المقالات الأخيرة

ضحكة ميدوزا النسوية وميلاد كتابة جديدة

ضحكة ميدوزا

النسوية وميلاد كتابة جديدة

سأتحدّث عن «الكتابة النسوية»: عمّا ستنجزه، وعمّا ستفعله. ينبغي للمرأة أن تكتب ذاتها؛ أن تكتب المرأةُ عن المرأة، وأن تستدعي النساء إلى الكتابة، تلك التي أُبعدن عنها بعنف لا يقلّ عن العنف الذي أُبعدن به عن أجسادهنّ؛ وللأسباب نفسها، وبالقانون ذاته، وللغاية المميتة نفسها....

فرناندو بيسوا والإسلام

فرناندو بيسوا والإسلام

يمكن القول: إن أول نص يتطرق بشكل صريح إلى انشغال فرناندو بيسوا بالعالم الإسلامي نُشر خلال حياته. هذا النص هو مقال مميز بعنوان: «نبوءات عربي» للكاتب البرتغالي ماريو دومينغيز، نُشر في البرتغال، في صحيفة «ريبورتر إكس» بتاريخ 4 مايو 1931م. ومن المهم أن نلحظ أن بيسوا نشر...

سوء استخدام مُفَكّري ما بعد الحداثة للعلم

سوء استخدام مُفَكّري

ما بعد الحداثة للعلم

إذا كانت الإبيستمولوجيا تَقوم بأداء دورها على أكمل وجه، بحيث لا تتردد في إخبارنا متى نملك الحقّ -من وجهة نظر إبيستمولوجية خالصة- في الاعتقاد، فلماذا إذًا، نُقحم الأخلاق، بل بالأحرى، لماذا نُمَارس فعل الوعظ الأخلاقيّ حين يتعلّق الأمر بالحياة الفكرية والعلمية؟ يَظَلّ...

خطاب العمى في مذكرات البردوني

خطاب العمى في مذكرات البردوني

يقولون «إن من يكتب عن ذاته يعدُّ نفسه لوقت ما محور العالم أو على الأقل محورًا لعالم ما». وهذا الرأي ينطلق من مسلمة مركزية الذات في الكتابة، ذلك الحق الذي يمارسه الكاتب بحرية تامة في بناء صورة له في الكتابة قد تدفع به للجنوح نحو التخييل الذاتي، أما في المذكرات والسير...

الذكاء الاصطناعي.. الاستعمار الناعم

الذكاء الاصطناعي.. الاستعمار الناعم

إن قراءة الاستجابة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من الإنسان ربما تتجاوز -على نحوٍ ما- صدمة ظهور الشبكة العنكبوتية، كما الهاتف الذكي؛ من منطلق أن الذكاء الاصطناعي قد عمل على توليد ما يمكن أن ننعته بذكاءٍ شبه موازٍ للذكاء البشري -إلى حد ما- ولا سيما على المستوى اللغوي، كما...

كيف صنع «يوتيوب» ثورة الموسيقا الكاريبية؟

انتقال المركزيات الفنية والموسيقية العالمية إلى الأطراف

بواسطة | يناير 1, 2019 | فنون, موسيقا

انتبه الأكاديمي الأميركي ماثيو كريك في كتابه الصادر حديثًا «السلطة، والمراقبة والثقافة في الفضاء الرقمي ليوتيوب» (جامعة وليام باترسون، أميركا) إلى أن المنصة التواصلية لموقع يوتيوب قد أصبحت أداة فعالة لقياس إمكانات «السلطة والتأثير التي تحكم المخيال الكوني لبناء القوة السوسيو-اقتصادية، السياسية والثقافية انطلاقًا من مجتمع «مشاركة الفيديوهات المختلفة»، وأضحت مكونًا رئيسًا من مكونات حقل «الدراسات الثقافية». تبعًا لذلك، سنعمل على مساءلة مختلف الإمكانات التي أتاحها موقع يوتيوب للفنانين والمغنين الشباب، والكيفية التي بموجبها أسهم في إعادة تعريف تصوراتنا للشهرة، وبناء ثورة الموسيقا الكاريبية والبورتوريكية خلال السنتين الماضيتين.

أسهم النجاح العالمي الذي حققته أغنية «ديسباسيتو»، للمغنيين البورتوريكيين «لويس فونسي» و«دادي يانكي» في إماطة اللثام عن الدور الكبير الذي أصبح يلعبه موقع يوتيوب في صناعة الشهرة وإعادة تحديد معايير النجاح والذوق الموسيقي العالمي. بعدد مشاهدات يقارب 6 مليارات (أي ما يزيد عن ثلثي سكان الكوكب قد شاهد الأغنية)، يُنقَل مركز الثقل الفني والموسيقي العالمي من الولايات المتحدة الأميركية («البوب» (Pop)، و«آر إن بي»، و«الراب».)، نحو منطقة الكاريبي عامة، وبورتوريكو خاصة («البوب اللاتيني»، و«التراب»، و«الريغيتون»).

لويس فونسي – دادي يانكي

يتخذ نجوم الموسيقا البورتوريكية والكاريبية من البسيط واليومي والمهمش منطلقًا لتحقيق نجاحهم الموسيقي المحليّ والعالميّ. غالبًا ما رُفِضَ احتضان كثير منهم من جانب منتجين وموزعين موسيقيين معروفين، فتوجهوا صوب منصات اليوتيوب وأطلقوا على أنفسهم أسماء بسيطة وغير مألوفة تستهدف استمالة أذواق الفئات الشابة واختاروا كلمات وأغاني و«كليبات» ورسائل تكشف عن عمق البؤس والأزمة التي يعيشها شباب المجتمعات الثالثية اليوم في إطار المرحلة الثالثة من سوقنة وسلعنة العالم: «لويس فونسي» 22 مليون مشترك و9 مليارات مشاهدة، «أوزنا» نحو 20 مليون مشترك بقناة اليوتيوب وما يزيد على 7 مليارات مشاهدة في أقل من سنتين؛ «نيكي جام» [قَيْدُوم الريغيتون الكاريبي] [18 مليون مشترك و9 مليارات مشاهدة]، و«مالوما» [18 مليون مشترك و6 ملايين مشاهدة]، و«جي بالفين» [17 مليون مشترك و8 ملايين مشاهدة]؛ و«دادي يانكي» [16 مليون مشترك وما مجموعه 9 مليارات مشاهدة]، والظاهرة «باد باني» [13 مليون مشترك ومليارا مشاهدة في أقل من سنتين]؛ و«فاروكو» [7 ملايين مشترك و3 ملايين مشاهدة]؛ و«أركانخيل» [3 ملايين مشترك ومليار مشاهدة]، «ويسن ويانديل»، و«كارول جي» (Karol G)، و«أنويل»، و«دون عمر». 

الاشتراكات والإعجابات ومنطق المليار مشاهدة

على خلاف المنطق الإستراتيجي لبناء الشهرة في عالم الموسيقا الأميركية، وما يرافقه من بحث عن «البوز» وإحداث «الضجة» من خلال اللعب على وتر الصراع والعداء بين الفنانين في المجال الموسيقيّ نفسه (الصراع المستمر بين كاتي بيري وتايلور سويفت ضمن موسيقا البوب الأميركي، و«كاردي بي» و«نيكي ميناج» في الراب) وتنمية ثقافة «الديوتو» و«التريو» بين المغنين من أنواع وأصناف موسيقية مختلفة، يميل مغنو «الريغيتون» و«التراب» الكاريبي واللاتيني إلى دعم بعضهم بعضًا بشكل مستمر وعلى المستويات كافة (بين الفنانين «الكبار» و«الصغار»، من حيث الغناء الجماعي واحتضان الأصوات الجديدة). 

لا وجود لمنطق المنافسة والعداء ضمن هذا المجال الموسيقي الجديد؛ على الأقل في سياق البحث عن تجويد الأداء الموسيقي. يميل المغنون إلى الاستثمار في نشر الفيديو كليبات على منصة اليوتيوب أكثر من إصدار الألبومات التي تفترض وجود شهرة مدعومة جماهيريًّا من جهة، ومن جهة أخرى لضعف الإقبال الجماهيري على هذه الأشرطة، أو الأقراص أو حتى التحميل عبر الإنترنت في عصر الإنفوسفير وثورة الوسائط الاجتماعية (بمنطقة الكاريبي، والمنطقة العربية، وجُلّ دول العالم الثالث). تبعًا لذلك، وبما أن قوانين الشهرة على اليوتيوب (انبثاق الشهرة) تقوض المعايير التي طرحها إدغار موران خلال خمسينيات القرن الماضي «منطق صناعة النجوم»، يؤمن فنانو الريغيتون والتراب خاصة، وباقي الأنماط الموسيقية الكاريبية عامة، بمقولة أن النجاح من حق الجميع وليس حكرًا على أحد. وبالتالي لا فرق بين مغنٍّ مشهور وآخر مبتدئ؛ بل أكثر من ذلك، نصادف أغاني مشتركة بين فنانين من أصحاب المليار مشاهدة وآخرين غير معروفين بالمرة.

نيكي جام

يتخذ هذا التعاون المشترك في بناء الشهرة على يوتيوب نمطين أساسين: 

أولًا- إصدار أغانٍ مشتركة بين فنانيْنِ إلى خمسة من النمط الموسيقي نفسه أو من أنماط مجاورة ناطقة بالإسبانية مع مزيج من اللغة الإنجليزية. 

ثانيًا- إصدار أغانٍ مشتركة مع كبار نجوم الموسيقا الأميركية والعالمية («جاستن بيبر»، و«نيكي ميناج»، و«دريك»، و«سيلينا غوميز»…). يظل الرهان قائمًا على توسيع القاعدة الجماهيرية للأنماط الموسيقية الكاريبية (الريغيتون، والتراب، والراب، والبوب) والحصول على الشرعية الفنية من خارج الدوائر الفنية (النقاد وشركات الإنتاج)؛ أي بالاعتماد على يوتيوب والتعاون الفني بين المغنين والفنانين المحليين والعالميين.

تجدر الإشارة إلى أن نجاح قنوات هؤلاء الفنانين، سواء المشاهير منهم أو المبتدئون، وحصولهم على الشرعية الفنية والاجتماعية لممارسة هذا النمط الموسيقيّ أو ذاك رهين بأن تحقق أغانيهم أو قنواتهم نسب مشاهدة تفوق نصف المليار إلى مليار مشاهدة –مع ارتفاع أعداد المتتبعين إلى ملايين المشتركين- خلال مدة زمنية قصيرة. إذا كانت شهرة الفنان في الماضي تقاس بعدد الأشرطة التي تباع، فإنها اليوم تقترن بمدى حصول أغانيه في منصة يوتيوب على أكثر من مليار مشاهدة، وملايين المتتبعين وملايين الإعجابات؛ أي أننا أمام منطق جديد للشرعية الفنية والموسيقية يجمع بين التأثير الاجتماعي ورهان الكونية والعالمية.

الريغيتون والتراب أو موسيقا الغيتوهات

تعود الجذور التاريخية لميلاد موسيقا «الريغيتون» إلى ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي بمنطقة الكاريبي، وتعد رمزًا للثقافة والهوية اللاتينية المعاصرة (ما زال «نيكي جام» من الفنانين المخضرمين في المجال). يقوم هذا النمط من الموسيقا على استدماج موسيقا «الريغي» الجمايكية والهيب هوب والبوب والدانسهول في قالب راقص مقارب لموسيقا الراب. في حين أن «التراب» أميركي النشأة وارتبط بشكل كبير بموسيقا «الراب» و«الهيب هوب» منذ تسعينيات القرن الماضي واستدمج حديثًا مع مطلع الألفية الثالثة في الثقافة اللاتينية بفعل تأثير المهاجرين والفنانين ذوي الوصول اللاتينية (ليعرف شهرته العالمية). اليوم عمل الجيل الجديد من الفنانين الشباب على خلق نمط موسيقي جديد قائم على التمازج بين التراب والريغيتون في ثوب يجمع بين الإيقاعات الأميركية والعالمية والهوية الإسبانية واللاتينية للإلقاء.

رافائيل كاستيلو

يُفسر الإقبال العالمي على هذا النمط الموسيقي الجديدة وفقًا لمستويين اثنين: 

أولًا- التزام موسيقا الريغيتون بكلمات وإلقاء وأداء يستهدف جميع الفئات الاجتماعية، ويحترم المرجعيات الفنية لمختلف الفئات العمرية والثقافية. 

ثانيًا- ميلاد التراب من رحم المعاناة وحالة البؤس التي يتخبط فيها السود والمهاجرون بالولايات المتحدة الأميركية، كما بضواحي المدن اللاتينية «أغلب المغنين من أصول فقيرة ومهمشة».

تقترن البدايات الفعلية لما يصطلح عليه اليوم بـ«حركة التراب اللاتيني الجديدة» بسنوات 2005- 2006م. عمل «رافائيل كاستيلو» (المعروف ب «De La Ghetto»)، رفقة مجموعة من الشباب المقيمين بالولايات المتحدة والمتأثرين بموجة البوب والراب الأميركي (Arcangel, De La Ghetto, Yaga & Mackie and Jowell & Randy)، على تحديث الأنماط الموسيقية الكاريبية وإصباغها بأنغام عالمية من أجل مواكبة تطلعات الأجيال الجديدة، والتعبير عن همومها، وأحلامها وبؤسها الاجتماعي. «لقد بدأ كل واحد يصنع موسيقا خاصة به»، ويؤكد «بينيتو أوكاسيو» (المعروف بـ«باد بوني») في حوار له مع موقع «بيلبوارد» في معرض حديثه عن كون «التراب» قد انطلق بفكرة الجمع بين أنماط موسيقية مختلفة لكن في ثوب لاتيني ناطق بالإسبانية. ويضيف «خوان كارلوس روزادو» (المعروف بـ«أوزونا»)، أن التراب اليوم قد عرف طريقه إلى العالمية بفضل أغاني «Anuel AA»؛ الذي أضحى رمزًا للموسيقا البورتوريكية عقب دخوله السجن مؤخرًا، وستعرف نجاحًا كبيرًا بفعل ظهور أصوات شبابية جديدة مثل «باد بوني». 

حينما تسهم الموسيقا في تنمية المجتمع

إذا كان العديد من نجوم الموسيقا العالمية ينحدرون من أسر ثرية أو على الأقل يعتنقون عقيدة «سلعنة الفعل الفني» والبحث عن الثراء وتعزيز النفوذ الاجتماعي والسياسي، فإن فناني التراب والريغيتون الكاريبي هم بالأساس مهاجرون، تربوا أو هاجروا صوب بلاد العم سام من أجل البحث عن حياة أفضل؛ لذلك نجدهم أكثر ارتباطًا بهموم ومشاكل وبؤس بلدانهم الأصلية؛ يشكل التعاون بين الفنانين المهاجرين والفنانين الوطنيين بالكاريبي علامة واضحة على عمق الارتباط بالوطن والوعي بهموم الإنسان الكاريبي عمومًا (أشبه بما قام به كبار الكتاب والروائيين الكاريبيين).

خوان كارلوس روزادو

يؤمن هؤلاء بأن الفن أداة أساس لإحداث التغيير (على نهج إرث مغني الراب الأميركي توباك شاكور)، لهذا فهم واعون بأن فضح البؤس وإيصال صوت المقهورين إلى العالمية ليس شرطًا كافيًا من أجل تنمية بلدانهم؛ لذلك اتخذوا من التغني بجمال بلدهم السياحي والتراث البسيط سبيلًا صوب العالمية والشهرة من دون أن تخطفهم الأضواء عن عالم «الغيتوهات». على سبيل المثال، أسهمت أغنية «ديسباسيتو» في تعزيز الحركية الاقتصادية والسياحية ببورتوريكو خلال السنة الماضية إلى أرقام لم تصلها الحكومة نفسها منذ سنوات. والسر في ذلك، وفقًا لمغنيها، هو البسيط والتغني باليومي والمعيش: «بورتوريكو هي البطلة الحقيقية لقصة الأغنية» كما يضيف لويس فونسي في تعليقه على الحدث في صفحته على تويتر. 

تجاوزنا إذن مقولات الفن كأداة للشهرة والنجاح وأضحينا نتحدث عن الفن كقاطرة للتنمية البشرية والمستديمة. كسر ظهور وتطور اليوتيوب مفاهيمنا وتصوراتنا حول النجاح؛ انتقلنا من صناعة النجومية إلى بناء وانبثاق الشهرة، وأسهم في تزايد تأثير العموم في صناعة النجوم واقتراب هؤلاء من معيشهم وتعبيرهم عن همومهم اليومية والاعتيادية، في مواجهة بؤس السلعنة والسوقنة المستمرة للفعاليات العالمية. كما أن ثورة الموسيقا البورتوريكية قد جعلتنا نتحدث عن انتقال عالمي في المركزيات الفنية والموسيقية من منطقة أوربا وأميركا الشمالية نحو الكاريبي والمنطقة اللاتينية. كل هذه المتغيرات تدفعنا نحو التفكير في ضرورة الدفع بالفن والموسيقا العربية صوب انتهاج مقاربة الانطلاق من المعيش والبحث عن المساهمة في التنمية، وإحداث التغيير وضمان المستقبلات التنموية التي تسعى إليها مجتمعاتنا.

المنشورات ذات الصلة

جندي: أسعى في فني إلى تجسيد الحرية والمسؤولية: كيف نمنح معنى لهذا الاختيار الجوهري، لهذا البحث الشاق، ولهذا المسار المقدس الذي نخوض غماره؟

جندي: أسعى في فني إلى تجسيد الحرية والمسؤولية:

كيف نمنح معنى لهذا الاختيار الجوهري، لهذا البحث الشاق، ولهذا المسار المقدس الذي نخوض غماره؟

يتخذ هذا الحوار من تجربة النحاتة السويسرية الدكتورة جِندي الفنية والفكرية مدخلًا للتأمل في أسئلة تتعلق بالوجود...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *