براد إيفانس فيلسوف سياسي ومنظر نقدي وكاتب متخصص في مشكلة العنف. وهو مؤسس ومدير مشروع «تاريخ العنف» في جامعة باث في المملكة المتحدة. استوقفه قول ريتشارد بيرنشتاين: إن المجتمعات لا تحب الحديث كثيرًا عن العنف، فقرر إجراء حوارات ثقافية قوية للحديث عن هذا المشكل الذي بدا له مناسبًا للزمن الحاضر ولكل الأزمنة. وعن ذلك يقول: «أردت إنشاء منتدى يجمع بين النقاد الرواد، والفنانين، والكتاب ومنتجي البرامج الثقافية. كان هدفي هو الإلحاح على ضرورة إعطاء أهمية أكبر للفنون والعلوم الإنسانية لتطوير نقد للعنف». ما بين 2017م و2022م أشرف على نشر حواراته في مجلة لوس أنجليس لمراجعة الكتب، وهي تقارب ستين حوارًا.
وهذا الحوار المترجم إلى العربية واحد منها، وفيه يتحدث إيفانس مع سايمون كريتشلي عن المأساة والغضب الذي يحركها، والعنف الذي يقف وراءها، والفلسفة وعلاقتها بالدراما، وإعادة قراءة النصوص الفلسفية التأسيسية، وأهمية الفن ودوره، وعن علاقة المسرح بالديمقراطية. وسايمون كريتشلي هو أستاذ الفلسفة في جامعة إسِكس، ومدير البرامج في المعهد الدولي للفلسفة بباريس. ومن مؤلَّفاته: «الأخلاق والسياسة والذاتية»، و«الفلسفة القارية: مقدمة قصيرة جدًّا»، كما حرَّر أيضًا عددًا من الأعمال المُجمَّعة، منها: «دليل بلاكويل للفلسفة القارية».
المترجم
ما وراء المأساة
• براد إيفانس: لقد شغلت المأساة فكرك وعملك مدة لا يستهان بها من الوقت، ولكن كتابك الأخير، «المأساة والإغريق ونحن»، يقدم معالجتك لهذا المفهوم بشكل أكثر وضوحًا. نعلم أن هناك شيئًا مأساويًّا للغاية بشأن الوضع الإنساني، بيد أنه بعد قراءتي للنص الذي كتبته بشكل جميل، وهو نص يستفزنا بقوة، بدا لي واضحًا أنه لا تزال هناك أمور كثيرة تتطلب التوضيح من حيث أهميتها الفلسفية. ما الذي جعلك تشعر أن الآن هو الوقت المناسب في حياتك للتعامل مع هذا الموضوع؟
▪ سايمون كريتشلي: يحاول كتابي التصدي لما نحن فيه الآن من خلال النظر بعناية عبر منظار المأساة اليونانية. لقد مضى وقت طويل وأنا أشتغل على هذا الكتاب، وهو ثمرة قلبي لآرائي حول علاقة الفلسفة بالدراما. كنت أعطي دروسًا منذ عقود في إسِكس حول التفسير الفلسفي للمأساة، من أفلاطون إلى هايدغر. كان ذلك يجري على حساب الاعتبار الذي يناسب نوع التفكير الذي نجده في التراجيديات؛ لذلك غيرت الطريقة التي أفكر بها في مسرحيات إسخيلوس، وسوفوكليس، ويوربيديس، وعَدّها نوعًا متميزًا من التفكير، الجدلي، والمعروض على الخشبة، والغامض أخلاقيًّا بشكل عميق، وأعدّها تحديًا لذلك النوع من التفكير الذي عادة ما نسميه «الفلسفة»، التي تبدأ مع أفلاطون واستبعاده الفظ للشعراء التراجيديين؛ لذلك أرى هذا الكتاب تقويضًا للمشروع الذي نسميه الفلسفة. أقصد التحيز الفلسفي الذي يقول: إنه يمكننا، باستخدام العقل، أن نجعل الكينونة شيئًا معقولًا، أو ذاك الذي ينتج سلسلة من الواجبات الأخلاقية المتعلقة بكيف يحيا الناس. أرى هذه الافتراضات الوجودية والأخلاقية معيبة للغاية ومحدودة. وللتصدي لها أقترح أن نعود إلى المسرح ونفكر من خلال التجربة التي يوفرها لنا.
• براد إيفانس: ما أجده مثيرًا بشأن فهمك للمأساة هو ارتباطها مباشرة بمسألة المعنى، وبخاصة إدراكنا الذاتي لعدم أمان رواسب الوجود. في هذا الصدد يبدو أن المأساة وثيقة الصلة بمسألة العنف، وما يعنيه أن يكون الإنسان فردًا فانيًا. كيف يمكننا إعادة التفكير في فكرة العنف من خلال منظار المأساة ومقدماتها الفلسفية؟
▪ سايمون كريتشلي: المأساة هي التي يمكننا أن نتتبع فيها تاريخ العنف المشكل للنظام السياسي الذي يبدو هادئًا. هذا ما يحدث في [ثلاثية] أوريستيا، على سبيل المثال، التي تخبر فيها المدينة الديمقراطية -أثينا- نفسها بقصة أصولها التي تعود إلى دورة الانتقام الدموي في قصر أتريوس (Atreus)، حيث الزوجة تقتل زوجها، والابن يقتل أمه، ولا يُوقَف العنف إلا عبر الخيال العنيف للقانون. الدافع الكبير وراء المأساة هو الغضب الذي يتبع الحزن الذي ينتج عن حالة العنف. تعود دورة أوريستيا برمتها إلى حزن الأم لقتل ابنتها العذراء، إيفيجينيا، أو التضحية بها. وهو قتل عدّه الإغريق، ووالدها أغامِمْنون، ضروريًّا لجلب الرياح المواتية لأشرعة السفن التي ستذهب إلى طروادة لبدء حرب السنوات العشر. حيثما نظرنا في المآسي نجد كل شيء يعود إلى العنف بوصفه تاريخًا وطبيعة النظام السياسي.
خلخلة النصوص التأسيسية
• براد إيفانس: في كتابك نرى بكل وضوح ما تدين به فكريًّا لكل من نيتشه وريموند ويليامز، وما قدماه من مساهمات أثرت في فهمنا للمأساة الحديثة على وجه الخصوص. ومع ذلك تصر على أن نقرأ من كثب إرث الفلسفة اليونانية الكلاسيكية (ولا سيما السفسطائية) لاستخلاص أحدث أصدائها. ما الذي يحتل مكانة خاصة في هذه الدراما من بين تراث الإغريق؟
▪ سايمون كريتشلي: ازداد هوسي باليونانيين القدماء مع مرور السنين. أجد في هذه النصوص حياة وحيوية غالبًا ما تغيب عن تابعيهم المعاصرين، ربما باستثناء نيتشه، الذي أعُدُّ نفسي مدينًا له في هذا الكتاب، ولا سيما افتتاحية كتابه «ما وراء الخير والشر». كتابي عبارة عن كشف نصي وثيق لبعض النصوص التي يُزعَم أنها تأسيسية للفلسفة وما نسميه الجماليات، «الجمهورية» لأفلاطون، و«الشعر» لأرسطو. أحاول خلخلة هذه النصوص عبر قراءتها قراءة متأنية. والخيط الذي أستخدمه للقيام بذلك مستمد من نصوص السفسطائيين، وبخاصة غورجيا (Gorgias)، الذين يقتربون من شكل التفكير التراجيدي الجدلي، الذي أنصح به، أكثر من اقترابهم من كثير مما يُعَدُّ فلسفة.

لكي لا تقتلنا الحقيقة
• براد إيفانس: أود أن أطرح هذا بخصوص مسألة الشعرية والأساليب البديلة للعيش. من المعروف أن نيتشه قد صرح بأننا نحتاج للفن في حياتنا حتى لا تقتلنا الحقيقة. كيف تفهم أهمية الفن عند تعاملك مع مأساة الوجود؟
▪ سايمون كريتشلي: نيتشه شبه محق: نحن في حاجة إلى الفن لكي لا تقتلنا حقيقة الوجود، لكنني أرى أن الفن وحده هو القادر على إخبارنا بحقيقة الحقيقة؛ أي أنه يمكن أن نقول هذه الحقيقة فقط من خلال الكذب، من خلال الخداع الجلي الذي هو المسرح. ربما يكشف هذا عن شيء مثير للاهتمام: أي أنه لا يمكننا مقاربة الحقيقة إلا بشكل غير مباشر في التخيلات ومن خلالها، التي نعرف أنها لا تقول الحقيقة.
من المهم أن نتذكر أن المسرح بدأ في المكان وفي الوقت نفسيهما تقريبًا هو والديمقراطية. لكن المسرح اليوناني القديم ليس بأي حال من الأحوال دفاعًا أو بديلًا مؤقتًا عن الديمقراطية. بل هو بالأحرى ذلك المكان الذي يُعرَض فيه توترات، وصراعات، وغموض الحياة الديمقراطية أمام الناس. إنه المكان الذي تُعرَض فيه الاستثناءات المتعددة للديمقراطية الأثينية: الأجانب، والنساء، والعبيد. المسرح هو المطبخ الليلي للديمقراطية.
تتردد عبر العديد من التراجيديات مسائل اللجوء، وطلب اللجوء، والهجرة، والعنف الجنسي، وواجب إكرام الضيف الأجنبي. المسرح هو تلك الآلية السياسية التي يُتَفاوَض من خلالها بشراسة حول مسائل الإدماج الديمقراطي ومنطقة اصطدام عالم الأسطورة بالقانون. فكر في أنتيغون حيث المسرحية كلها عبارة عن خلاف حول ادعاءات متنافسة حول معنى القانون أو الناموس. أو ثلاثية أوريستيا التي يدور موضوعها حول طبيعة العدالة، والتي تنتهي في محكمة في المجلس الأرستقراطي لأثينا القديمة (Areopagus)، تل الإله آريس بجوار الأكروبوليس. لا تقدم لنا التراجيديا نظرية عن العدالة أو القانون، بل تجربة درامية عن العدالة كنزاع وعن القانون كمبارزة.
المسرح الأعظم
• براد إيفانس: في الختام، ما الطلب المطلق الذي يمكن أن نطلبه من التراجيديا من أجل إعادة التفكير فيما قد يعنيه السياسي في العالم اليوم؟ وإذا كنا سنطلب المستحيل، ألن يمكننا تصور توجه فلسفي فيما وراء التراجيدي؟
▪ سايمون كريتشلي: فيما وراء التراجيدي بكل تأكيد. أعتقد أن فكرة المأساة هي اختراع فلسفي، وبخاصة اختراع فكر ما بعد كانط عند شيلينغ وهيغل. أحاول في هذا الكتاب أن أرويَ تلك القصةَ وأقوضَها. نصيحتي هي أن نعود إلى المسرح، أن نعود إلى الفن وننظر ونراقب. نريد المأساة وليس المأساوي. الشيء نفسه أقوله عن «السياسي». قد يكون المطلب الأخلاقي المطلق هنا عبارة عن فكرة فيتغنشتاين القديمة «لا تفكر، انظر». ما أراه في المسرح الأعظم هو نوع من الصدق التام الذي نبدأ فيه في التساؤل على نحو جذري: عمن نكون، وعمَّ نعرف؛ شك أخلاقي كامل إن شئت القول.
المصدر: https://lareviewofbooks.org/article/histories-violence-tragedy-existence
0 تعليق