يقول الشاعر والمسرحي الدكتور صالح زمانان: إن الهُوية لا تُصان بالحَنِين، إنما بإعادة خَلْقها في الفن والحياة، موضحًا أن يكتب الشعر كمن ينحت صوتًا في بوادي الجزيرة العربية العظيمة، وأن يكتب الشعر كمن يفتح ستارة على عتمة الذاكرة.
صالح زمانان، الذي يقف وراء عدد من أبرز المشاريع المسرحية وفي مقدمتها أوبرا «زرقاء اليمامة»، يتطرق في حوار مع «الفيصل» إلى رؤيته لمفهوم الهوية السعودية في ضوء رؤية 2030، وقراءته للتحولات الثقافية والمسرحية، وفلسفته في استلهام الأسطورة العربية، وعلاقة الشعر بالمسرح في تجربته، فضلًا عن رؤيته لدور الفنون الأدائية في صناعة القوة الناعمة، وتقديم الحكاية السعودية إلى العالم بلغة فنية معاصرة.
صالح زمانان، شاعرٌ وكاتبٌ مسرحيّ وباحثٌ سعوديّ. حاصل على درجة الدكتوراه في فلسفة الدراما والنقد المسرحي، ودرجة الماجستير في الأدب المسرحيّ، والبكالوريوس في اللغة العربيّة وآدابها. من مواليد منطقة نجران جنوب السعودية عام 1985م، يُقيم ويعمل في العاصمة الرياض منذ 10 سنوات. صَدَرَ له 17 كتابًا ما بين الشعر والمسرح، وألّفَ أكثر من 25 مسرحية؛ وأوبرا واحدة «زرقاء اليمامة»، ومجموعة من المسلسلات والأفلام السينمائيّة.

تُرجمت له مختارات شعريّة عديدة، وصَدَرت باللغات الإسبانيّة، والفرنسيّة، والإيطاليّة، والصينيّة، والأوزبكيّة. وفي المسرح تُرجمت وصَدَرت له 3 مسرحيات باللغة الإسبانيّة. كما كَتبَ ونَشَرَ مجموعة من الأوراق العلميّة في قضايا المسرح والدراما والثقافة. وكان عضو لجان تحكيم في العديد من المهرجانات المحليّة والدوليّة. كما كانت تجربته الإبداعيّة موضوع دراسة لمجموعة من الأبحاث، ورسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه في جامعات سعوديّة وعربيّة.
شارك في أمسيات ومهرجانات ومناسبات ثقافيّة وإبداعيّة في أكثر من 25 دولة حول العالم. ونَالَ جائزة وزارة الثقافة للكتاب 2017م عن كتابه المسرحيّ «فزّاعات نيئة». كما نَالَ جائزة السنوسي الشعريّة 2016م عن مجموعته الشعريّة «عائدٌ من أبيه». وحاز مجموعة متفرقة من جوائز التأليف في مهرجانات مسرحيّة محليّة وعربيّة.
كان المؤلف والمشرف الفنيّ لأوّل أوبرا سعوديّة وأوّل غراند أوبرا عربيّة «أوبرا زرقاء اليمامة» (2024م)، والمؤلف للنصّ الدراميّ في المسرحيّة الغنائيّة «معلقاتنا.. امتداد أمجاد» (2023م)، كما كان المؤلف والمُشرف الفنيّ العام في السنوات الخمس الأخيرة لمجموعة من أهمّ العروض المسرحيّة والأدائيّة الضخمة والغامرة، ومنها: ملحمة صهيل (2023م)، عرض نقش (2023م)، عرض دانة يا نهّام (2023م)، المسرحيّة الغنائيّة رُسُوم وطَلَل (2023م)، عرض أثر الفراشة (2024م)، عرض ترحال (2025م)، وغيرها. اتسمت تجربته المسرحيّة بالحفريّات الثقافيّة في جزيرة العرب، وباقتباس التراث والفُلكلورات وتصديرها لعروض فرجويّة واسعة النطاق.

إلى نص الحوار
اتجاه الهُويّة السعودية
• في أطروحتك للدكتوراه التي ناقشتها مطلع هذا العام، جعلت مجال الدراسة هو خطاب الهُويّة في رؤية السعودية 2030 وتجلّياته في المسرح السعودي المعاصر. من خلال دراستك ونتائجك كيف تختصر اتجاه ومفهوم الهُويّة السعودية في رؤية 2030؟
▪ يمكن اختصار اتجاه مفهوم الهُويّة السعودية في رؤية 2030 بأنه انتقالٌ من الهُويّة بوصفها ذاكرةً ساكنة إلى الهُويّة بوصفها مشروعًا حضاريًّا فاعلًا. فالرؤية لا تنظر إلى الهُويّة السعودية بوصفها شعارًا تعبويًّا أو حنينًا إلى الماضي، بل بوصفها بنيةً مركّبة تستند إلى نواة صلبة: الإسلام، والعربية، والتاريخ الوطني، وميراث الجزيرة العربية، ثم تتحوّل هذه النواة إلى طاقة إنتاج ثقافي واجتماعي واقتصادي.
• من خلال دراستي، أرى أن رؤية السعودية 2030 لا تتعامل مع الهُويّة السعودية بوصفها ملفًّا ثقافيًّا جانبيًّا، بل بوصفها أحد أعمدة المشروع الوطني الحيّ والعضويّ. فالهُويّة في الرؤية ليست عودةً رومانسية إلى الماضي، ولا انفتاحًا غير مشروط على العالم، إنها صياغة واعية لمعادلة دقيقة: كيف نحافظ على الجذر، ونصنع منه طاقة للمستقبل؟
▪ اتجاه الهُويّة السعودية في رؤية 2030 يقوم على أن المملكة ليست دولةً تبحث عن تعريف ذاتها من الصفر؛ فهي تمتلك رصيدًا هائلًا من الشرعية التاريخية والرمزية: الإسلام، والحرمين الشريفين، واللغة العربية، وعمق الجزيرة العربية، والتاريخ الوطني، وتنوّع الأقاليم والمناطق والثقافات المحلية. لكن الرؤية فعلت شيئًا مهمًّا، لقد نقلت هذه العناصر من كونها مفاخر تاريخية إلى كونها موارد حيّة في التنمية، والثقافة، والفنون، والاقتصاد الإبداعي، وصناعة الصورة الوطنية. لذلك يمكن القول: إن مفهوم الهُويّة السعودية في الرؤية هو مفهومٌ تركيبيّ وناضج؛ لا يختزل السعودي في بُعد واحد، ولا يذيب تنوّعه في قالب جامد. إنه مفهوم يستوعب الإسلام والعروبة، والقبيلة والمنطقة، والمدينة والقرية، والزيّ والموسيقا والمسرح والفنون الأدائية، ثم يعيد جمعها داخل أفق وطني واحد. وهذا ما يجعل الهُويّة هنا مصدر تماسك لا أداة انغلاق، ومجال انفتاح وليس سببًا للذوبان.
والأهم أن الرؤية حوّلت الهُويّة من خطاب إلى ممارسة مؤسّسية، على سبيل المثال: وزارة الثقافة وهيئاتها، ومبادرات اللغة، وحفظ التراث، والأزياء، والموسيقا، والأفلام، والمسرح؛ كلها تعمل على تمكين المجتمع من أن يرى نفسه، ويروي حكايته، ويقدّمها للعالم. ومن هنا فالهُويّة السعودية في رؤية 2030 هي هُويّة واثقة وحيويّة: تعرف من أين جاءت، وتعرف إلى أين تريد أن تمضي.

الهوية من فكرة إلى خبرة
• من خلال أطروحتك لنيل الدكتوراه في فلسفة الدراما والنقد المسرحي، وبعد 10 سنوات على انطلاق رؤية السعودية 2030، كيف تقرأ اليوم التحولات الثقافيّة عمومًا والمسرحية والأدائية خصوصًا في المملكة؟
▪ بعد عشر سنوات على انطلاق رؤية السعودية 2030، تبدو التحولات الثقافية والفنية في المملكة أشبه بانتقال الذاكرة من الخزانة إلى الخشبة، ومن الوثيقة إلى الحياة اليومية. ما حدث في تقديري ليس مجرّد توسّع في الفعاليات أو ازدياد في أعداد المهرجانات والعروض، وإنما تبدّل عميق في موقع الثقافة داخل المشروع الوطني؛ فقد صارت الثقافة جزءًا من هندسة المستقبل، ووسيلة لتكوين الوعي، وصناعة الصورة، وبناء الثقة الجمعية.
من زاوية فلسفة الدراما والنقد المسرحي، أقرأ هذه التحولات بوصفها لحظة استعادة كبرى للصوت والجسد والحكاية. فالمجتمع السعودي كان يمتلك دائمًا مخزونًا هائلًا من الرموز والأداءات: العرضة، الأهازيج، اللباس، الحكايات، السير الشعبية، ذاكرة المكان، وتعدّد المناطق. الجديد أن هذه العناصر خرجت من نطاق الذاكرة الشفوية والممارسة المحلية إلى فضاء المؤسسة، والمنصة، والمسرح، والمهرجان، والصناعة الإبداعية. صار التراث مادة تفكير وجمال وإنتاج، وصار الفنان شريكًا في صياغة الوجدان العام، لا مجرد صانع متعة عابرة.
أهم ما يلفتني أن بلادي بدأت تروي نفسها بنفسها. وهذه مسألة جوهرية؛ لأن الشعوب حين لا تمتلك أدوات تمثيل ذاتها، تظل رهينة صور الآخرين عنها. المسرح والفنون الأدائية، تحديدًا، يمنحان السعودية قدرة نادرة على تقديم ذاتها في صورة حيّة: جسد يتحرك، لغة تُنطق، زيّ يُرى، إيقاع يُسمع، وجمهور يشارك في صناعة المعنى. هنا تتحول الهوية من فكرة إلى خبرة محسوسة.
لذلك أرى التحول الثقافي اليوم بوصفه تأسيسًا لخيال وطني جديد؛ خيالٍ يستند إلى الإسلام والعربية وعمق الجزيرة العربية وتنوّعها، ويتقدم في الوقت نفسه نحو العالم بثقة المنتج لا بثقل المفسِّر عن نفسه. إنها مرحلة انتقال الثقافة السعودية من الحضور الداخلي إلى الفعل الحضاري، ومن حفظ الذاكرة إلى ابتكار مستقبلها.

قصائدي عنّي ومسرحيّاتي عن بلادي
• جمعت في سيرتك الإبداعية ثنائية «المسرح» و«الشعر»، وبرزت في الفنّين بشكلٍ بارز. كيف هي علاقة المسرح بالشعر والعكس في تجربة صالح زمانان؟ وما أثرهما في الآخر؟
▪ علاقتي بالمسرح والشعر كعلاقة الجسد بالظلّ؛ كلاهما يمشيان معًا، ويتبادلان الأدوار كلما تغيّر موضع الضوء. دخلتُ الشعر وفي داخلي خشبة صغيرة، شخصيات صامتة، وأمكنة تنتظر أن تُنادى بأسمائها. ودخلتُ المسرح وفي يدي قصيدة لا تريد أن تبقى على الورق، كانت تبحث عن قدمٍ تمشي بها، وعن صوتٍ يجرّب خوفه أمام العيون. لذلك لم أشعر يومًا أنني أنتقل بين فنين، بقدر ما أتنقل بين شكلين من أشكال الإصغاء.
الشعر عندي هو اللحظة التي يلمع فيها المعنى قبل أن يُفسَّر، والمسرح هو اللحظة التي يتجسّد فيها هذا اللمعان في جسدٍ وزمنٍ ومكان. القصيدة تمنح المسرح رُوحه السرية، ذلك الرعش الخفيّ الذي يجعل الكلمة أكثر من جملة، ويجعل الصمت حدثًا. والمسرح يهب القصيدة جسارتها العلنية، يخرجها من عزلة الشاعر إلى امتحان الجمهور، من نجوى الداخل إلى هواء الجماعة.
في الحقيقة، أقف اليوم وقد اختلط عليّ الأمر، ولا أدري عن سُلطة وأثر أحدهما في الآخر، ولا أحاول البحث عن إجابة، لكنّ شيئًا في داخلي يؤمن أن قصائدي عني، وأن مسرحيّاتي عن بلادي. أنا والبلاد معًا، أنا والبلاد فحسب. صارت القصيدة مشهدًا يتهيأ، وصار المشهد قصيدةً تتنفّس، وأنا أقف بينهما كمن يحمل ماءين من نبع واحد؛ ماء يَرى، وماء يُرى، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلني أظن أحيانًا أنني أكتب المسرح كمن ينحت صوتًا في بوادي جزيرة العرب العظيمة، وأكتب الشعر كمن يفتح ستارة على عتمة في ذاكرتي والطفولة.

استعارة من الماضي
• كونك مؤلف أول أوبرا سعودية، وأول غراند أوبرا عربية، لماذا جاء نصّ «زرقاء اليمامة» أوبراليًّا بالتحديد؟ لماذا لم يكن مسرحيًّا اعتياديًّا، أو حتى مسرحيًّا غنائيًّا؟
▪ إنّ كتابة المسرح الشعريّ أو الأوبرا تعني كتابة الحوارات «شعرًا»، وليس هنالك فنّ يتسق مع ثقافة العرب وذهنيّتهم وأدواتهم الحضاريّة مثل الشعر؛ إذ جعلوه -مُبكرًا- واحدًا من متون حضارتهم وجامعًا لتاريخهم ولأيامهم، وهو ترسانة الميثولوجيا العجيبة التي تُرصّع تراثهم على مَرّ الأجيال والدول والحضارات.
لقد آمنتُ أن صوت زرقاء اليمامة سينتقل بشكلٍ أعمق وأوضح عبر الشعر، على المنوال ذاته الذي حُفظتْ فيه قصّتها وأسطورتها في التراث العربيّ، فلا يكاد يأتي ذكرها في كتب التراث حتى يتخلّل ذلك شعرًا على لسانها، وألسنة الشخصيات التي في حكايتها، أو منقولة عن شعراء لاحقين يتناولون زرقاء اليمامة أو يستعيرون المغزى المتعدّد من حكايتها، إلّا أن فنّ الأوبرا يفيض على المسرحية الغنائية/ الشعريّة بالتميّز «الصوتي»، والخصوصيّة الصوتيّة التي نسميها «الأوبراليّة»، وهي ما كنت أرى أنها تتسق أيضًا مع حكاية ومأساة زرقاء اليمامة. لقد كان صوت زرقاء اليمامة حزنًا أبديًّا وحسرةً تقطع الدهور جميعها حتى الأبد. ولم يكن صوتها ذاك ليُقارب التمثيل اليوم إلّا أن يكون غناءً أوبراليًّا، تتوزّع آهاته وفجائعه في طبقات «الميزو سوبرانو» التي غنّت بها مغنيّة الأوبرا العالميّة «سارة كونولي» وهي تُجسّد شخصية زرقاء اليمامة.
استطاعت الأوبرا أن تُعبّر عن الصوت الشعريّ الجُوّاني الأعمق لزرقاء اليمامة، ولنبوءتها وبصيرتها الفذّة التي كانت مصدرًا لآلامها وحُزنها؛ إذْ لم تستطع أن تمنع قومها من ارتكاب جريمة الإبادة في حقّ قبيلة طسم، ولم تستطع أن تقنعهم في المرّة الأخرى بقدوم الجيوش التي قَدِمت لتثأر منهم وتُبيدهم بالمثل، وبخاصة أنّ نصّ الأوبرا جعل هذا الألم يتضاعف؛ فالزرقاء تتواصل وتتناجى منذ بداية العرض مع جوقةٍ ممن يُسمون في التراث العربيّ بالأقوام البائدة، أي الذين لم يعد لهم وجود، فأصبحتْ تمتحن آلام الإبادة عند العرب من أوّلها، وليس في حكاية قومها وحاضرها وحسب.
من ناحية أخرى، يُعدّ إنتاج الأوبرا من الملامح الرفيعة في الصناعات الثقافيّة، وهذا الحضور العالمي للسعوديّة في إنتاج أحد أعقد الفنون الكلاسيكيّة يليق بها ويليق بلحظتنا التاريخيّة الصاعدة، وبتحوّلات الثقافة وصناعتها ما بعد رؤية المملكة 2030.

• أصدرتَ في العام الماضي 2025م «كتاب زرقاء اليمامة: سيرة النصّ وعضويّة الأسطورة»، واشتمل على النصّ الأوليّ الطويل للأوبرا، ونصّ الليبرتو الذي أخذته من النصّ الأول. وصفتَ الأسطورة في هذا الكتاب بأنها «عضويّة»، ما الذي تقصده بذلك، وما هي فلسفتك في قراءة وتفكيك الأسطورة القديمة لاستلهامها في عمل فني أوبرالي عالمي ومعاصر؟
▪ قراءة الأسطورة القديمة من أجل اقتباسها، تبدأ من الإيمان بأنها كائن حيّ في الذاكرة، وليست مادة خامًا تُستعار من الماضي. فالأسطورة لا تُنقل إلى الأوبرا كما تُنقل الحكاية من كتاب إلى خشبة؛ يُصغى إليها أولًا، تُستدعى من طبقاتها العميقة، ثم تُقرأ في توترها بين التاريخ والرمز، بين المرأة والأرض، بين البصر والبصيرة، بين النبوءة والفاجعة؛ لذلك كانت زرقاء اليمامة بالنسبة إليّ أكثر من شخصية تراثية؛ كانت صوتًا شعريًّا جُوّانيًّا يحمل حزنًا أبديًّا، وامرأة ترى الخطر القادم ولا تجد في قومها قدرة على الإصغاء.
أما تفكيك الأسطورة في العمل الفنيّ، ولاسيما الأوبرالي، فيعني البحث عن نواتها الإنسانية القابلة للغناء عالميًّا: الخوف، والعمى الجماعي، والعنف، والفقد، والأمل، ومأساة الصوت حين يسبق زمنه. هنا يصبح التفكيك فعلًا للبناء وليس الهدم؛ نحرّر الحكاية من زوائدها السرديّة، ونبقي على عصبها التراجيديّ، ثم نعيد بناءها بقصدٍ تشويقيّ، وفي لغة تصلح للصوت، والجوقة، والأوركسترا، والصورة المسرحية الكبرى. الأوبرا بطبيعتها فنّ يمنح الأسطورة جسدًا كونيًّا؛ يجعل اللغة العربية تغنّي في فضاء كونيّ، ويجعل الحكاية التراثية أرضًا رمزية يمكن للإنسان المعاصر أن يرى فيها خوفه وندمه ورغبته في النجاة. بهذا المعنى، لم تكن زرقاء اليمامة عودة إلى الماضي، وإنما كانت إصغاءً إلى مستقبلٍ مختبئ في قلب الأسطورة؛ مستقبلٍ تكون فيه الحكاية السعودية والعربية قادرة على مخاطبة العالم من موقعها، بلغتها، وبجرحها الجماليّ العميق.
من استهلاك الحداثة الجمالية إلى إنتاجها
• في بداياته، واجه مشروع «أوبرا زرقاء اليمامة» بعض التشكيك؛ فما شعورك اليوم، والعمل يتصدر المشهد الثقافي بوصفه علامة فارقة في تاريخ الإنتاج الفني السعودي المعاصر؟ ويوجد في المنصّة الرسمية لأعمال الأوبرا العالمية؟
▪ أتعامل مع هذا التحول بوصفه انتقالًا في موقع المملكة داخل الخريطة الثقافية العالمية؛ من فضاءٍ كان يُقرأ غالبًا عبر الصور المرسلة عنه، إلى فضاء ينتج صورته ورموزه وأسئلته الجمالية بنفسه. أوبرا زرقاء اليمامة، بهذا المعنى، ليست نجاحًا شخصيًّا أو احتفاءً بعمل ضخم فحسب، إنها علامة على أن الثقافة السعودية بدأت تدخل مرحلة الإنتاج الرمزي العالي، حيث تتحول الحكاية المحلية إلى مادة فنية قادرة على مخاطبة العالم من داخل خصوصيتها.
كانت لحظة التشكيك مفهومة ضمن تاريخ طويل من النظر إلى الفنون الكبرى كأشكال وافدة، وإلى المملكة كمتلقٍّ للتجارب لا كمنشئٍ لها، غير أن العمل أثبت أن العالمية لا تبدأ من محاكاة المركز، بل من امتلاك الحكاية، واللغة، والذاكرة، ثم صياغتها ضمن معايير إنتاج رفيعة. في زرقاء اليمامة اجتمع التراث العربي، واللغة العربية، والأسطورة النجدية، والصوت الأوبرالي، والخبرة العالمية؛ لا لتذوب العناصر في بعضها، وإنما لتؤسس نموذجًا جديدًا من التعاون الثقافي تكون فيه المملكة صاحبة المادة الرمزية ومركز المبادرة الفنية.
شعوري اليوم أقرب إلى الهدوء العميق منه إلى الانبهار. فالعمل حين يجد مكانه في المنصات الأوبرالية العالمية يصبح وثيقة ثقافية تقول: إن المملكة لا تستهلك الحداثة الجمالية، بل تشارك في كتابتها. وما يهمني أن زرقاء اليمامة فتحت بابًا واسعًا أمام المخيلة السعودية: بابًا يرى في الأسطورة أرشيفًا للمستقبل، وفي الفنون الأدائية أداة لبلورة القوة الناعمة، وفي الثقافة موردًا حضاريًّا قادرًا على صناعة المعنى وليس عرضه فحسب.

فنون أدائية بصيغ معاصرة
• كنتَ المؤلف في السنوات الخمس الأخيرة لمجموعة من أهمّ العروض المسرحيّة والأدائيّة الضخمة والغامرة بالسعوديّة، مثل: المسرحيّة الغنائيّة «معلقاتنا.. امتداد أمجاد» وملحمة «صهيل»، وعرض «دانة يا نهّام»، وأوبرا «زرقاء اليمامة»، والمسرحيّة الغنائيّة «رُسُوم وطَلَل»، وعرض «أثر الفراشة» وعرض «ترحال». كيف تُقيّم هذه التجربة وكيف ترى تفاعل الجمهور وتلقيهم لها؟ وما أهمية مثل هذه العروض الأدائية والمسرحية واسعة النطاق للحظة الراهنة في الثقافة السعودية؟
▪ أقيّم هذه التجربة بوصفها مختبرًا جماليًّا وثقافيًّا واسعًا، وليس سلسلة من الأعمال المنفصلة. خلال السنوات الأخيرة وجدت نفسي أكتب داخل فضاءات تتطلب من النص أن يغادر وحدته الورقية إلى منظومة مركبة من الصوت، والجسد، والسينوغرافيا، والغناء، والذاكرة الشعبية، والتقنيات البصرية. في مثل هذه العروض يصبح المؤلف جزءًا من معمار كبير، عليه أن يمنح الحكاية عصبها، وأن يترك في الوقت نفسه مساحة كافية؛ كي تتنفس الموسيقا والصورة والحركة والجمهور.
ما لفتني في تلقي الجمهور أن هذه الأعمال لامست منطقة عميقة في الوجدان؛ منطقة كانت تعرف الفنون الأدائية بوصفها ذاكرة اجتماعية حيّة، ثم رأتها فجأة في صورة إنتاجية كبرى. في «معلقاتنا.. امتداد أمجاد» حضر التاريخ بوصفه شعرًا ومشهدًا، وفي «دانة يا نهّام» عاد البحر بصوته وطقوسه وغنائه، وفي أوبرا «زرقاء اليمامة» صارت الأسطورة قابلة لأن تغنّي عالميًّا، وفي الأعمال الغامرة الأخرى أخذ المكان نفسه يتحدث عبر الجسد والضوء والصوت؛ لذلك لم يكن تفاعل الجمهور مجرد إعجاب بالضخامة، بل كان نوعًا من التعرّف؛ كأن الناس يرون شيئًا يعرفونه منذ زمن، لكنه يظهر أمامهم في هيئة جديدة ورفيعة.
أهمية هذه العروض فيما يخص تجربتي الخاصة، في أن كل عرضٍ/ مشروع منها كان نتيجة حفر ثقافيّ في تاريخ جزيرة العرب، وتراث بلادنا وحضاراتها وفنونها وخزائنها الميثولوجيّة والآركولوجيّة؛ أي أنها كانت نتيجة تراكميّة مقصودة في مختبر التجربة.
أما في الفضاء الفنيّ العام، فإن أهمية هذه العروض اليوم أنها تؤسس لوعي مسرحي يتجاوز فكرة الخشبة التقليدية نحو فنون أدائية قادرة على حمل السرد الوطني في صيغ معاصرة. إنها تمنح الهوية السعودية جسمًا محسوسًا: له إيقاع، وملمس، وزيّ، ولهجات، وذاكرات مكانية متعددة، كما أنها تعيد تعريف العلاقة بين التراث والصناعة الإبداعية؛ فالتراث هنا لا يحضر كزينة احتفالية، وإنما كبنية دلالية قابلة للتطوير والتأويل والإنتاج. ومن هذه الزاوية أرى أن العروض واسعة النطاق تمثل أحد وجوه التحول الثقافي في المملكة: تحولًا يصنع جمهورًا جديدًا، ويمنح الفنان السعودي أدوات أكبر، ويجعل الثقافة قادرة على مخاطبة المجتمع والعالم معًا من داخل جمالياتها الخاصة.
0 تعليق