تحاول أطروحات بيير أندري تاغييف أن تقف على ماهية أزمات الدولة الليبرالية الحديثة في علاقة بما يُسميه آلان توران بأهمية عودة السياسي. وضمن هذا السياق، يسترجع تاغييف المفاهيم السياسية التي تُشوّه –من وجهة نظره- الفكرة الليبرالية في المطلق، والديمقراطية بوصفها استحقاقًا. وتتخّذ هذه الأزمة أشكالًا مُتعدّدة، وتنسابُ نحو مفاصل الحياة الاجتماعية والعلاقات بين الأفراد داخل المجتمع الواحد، وفي ثنايا البنية الفكرية التي أسّست لعقد سياسي يُكثّف ممارسة ديمقراطية، كان من المُفترض أن تكون صمّام الأمان أمام بروز تلك النيات الابتزازية وفق توصيف تزفيتان تودوروف.
وفي هذا السياق، يعمل تاغييف بوصفه مُؤرخًا للأفكار وفيلسوفًا ومفكرًا سياسيًّا على البحث في نقيض هذا العقد السياسي، أو ما يُمكن عدّه مُخرجات الحداثة المُنقلبة على مبادئها التأسيسية، وبخاصة منها الأشكال الكلاسيكية للعنصرية وتمظهراتها المعاصرة؛ ومن ثمّة، علاقاتها بالشعبوية والتطرف ويوتوبيا التقدّم؛ وأيضًا، عودة الفاشيات وتنامي العنصرية وصراع الهويات، واسترجاع فكرة التقدم كمشروع تاريخي فلسفي، لم تحسم فيه الحداثة وما بعدها بصفة نهائيّة.
يقترح تاغييف من خلال بعض كتبه التي نذكر منها: العنصرية (2010م)؛ معنى التقدم. مقاربة تاريخية وفلسفية (2004م)؛ حول اليمين الجديد (1994م)؛ عن الشيطان في السياسة (2014م)؛ الوهم الشعبوي (2002م)؛ الجمهورية المُهدّدة (2005م)، إعادة التفكير فيما يُسمّيه المخزون الرمزي الذي تستعمله الشعبوية في عملية التضليل التي تُمارسها، وحول علاقة هذا التوتر البنيوي الكامن في الديمقراطية الليبرالية بأزمات الحداثة، ويبحثُ في منشأ تلك الباثولوجيات الاجتماعية، التي أصبحت تستوجب براديغمات جديدة لفهم عالم مُتحوّل ومُتداخل.
السياسة السيئة
تُمثّل الشعبوية حلقة من حلقات أزمات الديمقراطية الليبرالية المعاصرة، حيث تحوّلت هذه الأزمة وفق تاغييف إلى تعبير عن السياسة السيّئة، في إطار تناقضات الثقافة السياسية وفكرة النُّخب وصراعات الهوية والاعتراف الاجتماعي وغيرها من الأزمات، التي حوّلت الشعبوية إلى أحد أمراض الديمقراطية الليبرالية، وخلقت تمايُزًا بين جبهتين؛ أو ما تسميه نادية أوربيناتي بثُنائية «هم» و«نحن».
وفي هذا السياق، يعدّ تاغييف أن الشعبوية بما هي أزمة فكريّة وتشويه سياسي، ذات استعمالات واسعة ومُبتذلة، تُقيم الدليل على التقاء تناقضي بين الرجعيّ والشعبيّ، وبين السلطوية والاحتجاج؛ إذ تظهر بوصفها ممارسة مُوجهة إلى الداخل أو مُتمركزة حول الذات. ولتتحوّل إلى شبح يطارد العالم بتعبير إرنست غيلنر.
تتقاطع المقاربة الفلسفية والسياسية للشعبوية –من وجهة نظر تاغييف- مع المعنى الذي يطرحه يان فيرنر مولر حول صعوبة ضبط الشعبوية على مستوى المفهوم، وتعريف رالف داهيندورف الذي يذهب إلى حد اعتبار أن الشعبوية هي في حد ذاتها مفهوم شعبوي. وأصبح هذا المفهوم تيّارا «دوّارًا» و«دارجًا» حتى عند أولئك الغُرباء عن السياسة والشأن العام، بمعنى الشخصيات التي وصلت إلى السلطة بناءً على ما لا يمتلكونه من مُميّزات أو خصال سياسية. يستفيد تاغييف من هذا التحديد الفلسفي الأورُبي لمفهوم الشعبوية، من خلال العودة إلى الجذور الأولى لنشأته، وتمظهراته في مستوى أزمات البرلمانات داخل الديمقراطيات المعاصرة، وأزمات التمثيل الشعبي والشعبوية الراديكالية.
في هذا السياق، يستعرض تاغييف في كتاب «الشعبوية وعلم السياسة، من ضبابية المفهوم إلى الإشكاليات الحقيقية» تاريخ الظهور الفلسفي لمفهوم الشعبوية، وطوبولوجيا المعاني المتعددة وفق قراءات أرنستو لاكلو، ومارغريت كانوفان، ودانييل بيل، وبرنار لويس، وفرانشيسكو وفور، وإرنست جلنر.
يدرس تاغييف ظهور مفهوم الشعبوية كموضوع للعلوم السياسية، ضمن نقد الماركنتيليّة في الولايات المتحدة الأميركية في سنوات الخمسينيات من القرن العشرين، حيث كانت الماركنتيلية تظهر كشكل من أشكال الشعبوية. كما أصبحت تسمية البوجادية في فرنسا بين 1953م و1956م اشتقاقًا سياسيًّا للشعبوية، مع تحوُّل هذه الحركة إلى آلية تعبئة شعبوية. وفي السياق نفسه، تزامن استعمال الشعبوية في بريطانيا أواخر سنة 1960م ضمن ما يُسمّى مع الحركات السوسيوسياسية الخاضعة لديماغوجيات تُحرّك الطبقات الشعبية تحت أطروحة المؤامرة وفق تمثُّلات أقصى اليمين.
وبذلك، تتفق المقاربات السوسيوسياسية –رغم التباين الجغرافي- على اعتبار الشعبوية اختصارًا لفساد الفكرة الديمقراطية وارتدادًا سياسيًّا عن الديمقراطية المُباشرة واسعة التمثيل، التي تُدمجُ الشعب ضمن سردية واسعة من سرديات المواطنة والمشاركة السياسية والحرية الفردية والجماعية.

العقلنة الفكرية للسياسة
تُحيل دلالات العنصرية بما هي «أثر سرّي» من أسرار الحالة الإنسانية، بتعبير ليون بولياكوف إلى إعادة التفكير في العقلنة الفكريّة للسياسة في ظل الديمقراطيات الأورُبية. حيث تتمفصل خطابات الحرية والتعددية والاختلاف، مع تناقضات الممارسة السياسية التي تُغذّي العنصرية وتُعلي من «الخطابات التي تُشرعن سياسات الإقصاء مُستندة إلى مُفردات الأنثروبولوجيا أو فلسفة التاريخ.
في هذا المستوى، يستشعر إيتيان باليبار في كتابه المشترك مع إيمانويل فالرشتاين: العرق، الأمة، الطبقة: هويات غامضة :المُتغيّرات التي طرأت على النظام العالمي وقيام علاقات جديدة بين الدول وبين الأفراد، ويستعملان عبارة «العنصرية الاختلافية» التي يصوغها تاغييف وكوليت في كتابهما: قوّة الحكم المُسبق. مقال حول العنصرية واشتقاقاتها لوصف المساواة الشكلية أو بمعنى أدق، اللامساواة الثقافية التي تدفع العنصرية الأورُبية نحو نوع من التعارض بين الممارسة السياسية من جهة، والأطروحات النظرية ذات العلاقة بمسائل الاعتراف الاجتماعي والثقافي والهوياتي، التي يعدها تاغييف نجحت في تقسيم الإنسانية ضمن حيّز سياسي واحد: أيديولوجيا، العنصرية الحالية في فرنسا، تمركُز حول مُجمّع الهجرة، وتُلائم إطار «عنصرية دون عنصر» الذي طُوّر أساسًا على نطاق واسع في دول أخرى خاصة الدول الأنغلوسكسونية؛ وهي عنصرية موضوعها السائد وليس التطور البيولوجي، بل اختلافات عنصرية تقول بضرر إلغاء الحدود وعدم توافق أساليب الحياة والتقاليد.
تقوم «العنصرية الاختلافيّة» على طمس الاختلاف، وصهر التعددية ضمن نظام عالمي ما بعد استعماري، يخلق بُعدًا واحدًا من المساواة الشكليّة بين الدول وبين الأفراد. وتتداخل نزعات العنصرية الأورُبية مع أطروحة «المُؤامرة» التي وجدت لنفسها أرضية فكرية ضمن العقل السياسي الأورُبي.
في هذا السياق، يعدّ تاغييف في كتاب «نظريات المُؤامرة. الشعبوية والمُؤامراتيّة» أن الرؤية التآمريّة تستهوي أفرادًا مُتعدّدين، يُعيدون اختراع آلهةٍ أو شياطين. ويظهر مبدأ الرؤية التآمرية بسيطًا جدًّا، حيث يقع تحميل المسؤولية عن كل مشكلات العالم، إلى أعداء وهميين يُصَوَّرون كقوى غامضةٍ وشريرةٍ، مبدؤُهم الرئيس هو الغاية تُبرِّرُ الوسيلة؛ وهكذا يُشَيْطَنون. كما تفترض نظرية المؤامرة أن التلاعب هو المُحرِّك الرئيس للتاريخ؛ إذ تعمل المؤامرة جنبًا إلى جنب مع الشيطنة.
تعبير ثقافي
تبحث بعض المقاربات السوسيوسياسية في تحوُّلات الخطاب السياسي الأورُبي ضمن المركزية المُغلقة للهوية الأورُبية، وتهافت الوحدة الاقتصادية التي لم تَعُدْ بحال من الأحوال، تعبيرًا ثقافيًّا عن التعدديّة والقبول بالآخر المُختلف. في هذا الاتجاه، يستعرض إيمانويل تود في كتاب «اختراع أورُبا» ما سمّاه الأداء الفوضوي للديمقراطية والأمة الأورُبية؛ إذ أفرزت هذه الديمقراطية نوعًا من الممارسة السياسية والثقافية ذات البُعد الواحد، أي تلك التي تنغلق على نفسها تحت مُبررات العِرْق والتاريخ المشترك؛ لِتتجاوزَ هذه الباثولوجيات الجسمَ الأورُبيَّ مُقابلَ الآخر غير الأورُبي، وتنغرس داخل هذا الجسم في حد ذاته.
ويستخلص إيمانويل تود في سياق هذه الأزمة الأورُبية، ضرورة أن نكون على بيّنة من كون التعبير عن اليأس الاجتماعي من خلال أيديولوجيا اليمين المتطرف؛ في تصوره الذي تتراجع بموجبه مكانة الأمة، هو أيضًا نتيجة حتمية للتوحيد الاقتصادي لأورُبا. صحيح أنه كان مشروعًا وضروريًّا بين سنوات 1945- 1980م، إلا أن المشروع الأوربي لم يعد يقود اليوم إلى السلام. قد يؤدي في قادم الأيام إلى تأجج مشاعر المعاداة بين الشعوب، التي لم يكن لها وجود خلال ثمانينيات القرن الماضي.
وحيث تحوّل مشروع التوحيد الثقافي الأورُبي إلى مُحرّك رئيسٍ لظهور العنصريات التي أنتجت غابة عوضًا عن مجتمع، ولينزاح المشروع السياسي للوحدة الأورُبية في بُعده الديمقراطي، نحو أشكال جديدة من معاداة وكره الأجانب. وأصبحت الحكومات الأورُبية بسبب العنصرية «الاختلافية» هياكل مُتواطئة في مجموعة من الحروب الثقافية التي وُلدت؛ بسبب انعدام الأمن العنصري، أي المخاوف التي تُضخّمها وسائل الإعلام ولا تُؤدي إلا إلى تضخيم الخيال الأبيض مع احتمال حدوث غزو خارجي من شأنه أن يُضعف و/ أو يُقلّل من قيمة الثقافة الأورُبية.

معنى التقدم
وفي علاقة بفكرة التقدم، يسترجع تاغييف في كتاب «معنى التقدم. مقاربة تاريخية وفلسفية» حُضور الفكرة ضمن أطروحات ديكارت وبيكون التي أعادت ترتيب ممكنات العقل في علاقة باختيار العقلانية كأُفق فلسفي تاريخي وعملي، يَعِدُ بتجاوز الأطروحات ما قبل الحداثيّة، ويتعامل مع العصر الحديث على حد تعبير ماكس فيبير كعصر صار مختلفًا عن عصر الآلهة والأنبياء، ومحاولًا التوقف عند حدود القول الفلسفي في أطروحة الحداثة التي فكّرت في وحدة التقدم العلمي- التقني والتقدم الأخلاقي للإنسانية. كما، يفحص دلالات وتمظهرات مفهوم التقدم منذ ظهوره في القرن الثامن عشر، وتمفصله في سياق تاريخي- فلسفي مع مفاهيم العلمنة والأخلاق.
أعادت علمنة الفكرة اللاهية ترتيب شرط العلاقة بين الإنسان وفكرة التحرر من دون ضغط ثيولوجي، أو تأجيل لفكرة إمكانية الاستقلال الفكري دون ربطها بالعناية الإلهية أو فكرة الدين عمومًا. بهذا المعنى، يرتبط مفهوم التقدم بالحداثة وبإرثها وبأساطيرها المؤسسة التي رسمت أفقًا جديدًا لدلالات الحرية الإنسانية، والاعتقاد بصيرورة تاريخ تقدُّمي أو قدرة الإنسان على صُنع التاريخ.
ولم يجد هذا الطرح المُعمّم حول التاريخ وسيرورة التقدم، مُكافئًا فلسفيًّا ضمن مُخرجات الحداثة؛ حيث ربط براديغم التقدم بالأزمة في مستوى عدم نجاح العَلمنة في تحويل وجهة القضايا من محمولها الثيولوجي إلى الأنساق المُعلمنة. وفي هذا المستوى، تلتقي هذه الرؤية مع تحليل كارل لوفيث ضمن أطروحاته المُضمّنة في كتابه التاريخ والخلاص من جانب الربط بين فكرة الخلاص والتاريخ، والطرح الذي يُقدّمه تاغييف يعرض للتقدم كحركة ذاتيّة دون أن تطرح سؤال لماذا.
0 تعليق