لوقتٍ طويلٍ استُخدم لفظ «الفراغ» بوصفه مرادفًا للغياب، أو للعدم، أو للمساحة التي لا يسكنها شيء. في الفلسفة الطبيعية القديمة، وخصوصًا في التقليد الأرسطي، لم يُعترف للخلاء بوجودٍ مستقل، بل عُدّ افتراضًا غير ممكن في نظامٍ كوني يقوم على الامتلاء والاستمرارية. وقد شاع في الشروح اللاحقة ما يُنسب إلى أرسطو من أن «الطبيعة تكره الفراغ»، وهي صيغة تلخّص موقفًا يرى أن الكون لا يحتمل حيّزًا بلا مادة (Aristotle 1984) . حتى مع الفيزياء الكلاسيكية، ظلّ الفراغ يُفهم بوصفه حيّزًا خاليًا بين الأجسام، مساحة يمكن إخلاؤها تقنيًّا من المادة من دون أن يكون لها فاعلية ذاتية. غير أن التحولات المعرفية في القرن العشرين، مع تطوّر ميكانيكا الكم ونظرية الحقول، أعادت صياغة السؤال جذريًّا: هل الفراغ خلوٌ مطلق، أم حالة دنيا من الطاقة في بنية كونية أكثر تعقيدًا مما تتيحه حواسّنا؟
في إطار نظرية الحقول الكمومية، لا يُفهم «الفراغ» بوصفه عدمًا، بل بوصفه الحالة الأدنى طاقةً للحقل، وهي حالة لا تخلو من تقلبات كمومية دقيقة تُوصف في الأدبيات التبسيطية أحيانًا بأنها «جسيمات افتراضية» تظهر وتختفي في مدد زمنية بالغة القِصر. غير أن التعبير الأدق يشير إلى تقلبات في الحقول ذاتها، وإلى ما يُسمّى بطاقة النقطة الصفرية، وهي طاقة ملازمة للحقل حتى في غياب الجسيمات بالمعنى الكلاسيكي (Weinberg 1995).
ومن الظواهر التي تُستدلّ بها عادةً على هذا الفهم «تأثير كازيمير»، الذي تنشأ فيه قوة قابلة للقياس بين صفائح موصلة متقاربة نتيجة تعديل أنماط المجال الكهرومغناطيسي بفعل الشروط الحدّية، لا بفعل مادة مرئية بين الصفائح (Casimir 1948; Lamoreaux 1997). إن ما كان يُتصوّر بوصفه «فراغًا» يتحول هنا إلى بنية فاعلة، مجالًا لا يُرى لكنه ليس خاليًا.
هذا التحول لا يعني أن الفيزياء قد أثبتت «امتلاء الفراغ» بمعناه المجازي أو الوجودي، بل يعني أن مفهوم الفراغ نفسه لم يعد مرادفًا للعدم. إننا أمام انتقال من تصور سلبي للفراغ بوصفه نقصًا، إلى تصور بنيوي يرى فيه حالة مشروطة بالطاقة والقوانين والاحتمال. هذا الفارق المعرفي مهم، ليس لأن المسرح ينبغي أن يستعير من الفيزياء مفاهيمه، بل لأن انعطافًا كهذا يتيح لنا أداة تأويلية جديدة. لسنا بصدد ادعاء تماثل علمي بين الحقول الكمومية والفضاء المسرحي، بل بصدد استثمار تحولٍ في فهم «الفراغ» من حالة سلبية إلى حالة مشحونة بالإمكان، من أجل إعادة قراءة الفضاء المسرحي ذاته.

بين الامتلاء والفراغ
في المسرح، كما في الكون، لا يُقاس المعنى بما يُرى فقط، بل أيضًا بما يُترك من دون إشغال. حين كتب بيتر بروك كتابه الشهير «الحيز الخالي» «The Empty Space»، لم يكن يدعو إلى التقشف من باب الفقر الإنتاجي، بل كان يعيد تعريف ماهية الفعل المسرحي ذاته. يقول بروك: «يمكنني أن آخذ أي مساحة فارغة وأسميها خشبة مسرح؛ فإذا عبر شخص تلك المساحة بينما يشاهده شخص آخر، يتحقق فعل مسرحي» (Brook 1968, 9) . في هذا التعريف، لا تُفهم المساحة بوصفها وعاءً ينتظر الامتلاء بالديكور، بل بوصفها قابلية للفعل. الفراغ ليس مرحلة سابقة على المسرح، بل شرط من شروط إمكانه.

بيتر بروك
هذا الفهم يغيّر زاوية النظر جذريًّا. فالخشبة التي تبدو شبه عارية ليست بالضرورة علامة ضعف أو قلة إمكانات، بل قد تكون اختيارًا جماليًّا واعيًا، يهدف إلى تكثيف الفعل في الحد الأدنى من العناصر. حين تُزال الكتل الزائدة، تُصبح الحركة أكثر وضوحًا، والصمت أكثر ثقلًا، والزمن أكثر حضورًا. إن الفراغ هنا ليس «مساحة غير مستثمرة»، بل هو المساحة التي يُسمح فيها للعلامة بأن تتكثف من دون تشويش.
وتتجلى قيمة الفراغ في الكتابة الدرامية الحديثة بوضوح في تجارب مثل مسرح جون فوسّه، حيث يتحول الصمت إلى عنصر بنائي لا يقل أهمية عن الحوار المنطوق. فالفواصل الطويلة، والتكرار، والتوقفات، ليست عجزًا عن القول، بل شكلًا من أشكال القول ذاته. وقد تناولت دراسات نقدية عديدة هذا البعد، مشيرةً إلى أن صمت فوسّه يخلق توترًا دلاليًّا يتجاوز الكلمات، ويحوّل المسافة بين الجمل إلى مساحة تأويلية مفتوحة (Fosse 1999; Moi 2006). هنا يصبح الفراغ الزمني -بين جملة وأخرى- حاملًا للمعنى، لا غيابه.
إذا انتقلنا من النص إلى الإخراج، وجدنا أن مفهوم الفراغ يتجسد في عناصر التكوين البصري والسمعي. في السينوغرافيا، لا يُبنى المشهد بالكتل وحدها، بل بالعلاقة بين الكتلة والمساحة الخالية. إن توزيع العناصر على الخشبة، وترك مناطق غير مشغولة، يخلق توترًا بصريًّا لا يقل أهمية عن وجود الديكور نفسه. الضوء بدوره لا يكشف الأشياء فحسب، بل يخلق الظلال التي تمنح الصورة عمقها. الظل ليس نقصًا في الإضاءة، بل نتيجة ضرورية لها، وبدونه يفقد المشهد بعده الثالث. إن العلاقة بين الضوء والظل تشبه، من حيث البنية، العلاقة بين الامتلاء والفراغ: كل منهما يعرّف الآخر.
ولا يقتصر الأمر على البعد البصري. في الإيقاع الصوتي، يشكّل الصمت جزءًا من النسيج السمعي للعرض. فالمسافة الزمنية بين جملتين قد تحمل توترًا أكبر من استمرار الكلام، كما أن الوقفة القصيرة قبل كلمة مفصلية قد تمنحها وزنًا دراميًّا لا يتحقق في تدفق متصل. إن الإيقاع ليس سرعة فحسب، بل هو تنظيم للحضور والغياب، للكلام والصمت، للحركة والسكون. بهذا المعنى، يصبح الفراغ الزمني عنصرًا من عناصر التكوين، لا فراغًا خارج التكوين.
الفراغ اختيار جمالي
ولكيلا يبقى هذا التحليل في مستوى التنظير العامّ، يمكن التوقف عند مثال عربي بارز تُظهر فيه قيمة الفراغ بوصفه اختيارًا جماليًّا واعيًا. في تجارب مسرحية مغاربية معاصرة، ولا سيما في أعمال المخرج التونسي الفاضل الجعايبي، تظهر الخشبة غالبًا بوصفها فضاءً مفتوحًا لا يثقلها الديكور، مع اعتماد واضح على الجسد والصوت والضوء بوصفها أدوات رئيسة في بناء الدلالة. وقد أشار تقديم مهرجان أفينيون إلى أن اقتصاد العناصر في عرض «يحيى يعيش» لم يكن فقرًا إنتاجيًّا، بل جزءًا من رؤية تُحمّل الفضاء معنى سياسيًّا وأخلاقيًّا، حيث يتحول الفراغ إلى ساحة مواجهة بين الفرد والسلطة، لا إلى حيّز محايد (Festival d’Avignon 2011).
في عروضه، لا تعمل السينوغرافيا بوصفها خلفية تصويرية، بل بوصفها تنظيمًا للعلاقات بين الجسد والسلطة والذاكرة. إن المساحة المفتوحة، حين تُجرَّد من الكتل الزائدة، تكشف هشاشة الجسد وفرادته، وتحوّل المسافة بين الشخصيات إلى عنصر دلالي في حد ذاته. ويمكن ملاحظة أن هذا الاقتصاد البصري يخلق توترًا لا يقل عن توتر الامتلاء، بل ربما يفوقه حين يُحسن توظيفه. كما أُشير في قراءة نقدية لأعمال الجعايبي إلى أن «الفراغ» في عروضه لا يعني انعدام العالم، بل يعكس عالمًا مضغوطًا، منزوع الزينة، تُختزل فيه الإشارات إلى الحد الأدنى، فتغدو كل حركة، وكل تموضع جسدي، حدثًا بصريًّا قائمًا بذاته (Festival d’Avignon 2011).
بهذا المعنى، يمكن القول: إن الفراغ في المسرح العربي المعاصر، حين يُفهم بوصفه عنصرًا بنيويًّا، يحرر العرض من ضرورة التبرير البصري الدائم. فليس مطلوبًا أن يُبرهن العرض على امتلائه، بل أنْ يبرهن على وعيه بما يتركه دون إشغال. إن إعادة الاعتبار إلى الفراغ ليست ترفًا نظريًّا، بل هي مراجعة لمعيار نقدي سائد يقيس قيمة العرض بكمية ما يُرى. إن الكمّ ليس معيارًا للجودة، كما أن الصمت ليس علامة عجز.
بين الحضور والغياب
إن ما تكشفه الفيزياء الحديثة عن الفراغ الكوني- بوصفه حالة مشحونة بالطاقة والإمكان- لا يقدّم للمسرح وصفة جاهزة، لكنه يقدّم له استعارة قوية ومحصّنة: ما يبدو خاليًا قد يكون، في مستوى أعمق، مفعمًا بالحركة غير المرئية. وإذا كان الفراغ في الكون ليس عدمًا، بل بنية من الاحتمال، فإن الفراغ في المسرح ليس نقصًا، بل مساحة إمكان. وفي هذا التوازي البنيوي، لا نستعير من العلم سلطته، بل نستعير منه تحوّلًا في الفهم، يتيح لنا أن نرى الخشبة لا بوصفها حيّزًا ينتظر الامتلاء، بل بوصفها امتلاءً غير مرئي ينتظر أن يُفهم.

جون فوسّه
ومن منظور سيميائي، يرى باتريس بافيس أن الفضاء المسرحي نظام من العلاقات بين الجسد والضوء والحركة والمتلقي، وأن ما يُترك دون إشغال يظل جزءًا من إنتاج الدلالة لا خارجها (Pavis 1998) . ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين «الفراغ البنيوي» بوصفه أداة جمالية واعية، و«الفراغ العرضي» الناتج عن غياب الرؤية؛ فالأول ينتج دلالة، بينما يشير الثاني إلى نقص في البناء. ويوازي ذلك التمييز بين الفراغ بوصفه حالة مشروطة بالقوانين، والعدم بوصفه غيابًا مطلقًا (Britannica 2023).
إن قراءة الفراغ بوصفه «امتلاءً غير مرئي» لا تعني أن كل خشبة عارية ناجحة بالضرورة، كما لا تعني أن كل امتلاء بصري مفرط خطأ. إن الأمر يتعلق بالوعي البنيوي. فحين يُبنى العرض على رؤية تُدرك أن المسافة جزء من المعنى، وأن الصمت عنصر من عناصر الإيقاع، وأن الظل شريك للضوء، يصبح الفراغ جزءًا من النسيج، لا ثقبًا فيه.
ومن الناحية الفلسفية، يمكن القول: إن هذا التحول في فهم الفراغ يعيدنا إلى سؤال أعمق: ما الذي يُنتج المعنى في المسرح؟ أهو ما يُقال ويُرى فقط، أم أيضًا ما يُترك دون قول ودون إشغال؟ إن التجارب الحديثة، سواء في الغرب أو في العالم العربي، تشير إلى أن المعنى لا يتكوّن في الامتلاء وحده، بل في التوتر بين الحضور والغياب. إن المسرح لا يقوم على المادة وحدها، بل على العلاقة بينها وبين ما ليس مادة.
في ضوء ذلك، يمكن النظر إلى الفراغ المسرحي بوصفه فضاءً للإمكان والدلالة، لا فجوة تستدعي الامتلاء. فالخشبة ليست وعاءً ينبغي ملؤه بالأشياء، بل شبكة من العلاقات يتحدد فيها الحضور على خلفية غيابٍ واعٍ. وإذا كان المسرح العربي المعاصر يسعى إلى تطوير لغته الجمالية، فإن إعادة التفكير في وظيفة الفراغ تمثل أحد المسارات الواعدة؛ فالقوة لا تكمن دائمًا في كثرة ما يُعرض، بل في كيفية تنظيم ما يُعرض وما يُترك. إن الفراغ، في النهاية، ليس نقطة الصفر، بل نقطة الانطلاق؛ هو الصمت الذي يسبق الموسيقا، والصفحة البيضاء التي تسبق القصيدة، والحيّز الذي تتولد فيه الاحتمالات قبل أن تتخذ شكلها المرئي.
المراجع:
Festival d’Avignon. 2011. Yahia Yaïch (Amnesia). Programme Archive, Festival d’Avignon.
Aristotle. 1984. Physics. Translated by R. P. Hardie and R. K. Gaye. Princeton: Princeton University Press.
Britannica. 2023. “Vacuum Energy.” Encyclopaedia Britannica. Retrieved January 5, 2023.
Brook, Peter. 1968. The Empty Space. London: Penguin.
Casimir, H. B. G. 1948. “On the Attraction between Two Perfectly Conducting Plates.” Proceedings of the Koninklijke Nederlandse Akademie van Wetenschappen B 51: 793–795.
Fosse, Jon. 1999. Plays One. London: Oberon Books.
Lamoreaux, Steve K. 1997. “Demonstration of the Casimir Force in the 0.6 to 6 μm Range.” Physical Review Letters 78 (1): 5–8.
Moi, Toril. 2006. “The Ordinary Language of Jon Fosse.” Scandinavian Studies 78 (3): 315–332.
Pavis, Patrice. 1998. Dictionary of the Theatre: Terms, Concepts, and Analysis. Toronto: University of Toronto Press.
Weinberg, Steven. 1995. The Quantum Theory of Fields. Vol. 1: Foundations. Cambridge: Cambridge University Press.
0 تعليق