المقالات الأخيرة

ضحكة ميدوزا النسوية وميلاد كتابة جديدة

ضحكة ميدوزا

النسوية وميلاد كتابة جديدة

سأتحدّث عن «الكتابة النسوية»: عمّا ستنجزه، وعمّا ستفعله. ينبغي للمرأة أن تكتب ذاتها؛ أن تكتب المرأةُ عن المرأة، وأن تستدعي النساء إلى الكتابة، تلك التي أُبعدن عنها بعنف لا يقلّ عن العنف الذي أُبعدن به عن أجسادهنّ؛ وللأسباب نفسها، وبالقانون ذاته، وللغاية المميتة نفسها....

فرناندو بيسوا والإسلام

فرناندو بيسوا والإسلام

يمكن القول: إن أول نص يتطرق بشكل صريح إلى انشغال فرناندو بيسوا بالعالم الإسلامي نُشر خلال حياته. هذا النص هو مقال مميز بعنوان: «نبوءات عربي» للكاتب البرتغالي ماريو دومينغيز، نُشر في البرتغال، في صحيفة «ريبورتر إكس» بتاريخ 4 مايو 1931م. ومن المهم أن نلحظ أن بيسوا نشر...

سوء استخدام مُفَكّري ما بعد الحداثة للعلم

سوء استخدام مُفَكّري

ما بعد الحداثة للعلم

إذا كانت الإبيستمولوجيا تَقوم بأداء دورها على أكمل وجه، بحيث لا تتردد في إخبارنا متى نملك الحقّ -من وجهة نظر إبيستمولوجية خالصة- في الاعتقاد، فلماذا إذًا، نُقحم الأخلاق، بل بالأحرى، لماذا نُمَارس فعل الوعظ الأخلاقيّ حين يتعلّق الأمر بالحياة الفكرية والعلمية؟ يَظَلّ...

خطاب العمى في مذكرات البردوني

خطاب العمى في مذكرات البردوني

يقولون «إن من يكتب عن ذاته يعدُّ نفسه لوقت ما محور العالم أو على الأقل محورًا لعالم ما». وهذا الرأي ينطلق من مسلمة مركزية الذات في الكتابة، ذلك الحق الذي يمارسه الكاتب بحرية تامة في بناء صورة له في الكتابة قد تدفع به للجنوح نحو التخييل الذاتي، أما في المذكرات والسير...

الذكاء الاصطناعي.. الاستعمار الناعم

الذكاء الاصطناعي.. الاستعمار الناعم

إن قراءة الاستجابة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من الإنسان ربما تتجاوز -على نحوٍ ما- صدمة ظهور الشبكة العنكبوتية، كما الهاتف الذكي؛ من منطلق أن الذكاء الاصطناعي قد عمل على توليد ما يمكن أن ننعته بذكاءٍ شبه موازٍ للذكاء البشري -إلى حد ما- ولا سيما على المستوى اللغوي، كما...

التكثيف الحضاري كضرورة أممية

بواسطة | مايو 1, 2021 | مقالات

تتجه المجتمعات إلى أن تكون مجتمعات إبداعية، تقوم حضارتها على الأفكار الإبداعية، فلما ننظر إلى منتجات وادي السيلكون التي تعول عليها الولايات المتحدة الأميركية كثيرًا في اقتصادها، نجد أنها قائمة على أفكار إبداعية تنشد الاعتراف بها من المستهلك، حتى إن موقع التواصل الاجتماعي لينكد أعلن في أواخر عام ٢٠١١م أن كلمة «مبدع» هي الأكثر استخدامًا بين أعضائه؛ لذا سمى ريتشارد فلوريدا، منظّر أميركي في الدراسات الحضرية، عصرنا هذا عصر الإبداع في كتابه «صعود الطبقة الإبداعية» الصادر عام ٢٠٠٠م.

يصف فلوريدا الطبقة الإبداعية بأنها «تشمل الناس العاملين في العلم، والهندسة، والعمارة، والتصميم، والتعليم، والفنون، والموسيقا، والترفيه، الذين وظيفتهم الاقتصادية هي إنتاج أفكار جديدة»، ويضيف أن اعتراف الأنداد «دائمًا حافز قوي للمفكرين والعلماء»، وليس هذا فحسب، بل يرى بعض الاقتصاديين أن الاعتراف يشكل «قوة أولية في اقتصاديات العلم الحديثة»، وهذا حقيقي؛ فالمنتج لا يمكن تداوله سوى بعد أن كون هالة من الاعترافات المتراكمة من المستهلكين.

يذكر إكسل هونيث، الفيلسوف الألماني الذي بَشّر بنظرية الاعتراف، أن الاعتراف يأخذ ثلاثة أنواع: الحب والاحترام والتقدير، وهذا الاعتراف ليس حصرًا على الأفراد، بل حتى ما ينتجون من أعمال؛ إذ يطمح أصحابها إلى أن تحصل على مثل هذا الاعتراف الذي أعلاه الحب لتداولها في مجتمعاتها. فاستحالة أن يوصف أي منتج، سواء كان ماديًّا أو معنويًّا بالنجاح، سوى حين يحوز الاعتراف. وأي اعتراف له اعتباره، فهو ميثاق محبة، فهذا غاليليو بدأ الكتابة في عام ١٥٥٠م بالإيطالية واللاتينية، يكتب لأفراد مجتمعه بالإيطالية وللعلماء باللاتينية، وبعد أن حصل على اعتراف التقنيين الذين يشغلون الأعمال اليدوية وجه كتابته لهم، واكتفى بالإيطالية الدارجة. فالمنتج الإبداعي لا بد له من الاعتراف، وأول اعتراف يسيره الحب ويوجهه، هو اعتراف أبناء مجتمعه، حتى يشكل مكونًا حضاريًّا لها.

في ظني أن فلوريدا، وهو الذي يتحدث عن المجتمع الأميركي، يتكلم عن اعتراف الأقران داخل هذا المجتمع، الذي يشكل نقطة ارتكاز في بناء الحضارة الغربية وفي كل حضارة، بل هو ضرورة حتميه لتكونها. فتداول الإبداع المتراكم يعطي للهوية الحضارية كثافة حضورية تجعلها بارزة بين الأمم، فما يجعل الحضارة الغربية ذات كثافة حضورية في الجانب الفكري، هو هذا البناء المتراكم من الفلسفة منذ الإغريق حتى عصرنا الحاضر، وهذا يدفعني للتساؤل: هل يمكن أن نجد في عالمنا العربي تراثًا ممتدًّا من ابن خلدون حتى المعاصرين، مثلًا؟

لذلك التكثيف الحضاري ضرورة حضارية تقوم غالبًا به الذوات الفاعلة في حضارة ما، وهو اعتراف يأخذ شكل تداول الإبداع أيًّا كان شكله، فالمنتج المادي يكون تداوله باستهلاكه وتسويقه، والمنتج الفكري يكون بالاتكاء عليه بدراسات قادمة ونقده وقراءته، فمن الخادش لحضارة أمة ما أن يفضل المنتج الأجنبي على المحلي، ويدرس النتاج الفكري لمفكر ما في أقاصي الدنيا ويهمل المحلي.

وهذا لا يعني الانكفاء على الذات، فالانفتاح على الآخر سمة أساسية من سمات الإبداع، لكنه انفتاح موزون يأخذ ما يفيد ويصبغه بصبغة الفرد المحلية. وقد رأينا كثيرًا من مفكرينا من ضمهم الغرب لركب حضارتهم، من طريق دراسة تراثهم والاتكاء عليه في دراسات جديدة ساهمت في التكثيف الضروري، لتكون حضارة ذات حضور كثيف.

وهذا يلقي المسؤولية على عاتق كل مبدع، أن يكون صوتًا نشازًا ويغرد خارج السرب، بل يجب عليه أن يتخذ من الجذور الممتدة لأسلافه خيطًا ينسج به إبداعه الجديد، ليحقق بذلك المساهمة المطلوبة للتكثيف الحضاري لأمته. فالإبداع الأممي لا بد أن يستمد خيوطه التي ينسج بها منتجه الإبداعي من جذور أسلافه، ليبتكر منتجًا مميزًا عن المنتجات الأخرى لا مشابهًا لها، فتضيع سماته في سمات الآخر.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *