المقالات الأخيرة

ضحكة ميدوزا النسوية وميلاد كتابة جديدة

ضحكة ميدوزا

النسوية وميلاد كتابة جديدة

سأتحدّث عن «الكتابة النسوية»: عمّا ستنجزه، وعمّا ستفعله. ينبغي للمرأة أن تكتب ذاتها؛ أن تكتب المرأةُ عن المرأة، وأن تستدعي النساء إلى الكتابة، تلك التي أُبعدن عنها بعنف لا يقلّ عن العنف الذي أُبعدن به عن أجسادهنّ؛ وللأسباب نفسها، وبالقانون ذاته، وللغاية المميتة نفسها....

فرناندو بيسوا والإسلام

فرناندو بيسوا والإسلام

يمكن القول: إن أول نص يتطرق بشكل صريح إلى انشغال فرناندو بيسوا بالعالم الإسلامي نُشر خلال حياته. هذا النص هو مقال مميز بعنوان: «نبوءات عربي» للكاتب البرتغالي ماريو دومينغيز، نُشر في البرتغال، في صحيفة «ريبورتر إكس» بتاريخ 4 مايو 1931م. ومن المهم أن نلحظ أن بيسوا نشر...

سوء استخدام مُفَكّري ما بعد الحداثة للعلم

سوء استخدام مُفَكّري

ما بعد الحداثة للعلم

إذا كانت الإبيستمولوجيا تَقوم بأداء دورها على أكمل وجه، بحيث لا تتردد في إخبارنا متى نملك الحقّ -من وجهة نظر إبيستمولوجية خالصة- في الاعتقاد، فلماذا إذًا، نُقحم الأخلاق، بل بالأحرى، لماذا نُمَارس فعل الوعظ الأخلاقيّ حين يتعلّق الأمر بالحياة الفكرية والعلمية؟ يَظَلّ...

خطاب العمى في مذكرات البردوني

خطاب العمى في مذكرات البردوني

يقولون «إن من يكتب عن ذاته يعدُّ نفسه لوقت ما محور العالم أو على الأقل محورًا لعالم ما». وهذا الرأي ينطلق من مسلمة مركزية الذات في الكتابة، ذلك الحق الذي يمارسه الكاتب بحرية تامة في بناء صورة له في الكتابة قد تدفع به للجنوح نحو التخييل الذاتي، أما في المذكرات والسير...

الذكاء الاصطناعي.. الاستعمار الناعم

الذكاء الاصطناعي.. الاستعمار الناعم

إن قراءة الاستجابة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من الإنسان ربما تتجاوز -على نحوٍ ما- صدمة ظهور الشبكة العنكبوتية، كما الهاتف الذكي؛ من منطلق أن الذكاء الاصطناعي قد عمل على توليد ما يمكن أن ننعته بذكاءٍ شبه موازٍ للذكاء البشري -إلى حد ما- ولا سيما على المستوى اللغوي، كما...

عبدالعزيز الفريح:

الفن لا قواعد له وأحلم بتوثيق نهضة المملكة بالصوت والصورة

بواسطة | مايو 1, 2026 | فنون

في تجارب السينما التي تنشأ من صميم الذاكرة، لا تبدو البدايات منفصلة عن المصير، بل امتدادًا عضويًّا له. هكذا يمكن قراءة مسار المخرج السعودي عبدالعزيز سعد الفريح، الذي تشكّل وعيه البصري في بيئةٍ منزليةٍ استثنائية؛ كان والده، المخرج والمنتج سعد الفريح، أحد أبرز صُنّاعها.

لا يتحدث عبدالعزيز الفريح، في هذا الحوار مع الفيصل، عن بداياته بوصفها قرارًا مهنيًّا بقدر ما يستعيدها كحالة تشكّلٍ مبكر داخل عالمٍ مشبع بالصورة؛ ركن منزليّ تتجاور فيه أفلام هوليوود مع لوحات الفن التشكيلي، وأجهزة العرض مع مكتبةٍ مزدوجة اللغة، حيث تولدت دهشةٌ أولى قادته إلى الكاميرا قبل أن يعرفها كحرفة. من هناك، بدأت علاقته بالصورة بوصفها اكتشافًا دائمًا، تعزز لاحقًا بمرافقة والده في كواليس التلفزيون، والاحتكاك المباشر بتفاصيل العمل من الفكرة حتى المونتاج، في زمنٍ كانت فيه العملية الإنتاجية شاقة ومعتمدة على الجهد اليدوي والبحث المضني في الأرشيف.

اليوم، وبين رؤيته للسينما، بوصفها لغةً غير مباشرة، وإدراكه لحجم التحولات التي تشهدها المملكة، يضع الفريح تجربته في سياق أوسع، يرى فيه أن صناعة الفِلم لا تزال في بداياتها، لكنها تحمل إمكاناتٍ كبيرة لكتابة سرديةٍ بصريةٍ سعودية، تنطلق من المحلية وتطمح إلى أفقٍ عالمي.

إرثُ الكاميرا

  بدأتَ خطواتك الأولى مساعدًا لوالدك، المخرج والمنتج القدير سعد الفريح، وذلك في برنامج وثائقي «أسماء في الذاكرة». فما الدور الذي لعبته تلك البداية في تشكيل وعيك المهني قبل أن تصقله بالدراسة الأكاديمية في لندن؟

  خطواتي الأولى بدأت منذ الطفولة، حيث تشكلت في خيالاتي العديد من الصور والأحلام والإعجاب والدهشة في مشاعر مختلطة. تفتحت عيناي على الدنيا وبدأت أدرك الأشياء في منتصف الثمانينيات الميلادية، على ركن والدي الخاص، في منزلنا المليء بالصور لنجوم ونجمات سينمائيين من هوليوود أمثال: «كلارك غيبل» و«غريس كيلي» وغيرهما. ولوحات شهيرة لـ: «كاندينسكي» و«رافييل» و«دافنشي» وغيرهم. كان هناك شاشات تلفزيونية وأجهزة عرض بأنواعها: «بروجكتور»، لعرض «ريلات السينما»، «اليوماتيك»، «الفيديو»، «البيتاماكس» والـ«في إتش إس». وأجهزة الصوت: من الأسطوانات إلى «الكاتردج» و«الكاسيت»، والعديد من الأشرطة المتناثرة وغيرها، إلى مكتبة الكتب الكبيرة التي اختلطت فيها الكتب العربية بالإنجليزية، والمجلات بالصحف.

كنت أدخل إلى هذا الركن -بديكوره الكلاسيكي- مذهولًا في كل مرة، وأفتش وأتلمس وأعبث وأستكشف كل جوانبه. أذكر أنني كنت أذهب مع أبي إلى حي المربع لفيديو «البلجون» لشراء الأفلام وأسهر معه وأتابع معه الأفلام الكلاسيكية، قبل دخول الأقمار الصناعية. في تلك الحقبة كان والدي يرى فيّ شيئًا فبدأ يصحبني معه إلى محطة التلفزيون، قبل دخولي المدرسة، حيث كانت يدي الصغيرة ممسكة بيده الضخمة! وبدأت خطوة أخرى بأن أدخل مسرح التلفزيون وغرف المونتاج والأستوديوهات، حيث كانت متقدمة جدًّا، ومبنى التلفزيون الحالي، ببرجه الشاهق، كان وليدًا حديثًا. هنا بدأت دهشة أخرى واقتحمت عالمًا آخر، وولد عندي الولاء والحب لهذا المكان بكل ما يحويه.

كنت أسأل أبي: حينما تغيب عنا تكون هنا؟ فيجيب بابتسامته ونظرته الجميلة: نعم… في السنتين الأخيرتين من حياته، تحديدًا عام 2004م، بدأ يعمل على سلسلة وثائقية من فكرته ورؤيته وإخراجه. الحلقة الأولى، التي بدأ العمل عليها، كانت تحت عنوان «هذا هو عبدالعزيز»، وكانت تتناول سيرة الملك عبدالعزيز رحمه الله، ابتداءً من معارك توحيد البلاد مرورًا بالنهضة الحضارية، حتى زمن الملك عبدالله رحمه الله. أشركني معه، رحمه الله، مساعدًا له؛ أكتب له أفكاره وأساعده في الجمع والترتيب وحمل الأشرطة من المكتبة. كان الفِلم يحتوي على كمية هائلة من اللقطات الأرشيفية، وكانت لديه غرفة مونتاج خاصة في مكتبه، وفيها كراتين من الأشرطة، دون مبالغة. كان يستعرض الأشرطة وأساعده في تدوين اللقطات التي يحتاجها ومدتها، ليتم القص من كل شريط وتوظيفها في الفِلم حيث تتواءم مع النصوص والسيناريو.

كانت العملية مرهقة جدًّا؛ وقد أمضى، رحمه الله، نحو سنة كاملة يعمل في حلقة الملك عبدالعزيز وحدها. لم تكن التقنية تخدم في تلك المدة؛ فالمواد لم تكن مؤرشفة إلكترونيًّا ليسهل استعراضها وسحبها من الحاسوب. كان وطنيًّا عاشقًا لهذا الوطن العظيم وحكامه وكان مذهولًا بسيرة الملك عبدالعزيز، طيب الله ثراه، وكان مقربًا من الملك سلمان حفظه الله، فكان يتابع معه إنتاج حلقة الملك عبدالعزيز باستمرار ويزوده بالملحوظات التاريخية شخصيًّا.

  رحل أبوك المخرج سعد الفريح وفي عدسته بقايا صورٍ ومشروع سينمائي لم يكتمل عن مسقط رأسه «حائل». بصفتك مخرجًا أكاديميًّا، كيف ترى اليوم أهمية توثيق البيئة المحلية سينمائيًّا، وهل تجد في تضاريس حائل إلهامًا يخدم مشروعك الفني الخاص؟

  رحل، رحمه الله، وكان في خياله ورؤاه العديد من القصص التي لم تروَ والفن الذي لم يُرَ. كان يقول: إنه لم يحقق شيئًا! لكن حين أستعرض سيرته وأعماله ودوره الريادي المهم، في تأسيس الإعلام المرئي السعودي في ظل كل تحديات ذلك الزمن، أجد أنه قد صنع المعجزات. لكن طموحه كان عاليًا جدًّا فكان يريد تحقيق ما شاهده وتعلمه في المملكة المتحدة والولايات المتحدة في وطنه الحبيب. أطمح إلى تحقيق حلمه، من خلال مشروع يوثق نهضة المملكة العربية السعودية، ليس فقط حائل، إنما جميع مناطق المملكة؛ لنرى ما وصلت إليه من تقدم على المستوييْنِ المعماري والإنساني، خاصة مع رؤية ملهمنا الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- رؤية السعودية 2030م.

التجربة الغربية وتوطين الحرفة السينمائية

  درستَ إنتاج الأفلام بجامعة «ميدلسكس» في بريطانيا. كيف وظفت دراستك الأكاديمية لخدمة السينما السعودية اليوم، وما السر الفني الذي تحرص على نقله من التجربة الغربية إلى واقعنا المحلي؟

  ذهبت إلى بريطانيا، لندن تحديدًا، لدراسة الإنتاج التلفزيوني والسينمائي؛ لأن الإنجليز أعمق من ناحية الثقافة والفكر والأدب والبحث، وهذا ينعكس على عمق المادة التي ستقدم سواء من خلال الصورة أو النص أو حتى اللوحة التشكيلية أو القطعة الموسيقية والأداء الفني. حصلت على البكالوريوس والماستر هناك، وبفضل الله أخذت الأول في الجامعة في مشروعات الإنتاج للبكالوريوس والماستر، وهي نفسها نالت جوائز معتبرة خارج أسوار الجامعة. أتمنى أن أجد الفرصة لأشارك ما تعلمته هناك من دقة وتنظيم وعمق وطرق البحث الدقيق واحترام الوقت واحترام العمل والمشاهد، وإتقان العمل والجودة.

  انتقلتَ من تقديم البرامج، مثل «المرسى» و«قهوة الصباح»، إلى الإخراج والإنتاج. هل ترى الوقوف أمام الكاميرا ضروريًّا لفهم لغة الصورة التي تقدمها اليوم بصفتك صانع أفلام؟

  بعد وفاة والدي، رحمه الله، عام 2006م، وقبل ابتعاثي لدراسة الإنتاج في بريطانيا، قصدتُ الدكتور سليمان العيدي -وكان آنذاك مدير القناة السعودية الأولى- طالبًا العمل خلف الكواليس. غير أنه رأى فيّ مذيعًا، فاقترح أن أبدأ من أمام الكاميرا. بدت التجربة في بدايتها شاقة، لرهبة الكاميرا المعروفة، لكن سرعان ما تحوّلت تلك الرهبة إلى ألفة، حتى أصبحتُ والكاميرا صديقين. أدركتُ مع الوقت أن الوقوف أمام الكاميرا وحده لا يكفي لفهم لغة الصورة؛ فهذه اللغة تتشكل من تكامل أدوار متعددة: المُعد، والمذيع، والمصور، وفني المونتاج، وفني الصوت، وسواهم.

وقد أتاح لي المرور بهذه التجارب جميعًا فهمًا أعمق لطبيعة العمل الإعلامي. فالمخرج، بوصفه قائد العمل، لا يمكنه إنجاز عمل متماسك ما لم يُحِط بهذه الأدوار إحاطة وافية. يقودني هذا إلى أثر المدرسة البريطانية في تكويني؛ إذ لم أدرس الإخراج والإنتاج مباشرة، بل سبقت ذلك دراسة الفنون التشكيلية بمختلف تجلياتها: الأداء (التمثيل)، والتصوير الفوتوغرافي، وتحليل الأفلام وقراءتها من خلال عناصرها البصرية؛ كألوان الملابس، وزوايا الإضاءة، وتفاصيل اللقطات، إلى جانب الموسيقا بوصفها وسيطًا أساسيًّا في نقل الإحساس. من خلال هذه الخلفية، ترسّخ لديّ أن السينما لا تقوم على اللغة المباشرة بقدر ما تعتمد على الإيحاء والرمز، وعلى إيصال الرسائل -غالبًا- بطرق غير مباشرة. إنها فن عميق يخاطب العقل اللاواعي، ويؤثر فيه عبر الصورة والإيقاع أكثر مما يفعل عبر الكلمة الصريحة.

بين الأمس واليوم

  وصف النقاد والدك بأنه كان سابقًا لزمنه، وكان رائدًا في تأهيل الكوادر الوطنية فنيًّا في زمنٍ مبكرٍ. اليوم وأنت في قلب الحراك الفني، كيف تصف القفزة التي حققتها المملكة بتمكين المخرجين السعوديين وتوفير البيئة الاحترافية لهم؟

  حين أستعرض سيرة والدي وأستعيد ملامح تلك المرحلة من حياته، أراه شابًّا يدرس في أوائل الستينيات في الولايات المتحدة، ثم يعود مثقلًا بصدمة حضارية، يواجه مجتمعًا تحكمه محذورات اجتماعية ودينية صارمة، ويصطدم بندرة الكوادر الفنية المؤهلة، وبضخامة المعدات، وتعقيد العمل الفني التقني آنذاك. في ظل تلك التحديات، يبدو ما أنجزه أقرب إلى الأسطورة، وإن كانت شهادتي فيه لا تخلو من تحيز الابن. أما اليوم، فقد تبدلت الأحوال؛ انفتح المجتمع، وتطورت التقنية، واتسعت آفاق الاتصال بالعالم. وقد أَوْلَت الدولة -أعزها الله- في إطار رؤية السعودية 2030، اهتمامًا ملحوظًا بالفنون، فأنشأت الهيئات المتخصصة، وبدأت بعض الجامعات تدريس تخصصات السينما. كما وجّه الملك سلمان -حفظه الله- بإنشاء جامعة للفنون، يُنتظر أن تكون رافدًا مهمًّا للحراك الفني في المملكة، وأتطلع إلى أن أكون جزءًا من هذا المشروع التعليمي الرائد.

إنسانيةُ العدسةِ

  حصل فِلمك «مبنى 20» على الجائزة الكبرى في مهرجان أفلام السعودية. لماذا اخترتَ «الفلبين» بيئةً جاذبةً لتصوير هذا العمل، وإلى أي مدى تثق في أن المخرج السعودي قادرٌ على تقديم قصصٍ عالميةٍ تتجاوز الحدود الجغرافية؟

  أقمت في بريطانيا قرابة ثماني سنوات، وفي عام 2015م كان «الإنسان» يشغلني في الوثائقيات؛ فقد تأثرت بالمدرسة البريطانية وكنت أتابع العديد من الوثائقيات، وكانت الأفلام الوثائقية تطغى على التلفزيونات البريطانية. كنت أبحث عن موضوع لأعمل عنه فِلمًا وثائقيًّا، وكنت في طريقي إلى الجامعة أقرأ الصحف اليومية في القطار، فشدني عنوان عن «أكثر من مليون طفل فلبيني مشرد يعيشون في الشوارع»! بدأت أبحث فلم أجد أي عمل تلفزيوني أو سينمائي عن هذا الموضوع. شكلت فريقًا صغيرًا، مكونًا من ثلاثة أشخاص، كنت فيه المخرج والمنتج… الحديث يطول عن هذا العمل، وعن ظروف إنتاجه وصعوباته. يحكي الفِلم قصة ثلاث طفلات مشردات وصراعهن من أجل البقاء. يعشن في مبنى كالملجأ، اسمه «مبنى 20». هذا الفِلم الذي أمضيت 30 يومًا في تصويره، في أحد أخطر أحياء مدينة مانيلا، يسمى «توندو»، جعلني في حالة مختلفة تمامًا؛ فقد فهمت الحياة واستوعبت الأمور.

  وثقتَ في فِلمك «مخيم الزعتري» جانبًا من المعاناة الإنسانية العربية. كيف ساعدتك أدواتك السينمائية في نقل رسالةٍ إنسانيةٍ واضحةٍ؟ هل ترى أن السينما الوثائقية هي الوسيلة الفضلى لتدوين التاريخ الاجتماعي الإنساني؟

  مخيم الزعتري كان في الأساس فكرة الزميل يوسف الغنامي. فقد كان يرغب في عمل تقرير تلفزيوني؛ لعرضه في نشرة التاسعة وإم بي سي في أسبوع. وقتها كنت مخرجًا في برنامج الثامنة، في عام 2014م. وقد أشار زميلي ومديري في الإم بي سي سابقًا -عبدالإله السالم، ابن الممثل الراحل محمد العلي، رحمه الله- للغنامي بالتواصل معي لتطوير الفكرة ولمساعدته. جاءني الغنامي وطرح فكرته عن التقرير، فذهبت معه إلى الأردن وعدنا إلى السعودية بفِلم وثائقي قصير عُرض مرات عديدة على شاشة إم بي سي، وحظي بإشادة كبيرة من مسؤولي القناة، حيث كان مختلفًا وأبكى كثيرين.

  حصد فِلمك «الموسيقا رؤية» جوائز في بريطانيا والبحرين. كيف ساهم هذا الاحتفاء الدولي في تعزيز ثقتك بالهوية السينمائية السعودية؟ وكيف تراه يخدم القوة الناعمة للمملكة عالميًّا؟

  في عام 2013م طلب مني أستاذي السيد «توم ماكقوريان» عمل فِلم قصير مدته خمس دقائق بعنوان «حياة في يوم ل…» قال لي: فكر في موضوع واصنعه. أول ما تبادر إلى ذهني «حياة في يوم لرجل أعمى»! كان لدي تساؤل: كيف يعيش الأعمى يومه؟ وفعلًا بحثت ووجدت بريطانيًّا، من أصول هندية، يعيش وحيدًا. عشت معه ثلاثة أيام لأفهم حياته ولكي يعرفني ويرتاح لي قبل أن أدير الكاميرا. كان يملك وسائل التقنية المتقدمة التي توفرها بريطانيا لفاقدي البصر، لكنه كان وحيدًا! سألته: ماذا لو كنت تعيش في بلد أجدادك الهند؟ قال لي: كنت مت من أول يوم! حظي الفِلم بإشادة أساتذتي، وقالوا عنه: إنه نسخة مصغرة من وثائقيات «بي بي سي».

تحمست وذهبت إلى الهند لأصنع هناك فِلم «حياة في يوم لرجل أعمى». جلست في الهند شهرين لعمل الفِلم، ومن خلال بحثي وجدت رجلًا وزوجته، فاقدين للبصر، وهما موسيقيان ولديهما طفلتان جميلتان. يعزفان في القطارات ويجمعان بعض النقود لإطعام ابنتيهما. كانا هما التربة والطفلتان هما الوردتين. لا يملكان شيئًا، لكنهما سعداء! خلافًا للبريطاني، الذي كان يشعر بالوحدة، رغم أنه يملك كل وسائل الراحة! حصل الفِلم على جائزة أفضل فِلم في جامعة ميدلسكس وجائزة ناصر بن حمد للإبداع الشبابي، وترشح لجائزة الجمعية الملكية البريطانية للتلفزيون. بعدها أصبح أساتذتي يطلبون في المحاضرات أن أعرض الفِلم على الطلبة المبتدئين في الجامعة، وأحكي لهم تجربة صناعة الفِلم والتحديات التي واجهتني.

  شاركتَ في ورشة كتابة مسلسل «شير شات» عام 2018م، كيف وازنت بين واقعية الأفلام الوثائقية وبين خيال الدراما التلفزيونية، وأيهما تجده أكثر تأثيرًا في وعي المشاهد حاليًّا؟

  الدراما عالم جميل ورائع وتستطيع الإبحار فيه، والوضع في السعودية الآن أصبح أفضل مما كان، وحافز جدًّا، لكن الدراما عالمها شرس والمنافسة فيه عالية جدًّا، خلافًا للوثائقيات؛ من ناحية قلة تكاليف الإنتاج. في المقابل، المجتمع العربي عامة، أو الأغلبية العظمى، لا يحبذ الوثائقيات، كما هي الحال في أوربا؛ لذلك تأثير الدراما أكبر في المشاهد السعودي والعربي.

مؤخرًا لحظت إقبال الناس على الأعمال الدرامية المحلية بعكس السابق. فقد كان الناس لا يشبعهم المحتوى المحلي؛ لمحدودية الأعمال وانحصارها على ممثلين محدودين. والجميل في الأمر اليوم هو كثرة الممثلين والمنتجين، وهذا لصالح الأعمال المحلية. وأتمنى زيادة المنتجين والممثلين أكثر من أجل زيادة المنافسة وزيادة المحتوى المحلي الذي أصبح الطلب عليه عاليًا.

  في ظل الحراك الذي نعيشه حاليًّا، هل تعتقد أن على المخرج السعودي أن يبتكر أسلوبًا فنيًّا خالصًا يعبر عن هويتنا المحلية، أم إن الوصول إلى العالمية يفرض علينا اتباع القواعد التقنية الموحدة التي يفهمها المشاهد في كل مكان؟

  أعتقد أن لكل مخرج في العالم بصمة خاصة وأسلوبًا خاصًّا، مثل ريشة الفنان التشكيلي، يعرف الفنان من اللوحة من دون قراءة الاسم. سابقًا كنت أفتح التلفزيون وتمرّ لقطة معينة فأعرف أنها من إخراج والدي. والحال نفسها مع المخرجين المحليين والعالميين والملحنين، حينما تتابعين أعمالًا لمخرج معين، يصبح قراءة الأسلوب سهل. أعتقد أن الفن لا توجد له قواعد، والصدق والإخلاص والإبداع في العمل هو الذي يوصل الفنان للعالم.

رهاناتُ المستقبل

  ساهمتَ في تأسيس لجنة السينما السعودية عام 2015م. اليوم ونحن نرى صالات السينما والإنتاجات الضخمة، كيف تقيّم أثر هذا الدعم الحكومي غير المحدود في تحويل السينما إلى قطاعٍ اقتصاديٍّ واعدٍ؟

  كنا نحلم بصالات السينما ولم نكن نتوقع أن يكون لدينا سينما في يوم من الأيام! لقد شهدنا تحولًا إيجابيًّا كبيرًا في المجالات الإنسانية كافة، بفضل الله، ثم بفضل مولاي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، وسمو ولي العهد، الأمير محمد. في وقتنا الحالي، أعتقد أن السينما -بمفهومها الكلاسيكي- تواجه تحديًا كبيرًا في أنحاء العالم. اليوم، المنصات التلفزيونية الرقمية -وهي كثيرة- أصبحت تعرض كل الأفلام، ولم يعد الناس في حاجة إلى الذهاب إلى صالة سينما لمشاهدة فِلم جديد. المشاهد أصبح يشاهد الأفلام التي يريدها في الوقت الذي يريده من خلال شاشة ضخمة في المنزل أو صالة سينما مصغرة في المنزل عبر المنصات الرقمية: نيتفليكس، أمازون، أو إس إن، أبل… وغيرها. وأصبحت الأفلام تنتج لصالح هذه المنصات وليس لشاشات السينما.

  كنتَ مراسلًا ومشاركًا في تغطية مهرجانات التراث. كيف يمكننا استثمار الموروث الشعبي السعودي وتقديمه في قوالب سينمائيةٍ حديثةٍ تجذب الأجيال الشابة؟

  الحقيقة أن السعودية بتاريخها الممتد، لقرابة ثلاث مئة عام، وبثقافاتها المتنوعة وقصصها، كنز من المواد التي يمكن تحويلها إلى أعمال سينمائية أو تلفزيونية أو مسرحية. فيما يتعلق بالدراما، بدأنا في وقت مبكر بأعمال مستوحاة من قصص شعبية مثل تلك التي قدمها محمد العلي، رحمه الله، ومطرب فواز وغيرهما. لكن نحن في حاجة إلى أن نشاهد أعمالًا سينمائية ملحمية تاريخية، بميزانيات ضخمة، وكذلك أعمال درامية عن الملك عبدالعزيز، ومن سبقوه من الأئمة، بطابع يشبه فِلم «لورنس العرب» و«المصارع» و«القلب الشجاع» وغيرها. أعمال تصل إلى العالم ويخلدها التاريخ. يمكن أيضًا تحويل قصص الحب إلى أفلام، مثل قصة قصيدة نورة الحوشان «يا عين هلي صافي الدمع»، كما يمكن استثمار الأساطير الشعبية لعبدالكريم الجهيمان، وكذلك الروايات السعودية التي تعكس ثقافتنا نحن السعوديين، فالفنون هي أقوى قوة ناعمة تصل للعالم.

عين على العالمية

  مع الدعم الكبير من جهات عدة للسينمائي السعودي، هل ترى أن ما أُنتج حتى الآن من أفلام يأتي في مستوى تطلعات الداعمين؟

  لا أعتقد أن ما قُدِّم حتى الآن يرقى لتطلعات الداعمين، وأعتقد أننا في بداية الطريق لإنتاج سينما حقيقية، فإذا كنا نتطلع لسينما توازي بوليوود وهوليوود وأوربا فإننا نحتاج لميزانيات عالية لإنتاج أفلام ضخمة تنافس عالميًّا.

  يلحظ بعضٌ أن المخرج السينمائي السعودي عينه على العالمية حتى في الوقت الذي لم ينجز بعضهم فِلمين قويين، مثلًا، كيف ترى هذه المفارقة؟

  الطموح عالٍ جدًّا، ولكن لكي يصل المخرج السينمائي السعودي إلى العالمية، خصوصًا بالأفلام الطويلة، يحتاج إلى ميزانية ضخمة. فلا يمكن عمل فِلم سينمائي عالمي بميزانية مليونين أو خمسة ملايين ريال سعودي مثلًا. الأفلام العالمية تصل ميزانياتها إلى مئة مليون دولار. وهنا صعوبة أن تجد منتجًا يغامر بمبلغ كبير قد يخسره في النهاية، فمن أين سيحقق أرباح الفِلم وليس لديه صورة «آل باتشينو» على الغلاف أو «جوليا روبرتس»!

أفلام الجماهير والنخبة

  عرف عن المتلقي السعودي أنه ذكي وصاحب تجربة، فمثلًا هناك أفلام أنجزها مخرجون درسوا في الخارج وحصلوا على دعم كبير لكن أفلامهم أخفقت أمام شباك التذاكر، وهناك أسماء استغلت ودرست في الداخل وكان الشغف هو محركها ونجحت، مثل فريق فِلم شباب البومب، الذي اكتسح شباك التذاكر، ما تعليقك؟

  يمكن تصنيف الأفلام إلى نوعين: أفلام فنية وأفلام جماهيرية. فالأفلام الفنية، أو ما يُسمّى أحيانًا بالنخبوية، تميل إلى العمق الجمالي والفكري، ولا تُنتج غالبًا بقصد تحقيق إيرادات شباك التذاكر. أما الأفلام الجماهيرية، فترتكز على جذب أكبر شريحة من الجمهور، وتسعى بالدرجة الأولى إلى النجاح التجاري. وللتوضيح، هل فِلم «هاملت» هو نفسه فِلم «سبايدرمان»؟ وعلى الصعيد المحلي، يُعدّ فِلم «شباب البومب» مثالًا على العمل الجماهيري الذي استطاع الوصول إلى شريحة واسعة، ربما هي الكبرى في السعودية، وهو ما يُحسب لصنّاعه، وعلى رأسهم فيصل العيسى، مع ما وُجّه إليه من انتقادات حادّة من بعض النخب. ومع ذلك، فقد حقق العمل نجاحًا لافتًا. في المحصلة، يسعى المنتج -بطبيعة الحال- إلى تحقيق الربح، ومن حقه أن يختار مشروعًا يضمن له عائدًا تجاريًّا. غير أن هذا المسار قد يرافقه أحيانًا تجاوز لبعض المعايير الأخلاقية أو الفنية، فلكل خيار كلفته وتبعاته.

المنشورات ذات الصلة

جندي: أسعى في فني إلى تجسيد الحرية والمسؤولية: كيف نمنح معنى لهذا الاختيار الجوهري، لهذا البحث الشاق، ولهذا المسار المقدس الذي نخوض غماره؟

جندي: أسعى في فني إلى تجسيد الحرية والمسؤولية:

كيف نمنح معنى لهذا الاختيار الجوهري، لهذا البحث الشاق، ولهذا المسار المقدس الذي نخوض غماره؟

يتخذ هذا الحوار من تجربة النحاتة السويسرية الدكتورة جِندي الفنية والفكرية مدخلًا للتأمل في أسئلة تتعلق بالوجود...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *