مجموعة «سكين النحت» لأفراح الهندال، لا تنتمي إلى كلاسية سردية، ولا تعتمد في جل نصوصها على زمكانية مأطرة بوعي متوافق بينها وبين متلقيها، لكنها حتمًا تلجأ، فيما تحفر تحت السطح الخارجي لنصوصها، إلى مشترك إنساني عام باحثة عن الحرية التي تسجنها آليات باسم ديمقراطيات زائفة، وتحت شعارات تطلقها كثيرًا «الإنتلجنسيا» العربية. وفيما هي تستجير بعدد غير قليل من الأيقونات النصية لكتاب عالميين وعرب، فإنها تود الإشارة إلى أن القصص -التي جاءت منحوتة بسكينها اللغوية بالغة الرهافة- فيها من الحدة التي يمكن أن تجرح من يتعامل معها دون احتراس واجب، أو تأويل مُنجٍ من السقوط في مهاوي التعجل.
السكين كانت قلمًا رشيقًا، والمنحوت كان وجعًا وأرقًا إنسانيًّا يلازم الساردة في معظم النصوص منذ لحظات وجودها الأولى، وعوالمها تتباين بين ما هو وظيفي واقعي، وإن كانت تجافي المباشرة التعبيرية عنه، وبين ما هو فوقي عقلاني فلسفي، وما هو أقرب إلى حال صوفية فيها من الرضا بالألم والاستجارة بالقوة العظمى للخلاص منه.
ولننظر، على سبيل التمثيل، لقصة «سكين النحت» ذاتها، وكيف عُدِّلَتْ وغُيِّرَتْ تفاصيل المنحوت فيها، وهو ملامح الوجه، بما يشير حتمًا إلى تهديد الهوية الشخصية للذات المقصودة، أو الهوية العامة؛ كون هذه الذات جزءًا من الوجود الكلي، رغم أن من تحلقوا حول النحات وهو يمارس هوايته/ جريمته كانوا يصفقون ويهتفون تحية حتى سَكِر النحات بفعله؛ فلم يدرك الفارق بين إعادة التشكيل والمسخ؛ إذ تَحوَّلَت السكين هنا من أداة في يده للتشكيل الجمالي إلى أداة ذبح الشخصية وتهديد الهوية.
«النحات الذي سَمَّرني على الكرسي، شكّل وجهي من جديد؛ عينان.. أنف… وجبين بلا نُدوب. أتقنَ تسوية ذقني بأصابعه، كان يكشط زوائد الطين ويربِّت عليها، أدهشَ الحضورَ المتحلِّق حولنا برأس رطبٍ وليِّن بلا فم، فَمِي بين كفّيه، مَسَحَهُ بردائِه، تحوَّلتْ لطخاتُ الطين إلى كلمات، لم يتمكَّن من مجاراة مديحهم… حاولت الصراخ، فقدت صوتي، خارت قواي، وأنا أزحزح الكتل المتروكة وسكاكين النحت، فوضى أياديهم وأصواتهم المترامية، تذكرت قصيدتي، رددتها وأنا ألقى نظرة بعيدة، تستنجد رأسي الممرغة على الطاولة».
وجع كافكاوي
القصة من سطحها الأعلى تبدو بسيطة لكن الأعماق تدفن فيها عددًا لا نهائيًّا من التآويل. ومن ثم فالرؤية الفلسفية للموضوع محل السرد كاشفة عن هذا الوجع الإنساني العام، وهو مرتكز الخطاب في المجموعة كلها التي من الممكن أن يلحظ القارئ فيها ذلك الأرق والوجع (الكافكاوي) والرؤية شبه العدمية لحياة تكاد في معظم تبدياتها تكون سجنًا عظيمًا، يضم عديد المتهمين الأبرياء، ممن ترفع في وجوههم غالبًا عريضة الاتهام بتكدير الأمن العام، فيما هم الحالمون بالحرية والطيران في فضائها.
لنتأمل قصتها «غرفتي قفص صغير» والالتفاتة إلى الثعلب الذي فتك بقصاصة ورقية مكتوب عليها «ليتني كنت حمامة»؛ لندرك أن السجن، فيما هو هاجس لما يكبل الحلم بالانعتاق والتوق إلى الانطلاق، يمثل لها -للكاتبة أو الساردة- طاقة كبرى على التحدي، ربما بإعادة نحت الحياة بسكين حادة من الوعي والتبصير مهما كانت النتائج؛ استنادًا إلى تنشئتها على يد أب كان أول أجنحتها للطيران في آفاق أرحب.

أفراح الهندال
في القصة القصيدة، «باب الأرق» أو في هذه اللوحة الإنسانية بالغة الرهافة والحدة، وعلى الرغم من البساطة البادية سرديًّا، فإن «أفراح» استطاعت وعبر باب أرقها الذاتي أن تدخلنا جميعًا منه لنقف على المشترك الإنساني العام؛ حيث التغير الحاد وكسر المتوقع والمسافة القصيرة الطويلة في آنٍ بين الحلم والواقع. ومن دون أن تكشف لنا هوية الآخر -وإن كانت الإشارات الإنسانية كافية لتلمس وجوده الإنساني في حياة الساردة- تقدم لنا الكاتبة تبادل الأدوار بين أم وطفل، وكيف مع مرور الزمن يكون الأجدر بالرعاية من كانت تقدم له من قبل، وهو ما يعني أن الحياة لا تقوم على سيادة أو قوة عنصر أو جيل واحد، وإنما التواصل الإنساني هو السبيل الوحيد لتخليص الإنسانية من أرقها جراء تبدل الأدوار وتباين الاحتياجات.
تتعرض «أفراح» في قصتها البديعة «مغلق للجرد» إلى محنة إنسانية، تكاد تستنسخ بآليات متباينة وفي عهود وأماكن مختلفة، حيث علاقة «المتن» بـ»الهامش»، وحيث تنسحق شخصيات مكتنزة معرفة وإنسانية أمام قوانين العرض والطلب في مناخ سلعنة ثقافية. فهذا المعني بالكتب سواء أكان من المثقفين أو بائعيها أو ممن يقومون عليها كأمناء المكتبات، وكيف أنهم الأكثر معرفة والأعظم علاقة بها، وإذا بهذه السوق الإعلامية أو الإعلانية أو التسويقية، لا تفلح في منح من يستحق ما يستحقه، وأن التراث الإنساني ما هو إلا بضاعة يتحكم فيها السعر، وتدفنها كثيرًا المخازن ولا يتبقى لها إلا أن تكون سطرًا في الأرشيف.
ثعالب تحلم بالطيران
الرمزية التي تكاد تغلف معظم قصص المجموعة، ربما كانت سعيًا نحو إثارة المتلقي، وحَفْزه على التفاعل، ومحاولة فك شيفرات كل نص، وربما كانت إحساسًا من الذات الكاتبة بخطورة التصريح؛ فتلجأ إلى التعمية الشفيفة، والإبهام عير الموغل في ظلامية المعنى. وفي كل هذا دليل كافٍ على إدراك الكاتبة للعلاقة بين محيطها البيئي بمكوناته جميعها، وبين مجالها النفسي المحتشد بكثير من الثقافات والمواقف من قضايا عامة وخاصة. والاستشهاد بكتابات كبار المثقفين والكتاب العالميين كاشفة عن احتشاد رؤيوي وثراء فكري في عقل الكاتبة التي تكبلها بعض القيود الرقابية، فلا تستطيع التصريح خصوصًا واللحظة الزمنية تعاني التباساتٍ كثيرةً على مستويَيِ الرؤية والأداء.
وتكاد هذه الرمزية تكون أبرز ما في هذه المجموعة المميزة التي أثبتت بها «أفراح» قدرتها على استيعاب التبدلات الاجتماعية والسياسية عالميًّا ومحليًّا دون الوقوع في فخ المباشرة؛ فكم من الثعالب التي تنتظر مجرد الحلم بالطيران كحمامة. «تخيلوا أنكم جزء من الجمهور؛ لأن ما سيحدث أمامكم قد يبدو حقيقيًّا.. لكنه ليس كذلك».
«أفراح» في قصة «جوقة الخان» تختزل لنا عالم التشابكات المعرفية والإيمانية والمواقف الاجتماعية، بل الرؤى الفلسفية للوجود والحياة، وتنجح في أن تجعلك واحدًا من جمهور المشاهدة، وتدفعك إلى أن تتمثل دورك كأحد الممثلين، وهو ما يعني أن الوجع الإنساني العام، وهذه الأضاليل التي تحيط بمفردات المشهد بكل تفاصيلها وألوانها وروائحها، بتجسيداتها وتخييلاتها، مشترك ومسؤولية ليس لأي منا التنصل من دوره فيها.
«المشهد الأخير كان لعربة خشبية كبيرة ملقاة على جانبها، وأكوام «ترمس» على الأرض، طفل يحاول جمعها وهو يبكي وينتحب، بينما يردد الرجل الواقف فوق رأسه: الكيل بمكيالين، بأسلوب حكواتي انتهى دوره… رفاقي أكملوا مسيرهم بينما كنت أتابع فجيعة الطفل الذي لم يواسه سوى شيخ كبير، اقتربت منه، دسست في يده ما ظننت أنه سيعوض خسارته، لكنه استرسل في البكاء وهو يجمع أكوام الحبوب الصفراء المختلطة بمجاري الصرف ويملأ بها دلوًا ملطخًا».
البنية المعرفية والاحتشاد الثقافي والتنوع الرؤيوي والموقف من الذات والآخر، وعلاقة الفرد بالمجموع ملامح بالغة الحضور مع كثافة تعبيرية راقية. والقصص التسع والثلاثون تنوعت طرائق سردها وتباينت طولًا وقصرًا في تجاور فنيّ مع ما استخلصته الكاتبة من كتابات مفكرين ومبدعين عالميين جعلتها مفاتيح للدخول إلى كل نص. والكاتبة تعرف ما تكتب، وتعتمد على تقنيات سردية متعددة، وتزاوج بين الواقعي والفانتازي وتستخدم الرموز والمفارقات، وتتكئ على المعادلات الموضوعية، وتعتمد على المونولوج والديالوج والراوي العليم والراوي المشارك وأنسنة الماديات والتداعي الحر أحيانًا.
وتُراوِحُ القصص بين اللقطة الخاطفة الواخزة للوعي كإبرة حادة، وبين ما يقارب الإبيجرامات الشعرية، حتى لتكاد تحس أنك أمام مجموعة من القصائد النثرية بالغة الحدة والرهافة، ولغتها الراقية كانت تحريضًا مستمرًّا على متابعة قراءة القصص فلا نتوءات تعبيرية ولا أخطاء لغوية أو نحوية، وتكاد الموسيقا تشيع في كل الجمل التي بذلت الكاتبة جهدًا كبيرًا لتقدمها إلينا كتماثيل أتقنت نحتها بسكينها التعبيرية، التي أفلحت في إزالة كثير من الطين الزائد الذي تعانيه الكتابة السردية.
0 تعليق