النهر يواصل جريانه إقامة في قلعة هاوثورندندن

النهر يواصل جريانه

إقامة في قلعة هاوثورندندن

حين بدأتُ أقترب من هاوثورندندن للمرة الأولى، شعرتُ أنّ الطريق يقود إلى طبقات متراكمة من الزمن، وليس إلى قلعة أثريّة فقط. هذا المكان وُلد في قلب العصور الوسطى، في سياق القرن الخامس عشر، حين كانت إسكتلندا تعيش صراعات حدودية طويلة، وحين كان الحجر لغة الدفاع الأولى، وحين كانت القلاع تُبنى لتكون ملاذًا وحصنًا في آن واحد. في تلك المرحلة المبكرة، ارتبط الموقع باسم عائلة كريشتون، ثم انتقل لاحقًا إلى عائلة دراموند، العائلة التي تركت أثرًا عميقًا في التاريخ السياسي والثقافي الإسكتلندي، وجعلت من هذا الموقع المطلّ على وادي نهر إسكتلنديّ نقطة مراقبة وحماية، ثم نقطة إقامة وتأمّل مع تغيّر الأزمنة.

تحوّلات حصنٍ إلى ملاذٍ للكتّاب

من بين أفراد هذه العائلة يبرز اسم ويليام دراموند أوف هاوثورندندن (1585– 1649م) الشاعر والمفكّر الذي عاش في مرحلة انتقالية بين عصر النهضة الأوربية وبدايات الحداثة الأدبية البريطانية. دراموند كان صاحب مشروع ثقافي شخصي، جمع في هذه القلعة مكتبة واسعة، وفتح أبوابها للحوار الأدبي والفكري. في زمن كانت فيه المسافات تقطع على الأقدام، وكانت المراسلات تستغرق أسابيع، تحوّلت هاوثورندن على يده إلى نقطة جذب لعقول تبحث عن تبادل الأفكار خارج مراكز السلطة.

ويليام دراموند أوف هاوثورندندن

في عام 1618م، عبرت هذه الممرّات خطوات بن جونسون، الشاعر والمسرحي الإنجليزي (1572 – 1637م)، أحد أبرز أعمدة الأدب الإنجليزي في عصره، وصاحب أعمال مسرحية تركت أثرًا واسعًا في تطوّر الدراما الأوربية. جونسون قطع المسافة من لندن إلى إسكتلندا سيرًا على الأقدام، في رحلة ثقافية استثنائية، ووصل إلى هاوثورندندن ضيفًا على ويليام دراموند. في تلك الأيام القليلة التي قضياها معًا، جرت حوارات أدبية وفكرية عميقة، دُوّنت لاحقًا في سجلات تاريخية، وتحوّلت إلى شهادة على لحظة التقاء بين ثقافتين ولغتين داخل فضاء واحد.

في تلك الزيارة، تغيّر معنى الحجر. القلعة التي شُيّدت للدفاع صارت فضاء حوار، والجدران التي صُمّمت للحماية صارت حاضنة للنقاش الأدبي. هذا التحوّل المبكر ترك أثرًا طويل المدى في هوية المكان، وأرسى تقليدًا غير مكتوب يرى في هاوثورندن بيتًا للكلمة والأدب وليس للسلاح.

مرّت القرون، وتبدّل شكل العالم من حول القلعة. الحروب انحسرت، الحدود تغيّرت، المدن توسّعت، غير أنّ روح المكان احتفظت بجوهرها، كأنّ الحجر تعلّم كيف يعبر الأزمنة من دون أن يفقد ذاكرته. في أواخر القرن العشرين دخلت هاوثورندندن مرحلة جديدة مع وصول السيدة الأميركية درو هاينز (1915- 2018م)، امرأة جاءت من سيرة طويلة من التحوّلات، ومن حياة عرفت الانتقال بين القارات والطبقات الاجتماعية والدوائر الثقافية، قبل أن تستقر عند فكرة واحدة: منح الأدب مكانًا يحميه من التآكل اليوميّ.

وُلدت درو هاينز في إنجلترا باسم دورين ماري إنغليش، ونشأت في بيئة عسكرية محافظة شكّلت علاقتها المبكرة بالنظام والانضباط. خاضت تجارب زواج متعددة، وأنجبت ابنتين، وعاشت سنوات في فضاءات دبلوماسية واجتماعية متعدّدة، قبل أن تدخل مرحلة مفصلية بزواجها من جاك هاينز، وريث إمبراطورية هاينز الصناعية. هناك، في تماسّ مباشر مع عالم المال والقوة الاقتصادية، بدأت تبني مسارها الثقافي الخاص، مبتعدة من الأضواء السريعة، ومتجهة نحو دعم الأدب والنشر والمبادرات الفكرية طويلة الأمد.

حين وصلت إلى هاوثورندندن، جاءت بفكرة ثقافية طويلة النفس، ترى في الأدب طاقة تغيير هادئة، وفي الكاتب كائنًا يحتاج إلى زمن محميّ كي تنضج الجملة ويستقيم المعنى. بدأت بترميم القلعة بعناية تحافظ على طابعها التاريخي، ثم أسّست المؤسسة التي حملت اسم المكان، وأطلقت برنامج الإقامة الأدبية الذي تحوّل مع الوقت إلى أحد أكثر البرامج احترامًا في المشهد الثقافي العالمي.

ملتقى أصوات متعددة

فتح هذا البرنامج أبوابه لروائيين وشعراء ومترجمين من عشرات البلدان، ووفّر لهم الإقامة والضيافة والوقت والهدوء، وترك لهم حرية تنظيم يومهم الإبداعيّ بعيدًا من ضغط المواعيد والعروض العامة والواجبات الاحتفالية. هكذا تحوّل المكان إلى ملتقى أصوات متعددة، تتقاطع لغاتها وتجاربها داخل فضاء واحد تحكمه قاعدة واحدة: العمل في صمت، والكتابة بوصفها فعلًا يوميًّا يحتاج إلى استقرار داخلي.

فلسفة درو هاينز قامت على قناعة عميقة بأنّ الكاتب يحتاج إلى مكان آمن للكتابة، وإلى عزلة محمية، وإلى شعور بأن العالم يمنحه فرصة للتفرّغ من دون مقايضة قاسية مع الزمن والمال. من هنا صارت القلعة فضاء يشتغل على العمق، وعلى المعنى، وعلى الزمن البطيء الذي تحتاجه الجملة كي تنضج. ومع رحيلها عام 2018م، بقي أثرها حيًّا في هذا الحجر، وفي الوجوه التي مرّت من هنا، وفي النصوص التي كُتبت تحت سقف هذا الصمت، حيث تلاقت سيرة امرأة مفعمة بالتحوّلات مع سيرة مكان أعيدت كتابته على هيئة إقامة للكتابة.

وأنا أسير في الممرّات الحجرية، وأجلس في الصالة، وأفتح الشبّاك على صوت النهر، كنت أشعر بأنّ هذا التحوّل يحمل توقيع هذه المرأة الغائبة حضوريًّا والحاضرة في بنية المكان. هذا الحضور يظهر في الإيقاع الهادئ للعيش اليومي، في احترام الوقت، في الثقة التي تُمنح للكاتب، وفي المساحة المفتوحة للتأمّل والعمل.

في هذه الممرّات، شعرتُ أنّ كل حجر يحمل ذاكرة مزدوجة: ذاكرة زمن التحصين والحروب، وذاكرة زمن الكتابة والحوار الثقافي. هذا التراكب الزمنيّ منح الإقامة ثقلًا خاصًّا، وحوّل السكن المؤقّت إلى عيش داخل تاريخ حيّ يتنفّس مع كل خطوة.

إقامة في ظل ميلوش

غرفتي حملت اسم ميلوش «ميووش». الاسم جاء من تقليد تتبعه القلعة في تسمية الغرف بأسماء كتّاب تركوا أثرًا عالميًّا. الشاعر البولندي تشيسواف ميلوش (1911– 2004م) الذي يعدّ أحد أبرز أصوات القرن العشرين، عاش المنفى، وكتب من تماسّ مباشر مع الذاكرة والتاريخ والتحوّل الأخلاقي للإنسان المعاصر. هذا الاسم بدا قريبًا من مسار المكان ومن مساري الشخصي، وجعل الإقامة في هذه الغرفة تجربة ذات طبقة رمزية إضافية.

حين دخلتُ غرفة ميلوش، شعرتُ أنّ الاسم يحمل سيرة قرن كامل من التصدّعات والتحوّلات. الشاعر الذي عاش على تخوم الهويات واللغات منذ طفولته، ودخل شبابه في زمن الحروب وصعود الأيديولوجيات. تجربة الاحتلال النازي ثم المنفى بعد القطيعة مع النظام الشيوعي البولندي عام 1951 شكّلت وعيه الأدبي والأخلاقي، وجعلت الشعر عنده فعلًا شهادة ومسؤولية. عدت لقراءة كتابه «العقل المعتقل» الذي فكّك فيه آليات إخضاع الوعي، وشرح كيف يمكن للعقل أن يدخل شكلًا من العبودية الداخلية تحت وهم الحرية، وكيف أنّ أخطر أشكال العبودية تلك التي يقبلها الإنسان وهو يظنّ أنّه حرّ.

في منفاه الأميركي، حيث عمل أستاذًا في جامعة بيركلي، عاد إلى لغته الأم كمساحة مقاومة داخلية، وكتب عن الوطن بوصفه تجربة لغوية وذاكرة متحرّكة، يحملها المنفي معه خارج الجغرافيا. وفي عام 1980م جاءت جائزة نوبل لتعيد صوته إلى فضاء عالمي أوسع.

في سنواته الأخيرة عاد إلى كراكوف، وكتب بنبرة أكثر هدوءًا وتأمّلًا في الزمن والشيخوخة والموت. وأنا أقيم في غرفة تحمل اسمه، شعرتُ أنّ سيرته تفتح حوارًا صامتًا مع تجربتي في المنفى، ومع علاقتي باللغة والذاكرة والطريق الطويل للكتابة. الاسم على الباب تحوّل إلى صديق رمزيّ يذكّرني كل صباح بأنّ الجملة تنبت من التوتر بين التاريخ والحياة، وبين الداخل والعالم.

وأنا أعيد قراءة خطاب ميلوش في جائزة نوبل توقّفتُ عند طريقته في فهم موقع الكاتب بين الارتفاع فوق المشهد والانغراس في تفاصيل الأرض. هذا التوتر بين الرؤية الواسعة والانتباه الدقيق بدا قريبًا من تجربة المنفى نفسها، حيث عين تحاول أن ترى العالم من مسافة تسمح بالفهم، وخطوة تبقى قريبة بما يكفي لحماية التجربة من التحوّل إلى سرد بارد. في هذا المجال المتحرّك تتكوّن الكتابة كفعل وعي ومسؤولية، وكبحث دائم عن صيغة تحفظ الإنسان داخل اللغة.

وأكثر ما استوقفني في خطابه قوله: إنّ «الأحياء يتلقّون تفويضًا من الذين صمتوا إلى الأبد، ولا يوفون بهذا التفويض إلا بمحاولة إعادة تركيب ما كان بدقة، بانتزاع الماضي من الاختلاقات والأساطير». عند هذه الجملة ترسّخ داخلي معنى الكتابة بوصفها مسؤولية في حفظ التفاصيل، وفي مقاومة النسيان، وفي إعادة بناء الذاكرة بعيدًا من التلفيق. هكذا صار اسم ميلوش على باب الغرفة علامة يومية على أنّ العبور الحقيقي يحدث في العلاقة مع اللغة والذاكرة، وأنّ الطريق يستمرّ ما دام الإنسان قادرًا على أن يرى، وأن يحوّل الرؤية إلى كتابة تحفظ الأثر قبل أن يتبدّد.

المكان شريك في الكتابة

في فضاء القلعة، اجتمع ستة كتّاب من خلفيات مختلفة. جينات، الكاتبة ذات الجذور الأميركية الإفريقية والمقيمة في الدانمارك، شون القادمة من ويلز، إيفون القادمة من كِنت، إيميلي القادمة من نيويورك، تيم الشاعر الأميركي، وأنا. وفي قلب هذا التنظيم اليوميّ، يقف هاميش، مدير القلعة، بخبرة طويلة في إدارة الإقامات الثقافية، يعمل بهدوء، يهيّئ الظروف المناسبة للعمل الإبداعي، يضبط الإيقاع العام، ويترك للكتّاب مساحة الحركة الحرة داخل هذا النظام المتوازن.

وأنا أعيش داخل هذا الفضاء، شعرتُ بأنّ هاوثورندن تحوّلت من أثر تاريخي إلى كيان حيّ يواصل إنتاج المعنى عبر من يقيمون فيه. القلعة التي بدأت حصنًا، ثم صارت بيتًا للحوار الأدبي، صارت في هذه اللحظة الراهنة فضاءً عالميًّا يستقبل أصواتًا قادمة من منافٍ مختلفة، يحمل كلّ واحد منها لغته وذاكرته وتجربته الخاصة.

هنا، في غرفة ميلوش، وبين جدران حملت أصوات أدباء ومبدعين عبر عقود، جلستُ أكتب، وأشعر بأنّ المكان يشارك في صياغة الجملة، وأنّ التاريخ يتحوّل إلى خلفية حيّة للكتابة المعاصرة. هذه اللحظة جاءت امتدادًا لمسار طويل من التحوّل، بدأ بالحجر الدفاعي، ومرّ بالحوار الأدبي في القرن السابع عشر، ووصل إلى تجربة كتابة معاصرة تبحث عن توازن بين المنفى والوطن، بين الفردي والجماعي، بين الذاكرة والراهن.

وجدت نفسي جزءًا من فكرة ثقافية طويلة النفس ترى في الأدب قوة هادئة تعيد ترتيب الداخل قبل أن تمسّ شكل العالم الخارجي. حين استقرّ الجسد في هاوثورندن، أدركتُ أنّني وصلتُ إلى مرحلة مختلفة من الرحلة لا تقاس بالمسافة التي قطعتها السيارة من لندن إلى إسكتلندا، ولا بعدد الأيام التي سأقيمها في هذه القلعة، وإنما بنوع السكون الذي بدأ يتشكّل في الداخل، وبالتحوّل الهادئ الذي أخذ يعيد ترتيب العلاقة مع الذات، مع الكتابة، مع فكرة الوطن التي ظلّت تتبدّل في رأسي منذ أعوام طويلة.

القلعة تقوم فوق طبقات من الزمن. الحجر يحمل أثر العصور الماضية، ويحمل أيضًا صبر المكان على عبور البشر، وعلى تبدّل الحكايات، وعلى تغيّر الأزمنة. منذ اليوم الأول شعرتُ بأنّ الخطوة فوق أرضها أبطأ من المعتاد، وكأنّ المكان يدعوك إلى تخفيف الإيقاع، إلى التخلّي عن العجلة التي رافقت حياتك في المدن الكبيرة، وإلى الإصغاء لما يحدث في الداخل قبل الالتفات إلى ما يحدث في الخارج.

أكثر ما شدّني منذ اللحظة الأولى صوت النهر الذي لا ينقطع، لا يعلو فجأة ولا يخفت حتى الغياب، إنّما يسير بثبات، كما لو أنّه موسيقا طويلة لا تعرف التعب. في الصباح الباكر أسمعه من غرفتي قبل الضوء، يوقظ الحواس برفق، ويمنح اليوم إشارة بداية مختلفة عن ضجيج المنبّهات الإلكترونية. وفي المساء، حين يسحب الليل ستاره على الوادي، يتحوّل إلى همس ممتدّ يرافق الجلوس إلى الطاولة، ويمنح الجملة إيقاعًا خفيًّا لا يُرى ولا يُمسك به، لكنه يُشعَر في العمق.

حرصتُ على فتح الشبّاك في أغلب الأوقات. الهواء البارد يدخل محمّلًا برائحة الأشجار، برطوبة الأرض، بصوت الماء وهو يواصل رحلته. هذا المشهد اليومي صار جزءًا من طقوس الكتابة. أجلس قرب النافذة، أضع الحاسوب أمامي، وأترك النهر يقود الإيقاع الداخلي. أحيانًا أتوقّف عن الكتابة، أكتفي بالمراقبة والإصغاء، فأشعر أنّ الذهن يستعيد توازنه، وأنّ الأفكار الثقيلة تخفّ وطأتها شيئًا فشيئًا.

الهدوء في هاوثورندندن يحمل طابعًا مقدّسًا. في الظاهر يبدو المكان ساكنًا، الأيام تتشابه في شكلها، الصباح هادئ، الظهيرة ممتدّة بلا استعجال، المساء ينزلق ببطء نحو الليل. غير أنّ الداخل يعيش حركة متواصلة. الأفكار تتبدّل، الأسئلة تتكاثر، النصوص تنمو، العلاقات الإنسانية تترك أثرها الخفيّ. هذه الرتابة الظاهرة تخفي نشاطًا متجدّدًا، يشبه حركة النهر نفسها، ثابتة في شكلها، متحوّلة في جوهرها.

طبقات إنسانية في فضاء واحد

الوجوه التي شاركتني الإقامة أضافت طبقات أخرى من الحيوية الصامتة. جين حضرت بأسئلتها التي تشبه مفاتيح صغيرة تفتح أبوابًا غير متوقّعة في الذهن. حديثها لا يتوقّف عند سطح الموضوع، يذهب مباشرة إلى العمق، إلى المناطق التي تدفع الكاتب إلى إعادة التفكير في نصّه، في أدواته، في علاقته بالحكاية. كلّ حوار معها كان يترك أثرًا يتسلّل لاحقًا إلى الكتابة، كشرارة هادئة تحرّك الجمود.

شون جاءت بحكاياتها الغرائبية، بقدرتها على التقاط التفاصيل الهامشية وتحويلها إلى سرد نابض. قصصها تحمل طابعًا خاصًّا، يمزج الواقع بالخيال، ويمنح المكان حياة إضافية. حين كانت تحكي، كنت أشعر أنّ القلعة نفسها تنصت، وأنّ الحجر القديم يستعيد ذاكرة بعيدة عبر هذا السرد المتدفّق.

إيفون حضرت بهدوئها المتوازن، باهتمامها اليوميّ بالآخرين، بسؤالها الدائم عن الأسر، عن الأبناء، عن الأحوال الصحية، عن التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة، لكنها تصنع شبكة إنسانية متينة داخل المكان. هذا الاهتمام اليوميّ خلق شعورًا بالألفة، وحوّل الإقامة من تجربة فردية إلى مساحة عيش مشترك، تتقاطع فيها الحكايات الشخصية بهدوء واحترام.

إيميلي جمعت بين الصوف والقصص في حركة واحدة. كانت تنسج بيديها وتنسج بالحكايات في الوقت نفسه. حركة الإبر تشبه حركة الجمل وهي تتشكّل ببطء، بصبر، بعناية. حين كانت تتحدّث عن نصوصها، كانت اللغة تخرج بالإيقاع نفسه الذي تخرج به الخيوط من بين أصابعها، هادئة، متماسكة، متّصلة.

تيم حمل معه روح الاكتشاف. يعود من جولاته في محيط القلعة بتعليقات لامحة، بملاحظات ذكية عن المسارات، عن الصخور، عن الأشجار، عن تفاصيل لا ينتبه إليها العابر السريع. حضوره أضاف خفّة ذكية إلى التجربة، كسر الإيقاع الرتيب من دون أن يخلّ بتركيز المكان.

وفي قلب هذا المشهد اليومي، كان هاميش يتحرّك بهدوء القادة الذين يعملون في العمق. حضوره لا يفرض نفسه، لكنه حاضر في اللحظة المناسبة. يدخل بابتسامة هادئة، يستمع بانتباه، يلبّي الطلب، يعلّق بجملة قصيرة دقيقة، ثم ينسحب كما دخل. طريقته في إدارة المكان تشبه نسمة خفيفة ترتّب الجوّ العام، تهيّئ الظروف، وتترك للآخرين مساحة العمل براحة وثقة. هذا الحضور الهادئ منح القلعة إيقاعًا متوازنًا، وأكّد لي أنّ القيادة الحقيقية تُمارس بصمت.

بين صوت النهر، وإيقاع الأيام، وحضور هؤلاء الأشخاص، تشكّلت تجربة هاوثورندندن كمرحلة مصالحة داخلية. مصالحة مع فكرة العزلة حين تتحوّل إلى طاقة إنتاج، مع الصمت حين يصبح مساحة تفكير، مع الكتابة حين تعود إلى أصلها الأول كفعل إنصات قبل أن تكون فعلًا لغويًّا.

مخزن طويل للقصص

في إحدى الليالي، وبينما كان النهر يواصل إيقاعه الرتيب في الوادي، انطفأت الأنوار فجأة. لم يأتِ الانقطاع بعنف، جاء بهدوء يشبه سحب ستارة غير مرئية عن المشهد. للحظة قصيرة، ساد صمت كثيف، ثم بدأت الأصوات الصغيرة تظهر؛ خشخشة خطوات، فتح أبواب ببطء، همسات تتقاطع في الممرّات الحجرية.

خرجتُ من غرفتي، وتبعتُ الضوء الخافت المتسرّب من الصالة. هناك، كانت الشموع قد أُشعلت، واصطفّ الضوء البرتقالي على الجدران العالية، ورسم ظلالًا متحرّكة فوق الأقواس القديمة. القلعة بدت في تلك اللحظة كأنها استعادت زمنها الأول، زمن الحكاية الشفوية، زمن الجلوس في دائرة، زمن الوجوه المتقابلة من دون وسائط. جلسنا جميعًا. ستة كتّاب تجلّلنا الإضاءة الخافتة المنبعثة من هواتفنا، وصوت النهر يتسلّل من الخارج كإيقاع ثابت يرافق الجلسة. في ذلك المساء، شعرتُ بأنّ الإقامة خرجت من إطارها الفردي ودخلت منطقة المشاركة العميقة، منطقة يتقاطع فيها الخاص والعام، الذاتي والجماعي.

بدأت الحكايات تتدفّق من دون ترتيب مسبق. لم يكن أحد يخطّط لما سيقوله، الكلمات خرجت كما يخرج النفس حين يهدأ الجسد. شعرتُ منذ اللحظة الأولى بأنّ هذا المكان عالم مدهش من السرد، مخزن طويل للقصص، ينتظر الظلام كي يفتح أبوابه. الحديث انجرف سريعًا نحو منطقة الرعب والغرابة. دخلنا عالمًا غريبًا مؤلفًا من أشباح، بيوت مهجورة، ممرّات سرّية، أصوات تظهر بعد منتصف الليل، ظلال تتحرّك بلا مصدر واضح. الظلام كان شريكًا في السرد، يختار المتكلّم التالي، ويمنح كلّ حكاية توتّرًا إضافيًّا.

بقيتُ صامتًا مستمعًا ومستمتعًا بالحكايات. اعتدتُ الإصغاء أكثر من الكلام، وأميل إلى التفكير العميق قبل أن أختار الجملة. اللغة الإنجليزية في فمي تمشي أبطأ من الأفكار التي تتكوّن بالعربية، وأشعر دائمًا بأنّ ما يدور في الداخل أوسع من المساحة التي تتيحها الكلمات الأجنبية؛ لذلك تركتُ الحكايات تمرّ من حولي، أراقب الوجوه، وألتقط تغيّر النبرات، وأصغي إلى الفراغات بين الجمل، حيث يتشكّل المعنى الحقيقيّ.

حين جاء هاميش يبشّرنا بعودة التيّار الكهربائيّ، انتهت الجلسة، وبقينا للحظة ننظر إلى بعضنا في الضوء الذي أضاء الصالة قبل أن نودّع بعضنا، ويتمنّى كل واحد منا للآخرين ليلة هانئة هادئة. شعرتُ بأنّ هذه الليلة ستبقى عالقة في ذاكرتي طويلًا؛ لأنها أعادتني إلى أصل الحكاية، إلى تلك اللحظة البدائية التي يجتمع فيها البشر حول الضوء الخافت ويتقاسمون حكاياته وخوفهم، وضحكهم، ودهشتهم بالعالم، وأيقنت أنّ الضوء الإنساني ازداد حضورًا. أدركتُ أنّ الحكاية تملك قدرة عجيبة على بناء بيت مؤقّت يتشكّل حول دائرة صغيرة من البشر تجمعهم ظروف مشتركة في وقت معين في مكان محدّد.

حين عدتُ إلى غرفتي، فتحتُ الشبّاك. النهر كان أعلى صوتًا من المعتاد، أو ربما كنتُ أنا أكثر استعدادًا للإصغاء. جلستُ إلى الطاولة، بدأت أدوّن ملحوظات سريعة. الضوء الخافت، صمت القلعة، وصوت الماء صنعا معًا مشهدًا داخليًّا كثيفًا. في تلك اللحظة، شعرتُ بأنّ الكتابة عادت إلى شكلها الأوّل، فعل ليليّ، طقس داخلي، محاولة ترتيب ما لا يُرى.

هكذا، أضيفت هذه الليلة إلى مسار هاوثورندن، كطبقة أخرى من المعنى، وكجسر صغير يصل بين العزلة الفردية والتجربة الجماعية، بين الصمت والحكاية، بين الماء الجاري في الوادي والماء الجاري في الذاكرة.

قبل المغادرة بساعات، فتحتُ الحقيبة مرّة أخيرة. لم أعد أرتّب الأشياء بقدر ما كنت أراجع أثرًا داخليًّا تشكّل هنا. وشعرتُ أنّ هذا الصوت المعدني الصغير يحمل داخله إيقاع نهاية هادئة إلى الوعي كما يتسرّب صوت النهر إلى الغرفة.

وقفتُ عند النافذة طويلًا. النهر كان يمضي في مساره المعتاد، لا يتوقّف ولا يلتفت. هذا الجريان الثابت أعادني إلى لحظة الوصول المرتبكة الأولى، إلى ذلك الشعور بأنّ الأرض تتحرّك تحت القدمين، وأنّ الطريق يفرض إيقاعه على الجسد والذاكرة معًا. أدركتُ أنّ المسافة بين الوصول الأول والمغادرة تقاس بما يتغيّر في الداخل، بما يعيد ترتيب العلاقة مع الزمن، ومع الذات، ومع فكرة الوطن التي تظلّ تتشكّل عبر التجربة الحياتيّة بعيدًا من الشعارات والمزاعم.

في تلك اللحظة، فهمتُ معنى البيت المؤقّت بطريقة مختلفة. البيت صار حالة توازن داخلي، قدرة على الاستقرار في الحركة، مهارة حمل الذات عبر التحوّلات من دون انكسار. هذا الفهم جاء من تراكم الأيام، من تفاصيل العيش البطيء، من الصمت، من الكتابة، من الوجوه التي مرّت في الطريق، من المدن التي فتحت أبوابها ثم أغلقتها بهدوء.

في السيارة، قبل أن أدير المحرّك، نظرتُ إلى القلعة مرّة أخيرة. الحجر بدا ثابتًا، والنهر يواصل جريانه، والسماء الرمادية تحمل وعد ضوء قادم. هذا المشهد اختصر بالنسبة لي معنى الرحلة بأكملها: ثبات في الشكل، حركة في الجوهر، واستمرار يتجاوز الأفراد والأزمنة.

حين دخلتُ الطريق السريع، عاد صوت النهر إلى داخلي كإيقاع مرافق. وهكذا، خرجتُ من هاوثورندن وأنا أحمل أثرًا داخليًّا يشبه علامة خفيّة، لا تُرى في المرايا، لكنّها تظهر في طريقة المشي، في نبرة الصوت، في إيقاع الجملة حين تُكتب. هذه العلامة لا ترتبط بمكان واحد، ترتبط بالطريق ذاته، وبالقدرة على العيش في المسافة بين ما كان وما سيأتي.

أغادر هاوثورندن وأنا أحمل النهر في أذني، والقلعة في الذاكرة، وغرفة ميلوش في الوعي، وإدنبرة في المرآة الزمنية، والوجوه التي شاركتني الإقامة في القلب. أحمل كلّ هذا معي إلى لندن، إلى حياتي اليوميّة، إلى هذا المشروع الكتابيّ.


• فصل من كتاب سيرة سيصدر قريبًا بعنوان: «وجوه المنفى… دروب الوطن».

«عن عاشق الفطر» لبيتر هاندكه.. الشغف كسلاح متعدّد الوجوه

«عن عاشق الفطر» لبيتر هاندكه.. الشغف كسلاح متعدّد الوجوه

يحكي الروائي النمساوي بيتر هاندكه في روايته «عن عاشق الفطر» حكاية شخص يعشق الفطر ويبحر في ثنايا شغفه الذي يقوده في رحلته الحياتية، ويرسم له ملامح أيامه ومعالم أمكنته، بحيث لا يتخيل لنفسه وجودًا من دونها، وكأنها كائنات تعيش معه وبداخله، يقترب منها وينسج معها علاقات غرائبية.

الراوي العليم في رواية هاندكه القصيرة (ترجمة علا عادل، دار صفصافة، القاهرة) يسرد حكاية صديقه عاشق الفطر الذي كان معه منذ طفولته حتى حين أصبح محاميًا وربًّا لأسرة صغيرة، وكيف أنه بقي أسير شغفه بالفطور وعشقه السحري لها. هي حكاية صداقة متعددة الوجوه والجوانب، صداقة الإنسان مع الطبيعة من جهة ومع عصره من جهة ثانية، صداقات عابرة للأزمنة والأمكنة، قوامها الشغف والجنون.

بحثًا عن كنز مفقود

يقول الراوي غير المسمّى: إن صديقه كان عاشقًا للفطر منذ وقت طويل للغاية، حتى وإن كان بمفهوم آخر عن أعوامه اللاحقة أو المتأخرة، لم ترد عنه حكاية بوصفه مهووسًا وتلفت الانتباه إلا مع بلوغه الكِبر. يتساءل: لِمَ يُكتَب عدد قليل عن حكايات عُشاق الفطر بصفة عامة أو حتى بشكل استثنائي؟ ويلفت إلى أنه لم تلعب أنواع الفطر دورًا يُذكر في أي كتاب في الأدب العالمي في القرن التاسع عشر تقريبًا، وإن حدث فإن دورها كان صغيرًا يمر مرور الكرام ومن دون علاقة بالبطل أيّما كان، حيث كانت موجودة لذاتها مثلما الحال لدى الكاتبين الروسيين دوستويفسكي وتشيخوف.

يعود الكاتب براويه إلى الزمن الجديد، أو ما يسميه «زمننا»، حيث يبدو أن الأعمال الروائية تتراكم بشكل ملحوظ، ولا سيما تلك التي يزداد فيها ظهور أنواع الفطر في دور كائنات مخيفة في العالم سواء كأدوات للقتل أو وسائل لما يصفه بتوسيع الإدراك. ويقول: إن الحكاية بدأت بالمال قبل وقت طويل عندما كان الذي سيصبح عاشقًا للفطر لا يزال طفلًا صغيرًا.. بدأت بالمال الذي كان الطفل آنذاك في حاجة إليه حتى وهو نائم حيث كانت العملات المعدنية تلمع طوال الليل بكل السبل، ليتبين بعد ذلك أنها لم تكن مالًا، وبدأ بالمال الذي لم يملكه في الليل أو النهار كالمعتاد. وحقيقة أنه كان ينظر إلى الأرض في أَسًى وحزنٍ طوال اليوم وأينما ذهب أو وقف لم يكن لها تفسير سوى أنه كان يحدق نحو قدميه بحثًا عن شيء له قيمة.. عن كنز مفقود.

يمضي في التساؤل عن واقعه المأزوم، وهو يعكس واقعَ كثيرٍ من الأطفال في أزمنة وأمكنة مختلفة من العالم، ويذكر أن صديقه كان يسعى للمال وهو طفل؛ لأنه من المؤكد كان يريد شراء شيء ما. والإمكانية الوحيدة للحصول على وسيلة الدفع الضرورية تلك كانت وفقًا للشروط التي نشأ فيها في زمنه هي جمع الثمار، ثمار الغابات مثل أنواع التوت البري وجمع أنواع الفطر ومنها الأصفر تحديدًا، الذي كانت أسماؤه تختلف من بلد لآخر، حيث كانت أنواع الفطر هي السلعة التجارية الوحيدة وقتها إلى حد ما. ثم يسرد بعض التطورات التي تطرأ على حياة عاشق الفطر التي تتسم بالاختفاء والظهور، وكيف أنه في لحظة ما كان قدره منذ أن كان صغيرًا هو البحث عن الكنوز أو أنه خُلِق لذلك، بحسب تعبيره.

يسترسل هاندكه في روايته ليشرح كيف أن شغف بطله فجأة شَفاه مما أطلق عليه «مرضي بالوقت» ويبدو أن شفاءه لم يكن ظاهريًّا فحسب، فقد انتقل الشعور بالزمن المتعافي بفضل الشغف لمدة إلى حياة يومية كانت بالنسبة له سابقًا عبارة عن ساعات تأبى على النهاية.. حياة متعبة ومقفرة تمامًا في لحظات بعينها. جعله هذا الشغف يشعر أن وقته على الأرض لم يعد طويلًا أو إذا كان كذلك ذات يوم فصارت رغبته في مروره أقل. لم يجعل الشغف الوقت بالنسبة له يمر أسرع أو أكثر إمتاعًا بل جعله مثمرًا لمدة محسوسة.

ثمن الشغف والمعرفة

يصف هاندكه آلية الزمن وتأثيرها في بطل روايته وكيف أنه صار الوقت شيئًا مادهيثيًّا بالنسبة له في تلك الآونة وبدأ يتعلمه من جديد. فقد كان يحب التعلم في مرحلة طفولته وشبابه ثم أخذت رغبته الأولية في التناقص أكثر فأكثر. ويصور كذلك كيف داهمته المعرفة دون أي نية، وأنه في البداية المعرفة بالفطر والبحث والأماكن والتمييز بينها والخلط بين الأنواع والهوس بها.. ويتساءل: لكن ما المعرفة الكبيرة التي أسفر عنها البحث عن الفطر أو الذهاب إلى عالم الفطر؟ ليقول: إن ما كسبه (وليس المقصود المال) هو الانتظار والترقب.

يصور الروائي حالة الشغف المصحوب بمعارف تثري عالم المرء، كحالة بطله الذي شعر أن الظواهر المصاحبة لعمليات البحث قد أثرته بقدر أكبر عن اكتشافاته. حيث صار قادرًا في أثناء الصيف على التمييز بين صوت أشجار البلوط وصوت أشجار الزان التي كانت أقرب للأزيز، وصوت أشجار القضبان التي كان صوتها أقرب لحفيف الأوراق عن هديرها. أما في الخريف فقد اكتسب معرفة كيف تسقط أوراق مختلف الأشجار.

تتغير حياة عاشق الفطر بطريقة حادة، فقد تحول الشغف إلى إدمان، إلى عبء، وفقدت زوجته روحها المرحة. هجرت بيتهما بين عشية وضحاها مصطحبة طفلها. هربت من الرجل ومن «الهدايا التي من المفترض أن تكون لها»، والتي كان يحضرها معه يوميًّا والمتزايد أعدادها في البيت، بل لم تعد وحدها مكدسة هناك وأصابتها العفونة.

بنوع من التوصيف الأقرب للحياد يقول الراوي: إنه إذا كانت صورته عن نفسه أنه صار شخصية هامشية -بسبب صحوة شغفه- فقد صارت فيما بعد صورة من يلعب دورًا أساسيًّا في لعبة الحياة الشاملة بينما يلعب الآخرون أدوارًا مكملة متساوية. ورأى نفسه شخصًا كان يحمل الصولجان في زمنه، وهو شخصية ثانوية طفولية يستمع إلى صوت الرياح ويشاهد سقوط الأمطار وهبوب العواصف على أطراف الغابة.

يسأل الروائي على لسان راويه: كيف هذا، هل كباحث عن الفطر؟ نعم، كباحث عن الفطر وجامع له وعالم به. ويخلق بذلك أسئلة كثيرة منها: هل أراح الشغف صاحبه أم إنّه أسره؟ هل حرّره أم زاد في تقييده؟ هل سلّحه بالمعرفة أم جرّده من أسلحته؟ هل جمّل حياته أم نغّصها بطريقة لا يمكن إصلاحها؟

يختم هاندكه روايته بمشهد يتساءل فيه: لكن أليست هذه نهاية قصة خيالية؟ ويضيف أنه ربما.. في القصة الخرافية شُفي. لكن في الواقع.. يقول الإلهام عن ذلك أو أي شيء أو أي شخص: الخرافي في هذه الحالة هو أكثر الأشياء الواقعية والضرورية. إذا كانت عناصر الكون الأربعة هي الهواء والماء والأرض والنار. فإن لحظة الخيال هي العنصر الخامس، العنصر الإضافي. فبالنسبة لحكاية -على الأقل حكاية من عالم الفطريات- فإن الخيال مع كل النميمة السامة اليومية وكل أيام الأمطار السامة صيفًا وخريفًا وكل الاتصالات الهاتفية لكل مراكز السموم الدولية وفي كل المطابخ السامة التي لا تهدأ أبدًا، وفي النهاية كما يقال كان هذا هو مكانه المناسب.

«رأس مدركة» للعُماني يونس الأخزمي.. ألغام التاريخ وكنوزه المتخيلة

«رأس مدركة» للعُماني يونس الأخزمي.. ألغام التاريخ وكنوزه المتخيلة

يونس الأخزمي

يستعيد العُماني يونس الأخزمي في روايته الجديدة «رأس مدركة» مشاهد وحكايات عن جنوح بعض السفن والعبَّارات وتحطمها على صخور بحر العرب، وما أثير عن علاقة البدو، من أبناء المنطقة، بها وبطواقمها، والأساطير التي نسجت عن بعض الأحداث التي صاحبتها، وكيف جرى العبث بالحكايات التاريخية من خلال تدوينها من جانب آخرين ممن امتلكوا سطوة التدوين والتوثيق، فكانوا كتبة التاريخ وراسمي معالمه ومحطاته كما يتقاطع مع مصالحهم ورواياتهم. في الرواية (دار عرب، لندن، ٢٠٢٢م) – التي تعد الجزء الثالث من ثلاثية بحر العرب، التي نشر جزأيها؛ الأول بعنوان «برّ الحكمان» والثاني «غبّة حشيش»- يكون الاتصال والانفصال بين الأجزاء جليًّا، اتصال فيما يتعلق بتفاصيل المكان وأساطيره، واستكمال للرحلة الزمنية التي بدأها في الجزء الأول، بحيث يصل إلى الأعوام القريبة الماضية، ويقف عند سنة ٢٠١٨م، ثمّ يكون الانفصال بصياغة عالم روائي مختلف من حيث التفاصيل والشخصيات.

يبرز الروائي كيف أنّ بدو البحر؛ البحارة البدو، أبناء الصحراء وأبناء البحر المحاذي لهم في الوقت نفسه، كانوا سادة تلك المناطق المهمة على طريق التجارة العالمية، وكيف أنّهم نسجوا بطولاتهم التي سردها خصومهم وحوّلوها إلى قصص تسعى للنيل منهم، بحيث إن تاريخهم الشفاهي وقع ضحية تاريخ مدوّن على ألسنة آخرين تصارعوا معهم أو أرادوا الإساءة إليهم بطريقة أو بأخرى.

ضحايا السرديات المهيمنة

من ليدز في بريطانيا إلى كثير من القرى والمناطق في عمان، ومنها: محوت وخلوف وبنتوت وصراب ونفون والدقم وشوعير ورأس مدركة واللبيتم والكُحل وصوقرة، يمضي الأخزمي برفقة شخصياته التي يسبر أغوارها، ويفسح لها المجال لتعبّر عن نفسها بشكل مقنع، بحيث يشكّل كل واحد منها بطولته الخاصّة وسرديّته المختلفة المتناغمة مع الحكايات المتجاورة والمتداخلة فيما بينها. يقتفي الروائي آثار الحكايات المنسوجة والمتناقلة التي تداولها الرواة عن الحادثة التي يستعيدها؛ إذ يقول الإنجليز: إنّ جماعة من البدو ارتكبت مجزرة بحقّ قبطان إنجليزي وعدد من رجاله، ويقومون بشيطنة البدو الذين يتمّ تصويرهم على أنهم متوحّشون لا يتوانون عن اقتراف الجرائم. في حين تكوت الحكاية المضادة التي لم تُوَثَّق، وهي حكاية أبناء المنطقة الذين اتُّهموا بالقتل، وانتُقِم منهم، وكيف أنهم دافعوا عن أنفسهم، بعد أن قتل الإنجليز شيخهم وبضعة رجال من رجاله، فلم يكن منهم إلا أن دافعوا عن أنفسهم ضد القتل والعدوان.

لأية حكاية هي السطوة والقوة والاستمرار؟ لأي رواة وأية سرديات تكون الغلبة؟ مَن ينتصر للمغدورين والمهمّشين الذين يُلعَنوا في تاريخ يكتبه خصومهم؟ متى يكتب ضحايا السرديات المهيمنة رواياتهم عساهم ينصفون أنفسهم وتاريخهم؟ هذه الأسئلة وغيرها كثير يثيرها يونس الأخزمي في روايته «رأس مدركة» ويفسح المجال لشخصياته المنحدرة من خلفيات مختلفة متباينة التصريح بآرائها والتعبير عن أفكارها بحيث تكون أصداء للإجابات المفترضة، والنقائض التي تتداخل فيما بينها مشكّلة ألغازًا تاريخية ومُضفية عليها مزيدًا من الغموض والبلبلة والشكوك.

الإنجليزي ديفيد يقتنع بحديث زوجته صوفيا التي تخبره عن حكاية جدته روز التي كتبت يومياتها ومذكراتها، ووثقت فيها أنها حين أبحرت برفقة زوجها القبطان الذي لقي مصرعه في منطقة قريبة من رأس مدركة على ساحل بحر عمان، وقد خبّأ كمية كبيرة من الذهب تحت الصخور في قاع البحر، كي لا يسطو عليها البدو.

على الرغم من تردّد ديفيد والوساوس التي تسكنه فإنه يذعن لمحاولات زوجته إقناعه بضرورة خوض المغامرة والبحث عن الكنز الإنجليزي المدفون بين صخور ساحل رأس مدركة الصخري، والارتحال إلى تلك المنطقة النائية الغريبة عنه؛ كي يستخرج الذهب ويعود به إلى بلاده، وينتقم لجدته وزوجها القبطان المقتول.

إغراء الذهب المتخيّل يعمي بصر ديفيد وبصيرته، يقوده للتضحية ببيت أحلامه وبيعه ثمّ مشاركة أحدهم في مزرعة بحرية، وذلك كي يوجد لنفسه غطاء بالتنقل في المنطقة، والغوص في أعماق البحر بحجة ممارسته هوايته بالغطس والغوص والتصوير. انسياق ديفيد الأعمى لإلحاح زوجته صوفيا واقتناعه بحكايات جدته روز المكتوبة بدقة كبيرة وتوصيف لافت ألقى به في عالم الصحراء والبحر، من دون أن يعرف خلفية الناس الذين ذهب للعيش بينهم، وهو يتسلّح بتكتمه وسريته بحثًا عن تنفيذ مآربه التي لا يجد سبيلًا إليها.

الكنز الحقيقي

الرحلة هنا تغدو الغاية بحدّ ذاتها، واكتشاف المكان وروعته وما يلفّه من جمال وغموض وسحر يصبح الكنز الحقيقي الذي كان ديفيد يبحث عنه في حياته، ويجده في راحة البال في تلك الأرجاء ومع أبناء المنطقة الذين أكرموه وأحسنوا استضافته، ولم يتعاملوا معه بمنطق العدو أو الغريب الطارئ بشكل فجّ. يكتشف ديفيد نفسه ويصل إلى مأربه وغايته بالتصالح مع الذات، ويعشق المكان ويسكنه شغف غريب به. يلوم صوفيا التي أخفت عنه كثيرًا من التفاصيل وألقت به إلى عالم بعيد بناء على تلفيقات تاريخية، من دون أن تكون صريحة وصادقة معه، ينفصل عنها لكنه يظل مسكونًا بحبها المتجدد الذي يملأ كيانه ويترقب عودتها إليه. يصاحب ديفيد كلًّا من سند وأبي مريم، ولكل واحد منهما بدوره حكاية غريبة ضاربة في التاريخ والذاكرة، يكون الغريب للغريب قريبًا بصيغة غير مباشرة، يجمع بينهم سحر المكان وغربتهم فيه ومحاولاتهم ترويضه والتغلّب على الصعاب فيه، ويرتبط كل واحد منهم بتلك الأمكنة ويتعلق بها بشكل لا فكاك منه، ويكون التوحد والاندماج بها من أجمل ما يحدث لهم، لكن يظل لكل واحد منهم هاجسه الطاغي عليه الذي يرسم سياجًا من حوله يحيطه بها ويضعه في أتونها.

يحرّك يونس الأخزمي عددًا من الشخصيات في فضاء مفتوح على جهات مختلفة، شخصيات بنغالية وباكستانية وهندية وإنجليزية بالمحاذاة مع الشخصيات من أبناء رأس مدركة والمناطق المحيطة بها، وذلك في عوالم روائية ثرية يغوص عبرها في ثنايا التاريخ ويرتحل في طياته بالموازاة مع ارتحاله في صراعات الجغرافيا وفضاءاتها الغرائبية.

يرسم الأخزمي مصاير شخصياته التي تصل إلى نهاياتها، وتلك النهايات ليست إلا بدايات جديدة لها في عوالم وبيئات مختلفة، ويفسح لها مجالًا كي تعيد لملمة شتاتها والنظر بشكل مختلف جديد إلى ذاتها وعالمها، بحيث تعي تاريخها وجغرافيتها من منظور مختلف، بعيدًا من الأحكام المسبقة والصور النمطية التي تشكّل قيودًا على الذاكرة وتقوم بتفخيخ التاريخ وتلغيم الجغرافيا بالأوهام والسرديات المسكونة بالوساوس والهواجس واللعنات.

هويات مبددة وأحلام ضائعة في رواية سليم بركات

هويات مبددة وأحلام ضائعة في رواية سليم بركات

يعود الروائي السوري الكردي سليم بركات في روايته «ماذا عن السيدة اليهودية راحيل؟» إلى حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، ليؤرخ لبعض المتغيرات الاجتماعية والسياسية في مدينة القامشلي السورية التي أمضى فيها ردحًا من طفولته وفتوته، والتي كانت مسرحًا لمواجهات وسجالات بلورت صيغة مهمشة للهوية السورية التي تعاني التفكك والاجتزاء. يركز سليم بركات في روايته (منشورات المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الأردن، عمان) على كيفية إخفاق السلطة الحاكمة الممثلة في نظام البعث في صياغة هوية وطنية جامعة بحلة معاصرة تجمع أطياف الشعب السوري ومكوناته من حولها، وواقع أنها بنيت على أساس إقصائي تهميشي عنصري تجاه الآخر المختلف، الذي صور على أنه مصدر تهديد للدولة التي اختصرها الحزب في تفكير بائس يشيطن الآخر ويستعديه.

يوثق سليم بركات لواقع تلك السنوات من زاوية الفتى المراهق كيهات الذي يعبر عن حالة الحلم المنكسر، والإحباط الذي بثته السلطة الحاكمة في ثنايا المجتمع الكردي ليقصيه عن هويته الوطنية، ويلغي انتماءه التاريخي، ويحاول تغريبه عن واقعه ومستقبله، بذرائع عدوانية تفتقر للمسؤولية والحس الوطني المزعوم، ويحول البلاد إلى أوطان طاردة لأبنائها، ومبددة لهوياتهم ومضيعة لأحلامهم.

مَن السيدة اليهودية راحيل التي يسأل عنها سليم بركات، والتي يضع السؤال عنها عنوانًا لروايته؟ هي امرأة يهودية أرملة، استلمت حانوت زوجها المتوفى في الحي اليهودي في القامشلي، وكانت لديها ابنتان؛ إحداهما مراهقة اسمها لينا تعيش معها في بيتها، والأخرى بعيدة منها، أحبت شابًّا مسيحيًّا وهربت معه. وتكون راحيل متصدرة العنوان وجامعة خيوط الأحداث، من حيث تعبيرها عن النقائض في مدينة كانت مقبلة على متغيرات تاريخية كبيرة. أوسي الجابي في دائرة مصلحة الكهرباء، وزوجته هدلا، يعكسان خيبة ابنيهما كيهات وموسى، أوسي الذي يصفه سليم بركات بالقول: إنه فاتته الجنسية السورية، كآلاف الأكراد لم يستحصلوها مذ تجاهلهم التشريع في اعتراف الدولة ببشرها القاطنين أرضها. ويشير بركات كيف كان عنصر المخابرات يسخر من كيهات وانتمائه وهويته، يسأله أسئلة محرجة حين يصادفه في الحي اليهودي في القامشلي، يبادر إلى تخليصه من ارتباكه بالإمعان في السخرية منه، ويقول: إنه قد يكون كرديًّا يهوديًّا، ويتجاهل قوله: إنه مسلم، ويتمادى في السخرية منه بالسؤال إن كان هناك أكراد يهود، وما إن كانوا كلهم يهودًا؟ وحين يحتج كيهات بأنه ليس يهوديًّا يقرعه رجل المخابرات وينهره بالقول: أنا أقرر، يا حمار، ماذا تكون؟ (ص 40).

مدينة التعايش والتنوع

سليم بركات

يعيد سليم بركات رسم معالم الحي اليهودي في القامشلي التي كانت مدينة للتنوع والتعايش بين الأديان والأعراق في سوريا، ويورد أسماء تاريخية معروفة لأبناء المدينة، كاليهودي العطار عزرا صاحب الحانوت الشهير، حيث يتخيل بطله كيهات حين يمر بالحي اليهودي أن يتجه إلى حانوته، أو يدعوه عزرا إليه، وكيف سيعرض العطار عليه مجانًا بعض سلعه التي كانت تثير الشبهات حول إمكانية استخدامها لأعمال السحر، أو قيامه هو نفسه بإعداد السحر لزبائنه. يزور كيهات، الذي يعني اسمه بالكردية «مَن جاء»، حانوت راحيل التي تبيع اللحم، ويصادف هناك ابنتها المراهقة لينا التي يقع في حبها، وينسج أحلامه وخيالاته حولها، وكان في الرابعة عشرة، وبضعة شهور من عمره. يستذكر سليم بركات في روايته تأثير نكسة 1967م السلبي الكبير في النسيج الاجتماعي في القامشلي، وكيف أن حرب الأيام الستة شكلت منعطفًا عنصريًّا خطيرًا تجاه الآخرين جميعًا في دولة البعث التي نحت نحو العنصرية بسرعة واطراد، وجسدت في الآخر مصدر الشرور وجعلته مثار الشكوك، المتهم الذي يجب عليه أن يحاول إثبات براءته من جرم لم يقترفه.

يعبر بركات عن حالة التخبط الرسمية والشعبية حينها، وكيف انعكست على اللغة والواقع والتاريخ، ويمضي في السخرية بوصفه لحالة كيهات، وأنه لم يرجع إلى منزل راحيل في السبت التالي على سبت نهاية الحرب، التي أدرجها العرب على مرتبة خفيضة من ذل المعنى، فأسموها «نكسة» تقدر ممحاة طفل أن تمحوها محوًا لا يخلف أثرًا في ورقة التاريخ الخشنة. يصف سليم بركات ولع موسى؛ أخي كيهات، بالسينما وببطله شارلي شابلن الذي أصبح على اللائحة السوداء للبعث بوصفه أميركيًّا وداعمًا لإسرائيل والصهيونية، وذلك بعد الهزيمة التي وضعت الجميع في خانة الاتهام والتواطؤ، إلا الذين تسببوا بها، والذين وجهوا بنادقهم وأسلحتهم إلى صدر الشعب والدولة لينكلوا بهما سنة وراء أخرى.

يصف صاحب «الريش» الأرمنَ في القامشلي بأنهم «رعاة المعادن في حقول عافية المعادن واعتلالها». (ص 169)، ويروي أن بطله كيهات حين يتحدث مع صديقه بوغوس ويفكر في أوضاعه وأوضاع الأرمن، لا يفهم معنى أن تقبل دولته من الأرمني، وليس من سواه، طلب الهجرة على نحو عادي، كأنه معار تسترده دولة العرق الأرمني. يتحدث عن العنصرية التي كرسها حزب البعث بسياساته الإقصائية والعدوانية تجاه الآخرين، وكيف كان ذاك الحزب يسفه من قيمة الآخرين، ويحطّ من شأن لغتهم ودينهم وعرقهم بالزعم أن العربي هو العرق المتفوق. ويكمل سليم بركات طريقة تفنيد الأكاذيب التي دبجتها السلطة الحاكمة في سوريا بالسخرية، من دون أن يوليها اعتبار الحقائق.

مرتشون وجواسيس

يحكي سليم بركات عن رحلة خروج اليهود السوريين من القامشلي، وكيف كان مهربون تابعون للنظام ينسقون مع المخابرات، ويسهلون خروجهم وعبورهم الحدود إلى تركيا، ويكتب أن كيهات كان يسأل والده أين يذهب اليهود الذين يختفون؟ فيرد عليه والده بأنهم يوصلهم مهربون إلى تركيا، عبر الحدود. ويوصلهم مرتشون إلى لبنان، ومن لبنان إلى قبرص، ومن قبرص إلى دولة اليهود.

ويكتب عن تلك المرحلة بأنه لن يتمكن التاريخ الشفهي من رسم معالم للوقائع في اختفاء يهود من مدينة القامشلي. كما يتحدث عن الجاسوس الإسرائيلي الشهير إيلي كوهين؛ كامل أمين ثابت، الذي يقول عنه: إنه جاء من الأرجنتين ثريًّا، يحفظ آيات من القرآن، ويتحصن بتعاليم الدين الإسلامي، والهدايا. مهد لنفسه -بزعمه أنه من أصول سورية مسلمة- الدخول إلى أبراج السلطة بوساطة المآدب الفاخرة، أسبوعًا بعد أسبوع، للدبلوماسيين السوريين في بوينس آيريس، قبل اجتياحه دمشق بمآدب موائدها أوسع، فاتنة الأطعمة والأشربة، أبهى صحافًا وصحونًا وأقداحًا. (ص 328 – 329).

لعل المشهد الأخير الذي يختتم به سليم بركات روايته هو الأكثر تعبيرًا عن حالة سوريا الراهنة، ترميزًا إلى مآلها المستقبلي المفترض، ولا سيما أنه يختصر التقسيم وتقطيع الأوصال، حيث يصف بطله كيهات يدندن كلمة «سوريا» مقطعة على نغم مرتجل: «سو. ري. يا». ثم يصف حالته بأنه «شهق شهيقًا خفيفًا أعقبه بزفير حاد». وينهي بعدها الرواية بالقول: «بكى كيهات». (ص 562). والبكاء هنا تأسٍّ ورثاء على ما كان وما يكون من خراب ودمار.

ذاكرة الأحلام في «العائلة التي ابتلعت رجالها» لديمة ونّوس

ذاكرة الأحلام في «العائلة التي ابتلعت رجالها» لديمة ونّوس

تستهلّ السورية ديمة ونّوس روايتها «العائلة التي ابتعلت رجالها» (دار الآداب، بيروت، 2020م)، ببوح راويتها المتماهية معها، بالحديث عن حلم يراود أمّها، وكيف أنها كانت تنتظر ما يشبه الحلم، وتكون صباحاتها متشابهة كأنّها تكرر مشاهد حلمية، أو من حيوات سابقة مستعادة عبر الحلم. تختفي الراوية التي لا تصرّح باسمها خلف شخصية الأمّ الحاضرة بقوّة، وكأنّها تعويض عن الوطن، والأهل جميعًا، تعطيها المركزيّة وتتمحور حولها الحكايات والأحلام، تمنحها الحيّز الذي يليق بدورها في الواقع، وتعيد رسم حياتها البديلة في الرواية، حياتها التي فقدتها، أو تلك التي تتخيّلها وتعيد رسمها بطريقتها الحكائية المثيرة.

تكشف الراوية أنّها توقّفت عن رواية أحلامها منذ زمن، وأنّه لم يعد ثمة متّسع لها مع أحلام أمها. أنّ أحلام كلّ واحدة منهما لم يعد يكمّل بعضها بعضًا كما كانت في السابق، وتعزو سبب ذلك إلى أنّ ذاكرتيهما تعيشان في مكانين مختلفين، وأنّ الأمّ تتكئ على الماضي، مسجونة فيه، بينما تعيش الراوية يومها منتظرة، وتقول: إنّها ربما تنتظر اليوم الذي ستتحرّر فيه من حكايات أمها عن ذلك الماضي المرهق. وتنتظر أيضًا، التسلّل من الحاضر إلى المستقبل.

تكون ونّوس مأسورة لشخصية الأمّ التي تصفها بأنّها تلعب بالذاكرة، تعبث بمنطقة اللاوعي عند الراوية وعندها، وتصف كيف أنّها استبدلت بشغف التمثيل على المسرح، شغفَ تمثيل أحلامها والقصص التي ترويها، وتأثير ذلك في البيت الذي صار مسرحًا يوميًّا لا تتوقّف الحركة فيه إلا في ساعات الليل. الأمّ تمثّل والراوية التي ترصد حركاتها وتكتبها في مخيلتها وروايتها، تتفرّج، تسايرها قدر الإمكان وتحاول أن تصغي وتفكّر وتدوّن في ذاكرتها معظم ما تقول.

تقول الراوية التي تبدو صورة مرآوية؛ روائية، متقاطعة مع الروائية نفسها في محطّات كثيرة من حياتها: إنّها عاشت أربعين عامًا متّكئة على ما ورثته عن أبيها من طباع ومزاج حاد وعناد. وتشير إلى أنّ أمّها كانت تذكّرها كل يوم بمدى الشبه بينها وبين والدها المسرحي الراحل، ولفتت إلى أنّه يسهل اختراع الشبه، وأنّها تفكّر الآن في أنها اخترعت كل تلك الأمور التي تشبهه فيها، لتستبقيه معها، لتصدّق أنها لم تفقده نهائيًّا، وأنّها ربما، اخترعت الشبه، لتروي لها قصصًا كان عليها أن ترويها في حضوره، لتتقاسمها معه.

تقرّر الراوية التي تقيم في لندن مع أمها، والتي تكون مسكونة بالغربة مثلها، أن تسجن الزمن وتوثّقه، فتشتري كاميرا وتبدأ في تصوير الأيام التي تصفها بالثقيلة، وتقول كأنّها أرادت أن تتخلّص من عبء ذاكرتها، أن تجعلها حبيسة ذاكرة منفصلة عنها. هي الوحيدة تمامًا، قررت أن تستقدم من يعيش معها ويشاركها الإصغاء إلى حكاياتها. تقول بتأسّ: إنّها كانت بحاجة إلى عينين تحدّق أمها بهما، وأذنين تروي لهما، فتتقاسم معها ذلك الأسى.

التحوّل الذي يجتاح حياتهما بعد الانتقال من دمشق إلى بيروت بعد انطلاق الثورة السورية، ومن بيروت بعد سنوات إلى لندن، يتحوّل إلى ضغط يومي لا مهرب منه إلا بالحكايات والذكريات والأحلام، والسعي لبناء عالم موازٍ، أو بديل، يستحضر شخصيات نساء العائلة، ويقتفي مصايرهن، عسى أن تساهم في تخفيف حدّة الغربة القاهرة.

تقول الراوية: إنّ أمّها لم تعد تروي ذاكرتها البعيدة كما كانت تفعل، وإنّ الذاكرة القريبة باتت هي حديثها اليومي. وهي تعيشها معها مرات ومرات. تعيش الموت كل يوم، والفقدان، وتلك الأرض الواهية والطرية التي تمشيان فوقها، ضائعتين بين الماضي والحاضر. تعيش كل لحظة، الإحساس بعدم الانتماء والحنين إلى بلاط بيت تملكه، في شارع أليف.

ديمة ونّوس

تقرّ الراوية بالأمر الواقع، ولا تحاول تغييره، ترتكن للغربة وتأثيراتها القاسية، وتحاول عبر الحكايات والذكريات والأحلام ترويضها، فتراها تعيش على وقع أحلام أمّها وتخشى أن تختلط عليها الأمور بين الحلم والواقع، وأن تضيع معها في تلك الذاكرة الثالثة التي تعيش معهما. وتصف تلك الذاكرة بذاكرة الأحلام التي تبلور عالمًا متكاملًا بشتّى التفاصيل.

تخترع الأمّ زمنها الخاصّ بها، تعيد تأثيث الأمكنة والأزمنة بالشخصيات التي تستبقيها في ذاكرتها وأحلامها، تعيش زمنها المتخيل الذي يفرض نفسه على الراوية التي تتيه بين الأزمنة بدورها، وتراها تحلم دائمًا باستعارة أمور أخرى، كالطمأنينة مثلًا، إلا أن محاولاتها تتعثّر.

تستذكر حادثة بين أمها وأبيها، تقول: إنه عندما اختفى السرطان فجأة من جسد أبيها، سألته أمها بنبرتها الضاحكة وصوتها الطفولي: «وين راح الكانسر حبيبي؟»، فأجابها: «راح بطمأنينتك». تأسف أنّها لم تستطع استعارة ولو قطرة واحدة من تلك الطمأنينة. وتقول عنها: «أمي التي لا تكبر، لم تبرع بالتمثيل فقط، بل باللعب أيضًا. تلعب بنظرتنا إليها. تجعلني أتوهّم، أنها هي من تحتاج إلى الطمأنينة. وأنا لا أعرف كيف أمنحها الطمأنينة».

شغف، ماريان، هيلانة، نينار، إضافة إلى الأمّ والراوية، يمثّل أركان العائلة التي تصفها الروائية بأنّها ابتلعت رجالها، والابتلاع هنا يكون كناية عن سوء الحظّ الذي يرافقهنّ، وعن اللعنات التي كانت تحلّ على الجميع، سواء الحروب، أو الأمراض، أو الخيبات والنكسات، فتصيب نساء العائلة وتحيلهن إلى الفراق، والرحيل، والوحدة والوحشة.

تجسّد حكاية نينار ذروة الأذى النفسيّ الذي يشكّل رصاصة الرحمة التي يطلقها الزمن، القدر، على الأمّ المسكونة بالراحلين وأصواتهم وروائحهم وجميع تفاصيلهم، فتقع فريسة للأسى والقهر على نينار التي تشبهها إلى حد كبير، نينار الثورية التي تتحدّى ظلم النظام، وتخرج في المظاهرات، ثمّ ترفع صوتها عاليًا متحدية جبروت الطاغية، تقتلها الغربة، وتقضي عليها، تبتلعها بدورها وتبقيها حسرة في قلب الأمّ وقلب الراوية معًا.

الغربة التي تشعر بها الراوية جزء من غربة معشّشة في العائلة؛ إذ تذكر أنّ إحساس الغربة في روح جدّها تعزّز مع قدوم البعثيين إلى السلطة في دمشق، ورحيل صديقه خالد العظم إلى بيروت، ثمّ سجن جدها ستة أشهر بعد انقلاب الثامن من آذار على خلفية علاقته بخالد العظم، وتقول الأمّ الشاهدة على أحداث التاريخ المعاصر: إنّ الجدّ بكى صديقه كما لم تره يبكي من قبل. وتسترسل الراوية في الحديث عن زمن الانقلاب الذي شوّه تاريخ سوريا ومستقبلها، إنّه ليس وحده خالد العظم من رحل مع قدوم البعثيين، بل تبدّلت رائحة ذلك الزمان أيضًا.

وفي النهاية التي لا تخلو من تراجيدية وأسى، تصرّح الراوية بأنّ الأمّ الممثّلة دور البطولة في حياتها، وعلى خشبات المسارح، اكتشفت أنها فقدت مع الزمن قدرتها على التمثيل، تتغير بمرور الزمن، تكتسي ملامحها تأثيرات الزمن والغربة والمآسي، وتبقى الجملة الوحيدة التي لا تعرف ابنتها أين تعلّمتها، إلا أنها تنطقها بإنجليزية صحيحة وواضحة ولا يشوبها أي تلكّؤ: «فقدت كل عائلتي خلال السنتين الماضيتين».

ترمز صاحبة «الخائفون» إلى أنّ الفقدان يكون ملازمًا للراوية وأمّها، كما لغيرهما من السوريات والسوريين الذين اضطروا للخروج من ديارهم عنوة، وعيش الذكريات كأنّها واقع معيش، وأنّ الزمن يبتلع كلّ شيء، والغربة بدورها تمتلك قدرة وحشية فظيعة على ابتلاع الأحداث والشخصيات؛ لتلقي بها على قارعة الأحلام والذكريات، فتبقي الجميع أسرى للخيبات والهزائم، ونزلاء الشعور الدائم بالفقد والرحيل المتجدّد كلّ مرّة.