أزمة الخوف تعيد صياغة معنى المسرح في ألمانيا
على مدار الأعوام الماضية تعرض المجتمع الألماني لضغوط اقتصادية كبيرة؛ نتيجة الخيارات السياسية التي اتخذتها الحكومة الألمانية حيال الوضع في أوكرانيا ودعمها الممتد لإسرائيل. فقد تكبدت الحكومة الألمانية مبالغ باهظة جراء سياسات التسليح والتحيزات التي انتهجتها، والتي أدت إلى تضحيات مادية كبيرة اضطرت الحكومة بسببها إلى تعويض النقص الفادح في الميزانية من خلال تقليص الدعم المقدم للفنون والثقافة والتعليم العالي والرعاية الصحية والتأمينات الاجتماعية. هكذا، حدث ضرر بالغ على المستوييْنِ الاجتماعي والثقافي من جراء تحيزات سياسية لا تستطيع الحكومة في الحقيقة تحمل تكلفتها الاقتصادية.
وهكذا، وجد الوسط المسرحي والفني نفسه في مأزق كبير؛ فبعد أعوام طوال من اعتماد ذلك الوسط على الدعم الحكومي على نحو أساسي، وجد الوسط نفسه في مهب الريح، من دون سابق إنذار. فالسياسات الثقافية للدولة الألمانية -التي تتعهد دستوريًّا برعاية الفنون والثقافة ومن ثَم تؤمِّن قدرًا لا بأس به من ميزانية الإنتاج الثقافي المستقل- قد سلكت مسلكًا مفاجئًا أدى إلى إرباك قطاع الإنتاج الثقافي بأكمله. وبالطبع، يبدو اختيار الحكومة للقطاع الثقافي والتعليمي وقطاع الرعاية لدفع فواتير التحيز السياسية والحربية، اختيارًا ينقصه الكثير من الحكمة.
ففي الوقت الذي يسعى فيه المجتمع الألماني إلى إحداث نوع من الالتئام للنسيج الداخلي وتطوير الخطاب الثقافي والتعليمي بطريقة تناهض العنصرية والتميز، وتسعى نحو تمكين الفئات المهمشة، يحدث أن يُلغَى الدعم الحكومي بالكامل لعدد ضخم من المؤسسات الثقافية والتعليمية التي تعمل تحديدًا على هذه الأهداف الإستراتيجية، وكأنه من الممكن في لحظة واحدة تقويض إستراتيجيات بُنِيَتْ على مدار أعوام طوال عبر الحوار المجتمعي والبناء الثقافي المحكم.
المستقبل في ظل أزمة القطاع الثقافي
يأخذنا هذا الوضع مباشرة إلى سؤال أساسي، ألا وهو سؤال المستقبل. ففي الوقت الذي يجد الوسط الثقافي نفسه ضحية مجانية لدفع فواتير التسليح يتساءل الفنانون المستقلون -وهم يشكلون أغلبية قطاع الإنتاج الفني في ألمانيا- عما إذا كان هناك أي ضمان لاستمرارية العمل الفني. وسؤال الاستمرارية هذا يتعلق، من ناحية، بالعنصر المادي والاقتصادي الذي لم تعد تحكمه أية ضوابط، كما يتعلق، من ناحية أخرى، بخطاب الدولة، التي تتجه تدريجيًّا نحو سياسات اليمين. ويبرز تمامًا الشعور بعدم الاستقرار والخوف والتوجس حيال ما هو آت.
فلا توجد بارقة أمل بخصوص الاستقرار الاقتصادي للقطاع الفني، ولا توجد بارقة أمل بخصوص حماية المنجز الإبداعي والمكتسبات الثقافية للفنانين. ولعل الشعور بعدم الجدوى يبزغ في هذه اللحظة ويسيطر على العديد من العاملين بالقطاع الثقافي والفني، وهو الشعور الأسوأ؛ ولا سيما أن هذا القطاع ينبني على الاستمرارية والتراكم ومشاركة المعرفة ومحاولة مد الجسور نحو المستقبل، بينما في هذه اللحظة المحورية تحدث قطيعة مع كل ما بُنِيَ، ويُترك القطاع الثقافي يتيمًا بعد عقود من الوعد بالأمل والاستمرارية.
فإذا ما نظرنا إلى نوعية الأعمال التي تُقدَّم اليوم، في الوسط المسرحي الألماني مثلًا، لَوجدناها تنقسم إلى ثلاثة أنواع، وكلها تصب في الاتجاه نفسه من الخوف، بل الرعب من المستقبل والشعور بالرهبة الممتدة تجاه الواقع وضغوطه العديدة. ويبدو لي أن تلك التعبيرات الفنية تتشابه كثيرًا مع ما حدث في أثناء جائحة كورونا، وهي الجائحة التي كانت بمنزلة اختبار سريع لقدرة المجتمعات على التكيف والتمسك بالإيمان والأمل والتضامن الجماعي من أجل عبور الخطر المحدق. ففي وقت جائحة كورونا كان المجتمع الألماني والأورُبي ينظر إلى حكوماته بوصفها الراعية، والمعبِّر عن الضمير الجمعي، ومن ثَم فوَّض العقل الفردي الحكومة التي أصبحت تصدِر أوامرها بخصوص كل كبيرة وصغيرة، وعلى الجميع أن يتبع الأوامر للحفاظ على الحياة.
في ذلك الوقت ظهر تساؤل حول دور الجماعة الإنسانية في دعم بعضها بعضًا، ودور التعاطف الجماعي لدعم المداواة وتخفيف الشعور بالخطر والقلق الدائم. والآن يحدث رد الفعل نفسه؛ حيث تتساءل الأعمال الفنية حول دور الجماعة وقدرتها على التوحد لرسم أبعاد جديدة للمستقبل، تعتمد على قوة الجماعة الإنسانية وتضامنها بعضها مع بعض.

ثلاثة اتجاهات فنية لمواجهة الخوف
الاتجاهات الثلاثة التي ينتِجها الوسط الفني للتعبير عن تلك المخاوف فيمكننا أن نصنفها كالتالي: نوعية من الأعمال الفنية تتسم بالاعتماد العالي على التكنولوجيا والوسائط الرقمية. ففي هذه النوعية يبدو العمل الفني وكأنه يرى في التكنولوجيا والوسائط الرقمية مستقبلًا لا يتيحه الواقع الفعلي. وعلى الرغم من أن التكنولوجيا في العروض المسرحية مثلًا تشكل مسعى يتعلق غالبًا بالسينوغرافيا والمواد البصرية السمعية، إلا أن التكنولوجيا الآن قد أصبحت تساهم على نحو أساسي في صناعة محتوى العرض من خلال الذكاء الاصطناعي. وهو ما يجعلنا نتساءل حول أصالة هذه النوعية من الإنتاج المسرحي، ولا سيما أن المحتوى الذي ينتِجه الذكاء الاصطناعي هو تجميع لمحتويات رقمية إلكترونية، ومن ثم فهو أيضًا يعمل على إزالة المصادر الأصلية ودمجها ومحو هويتها.
النوعية الثانية تعمل على إنتاج ما يشبه الأساطير المعاصرة، وهي الأشكال التي يُبتعَد فيها أيضًا من الواقع والدخول في عوالم تجريدية. وهي الأعمال التي ربما يصعب على المتفرج ردها لأية معطيات واقعية. تبدو هذه الأعمال أشبه بتجول في عقل يسعى نحو الشرود والتخلي عما يربطه بالواقع. لكنه على أية حال عقل قادر على إنتاج جماليات بصرية وصوتية وجسدية تتيح نوعًا من الخيال والابتعاد من الواقع. تحتوي بعض تلك الأعمال على تساؤلات ميتافيزيقية وخيالية أو تساؤلات أقرب إلى «ماذا لو؟».
أما النوعية الثالثة، فهي النوعية الأكثر مسرحانية؛ من حيث كونها تحافظ على صلة وثيقة بالتراث الثقافي والاجتماعي الذي سبقها، وعلى عناصر مسرحية من حيث الأداء، أو على عناصر موسيقية وحركية. إنها نوعية العروض المسرحية التي تتوجه نحو الاستفادة من تراث الطقوس الثقافية والاجتماعية لخلق عروض مسرحية تعتمد على تفاعل الجمهور ومشاركته، على عكس الشائع من العروض المسرحية الغربية التي تركز على الفصل بين المؤدين والمتفرجين، والتأسيس لخشبة المسرح كمنبر معرفي قاصر على الفنانين لإنتاج الخطاب والمعرفة. بينما يعتمد الطقس على المشاركة والاعتراف بالجماعة الإنسانية، ويعتبر الجمهور عينة منها.
في هذه النوعية، يقدم العرض المسرحي نفسه بوصفه طقسًا فرجويًّا، أي أنه يتبنى بنية الطقس ويستوحي نظامه، لكنه في النهاية منتَج إبداعي مصنوع للفرجة. يمكننا إذن أن نشاهد عروضًا طقسية يجلس فيها الجمهور بشكل دائري، وليس في مواجهة المؤدين، وغالبا من دون خشبة مسرح، فهي عروض للقاعات متعددة الوسائط. كما يمكن للمتفرج أن يتواصل مع الفرجة، ليس من خلال النظر والسمع فحسب، لكن من خلال حواس أخرى؛ فهناك عروض تستخدم الروائح لإثارة ذكريات خاصة بحاسة الشم، وربما تكون روائح بخور أو عطريات تساعد على تهدئة الأعصاب، وهناك عروض تستخدم تقنيات بث الصوت من خلال الأرضية، فتحدِث ذبذبات تحت أقدام الجمهور، فيشعر بوقع الصوت والموسيقا جسديًّا. وفي بعض العروض يستلقي الجمهور أفقيًّا، فلا توجد مقاعد، بل تحدث الفرجة من خلال النظر إلى أعلى، أو لا تحدث بالنظر أصلًا؛ فقد يكون العرض بالكامل في الظلام.

المسرح الطقسي كبديل إنساني للمسرح التقليدي
تستوقفني تلك العروض الطقسية كونها بالفعل تستلهم روح التواصل بين الجماعة الإنسانية في مقابل مسرح التسلية، أو في مقابل المسرح الذي يعتمد على نص طويل مكتوب. ففي المسرح الطقسي، بشكله هذا، يصبح المتفرج والمؤدي معًا في قلب الحدث، ويصبح معنى الوجود الإنساني ذاته في قلب الحدث. فالحدث هنا ليس في حكاية يقدمها العرض، ولا في شخوص متخيلة كتبها المؤلف، بل الحدث في اللقاء ذاته، لقاء المؤدي والمتفرج، وتشاركهما اللحظة، وما ينتج عنها من مشاعر وتفاعل وإدراك؛ لذلك أعتقد أن هذا النوع من التوجه الإبداعي -الذي أراه جديدًا على المجتمع الغربي- هو بمنزلة رد فعل سياسي على واقع التمييز، والتحيز، والتهميش، الذي لا ينطبق فحسب على الجماعات الإنسانية، بل على القطاع الإبداعي في مجمله، والذي صار مؤخرًا واحدًا من تلك الجماعات المهمشة.
ومن خلال رد الفعل هذا، الذي يشبه تيارات المقاومة الإبداعية والفكرية، يعيد الفن الغربي مساءلة ثوابته سواء من حيث علاقة الفن بالمجتمع والواقع -على عكس مقولة «الفن للفن»، التي تعمل على وصم الأعمال ذات الأبعاد السياسية بوصفها أدنى جماليًّا- أو من حيث طبيعة صناعة العمل الفني نفسه، كعمل يعترف بالمشاعر والندوب التاريخية، على عكس الشائع عن المسرح الألماني من عدم تقديره لمشاعر ولانفعالات المتفرج وتفاعله. وكل ذلك قد يضع الفنون التعبيرية والمسرحية على طريق جديد، على الرغم من الضغوط الاقتصادية والسياسية المتسارعة.
لكن، هل يجيب ذلك الإنتاج الفني عن سؤال المستقبل؟
في ظني أنه لا إجابة هناك عن هذا السؤال المُلغِز. وعلى الرغم من ذلك فإنه يمكن للعمل الإبداعي دومًا السعي لأجل التخيل والاكتشاف، فالفن غالبًا لا يقدم إجابات، بل يبحث ويعاين ويستكشف. والمؤكد هو أن انعكاس السياسات الاقتصادية، بتحيزاتها الراهنة، قد جعلت من الوسط الإبداعي الغربي مجالًا للنقد ولإعادة بناء النسيج الاجتماعي من خلال فعل المشاركة، وهو هدف اجتماعي وسياسي لم يكن مُلِحًا قبل تعرض ذلك القطاع الإبداعي للتهميش والتقليص. من ثَم، يبدو لي أن الأزمة قادرة على توليد مقاومة داخلية، ولا سيما مع الابتعاد من الاعتماد على تمويل الدولة، وبالتالي إعادة اكتشاف دور المسرح والفرجة؛ لتضميد الجرح الإنساني والتضامن والتعاطف. ربما تكون تلك الخطوة مفاجئة للمسرح الغربي ولدوائره الإبداعية التي استقرت، منذ زمن طويل، على نحو قد أدى بها أحيانًا إلى الجمود وإعادة إنتاج خطاب البذخ والتعالي. أما الآن فقد أصبح الجميع في مأزق يدفعنا إلى إعادة تعريف الثقافة والفنون كجزء أصيل من الحفاظ على الهوية وعلى التماسك الاجتماعي والضمير الإنساني.