في رواية «الاستدارة الأخيرة»، للروائي الكويتي أحمد الزمام- (الصادرة عن دار رشم، السعودية) يقف المتلقي أمام تجربة روائية فريدة ومغايرة للسائد في كثير من الجوانب والأبعاد المهمة الكاشفة عن حجم الموهبة لدى الكاتب والكاشفة عن قدرات فن الرواية في التعبير عن قلق الإنسان وهواجسه وأسئلته الضاغطة، وقدرة هذا الفن على مقاربة المساحات الغائرة في النفس الإنسانية.
في هذا السرد الروائي ذي الطابع التجريبي نحن أمام مخيلة روائية جامحة، تشكل عالمها الخاص وفق قوانينها ومعطياتها ومحدداتها، ووفق رسالة النص ودلالاته، فلا يكون الخطاب السردي خاضعًا لقوانين الحياة بمنطقيتها وجمودها وربما رتابتها، بقدر ما يشكل عالمًا جديدًا بشكل كامل، ويصبح هذا العالم متكامل الملامح والأبعاد مالكًا لقوانينه الداخلية التي تحكم تطوره وتبدل مراحله التاريخية، وتحكم القوى المتصارعة في هذا العالم، فيما يجعل المتلقي أمام حالة متكاملة من المغايرة والاختلاف في التخييل والتصور، ومشحونة بصراع وتوتر وقلق يبعث على التشويق، ويدفع إلى مزيد من التوغل في هذا العالم، على الرغم مما قد يكون فيه من القسوة والنزاع الجسدي والفكري واصطراع دوائر القوة والسلطة بكل تمثلاتها وأنماطها.
وهكذا نكون أمام خطاب سردي في أقصى درجات الثراء بالجماليات والقيم الدلالية، ويمثل إلى جانب ما يحمل من جماليات السرد إبداعًا فكريًّا وكتابة مشحونة بالتساؤل وطاقات التأمل الفكري والهم الإنساني والانشغال بدوائر الصراع في الوجود، بما يتأسس عليه من بؤر ودوائر للصراع، وبخاصة ذاك الصراع الأزلي المؤسَّس على الاختلاف الجندري والتباين الجسداني بين البشر، وتباين الرغبات والشهوات والغرائز. وعلى الرغم من حاجة النوعين بعضهما لبعض بشكل أساسي، فإن ذلك لم يمنع من تكوّن دراما تاريخية قائمة على الانتهاك والانتهاك المضاد، والفعل ورد الفعل في دائرة أبدية من النزاع الذي يحوله الخطاب السردي إلى طاقة كبيرة من الجمال الأدبي الحافز على التفكير والتساؤل والتأمل، والحافز كذلك على استكمال المتابعة كما لو كان المتلقي يعايش فِلْمًا سينمائيًّا حافلًا بالأسئلة الأزلية المتجددة في الوقت نفسه.
طاقة تشويقية كبيرة
في الجزء الأول، وفيما يصنع طاقة تشويقية كبيرة، يطرح خطاب الرواية فانتازيا عجائبية للذكورة المنسحقة تحت وطأة سلطة المرأة الوحش، فيما يشكل نموذجًا استثنائيًّا من الوحشية والانسحاق والعنف، ويصنع عالمًا متسق الملامح، متكامل الأبعاد ويسري فيه قانون أو منطق من الغرابة اللافتة للانتباه التي تتأسس على منطق عكسي، يجعل سلطة المرأة مطلقة في مقابل رجل منتهك وعاجز ومنبوذ. والحقيقة أن هذا الجزء في غاية الثراء وهو غير منفصل عن بقية الرواية وأجزائها، بل يمثل ضربة بداية موفقة؛ لما تشكل من باعث على التساؤل عن الماضي والتاريخ الذي أوصل هذه المملكة الغريبة إلى تلك الحال من سيطرة المرأة على عالم الرجال بشكل كامل واستعبادها لهم، وبداية تَشَكُّلِ نموذجٍ مشوهٍ وعجائبيٍّ من المرأة هو الذي يسود في هذا العالم، وإن وجدت نماذج سوية فهي قليلة، وربما لا يكون لها من دور إلا مجرد الإحالة الذهنية إلى الوضع الطبيعي الذي يشكل مفارقة مع هذا الواقع المشوه والغريب.

أحمد الزمام
يبدو النموذج الطبيعي/ السويّ للمرأة أو حتى للرجل في ذلك العالم نمطًا غريبًا عن هذا العالم، على الرغم من كونه هو الطبيعي والمثالي. وهكذا يعاني الاغترابَ ويتحرك ببطء نحو ثورة منتظرة يجد فيها خلاصه وحريته. ويمثل هذا النموذج السوي، على الرغم من نُدرته، ما يشبه الواحة التي يطمئن لها المتلقي نفسيًّا، وتمثل في الوقت نفسه حافزًا للمخيلة نحو الأمل في استرداد هذا التوازن الطبيعي المفقود بين الرجل والمرأة، وإن كان القانون المهيمن على هذه الفانتازيا بكاملها هو قانون الكراهية والكراهية المضادة، وموجات الانتقام المتتابعة في عودها الأبدي أو دورانها والتفاف بعضها حول بعض.
فكأننا أمام عالمين منفصلين تمامًا، فصلتهما الكراهية، وكل واحد منهما يكيل الصفعات للآخر. والحقيقة أن هذه الفانتازيا في داخلها لا تنفصل تمامًا عن الواقع، بل تشتبك معه عبر رمزية لا تخفى على المتلقي أو لا تصبح مستغلة بالكامل، فيمكن بسهولة أن يستشف ما وراء هذه الفانتازيا العجائبية من تصاعد حال الكراهية بين النوعين، أو ما يتصاعد بشكل تدريجيًّا في العصر الحديث من صراع جندري مكتوم أو متوارٍ في الأعماق، مدعوم بما تتيحه الحضارة الحديثة من تكنولوجيا وإشكالات اقتصادية ونزعة استهلاكية وبدائل جديدة للرغبة والغريزة، وتراجع للطابع الرومانسي والمثالي، وتراجع للفطرة الإنسانية السليمة.
والحقيقة أن الاشتباك مع الواقع كذلك يتمثل في تلك الرسالة العكسية أو المقلوبة التي يبثها خطاب الرواية للرجال، في نوع من حثهم على التخيل لو أن المواقع تبدلت، أو لو أن الصراع الجندري المتبادل أخذ منعطفًا آخر نحو الثورة على الآخر وأن يصبح خطًّا تاريخيًّا، أو أن يكون الصراع الجندري نفسه مجرد رمز لكل احتمالات الصراع المؤسس على التباين والاختلاف بين البشر أيًّا كان نوع هذا الاختلاف أو التباين: مذهبي أو جندري أو سياسي أو لأي سبب أو دافع. فنكون وفق هذا التصور أمام رواية عن صراع النوع الإنساني ضد نفسه في المطلق، بصرف النظر عن الدوافع والأسباب، في دائرة لا نهائية من العنف والعنف المضاد.
حالة سردية خاصة
ويطرح خطاب الرواية حالة سردية خاصة على مستوى تمثيل العنف والدستوبيا، فيما يشكل في النهاية عالمًا حافلًا بالصراع الجسداني والعنف والعنف المضاد، وحالات من الصدام والألم اللافت للانتباه، ويكون حافزًا على استثاره عواطف المتلقي وتشكيل تحيزاته، ويجعله مشدودًا نحو تتبع مصاير الشخصيات، وبخاصة تلك التي يقع عليها الانتهاك من الرجال والنساء، وبخاصة في رحلة البطل ومغامرته شبه البوليسية نحو كشف التاريخ وكشف الحقائق وصناعة الثورة ضد استبداد المرأة.
من جماليات الرواية كذلك أنها في إستراتيجيتها السردية تتبعت الأصداء الجسدانية لهذا الصراع بكل أشكاله المكتومة والظاهرة، المباشرة والمضمرة، فلا يمكن أن يكون هناك صراع دون تلك التبعات الجسدانية؛ إذ يمثل ذلك انعكاسًا لفلسفة راهنة أصبحت تهيمن الآن، وبخاصة في الثقافة الأميركية بعد الثورة الإدراكية، مرتكزها الأساسي، الفلسفة في الجسد، أي أن الجسد هو المحرك الخفي لأفكار الإنسان كافة، والمشكل الأساسي لفلسفته ومعتقداته؛ إذ عبر الحركة وعلاقة الجسد بالمكان والزمان تتشكل اللغة، ومن ثم تتشكل الأفكار، وعبر الغرائز والاحتياجات الجسدانية وتباين الحالات من القوة والضعف الجسماني تتشكل المواقف والحالات الوجدانية، ومن التفوق الجسدي بين أنماط البشر تتشكل علاقات من الحب والكراهية تبعًا لثقافات التنمر أو الاحتماء والاحتواء والحماية أو غيرها. وهكذا فهذا الخطاب السردي، عبر تصوراته وتمثيلاته التي طبقها بشكل ناعم وتجسدت فيه بشكل فعلي، يمثل في حد ذاته انعكاسًا وتمثيلًا لثقافة اللحظة الراهنة، وتوجهات ما بعد الحداثة، فيما يجعلنا أمام أدبي طليعي ثري وطموح.
0 تعليق