المقالات الأخيرة

ضحكة ميدوزا النسوية وميلاد كتابة جديدة

ضحكة ميدوزا

النسوية وميلاد كتابة جديدة

سأتحدّث عن «الكتابة النسوية»: عمّا ستنجزه، وعمّا ستفعله. ينبغي للمرأة أن تكتب ذاتها؛ أن تكتب المرأةُ عن المرأة، وأن تستدعي النساء إلى الكتابة، تلك التي أُبعدن عنها بعنف لا يقلّ عن العنف الذي أُبعدن به عن أجسادهنّ؛ وللأسباب نفسها، وبالقانون ذاته، وللغاية المميتة نفسها....

فرناندو بيسوا والإسلام

فرناندو بيسوا والإسلام

يمكن القول: إن أول نص يتطرق بشكل صريح إلى انشغال فرناندو بيسوا بالعالم الإسلامي نُشر خلال حياته. هذا النص هو مقال مميز بعنوان: «نبوءات عربي» للكاتب البرتغالي ماريو دومينغيز، نُشر في البرتغال، في صحيفة «ريبورتر إكس» بتاريخ 4 مايو 1931م. ومن المهم أن نلحظ أن بيسوا نشر...

سوء استخدام مُفَكّري ما بعد الحداثة للعلم

سوء استخدام مُفَكّري

ما بعد الحداثة للعلم

إذا كانت الإبيستمولوجيا تَقوم بأداء دورها على أكمل وجه، بحيث لا تتردد في إخبارنا متى نملك الحقّ -من وجهة نظر إبيستمولوجية خالصة- في الاعتقاد، فلماذا إذًا، نُقحم الأخلاق، بل بالأحرى، لماذا نُمَارس فعل الوعظ الأخلاقيّ حين يتعلّق الأمر بالحياة الفكرية والعلمية؟ يَظَلّ...

خطاب العمى في مذكرات البردوني

خطاب العمى في مذكرات البردوني

يقولون «إن من يكتب عن ذاته يعدُّ نفسه لوقت ما محور العالم أو على الأقل محورًا لعالم ما». وهذا الرأي ينطلق من مسلمة مركزية الذات في الكتابة، ذلك الحق الذي يمارسه الكاتب بحرية تامة في بناء صورة له في الكتابة قد تدفع به للجنوح نحو التخييل الذاتي، أما في المذكرات والسير...

الذكاء الاصطناعي.. الاستعمار الناعم

الذكاء الاصطناعي.. الاستعمار الناعم

إن قراءة الاستجابة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من الإنسان ربما تتجاوز -على نحوٍ ما- صدمة ظهور الشبكة العنكبوتية، كما الهاتف الذكي؛ من منطلق أن الذكاء الاصطناعي قد عمل على توليد ما يمكن أن ننعته بذكاءٍ شبه موازٍ للذكاء البشري -إلى حد ما- ولا سيما على المستوى اللغوي، كما...

النهر يواصل جريانه

إقامة في قلعة هاوثورندندن

بواسطة | مايو 1, 2026 | أمكنة

حين بدأتُ أقترب من هاوثورندندن للمرة الأولى، شعرتُ أنّ الطريق يقود إلى طبقات متراكمة من الزمن، وليس إلى قلعة أثريّة فقط. هذا المكان وُلد في قلب العصور الوسطى، في سياق القرن الخامس عشر، حين كانت إسكتلندا تعيش صراعات حدودية طويلة، وحين كان الحجر لغة الدفاع الأولى، وحين كانت القلاع تُبنى لتكون ملاذًا وحصنًا في آن واحد. في تلك المرحلة المبكرة، ارتبط الموقع باسم عائلة كريشتون، ثم انتقل لاحقًا إلى عائلة دراموند، العائلة التي تركت أثرًا عميقًا في التاريخ السياسي والثقافي الإسكتلندي، وجعلت من هذا الموقع المطلّ على وادي نهر إسكتلنديّ نقطة مراقبة وحماية، ثم نقطة إقامة وتأمّل مع تغيّر الأزمنة.

تحوّلات حصنٍ إلى ملاذٍ للكتّاب

من بين أفراد هذه العائلة يبرز اسم ويليام دراموند أوف هاوثورندندن (1585– 1649م) الشاعر والمفكّر الذي عاش في مرحلة انتقالية بين عصر النهضة الأوربية وبدايات الحداثة الأدبية البريطانية. دراموند كان صاحب مشروع ثقافي شخصي، جمع في هذه القلعة مكتبة واسعة، وفتح أبوابها للحوار الأدبي والفكري. في زمن كانت فيه المسافات تقطع على الأقدام، وكانت المراسلات تستغرق أسابيع، تحوّلت هاوثورندن على يده إلى نقطة جذب لعقول تبحث عن تبادل الأفكار خارج مراكز السلطة.

ويليام دراموند أوف هاوثورندندن

في عام 1618م، عبرت هذه الممرّات خطوات بن جونسون، الشاعر والمسرحي الإنجليزي (1572 – 1637م)، أحد أبرز أعمدة الأدب الإنجليزي في عصره، وصاحب أعمال مسرحية تركت أثرًا واسعًا في تطوّر الدراما الأوربية. جونسون قطع المسافة من لندن إلى إسكتلندا سيرًا على الأقدام، في رحلة ثقافية استثنائية، ووصل إلى هاوثورندندن ضيفًا على ويليام دراموند. في تلك الأيام القليلة التي قضياها معًا، جرت حوارات أدبية وفكرية عميقة، دُوّنت لاحقًا في سجلات تاريخية، وتحوّلت إلى شهادة على لحظة التقاء بين ثقافتين ولغتين داخل فضاء واحد.

في تلك الزيارة، تغيّر معنى الحجر. القلعة التي شُيّدت للدفاع صارت فضاء حوار، والجدران التي صُمّمت للحماية صارت حاضنة للنقاش الأدبي. هذا التحوّل المبكر ترك أثرًا طويل المدى في هوية المكان، وأرسى تقليدًا غير مكتوب يرى في هاوثورندن بيتًا للكلمة والأدب وليس للسلاح.

مرّت القرون، وتبدّل شكل العالم من حول القلعة. الحروب انحسرت، الحدود تغيّرت، المدن توسّعت، غير أنّ روح المكان احتفظت بجوهرها، كأنّ الحجر تعلّم كيف يعبر الأزمنة من دون أن يفقد ذاكرته. في أواخر القرن العشرين دخلت هاوثورندندن مرحلة جديدة مع وصول السيدة الأميركية درو هاينز (1915- 2018م)، امرأة جاءت من سيرة طويلة من التحوّلات، ومن حياة عرفت الانتقال بين القارات والطبقات الاجتماعية والدوائر الثقافية، قبل أن تستقر عند فكرة واحدة: منح الأدب مكانًا يحميه من التآكل اليوميّ.

وُلدت درو هاينز في إنجلترا باسم دورين ماري إنغليش، ونشأت في بيئة عسكرية محافظة شكّلت علاقتها المبكرة بالنظام والانضباط. خاضت تجارب زواج متعددة، وأنجبت ابنتين، وعاشت سنوات في فضاءات دبلوماسية واجتماعية متعدّدة، قبل أن تدخل مرحلة مفصلية بزواجها من جاك هاينز، وريث إمبراطورية هاينز الصناعية. هناك، في تماسّ مباشر مع عالم المال والقوة الاقتصادية، بدأت تبني مسارها الثقافي الخاص، مبتعدة من الأضواء السريعة، ومتجهة نحو دعم الأدب والنشر والمبادرات الفكرية طويلة الأمد.

حين وصلت إلى هاوثورندندن، جاءت بفكرة ثقافية طويلة النفس، ترى في الأدب طاقة تغيير هادئة، وفي الكاتب كائنًا يحتاج إلى زمن محميّ كي تنضج الجملة ويستقيم المعنى. بدأت بترميم القلعة بعناية تحافظ على طابعها التاريخي، ثم أسّست المؤسسة التي حملت اسم المكان، وأطلقت برنامج الإقامة الأدبية الذي تحوّل مع الوقت إلى أحد أكثر البرامج احترامًا في المشهد الثقافي العالمي.

ملتقى أصوات متعددة

فتح هذا البرنامج أبوابه لروائيين وشعراء ومترجمين من عشرات البلدان، ووفّر لهم الإقامة والضيافة والوقت والهدوء، وترك لهم حرية تنظيم يومهم الإبداعيّ بعيدًا من ضغط المواعيد والعروض العامة والواجبات الاحتفالية. هكذا تحوّل المكان إلى ملتقى أصوات متعددة، تتقاطع لغاتها وتجاربها داخل فضاء واحد تحكمه قاعدة واحدة: العمل في صمت، والكتابة بوصفها فعلًا يوميًّا يحتاج إلى استقرار داخلي.

فلسفة درو هاينز قامت على قناعة عميقة بأنّ الكاتب يحتاج إلى مكان آمن للكتابة، وإلى عزلة محمية، وإلى شعور بأن العالم يمنحه فرصة للتفرّغ من دون مقايضة قاسية مع الزمن والمال. من هنا صارت القلعة فضاء يشتغل على العمق، وعلى المعنى، وعلى الزمن البطيء الذي تحتاجه الجملة كي تنضج. ومع رحيلها عام 2018م، بقي أثرها حيًّا في هذا الحجر، وفي الوجوه التي مرّت من هنا، وفي النصوص التي كُتبت تحت سقف هذا الصمت، حيث تلاقت سيرة امرأة مفعمة بالتحوّلات مع سيرة مكان أعيدت كتابته على هيئة إقامة للكتابة.

وأنا أسير في الممرّات الحجرية، وأجلس في الصالة، وأفتح الشبّاك على صوت النهر، كنت أشعر بأنّ هذا التحوّل يحمل توقيع هذه المرأة الغائبة حضوريًّا والحاضرة في بنية المكان. هذا الحضور يظهر في الإيقاع الهادئ للعيش اليومي، في احترام الوقت، في الثقة التي تُمنح للكاتب، وفي المساحة المفتوحة للتأمّل والعمل.

في هذه الممرّات، شعرتُ أنّ كل حجر يحمل ذاكرة مزدوجة: ذاكرة زمن التحصين والحروب، وذاكرة زمن الكتابة والحوار الثقافي. هذا التراكب الزمنيّ منح الإقامة ثقلًا خاصًّا، وحوّل السكن المؤقّت إلى عيش داخل تاريخ حيّ يتنفّس مع كل خطوة.

إقامة في ظل ميلوش

غرفتي حملت اسم ميلوش «ميووش». الاسم جاء من تقليد تتبعه القلعة في تسمية الغرف بأسماء كتّاب تركوا أثرًا عالميًّا. الشاعر البولندي تشيسواف ميلوش (1911– 2004م) الذي يعدّ أحد أبرز أصوات القرن العشرين، عاش المنفى، وكتب من تماسّ مباشر مع الذاكرة والتاريخ والتحوّل الأخلاقي للإنسان المعاصر. هذا الاسم بدا قريبًا من مسار المكان ومن مساري الشخصي، وجعل الإقامة في هذه الغرفة تجربة ذات طبقة رمزية إضافية.

حين دخلتُ غرفة ميلوش، شعرتُ أنّ الاسم يحمل سيرة قرن كامل من التصدّعات والتحوّلات. الشاعر الذي عاش على تخوم الهويات واللغات منذ طفولته، ودخل شبابه في زمن الحروب وصعود الأيديولوجيات. تجربة الاحتلال النازي ثم المنفى بعد القطيعة مع النظام الشيوعي البولندي عام 1951 شكّلت وعيه الأدبي والأخلاقي، وجعلت الشعر عنده فعلًا شهادة ومسؤولية. عدت لقراءة كتابه «العقل المعتقل» الذي فكّك فيه آليات إخضاع الوعي، وشرح كيف يمكن للعقل أن يدخل شكلًا من العبودية الداخلية تحت وهم الحرية، وكيف أنّ أخطر أشكال العبودية تلك التي يقبلها الإنسان وهو يظنّ أنّه حرّ.

في منفاه الأميركي، حيث عمل أستاذًا في جامعة بيركلي، عاد إلى لغته الأم كمساحة مقاومة داخلية، وكتب عن الوطن بوصفه تجربة لغوية وذاكرة متحرّكة، يحملها المنفي معه خارج الجغرافيا. وفي عام 1980م جاءت جائزة نوبل لتعيد صوته إلى فضاء عالمي أوسع.

في سنواته الأخيرة عاد إلى كراكوف، وكتب بنبرة أكثر هدوءًا وتأمّلًا في الزمن والشيخوخة والموت. وأنا أقيم في غرفة تحمل اسمه، شعرتُ أنّ سيرته تفتح حوارًا صامتًا مع تجربتي في المنفى، ومع علاقتي باللغة والذاكرة والطريق الطويل للكتابة. الاسم على الباب تحوّل إلى صديق رمزيّ يذكّرني كل صباح بأنّ الجملة تنبت من التوتر بين التاريخ والحياة، وبين الداخل والعالم.

وأنا أعيد قراءة خطاب ميلوش في جائزة نوبل توقّفتُ عند طريقته في فهم موقع الكاتب بين الارتفاع فوق المشهد والانغراس في تفاصيل الأرض. هذا التوتر بين الرؤية الواسعة والانتباه الدقيق بدا قريبًا من تجربة المنفى نفسها، حيث عين تحاول أن ترى العالم من مسافة تسمح بالفهم، وخطوة تبقى قريبة بما يكفي لحماية التجربة من التحوّل إلى سرد بارد. في هذا المجال المتحرّك تتكوّن الكتابة كفعل وعي ومسؤولية، وكبحث دائم عن صيغة تحفظ الإنسان داخل اللغة.

وأكثر ما استوقفني في خطابه قوله: إنّ «الأحياء يتلقّون تفويضًا من الذين صمتوا إلى الأبد، ولا يوفون بهذا التفويض إلا بمحاولة إعادة تركيب ما كان بدقة، بانتزاع الماضي من الاختلاقات والأساطير». عند هذه الجملة ترسّخ داخلي معنى الكتابة بوصفها مسؤولية في حفظ التفاصيل، وفي مقاومة النسيان، وفي إعادة بناء الذاكرة بعيدًا من التلفيق. هكذا صار اسم ميلوش على باب الغرفة علامة يومية على أنّ العبور الحقيقي يحدث في العلاقة مع اللغة والذاكرة، وأنّ الطريق يستمرّ ما دام الإنسان قادرًا على أن يرى، وأن يحوّل الرؤية إلى كتابة تحفظ الأثر قبل أن يتبدّد.

المكان شريك في الكتابة

في فضاء القلعة، اجتمع ستة كتّاب من خلفيات مختلفة. جينات، الكاتبة ذات الجذور الأميركية الإفريقية والمقيمة في الدانمارك، شون القادمة من ويلز، إيفون القادمة من كِنت، إيميلي القادمة من نيويورك، تيم الشاعر الأميركي، وأنا. وفي قلب هذا التنظيم اليوميّ، يقف هاميش، مدير القلعة، بخبرة طويلة في إدارة الإقامات الثقافية، يعمل بهدوء، يهيّئ الظروف المناسبة للعمل الإبداعي، يضبط الإيقاع العام، ويترك للكتّاب مساحة الحركة الحرة داخل هذا النظام المتوازن.

وأنا أعيش داخل هذا الفضاء، شعرتُ بأنّ هاوثورندن تحوّلت من أثر تاريخي إلى كيان حيّ يواصل إنتاج المعنى عبر من يقيمون فيه. القلعة التي بدأت حصنًا، ثم صارت بيتًا للحوار الأدبي، صارت في هذه اللحظة الراهنة فضاءً عالميًّا يستقبل أصواتًا قادمة من منافٍ مختلفة، يحمل كلّ واحد منها لغته وذاكرته وتجربته الخاصة.

هنا، في غرفة ميلوش، وبين جدران حملت أصوات أدباء ومبدعين عبر عقود، جلستُ أكتب، وأشعر بأنّ المكان يشارك في صياغة الجملة، وأنّ التاريخ يتحوّل إلى خلفية حيّة للكتابة المعاصرة. هذه اللحظة جاءت امتدادًا لمسار طويل من التحوّل، بدأ بالحجر الدفاعي، ومرّ بالحوار الأدبي في القرن السابع عشر، ووصل إلى تجربة كتابة معاصرة تبحث عن توازن بين المنفى والوطن، بين الفردي والجماعي، بين الذاكرة والراهن.

وجدت نفسي جزءًا من فكرة ثقافية طويلة النفس ترى في الأدب قوة هادئة تعيد ترتيب الداخل قبل أن تمسّ شكل العالم الخارجي. حين استقرّ الجسد في هاوثورندن، أدركتُ أنّني وصلتُ إلى مرحلة مختلفة من الرحلة لا تقاس بالمسافة التي قطعتها السيارة من لندن إلى إسكتلندا، ولا بعدد الأيام التي سأقيمها في هذه القلعة، وإنما بنوع السكون الذي بدأ يتشكّل في الداخل، وبالتحوّل الهادئ الذي أخذ يعيد ترتيب العلاقة مع الذات، مع الكتابة، مع فكرة الوطن التي ظلّت تتبدّل في رأسي منذ أعوام طويلة.

القلعة تقوم فوق طبقات من الزمن. الحجر يحمل أثر العصور الماضية، ويحمل أيضًا صبر المكان على عبور البشر، وعلى تبدّل الحكايات، وعلى تغيّر الأزمنة. منذ اليوم الأول شعرتُ بأنّ الخطوة فوق أرضها أبطأ من المعتاد، وكأنّ المكان يدعوك إلى تخفيف الإيقاع، إلى التخلّي عن العجلة التي رافقت حياتك في المدن الكبيرة، وإلى الإصغاء لما يحدث في الداخل قبل الالتفات إلى ما يحدث في الخارج.

أكثر ما شدّني منذ اللحظة الأولى صوت النهر الذي لا ينقطع، لا يعلو فجأة ولا يخفت حتى الغياب، إنّما يسير بثبات، كما لو أنّه موسيقا طويلة لا تعرف التعب. في الصباح الباكر أسمعه من غرفتي قبل الضوء، يوقظ الحواس برفق، ويمنح اليوم إشارة بداية مختلفة عن ضجيج المنبّهات الإلكترونية. وفي المساء، حين يسحب الليل ستاره على الوادي، يتحوّل إلى همس ممتدّ يرافق الجلوس إلى الطاولة، ويمنح الجملة إيقاعًا خفيًّا لا يُرى ولا يُمسك به، لكنه يُشعَر في العمق.

حرصتُ على فتح الشبّاك في أغلب الأوقات. الهواء البارد يدخل محمّلًا برائحة الأشجار، برطوبة الأرض، بصوت الماء وهو يواصل رحلته. هذا المشهد اليومي صار جزءًا من طقوس الكتابة. أجلس قرب النافذة، أضع الحاسوب أمامي، وأترك النهر يقود الإيقاع الداخلي. أحيانًا أتوقّف عن الكتابة، أكتفي بالمراقبة والإصغاء، فأشعر أنّ الذهن يستعيد توازنه، وأنّ الأفكار الثقيلة تخفّ وطأتها شيئًا فشيئًا.

الهدوء في هاوثورندندن يحمل طابعًا مقدّسًا. في الظاهر يبدو المكان ساكنًا، الأيام تتشابه في شكلها، الصباح هادئ، الظهيرة ممتدّة بلا استعجال، المساء ينزلق ببطء نحو الليل. غير أنّ الداخل يعيش حركة متواصلة. الأفكار تتبدّل، الأسئلة تتكاثر، النصوص تنمو، العلاقات الإنسانية تترك أثرها الخفيّ. هذه الرتابة الظاهرة تخفي نشاطًا متجدّدًا، يشبه حركة النهر نفسها، ثابتة في شكلها، متحوّلة في جوهرها.

طبقات إنسانية في فضاء واحد

الوجوه التي شاركتني الإقامة أضافت طبقات أخرى من الحيوية الصامتة. جين حضرت بأسئلتها التي تشبه مفاتيح صغيرة تفتح أبوابًا غير متوقّعة في الذهن. حديثها لا يتوقّف عند سطح الموضوع، يذهب مباشرة إلى العمق، إلى المناطق التي تدفع الكاتب إلى إعادة التفكير في نصّه، في أدواته، في علاقته بالحكاية. كلّ حوار معها كان يترك أثرًا يتسلّل لاحقًا إلى الكتابة، كشرارة هادئة تحرّك الجمود.

شون جاءت بحكاياتها الغرائبية، بقدرتها على التقاط التفاصيل الهامشية وتحويلها إلى سرد نابض. قصصها تحمل طابعًا خاصًّا، يمزج الواقع بالخيال، ويمنح المكان حياة إضافية. حين كانت تحكي، كنت أشعر أنّ القلعة نفسها تنصت، وأنّ الحجر القديم يستعيد ذاكرة بعيدة عبر هذا السرد المتدفّق.

إيفون حضرت بهدوئها المتوازن، باهتمامها اليوميّ بالآخرين، بسؤالها الدائم عن الأسر، عن الأبناء، عن الأحوال الصحية، عن التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة، لكنها تصنع شبكة إنسانية متينة داخل المكان. هذا الاهتمام اليوميّ خلق شعورًا بالألفة، وحوّل الإقامة من تجربة فردية إلى مساحة عيش مشترك، تتقاطع فيها الحكايات الشخصية بهدوء واحترام.

إيميلي جمعت بين الصوف والقصص في حركة واحدة. كانت تنسج بيديها وتنسج بالحكايات في الوقت نفسه. حركة الإبر تشبه حركة الجمل وهي تتشكّل ببطء، بصبر، بعناية. حين كانت تتحدّث عن نصوصها، كانت اللغة تخرج بالإيقاع نفسه الذي تخرج به الخيوط من بين أصابعها، هادئة، متماسكة، متّصلة.

تيم حمل معه روح الاكتشاف. يعود من جولاته في محيط القلعة بتعليقات لامحة، بملاحظات ذكية عن المسارات، عن الصخور، عن الأشجار، عن تفاصيل لا ينتبه إليها العابر السريع. حضوره أضاف خفّة ذكية إلى التجربة، كسر الإيقاع الرتيب من دون أن يخلّ بتركيز المكان.

وفي قلب هذا المشهد اليومي، كان هاميش يتحرّك بهدوء القادة الذين يعملون في العمق. حضوره لا يفرض نفسه، لكنه حاضر في اللحظة المناسبة. يدخل بابتسامة هادئة، يستمع بانتباه، يلبّي الطلب، يعلّق بجملة قصيرة دقيقة، ثم ينسحب كما دخل. طريقته في إدارة المكان تشبه نسمة خفيفة ترتّب الجوّ العام، تهيّئ الظروف، وتترك للآخرين مساحة العمل براحة وثقة. هذا الحضور الهادئ منح القلعة إيقاعًا متوازنًا، وأكّد لي أنّ القيادة الحقيقية تُمارس بصمت.

بين صوت النهر، وإيقاع الأيام، وحضور هؤلاء الأشخاص، تشكّلت تجربة هاوثورندندن كمرحلة مصالحة داخلية. مصالحة مع فكرة العزلة حين تتحوّل إلى طاقة إنتاج، مع الصمت حين يصبح مساحة تفكير، مع الكتابة حين تعود إلى أصلها الأول كفعل إنصات قبل أن تكون فعلًا لغويًّا.

مخزن طويل للقصص

في إحدى الليالي، وبينما كان النهر يواصل إيقاعه الرتيب في الوادي، انطفأت الأنوار فجأة. لم يأتِ الانقطاع بعنف، جاء بهدوء يشبه سحب ستارة غير مرئية عن المشهد. للحظة قصيرة، ساد صمت كثيف، ثم بدأت الأصوات الصغيرة تظهر؛ خشخشة خطوات، فتح أبواب ببطء، همسات تتقاطع في الممرّات الحجرية.

خرجتُ من غرفتي، وتبعتُ الضوء الخافت المتسرّب من الصالة. هناك، كانت الشموع قد أُشعلت، واصطفّ الضوء البرتقالي على الجدران العالية، ورسم ظلالًا متحرّكة فوق الأقواس القديمة. القلعة بدت في تلك اللحظة كأنها استعادت زمنها الأول، زمن الحكاية الشفوية، زمن الجلوس في دائرة، زمن الوجوه المتقابلة من دون وسائط. جلسنا جميعًا. ستة كتّاب تجلّلنا الإضاءة الخافتة المنبعثة من هواتفنا، وصوت النهر يتسلّل من الخارج كإيقاع ثابت يرافق الجلسة. في ذلك المساء، شعرتُ بأنّ الإقامة خرجت من إطارها الفردي ودخلت منطقة المشاركة العميقة، منطقة يتقاطع فيها الخاص والعام، الذاتي والجماعي.

بدأت الحكايات تتدفّق من دون ترتيب مسبق. لم يكن أحد يخطّط لما سيقوله، الكلمات خرجت كما يخرج النفس حين يهدأ الجسد. شعرتُ منذ اللحظة الأولى بأنّ هذا المكان عالم مدهش من السرد، مخزن طويل للقصص، ينتظر الظلام كي يفتح أبوابه. الحديث انجرف سريعًا نحو منطقة الرعب والغرابة. دخلنا عالمًا غريبًا مؤلفًا من أشباح، بيوت مهجورة، ممرّات سرّية، أصوات تظهر بعد منتصف الليل، ظلال تتحرّك بلا مصدر واضح. الظلام كان شريكًا في السرد، يختار المتكلّم التالي، ويمنح كلّ حكاية توتّرًا إضافيًّا.

بقيتُ صامتًا مستمعًا ومستمتعًا بالحكايات. اعتدتُ الإصغاء أكثر من الكلام، وأميل إلى التفكير العميق قبل أن أختار الجملة. اللغة الإنجليزية في فمي تمشي أبطأ من الأفكار التي تتكوّن بالعربية، وأشعر دائمًا بأنّ ما يدور في الداخل أوسع من المساحة التي تتيحها الكلمات الأجنبية؛ لذلك تركتُ الحكايات تمرّ من حولي، أراقب الوجوه، وألتقط تغيّر النبرات، وأصغي إلى الفراغات بين الجمل، حيث يتشكّل المعنى الحقيقيّ.

حين جاء هاميش يبشّرنا بعودة التيّار الكهربائيّ، انتهت الجلسة، وبقينا للحظة ننظر إلى بعضنا في الضوء الذي أضاء الصالة قبل أن نودّع بعضنا، ويتمنّى كل واحد منا للآخرين ليلة هانئة هادئة. شعرتُ بأنّ هذه الليلة ستبقى عالقة في ذاكرتي طويلًا؛ لأنها أعادتني إلى أصل الحكاية، إلى تلك اللحظة البدائية التي يجتمع فيها البشر حول الضوء الخافت ويتقاسمون حكاياته وخوفهم، وضحكهم، ودهشتهم بالعالم، وأيقنت أنّ الضوء الإنساني ازداد حضورًا. أدركتُ أنّ الحكاية تملك قدرة عجيبة على بناء بيت مؤقّت يتشكّل حول دائرة صغيرة من البشر تجمعهم ظروف مشتركة في وقت معين في مكان محدّد.

حين عدتُ إلى غرفتي، فتحتُ الشبّاك. النهر كان أعلى صوتًا من المعتاد، أو ربما كنتُ أنا أكثر استعدادًا للإصغاء. جلستُ إلى الطاولة، بدأت أدوّن ملحوظات سريعة. الضوء الخافت، صمت القلعة، وصوت الماء صنعا معًا مشهدًا داخليًّا كثيفًا. في تلك اللحظة، شعرتُ بأنّ الكتابة عادت إلى شكلها الأوّل، فعل ليليّ، طقس داخلي، محاولة ترتيب ما لا يُرى.

هكذا، أضيفت هذه الليلة إلى مسار هاوثورندن، كطبقة أخرى من المعنى، وكجسر صغير يصل بين العزلة الفردية والتجربة الجماعية، بين الصمت والحكاية، بين الماء الجاري في الوادي والماء الجاري في الذاكرة.

قبل المغادرة بساعات، فتحتُ الحقيبة مرّة أخيرة. لم أعد أرتّب الأشياء بقدر ما كنت أراجع أثرًا داخليًّا تشكّل هنا. وشعرتُ أنّ هذا الصوت المعدني الصغير يحمل داخله إيقاع نهاية هادئة إلى الوعي كما يتسرّب صوت النهر إلى الغرفة.

وقفتُ عند النافذة طويلًا. النهر كان يمضي في مساره المعتاد، لا يتوقّف ولا يلتفت. هذا الجريان الثابت أعادني إلى لحظة الوصول المرتبكة الأولى، إلى ذلك الشعور بأنّ الأرض تتحرّك تحت القدمين، وأنّ الطريق يفرض إيقاعه على الجسد والذاكرة معًا. أدركتُ أنّ المسافة بين الوصول الأول والمغادرة تقاس بما يتغيّر في الداخل، بما يعيد ترتيب العلاقة مع الزمن، ومع الذات، ومع فكرة الوطن التي تظلّ تتشكّل عبر التجربة الحياتيّة بعيدًا من الشعارات والمزاعم.

في تلك اللحظة، فهمتُ معنى البيت المؤقّت بطريقة مختلفة. البيت صار حالة توازن داخلي، قدرة على الاستقرار في الحركة، مهارة حمل الذات عبر التحوّلات من دون انكسار. هذا الفهم جاء من تراكم الأيام، من تفاصيل العيش البطيء، من الصمت، من الكتابة، من الوجوه التي مرّت في الطريق، من المدن التي فتحت أبوابها ثم أغلقتها بهدوء.

في السيارة، قبل أن أدير المحرّك، نظرتُ إلى القلعة مرّة أخيرة. الحجر بدا ثابتًا، والنهر يواصل جريانه، والسماء الرمادية تحمل وعد ضوء قادم. هذا المشهد اختصر بالنسبة لي معنى الرحلة بأكملها: ثبات في الشكل، حركة في الجوهر، واستمرار يتجاوز الأفراد والأزمنة.

حين دخلتُ الطريق السريع، عاد صوت النهر إلى داخلي كإيقاع مرافق. وهكذا، خرجتُ من هاوثورندن وأنا أحمل أثرًا داخليًّا يشبه علامة خفيّة، لا تُرى في المرايا، لكنّها تظهر في طريقة المشي، في نبرة الصوت، في إيقاع الجملة حين تُكتب. هذه العلامة لا ترتبط بمكان واحد، ترتبط بالطريق ذاته، وبالقدرة على العيش في المسافة بين ما كان وما سيأتي.

أغادر هاوثورندن وأنا أحمل النهر في أذني، والقلعة في الذاكرة، وغرفة ميلوش في الوعي، وإدنبرة في المرآة الزمنية، والوجوه التي شاركتني الإقامة في القلب. أحمل كلّ هذا معي إلى لندن، إلى حياتي اليوميّة، إلى هذا المشروع الكتابيّ.


• فصل من كتاب سيرة سيصدر قريبًا بعنوان: «وجوه المنفى… دروب الوطن».

المنشورات ذات الصلة

لم يتم العثور على نتائج

لم يمكن العثور على الصفحة التي طلبتها. حاول صقل بحثك، أو استعمل شريط التصفح أعلاه للعثور على المقال.

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *