المقالات الأخيرة

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية: الاطراد والتجريب

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية:

الاطراد والتجريب

العلوم السلوكية Behavioural والذهنية Cognitive تطورت تطورًا مذهلًا في العقود الماضية، وانتقلت من كونها: تأملات فلسفية أو خواطر نفسية أو شذرات أدبية حول «الطبيعة البشرية»، إلى علوم متحاقلة (=بينية) تعتمد على: البيانات الدقيقة والملحوظات المتراكمة والأدلة الصلبة، بما في...

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

في بداية علاقتي بالكتابة، كانت جملة «اقتل أحباءك» أو «اقتلوا أحباءكم»، Murder your darlings التي سمعتها على لسان العديد من أصدقائي الكتاب، وتعبر عن اتجاه متقشف في الكتابة من دون زخارف جمالية، والتي قالها الروائي الأميركي وليم فوكنر لإرنست همنغواي، سواء في سياق مباشر...

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي

قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

في عالم اليوم، يعيش الإنسان حالة متناقضة من الحرية المقنّعة؛ فهو يخال نفسه حرًّا بينما تتسلل القيود الخفية إلى وعيه عبر الخطاب المؤسسيّ، والشاشات، وسائل الإعلام، والشبكات الاجتماعية، والبرامج التعليمية، والقوانين الدولية التي تُعرض كمعايير مطلقة. هذه الظاهرة، التي...

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح

طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

تصنف منشورات بتانة كتاب «كيفك أنت زياد الرحباني» للشاعر إبراهيم عبدالفتاح، الصادر حديثًا، أنه كتاب «سيرة». فهل كتب الشاعر المصري سيرة الموسيقار الراحل؟ أم إن إبراهيم عبدالفتاح يكتب سيرته التي ربما تقاطعت في بعض جوانبها مع حياة زياد الرحباني؟ انتفت تساؤلاتي بعد قراءة...

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

ما مستقبل الشعر؟ لا يسأل المرء عن مستقبل ما لم تتزعزع ثقته به، ولا يتأمل مصير ما لم يُخَيَّل إليه أن الظلال بدأت تُزاحم الضوء؛ لذلك يبدو سؤال مستقبل الشعر أشبه بقلق طارئ، أو رعشة خاطفة تصيب يدًا تمسك بقنديل لم يُطفأ يومًا، حتى حين بدا وهجه ضعيفًا في أعين من ظنوا أن...

نكتب شعرًا كي لا نفنى

بواسطة | نوفمبر 1, 2017 | كتاب الفيصل, مقالات

نتحدث في حياتنا اليومية كي نقضي حاجاتنا فتنقضي تلك الحاجات غير أن كلامنا تذهب به الريح، يتطاير كما يتطاير الرماد، يفنى بمجرد أن تنقضي تلك الحاجات، غير أننا حين نكتب شعرًا فإننا إنما نكتبه كي تبقى أصواتنا حية حين نرحل، يبقى شيء منا لا يموت، كأنما أنتم أرواح الأجيال المقبلة هي أرواحنا الخالدة التي لا تموت، تتنقل بين الأجيال وتبقى ما بقي أحد يذكر بعضًا مما قلناه ذات يوم.

والحقيقة التي لم تفت وعي الإنسان منذ القدم إنما هي حقيقة أنه كائن يتهدده الموت، كائن فانٍ يعرف من سيرة من سبقوه ويتوقع من سيرة من سيأتون بعده أن الحياة طويلة جدًّا وعمره قصير جدًّا، وأدرك كذلك كيف يطوي النسيان كثيرًا من الناس بعد موتهم حتى كأنما لم يولدوا ولم يعيشوا على هذه الأرض، يطويهم النسيان حتى لا يعود أحفاد أحفادهم يتذكرون أسماءهم، فمن منا يتذكر أكثر من خمسة أو ستة من أجداده إذا ما راح يتذكر نسبه.

محنة النسيان لم تكن بأقل مأساوية من محنة الموت، النسيان موت مضاعف، فناء مركب، محو كامل للحياة، موت الموت، مقبرة للمقبرة، حتى قبورنا تختفي معالمها، ولو نبش الأرض نابش بعد بضعة عقود من الزمن فلن يجد شيئًا منا، أو يجد خيطًا من رماد. وحين عرف الإنسان أنه كائن هش يتهدده الموت ويطويه النسيان، أخذ حجرًا أو إزميلًا وراح ينقش على الصخر من حوله رسمًا أو حرفًا أو اسمًا أو كلماتٍ، مستمدًّا من الصخر صلابة تقاوم الموت والنسيان معًا، حرفًا أو اسمًا أو كلمةً أو نقشًا تتوارثه الأجيال ويقف شاهدًا على أن هناك من عاش هنا وحين رحل ترك بصمة لا ترحل.

ذلك هو الأساس الذي انبنى عليه الشعر؛ صرخة ضد الموت، صمود في وجه الفناء، محاولة للتشبث بالخلود قدر المستطاع، واكتشف الإنسان بتدرجه وترقيه في عتبات الوعي أن الكلمات التي يتركها خلفه تكتسب حياتها وخلودها بقدر ما تتوافر فيها قيمتان: أولهما البعد الإنساني المعبر عن الإنسان في كل زمان ومكان، والبعد الجمالي الذي يجعل من تلك الكلمات إضافة لما يحيط بالإنسان من جمال العالم من حوله، إنسانيًّا يجد فيه الإنسان ما يجول في نفسه من أحاسيس وعواطف، من حزن وفرح، من سعادة وشقاء، وجماليًّا يرتقي بذوق الإنسان ويكشف له عن أن عليه أن يستمتع بالحياة التي وهبها الله إياه وألَّا يترك ما قد يخالط هذه الحياة من قبح يقف سدًّا بينه وبين جمالها حين يتجلى في هسهسة أوراق الشجر، وشقشقة عصفور يغرِّد، ولون وردة تتفتح، ولمعة الضوء على وجه ماء يترقرق.

الشعر يخلد ويخلد به الإنسان بقدر ما يكون إنسانيًّا، وبقدر ما يكون جميلًا، وبقدر ما يمثل المثل العليا التي تحفظ للمجتمع تماسكه وتعاونه وتشيع روح التعاون والمحبة والتسامح بين أفراده، وبقدر ما يتمتع به من جمال الفكرة وجمال التعبير عن الفكرة، وبقدر ما يرسمه من صور لا تلتقط من العالَمِ أجملَ ما فيه إنما تضيف إلى جمال العالَم جمالًا وبهائِه بهاءً. الشعر بذلك عمر ثانٍ للإنسان يخلد فيه الإنسان بقدر خلوده، إنه باب من أبواب الذكر الذي قال عنه أحمد شوقي إنه عمر ثانٍ للإنسان:

الناس جارٍ في الحياة لِغايةٍ

ومضلّلٌ يجري بغير عنانِ

المجدُ والشرفُ الرفيعُ صحيفةٌ

جعلتْ لها الأخلاقُ كالعنوانِ

دقَّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ له:

إن الحياةَ دقائقٌ وثواني

فارفعْ لنفسِك بعد موتِك ذِكْرَها

فالذِّكْرُ للإنسان عمرٌ ثاني

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *