد المقاهي. فرأت هناك، على طاولة مجاورة، بولغاكوف وأدركت أن هذا هو قدرها. قررت إيلينا سيرغييفنا الطلاق من زوجها. كتب بولغاكوف رسالة إلى شيلوفسكي: «عزيزي يفغيني ألكساندروفيتش، مُرَّ بمحاذاة سعادتنا…» وفي 4 أكتوبر من عام 1932م، أصبحت إيلينا زوجة بولغاكوف، «مزقت كل هذه الحياة المستقرة، الخالية من الهموم، والسعيدة في الظاهر، وذهبت إلى ميخائيل أفاناسييفيتش من أجل الفقر، والمخاطر، وإلى المجهول»، كما ستتذكر لاحقًا.
قُدِّر لهما أن يعيشا سبع سنوات من الزواج، وقد أتمت دراستها بحيث إنه لم يعد ثمة ما يمكن إضافته. لقد كان زواجًا سعيدًا. كتب بولغاكوف خلال هذه السنوات، من بين أمور أخرى: «حياة السيد دي موليير»، و»الرواية المسرحية»، و»المعلّم ومرغريتا». كانت زوجته تُحرِّر المخطوطات، وتُعيد طباعتها، والتعليق عليها، والإعجاب بها، وتُقدّم النصائح، وكانت تتولى المفاوضات مع دُور النشر والمسارح.
في فبراير 1934م، حصل بولغاكوف أخيرًا على شقة في حي ناشوكينسكي. كان الضيوف يأتون إليهم كل يوم تقريبًا: كاتشالوف، وأخماتوفا، ورانيفسكايا. قال بولغاكوف، وهو شخص لطيف ومحدّث رائع: «لدينا أفضل حانة في موسكو». كانت إيلينا سيرغييفنا تقنع زوجها بضرورة الذهاب إلى الفراش في موعد لا يتجاوز الثالثة صباحًا، لكن الضيوف نادرًا ما كانوا يغادرون منزلهم المضياف قبل الخامسة أو السادسة صباحًا. وفي الوقت نفسه، أصبح الوضع خلف أسواره أكثر فظاعة وخطورة. تذكرت ناديجدا ماندلشتام كيف أنها طلبت المال من
أصدقائها من أجل زوجها المعتقل، وكيف أن إيلينا سيرغييفنا بولغاكوفا انتحبت ووضعت محتويات حقيبتها بالكامل في يدها.
بدأت تظهر لدى بولغاكوف في خريف عام 1939م مشكلات في الرؤية، وتدهورت صحته على نحو حادّ. شخّص لديه الأطباء أذيّة كلوية غير قابلة للشفاء. توقعوا أنه لن يعيش سوى بضعة أيام. لكنه عاش ستة أشهر أخرى. توفي بولغاكوف في 10 مارس من عام 1940م. قبل وفاته، وعدته إيلينا سيرغييفنا أنها سوف تعمل كل ما في وسعها من أجل نشر جميع أعماله. وهذا ما سيصبح الهدف الرئيس لها لعقود طويلة من حياتها.
أرملة كاتب مناهض للسوفييت
بقيت إيلينا سيرغييفنا واحدة من أكثر النساء سحرًا وجاذبية في موسكو. وسرعان ما ظهر إلى جانبها فلاديمير لوغوفسكي الذي كان شاعرًا معروفًا في ذلك الوقت. رآه أصدقاؤه ومعارفه وهو ينفش ريشه ويقوم بالاستعراض أمام بولغاكوفا مثل طيهوج أسود.
كانوا يطلقون على لوغوفسكي لقب كيبلينغ السوفييتي. وكانت المسدسات والسيوف التركية معلقة على جدران مكتبه؛ وكان من بين أصدقائه أبطال الحرب الأهلية، وطيارون مقاتلون. كتب تلميذه كونستانتين سيمونوف لاحقًا: «لقد كتب طوال حياته قصائد عن الشجاعة، وقرأها بصوته النحاسي الشجاع… وكان يبدو في الزي العسكري مثل الشجاعة نفسها، وجعل الجميع يوقنون أنه إذا ما اندلعت حرب كبيرة، فإنه سيكون أول مَن سيذهب للمشاركة فيها».
وها هي الحرب الكبيرة قد بدأت وأُرسل لوغوفسكي في 27 يونيو للعمل في إحدى صحف الجبهة. وُدِّعَ في فناء المعهد الأدبي، حيث عُزفت الموسيقا، وقُدِّمت له باقة من الزهور، وكانت إيلينا سيرغييفنا من بين المودعين. ثم ركب قطارًا متجهًا إلى الجبهة الشمالية الغربية.
لم يكن لوغوفسكي يعرف بعد أن القوات السوفييتية في الجبهة الشمالية الغربية تتقهقر. راحت تظهر بالقرب من مدينة بسكوف طائرات تحمل صلبانًا معقوفة على أجنحتها وترمي القنابل فوق قطارهم. خرج القطار عن مساره، وانقلبت العربات واحترقت. نجا لوغوفسكي بأعجوبة، ثم خرج من تحت الجثث المحترقة، ووصل بطريقة أو بأخرى إلى بسكوف مع مجموعة من الناجين الآخرين. أصبح غير قادر على الذهاب إلى الجبهة من جديد، كانت يداه ترتجفان، كما راح يتلعثم، ويتقيأ باستمرار. كانوا سيقولون اليوم أن لديه «متلازمة ما بعد الرض الدماغي»، لكن مثل هذه المصطلحات لم تكن معروفة حينذاك. ولو أنَّ لوغوفسكي كان أقل شهرة، كانوا أعدموه رميًا بالرصاص على الأرجح بوصفه جبانًا.
انفصل عن إيلينا بولغاكوفا؛ السبب غير معروف بدقة. كان لا يطاق على الأرجح. وقد كتبت في مذكراتها: «فولوديا، لا أستطيع أن أكون معك. وبما أن الحديث معك سوف يكون مؤلمًا ومن دون جدوى لكلينا، فقد طلبت من صديقنا ساشا أن يتحدث معك وأن يسلمك هذه الرسالة».
من ساشا هذا؟ إنه ألكسندر فادييف، الكاتب الشهير، مؤلف قصة «الهزيمة الساحقة»، سكرتير اتحاد الكتاب في الاتحاد السوفييتي، الرجل الذي صار صديقًا لإيلينا سيرغييفنا، بل عشيقًا أيضًا.
على عكس لوغوفسكي، كان لألكساندر فادييف زوجة جميلة ومعروفة، الممثلة في مسرح موسكو للفنون أنجلينا ستيبانوفا. عندما جاء فادييف لزيارة بولغاكوف المحتضر في أكتوبر 1939م، تركت إيلينا سيرغييفنا انطباعًا قويًّا عنده. لاحظ بولغاكوف ذلك وأخبر زوجته. بعد وفاة ميخائيل أفاناسييفيتش، تلقت رسالة من فادييف، حيث كتب عن زوجها الراحل: «اتضح لي من فوري أن أمامي رجلًا صاحب موهبة مذهلة، صادقًا من الداخل ومبدئيًّا، وذكيًّا للغاية» وتضمنت هذه الرسالة أيضًا السطور التالية: «أود أن أخبرك الشيء الكثير عنك؛ كما رأيتك وفهمتك وأقدرك هذه الأيام، لكنك لست بحاجة إلى ذلك الآن، سوف أخبرك في وقت آخر».
من الصعب تفكيك هذه العلاقات؛ لكي نفهم متى كانت حقبة فادييف في حياة إيلينا بولغاكوفا، ومتى كانت حقبة لوغوفسكي. وإنه من الصعب أن نفهم منذ متى كان قائمًا مثلث الحب ذاك، حيث إن ضلعين فيه متساويان تقريبًا. فادييف ولوغوفسكي متشابهان جدًّا؛ كلاهما ولد في العام نفسه، وكلاهما أصغر من إيلينا بولغاكوفا بثماني سنوات، وكلاهما جميل ويحظى بشعبية كبيرة لدى النساء، وكلاهما يشغل مكانة عالية جدًّا في التسلسل الهرمي الأدبي السوفييتي الرسمي. وكلاهما كان يشرب الكحول بكثرة وبشكل رهيب، ويهرب بطريقة أو بأخرى من أهوال الحياة.
في نهاية صيف عام 1941م، أُرسِل ألكسندر فادييف إلى الخطوط الأمامية لرؤية «البطولة المهيبة لجنود الجيش الأحمر». ترك الوضع في الخطوط الأمامية الانطباع نفسه الذي تركه عند لوغوفسكي. بعد عودته ذهب إلى شقة الشخص الأقرب إليه -إيلينا سيرغييفنا- وغرق حرفيًّا في حالة سكر رهيب لأيام عدة. راحت موسكو بأكملها تبحث عنه وهو العضو في اللجنة المركزية ورئيس اتحاد الكتاب وموظف مكتب الإعلام. عندما عاد إلى صحوه أخيرًا، كان عليه أن يكتب مذكرتين توضيحيتين إلى لجنة المراقبة الحزبية، وثيقتين مذهلتين- وهما مثال على الطريقة التي كانت تحطم الناس بها في ذلك الوقت. في المذكرة الأولى بتاريخ 10 سبتمبر 1941م، يقول: «إن سكري غير المقبول هذه الأيام، الذي أدى إلى مثل هذه العواقب، بدأ من دون قصد في عائلة أعرفها. إنها أول عائلة للجنرال شيلوفسكي، وهي مؤلفة من الأم إيلينا سيرغييفنا بولغاكوفا وولدين… يبدو لي أنها عائلة سوفييتية جيدة. وخلال سكري المخزي، جاء عضو الكومسومول يفغيني وزوجته. وهذا، لسوء الحظ، أعطاني سببًا للاستمرار. لم يعاملوني كشخص يريدون أن يُسكِروه، بل على العكس من ذلك، راحوا يذكرونني بالعمل، وهم أنفسهم كانوا يغادرون لممارسة أعمالهم. ولكني لم أطرد من هناك في الوقت المناسب بسبب حسن الضيافة الزائفة».
هذه الوثيقة المثيرة للشفقة والصادقة لم «تقنع» الحزب والحكومة. كان مطلوبًا شيء آخر من فادييف؛ الاعتراف بأن «الأعداء هم الذين أوحوا» له بفكرة الانغماس في السُّكْر، كما يقول نيكانور بوسوي في رواية «المعلّم ومرغريتا». اكتمل في تلك الأيام حصار لينينغراد، وراحت دبابات غوديريان تندفع نحو موسكو، وبالقرب من فيازما كان الألمان يستعدون للقيام بعملية ستؤدي إلى مقتل أو أسر أكثر من مليون شخص.
لكن اللجنة المركزية للحزب تجد الوقت والرغبة لكي تنبّه الكاتب فادييف أنه لم يذكر على نحو صحيح سياسيًّا الأسباب التي دفعته للانغماس في السُّكْر. ونتيجة لذلك، كان مضطرًّا لأن يكتب رسالة ثانية. «إذا ما نظرنا إلى الوضع الذي ثملت فيه على مدى سبعة أيام، من زاوية سياسية وليس من وجهة نظر العلاقات والأفكار اليومية المبتذلة، فإن الوضع كان غريبًا؛ لأن المشكلة لا تكمن في عضوي الكومسومول شيلوفسكي وزوجته، وإنما مع السيدة صاحبة المنزل. إنها أرملة الكاتب بولغاكوف المعادي للسوفييت. وربما كانت لديه أيضًا بيئة معادية، وكان يمكنها أن تبقى قائمة في ظل زوجته. لم أر قط هذه البيئة، لكنني كنت معجبًا ببولغاكوفا نفسها وهذا يفسر الكثير في سلوكي». وهكذا، ونتيجة للفسق (من حيث شرب الكحول) ولمهارة استغلال هذا الضعف، ثمل رئيس اتحاد الكتاب -الذي وثقوا بأن يكون عضوًا في اللجنة المركزية- لمدة سبعة أيام في شقة مسكونة، في الحد الأدنى من جانب أناس ضيقي الأفق، وربما مشكوك فيهم سياسيًّا. وهذا ما أدى إلى تغيبه عن العمل الحكومي في أثناء الحرب الوطنية الوحشية.
الرسالة فظيعة ومهينة، لكن فادييف كتب في حياته العديد من مثل هذه النصوص، أو أسوأ منها قبل أن يطلق النار على قلبه في مايو من عام 1956م. بعد أن أعلن توبته أمام الحزب، اقتصرت عقوبته على التوبيخ فقط. لكن اللافت هو أنه استأنف علاقته مع «أرملة الكاتب المعادي للسوفييت». في هذه الأثناء، كان الألمان يقتربون من موسكو، وكُلِّفَ فادييف بتنظيم إجلاء الكتّاب إلى برّ الأمان في طشقند. كان يحق له الحصول على أفضل مقصورة في عربة النوم. أعطاها لإيلينا سيرغييفنا. وفي ليلة 14 أكتوبر من عام 1941م، جاء لرؤيتها للمرة الأخيرة قبل أن تغادر.
كان زوجها السابق يفغيني شيلوفسكي قد جاء لاصطحابها إلى محطة القطارات، حيث كان ألكسندر فادييف ينتظرها بالفعل. وكان فلاديمير لوغوفسكي مسافرًا في قطار الإخلاء نفسه؛ لأن الحرب قد انتهت بالنسبة له. هكذا التقى رجالها الثلاثة في المحطة. اضطر لوغوفسكي، الذي يشعر بالغيرة المؤلمة، إلى مشاهدة عشيقته السابقة وهي تودّع فادييف.
ملحق للضيوف في طشقند
راح قطار مكتظ بالكتاب، وبالمخرجين والشعراء، وبنجوم السينما والعباقرة والوسطاء والمخبرين وبضحاياهم، يزحف عبر البلاد لمدة أحد عشر يومًا. ولكن مقصورة إيلينا سيرغييفنا حتى هنا تتحول إلى نوع من الصالون الاجتماعي؛ كان الأصدقاء يأتون إليها طوال الوقت: آيزنشتاين، بودوفكين، ليوبوف أورلوفا. وأخيرًا يصل القطار إلى طشقند. خُصِّص سكن لإيلينا بولغاكوفا في شارع جوكوفسكي (من غير المجدي محاولة البحث عن هذا العنوان على الخريطة الحديثة لطشقند؛ فقد دُمِّر المبنى كله أثناء زلزال طشقند الشهير). خلف سياج من الطوب كانت تلتصق المباني القديمة المنخفضة بعضها ببعض، وتفتح نوافذها وأبوابها على فناء مشترك كبير. عاشت هنا بالفعل عائلات الشاعر أوتكين، والكاتبان المسرحيان فايكو وبوغودين، والكاتب بوريس لافرينيف، وشقيق ناديجدا ماندلشتام- الشاعر خازن، وليديا تشوكوفسكايا مع ابنتهما الصغيرة. استقر هنا أيضًا آل لوغوفسكي. بدأت إيلينا من فورها في ترتيب المنزل الجديد بنشاط. وخاطت أغطية للطراريح وعلّقت على الجدران رسومًا كاريكاتيرية لأيزنشتاين تصور حياة طشقند. وضعت في غرفة نومها خزانة، ووضعت في رفوف هذه الخزانة كتب ومخطوطات بولغاكوف.
حصلت من مكان ما على علبة من الطلاء الأحمر الزاهي، وطلت بنفسها طاولة تقشّر الدهان عليها في الحديقة، تحت شجرة توت قديمة. ثم راحت تستقبل الضيوف في ظل هذه الشجرة، كما حدث ذات مرة في شقتها في موسكو، وتصب الشاي وتعقد محادثات. كانت الحياة مليئة بالجوع وبالفقر. ولكي تتمكن من العيش بطريقة أو بأخرى، باعت إيلينا سيرغييفنا الأشياء التي أُحضِرَت من موسكو في السوق المحلية، مثلها مثل كثيرين آخرين.
في أول فصل شتاء بعد الإخلاء، وبينما كانت الأمور على الجبهة تسير بشكل سيئ جدًّا، كان عدد من الفنانين المكرمين، والحائزين على العديد من الجوائز السوفييتية يفكرون على النحو التالي: قريبًا سيدخل هتلر إلى موسكو، وفي هذه الحالة، من المرجح أن تستولي القوات البريطانية على آسيا الوسطى. راحوا يتساءلون ضمن دائرة صغيرة وموثوقة؛ ما إذا كان الوقت قد حان لتعلم اللغة الإنجليزية.
توفيت والدة لوغوفسكي في إبريل 1942م. كان خائفًا جدًّا من هذا الموت لدرجة أنه أدرك أن أسوأ شيء في حياته قد حدث بالفعل. توقف عن شرب الكحول منذ تلك اللحظة، واتفق مع آيزنشتاين من أجل العمل على سيناريو «إيفان الرهيب»، وراح يكتب الشعر. عادت إليه إيلينا سيرغييفنا، وبدؤوا في العيش كعائلة واحدة. عادت إلى روتينها المعتاد: الكتابة، وتحرير المخطوطات، وتُقَدِّم النصائح. أصبحت الحياة أكثر هدوءًا وسعادة بقدر ما هو متاح، حيث لم يختفِ الخوف والفقر والأوضاع المعيشية القاسية.
جاءت ميرا إلى طشقند، وهي ابنة أوبوريفيتش القائد في الجيش. أُعدِمَ والداها، وكانت هي نفسها قد أمضت بضع سنوات في دار للأيتام. ولأنها لا تملك مكانًا تعيش فيه، أقدمت إيلينا بولغاكوفا على تصرف شهم وشجاع في تلك الأوقات. دعت ابنة «عدو الشعب» لكي تعيش معها في غرفة كنّتها السابقة دزيدرا، التي كانت بحلول ذلك اليوم قد بدأت علاقة غرامية مع الكاتب المسرحي يوسف بروت، وهربت معه إلى ألما آتا لتختفي إلى الأبد من حياة عائلة بولغاكوف.
كان لوغوفسكي يقول: إنها زوجته، وكانت تدعو نفسها أرملة بولغاكوف. لقد استطاع لوغوفسكي أن يهزم فادييف الحيّ، لكنه لم يستطع هزيمة بولغاكوف الذي كان قد مات منذ ثلاث سنوات.
في ربيع عام 1943م، تلقت إيلينا سيرغييفنا فجأة رسالة تفيد بأنهم ينوون إحياء مسرحية «ألكسندر بوشكين» في موسكو، وقد استدعوها للتشاور. سوف تغادر، وستعيش في غرفتها، في ملحق الضيافة، لاحقًا، آنا أخماتوفا التي ستكتب قصيدة عنها بعنوان «ربة منزل»: «كانت تعيش في هذه الغرفة العلوية/ من قبلي ساحرة: لا يزال ظلُّها مرئيًّا/ عشية ولادةِ قمرٍ جديد».
سرعان ما كتبت إيلينا سيرغييفنا رسالة إلى طشقند تقول فيها: إنها في موسكو بالتحديد تشعر أنها في المنزل، وأنَّ أصدقاءها هنا، وكذلك الأشياء العزيزة عليها، وهنا تدرك أنها تحمل كنية بولغاكوفا («أكتب هذا وأنا أعلم موقف فولوديا السلبي تمامًا تجاه هذا القول»). كانت طريقة دقيقة وصادقة وواضحة جدًّا في الوقت نفسه للقول بأنها لن تعود.
توفي لوغوفسكي في عام 1957م، بعد أن عاش أكثر من صديقه ومنافسه فادييف لسنة واحدة فقط. وقد كتب أثناء العقد والنصف الأخير من حياته، قصائد جيدة جدًّا، حتى إنها رائعة، لا يعرفها إلا القليل من الناس. ربما لو أنَّ إيلينا سيرغييفنا وعدته كما وعدت مؤلف «المعلّم ومرغريتا»، بأنها ستعتني بمخطوطاته، وأنها ستسعى لنشرها وستشرح للجميع مدى جمالها، لكان اختلف كل شيء. لكن إيلينا سيرغييفنا لم تكن تحبه، بل كانت تحب ميخائيل بولغاكوف. ولذلك كان مقدّرًا لفلاديمير لوغوفسكي أن يظلَّ أحد أكثر الشعراء الروس الذين لم ينالوا حقّهم من التقدير.
أرملة الكاتب المنسي
كانت السنوات الخمس عشرة التالية هي الأصعب في حياة إيلينا سيرغييفنا. لم يكن لديها مال، وكانت تعيش من خلال ما تبيعه من أغراضها. ثم بدأت في كسب المال عبر الترجمة من الفرنسية، حيث ترجمت كتب جول فيرن، وغوستاف إيمار، وأندريه موروا. في عام 1948م، توفيت شقيقتها الغالية أولغا بوكشانسكايا. وبعد تسع سنوات توفي ابنها البكر يفغيني؛ بسبب إصابته بقصور كلوي وكان عمره خمسة وثلاثين عامًا فقط. كتبت تقول: «إنَّ هذا القناع المثير للاشمئزاز، كما لو أنَّ كلَّ شيء رائع عندي، الذي أحاول أن أضعه على نفسي كلما أمكن ذلك، هو مجرد وسيلة للحماية من الشفقة. لا أريدهم أن يشفقوا عليَّ».
استثمرت إيلينا سيرغييفنا كل مواصفاتها من ذكاء وسحر ومكر، وقدرة على بناء الروابط اللازمة من أجل خدمة هدف واحد؛ نشر أعمال بولغاكوف. وقد قالت ذات يوم لصديقتها ماريتا تشوداكوفا: «سوف أمنح نفسي لأي شخص من أجل نشر أعمال ميشا». ومن غير المعروف ما إذا اضطرت إلى اللجوء إلى هذه الطريقة. ولكن كانت هناك شائعات مختلفة حول علاقتها مع كونستانتين سيمونوف الذي أصبح فيما بعد رئيسًا للجنة تراث بولغاكوف.

ولكن ها هو ستالين يموت وتبدأ مرحلة ذوبان الجليد. كانت مجلة «العالم الجديد» تُعَدُّ الأكثر تقدمًا في البلاد وقد نشرت فيها حديثًا قصة سولجِنتسين «يوم في حياة إيفان دينيسوفييتش». تلتقي إيلينا سيرغييفنا مع تفاردوفسكي، رئيس تحرير المجلة، وتعطيه مخطوطة «المعلّم ومرغريتا». وسرعان ما اتصل بها قائلًا: إنه مصدوم وإن بولغاكوف عبقري- ولكن من المستحيل نشر الرواية الآن. ثم مرت سبع سنوات طويلة أخرى، وأخيرًا نُشِرَت «حياة السيد دي موليير». وبعد عام آخر جاء دور «الرواية المسرحية» و»الحرس الأبيض». ولكن ما مِن أحد لديه الحزم بعد لكي ينشر رواية «المعلّم ومرغريتا».
وإذ بكونستانتين سيمونوف، الصديق المخلص والحليف، يخترع خطوة رائعة. هناك مجلة أدبية تدعى «موسكو» وهي غير معروفة ولا تهمُّ أحدًا. وقد عرف أنَّ رئيس تحريرها يفغيني بوبوفكين مصاب بمرض عضال وأصبح بإمكانه ألّا يخاف من أي شيء. وقد قرأ الرواية وشغف بها بشدة وقرر نشرها. نُشر الجزء الأول من رواية «المعلم ومرغريتا» في عدد نوفمبر من عام 1966م من المجلة. كان الجميع متخوفين من منع الجزء الثاني، إلا أنه نُشِرَ في عدد يناير من العام التالي. وهكذا، لقد خلّد يفغيني بوبوفكين، مؤلف الملاحم الواقعية الاشتراكية المنسية منذ مدة طويلة، عبر توقيع اسمه فقط في تاريخ الأدب الروسي.
أرملة الكاتب الكبير
هناك حكاية أسطورية تقول: إن إيلينا سيرغييفنا أعطت المكافأة عن «المعلّم ومارغريتا» لأول شخص أحضر باقة من الزهور إلى قبر بولغاكوف بعد النشر. لكن هذا زيف محض. أما الحقيقة فهي أن الرواية أثارت من فورها ضجة كبيرة، وهكذا احتل بولغاكوف منذ الستينيات المكانة المستحقة له في الأدب الروسي- مكان الكاتب الكلاسيكي الخالد. أراد الكثيرون مقابلة أرملة هذا الكلاسيكي ولم يصدقوا أعينهم؛ لقد توقعوا رؤية امرأة عجوزًا منحنيةً ذات شعر أبيض، وإذ بهم يرون أمامهم امرأة شابة مذهلة، جميلة بحق وبساطة.
كانت أنيقة، وكذلك شقتها. اعترفت إيلينا سيرغييفنا تارة بفخر وتارة باستياء أن منزلها تحول إلى غرفة قراءة تابعة لمكتبة لينين. ففي المساء، وأحيانًا حتى وقت متأخر من الليل، كان يجلس في غرفة معيشتها إما دكتور في العلوم من لينينغراد، أو طالب دراسات عليا من خاركوف، أو فرنسي لا على التعيين ميشيل وهو طالب في جامعة أكسفورد، أو ألكسندر سولجينتسين. كانت تقدّم لهم الشاي، وتعرّفهم على مخطوطات زوجها الراحل، كما سمحت لهم بقراءة رسائله. وكانت في بعض الأحيان تشعر بالتعب وتسأل باستياء: «أين كان كل هؤلاء الناس من قبل؟»