الثقافة الشعبية قلق الجماعات وأسئلة الهوية والجسد

الثقافة الشعبية

قلق الجماعات وأسئلة الهوية والجسد

الثقافة الشعبية: رهانات الهوية والانتماء وأسئلتها الجديدة في السياق العربي

شهاب اليحياوي – باحث تونسي

تحتل الثقافة الشعبية موقعًا مركزيًّا في بناء الهويات الجماعية، وبخاصة داخل السياقات الثقافية التي تشهد تحوّلات اجتماعية وسياسية متسارعة كما هي الحال في المجتمعات العربية المعاصرة. فالذاكرة ليست مجرد خزّان للصور والأحداث الماضية، بل هي ممارسة اجتماعية حية تُحاك عبرها هوية المجتمع وتُستعاد وتُعاد صياغتها في الحاضر من أجل فهم الذات وتحديد الانتماء ضمن واقع متحوّل. وفي ظل ما يعيشه الإنسان العربي من أزمات متكرّرة تمسّ المرجعية والانتماء، وتحوّل الهوية إلى سؤال وجودي يطرحه الأفراد في زمن اللايقين الذي وسّعت الليبيرالية الجديدة وصيغتها المعولمة مجاله وحقوله. تطرح الثقافة الشعبية نفسها كمجال خصب لإعادة بناء المعنى، والبحث عن جذور الحاضر داخل أزمنة الجماعة وفضاءاتها الرمزية.

غير أن استدعاء الثقافة الشعبية لا يخلو من إشكاليات مركبة وسجالات متعددة الوجوه؛ ذلك أن الثقافة الشعبية ليست محايدة، بل هي انتقائية، في واقع الأمر، وتخضع لتأويلات وقراءات مختلفة ومتناقضة في أحيان كثيرة. فقد تُستخدم لتعزيز الهويات الضيقة (الأمازيغية، الكردية، الإفريقية)؟ أو الخطابات الأصولية التي تمسّ من وحدة المجتمع، أو لتكريس روايات تُقصي الآخر أو تُجمّل الماضي. وبالتالي، فإن العودة إلى الثقافة الشعبية تطرح، دائمًا، سؤالًا حول طبيعة العلاقة التي تربط المجتمعات عمومًا والمجتمعات العربية خصوصًا بماضيها: أهي علاقة نقد واستيعاب، أم علاقة تمجيد وتجميد؟ أتُوظَّف الذاكرة لإعادة تشكيل الحاضر، أم للهروب منه؟

كما تُطرح أسئلة حول من يمتلك حق السرد؟ ومن يُحدّد ما ينبغي أن يُحفظ وما يجب نسيانه؟ كلّ هذه الأسئلة تؤشكل العلاقة بين الثقافة الشعبية والهوية، وتكشف الطابع المعقّد الذي يتعالى على الطروحات المطمئنّة لهذه القضية. لكنّنا في هذه الورقة سنركز البحث في محاولة الإجابة عن أسئلة ثلاثة: ما الحاجة إلى الثقافة الشعبية؟ كيف تلعب الذاكرة دورًا في استعادة روابط الانتماء، وفي ديناميكية العلاقة بين الذاكرة والهوية؟

في الحاجة إلى الثقافة الشعبية

في زمن التفتّت المجتمعي والعولمة الثقافية، تعود الثقافة الشعبية، لتفرض نفسها موضوعًا مركزيًّا في النقاش الفكري والسوسيولوجي، وليست فقط أداة استرجاعية للماضي، بل رافعة رمزية لإعادة تأسيس الهوية، وحَفْز الانتماء، وتثبيت الذات في زمن تتسارع فيه التغيّرات، وتتآكل فيه المرجعيات الثقافية والرمزية داخل المجتمعات. والثقافة الشعبية هي نظام معرفي متكامل يشمل كل ما أنتجته الجماعة الإنسانية من قيم ومعتقدات وممارسات وفنون وحرف وتقاليد أي ثقافة تصنع يوما بيوم، خلال وعبر الممارسات العادية والمتكرّرة يوميًّا، بحسب ميشال دو سيرتو(1). وهي الخزان الثقافي الذي يحتوي على الأمثال والحكم والأغاني الشعبية والحكايات والأساطير والطقوس والعادات والمناسبات الاجتماعية والممارسات الحرفية والمعارف التقليدية في الطب والزراعة والفلك وغيرها من مجالات الحياة.

إلا أنه يجب ألّا يُتعامَل معها على أنها خزّان ثابت، بل هي ممارسة اجتماعية «من الأسفل»، تنتج المعنى، ودينامية ترميم وإعادة بناء الماضي في ضوء الحاضر، وتنسج خيوط التواصل بين الأجيال. فالثقافة الشعبية ليست أرشيفًا رسميًّا، بل تتشكّل من سرديات الناس، ومروياتهم المتناقلة شفهيًّا، وممارساتهم اليومية وطقوسيات العبور المتواترة والمتناقلة جيليًّا. وهي الخَزّان المَنزلي للهوية، حيث تحفظ التَميّز اللغوي (من خلال الألفاظ المحلية واللهجات) وتجسد الهُوية في أعمال أو أفعال أو تصرفات ملموسة مثل روائح الطبخ التقليدي، وأَغاني الولادة أو الطهور أو الزواج، وفي حِكَم الأَجداد، وأَساطير الأرض التي تصبح في غيابها مجرد شعارات جافة أَو صورًا نمطية.

الثقافة الشعبية وإن تعددت تعريفاتها فإنها تظل تعبيرًا عن فهم جماعي للزمن والمكان، يتمظهر رمزيًّا في علاقتنا وأفعالنا ومواقفنا وقاموسنا اللغوي وتعبيراتنا اليومية وتمثّلاتنا للهوية والانتماء. وقد أكّد موريس هالبواكس(2) أن الذاكرة الجماعية لا تُختزَن فرديًّا، بل تُبنى داخل جماعة اجتماعية تُعطي الزمنَ الماضي معناه من خلال الحاضر الذي تعيشه. وبذلك تُعَدّ الثقافة الشعبية أداة لإعادة تشكيل الهوية ضمن جماعة مرجعية، عبر استعادة وقائع وأحداث وأشكال حياة تعبّر عن «نحن» جماعية، تتجاوز الفرد لتجسّر بينه وبين الذات الجمعية؛ لذلك فإنّها تتحوّل، حسب العروي(3)، إلى مقاومة شعبية حين تواجه الجماعة الاجتماعية أو الهوية الفرعية ذاكرة رسمية تقصيها أو تتجاهلها أو تبخّس موقعها ضمن هذا «النحن».

إنها تمثّل أو متصوّر مُوَازٍ أو «تَارِيخٌ مِنْ أَسْفَل»، تُسجّل بصوت المظلومين والفئات الضعيفة والمهمّشة والبُسطاء، ومن طَمستهم كُتب التاريخ، تحفظ حقائق وأحاسيس تتجاوَز الرواية الرسمية، ومُشكّلة أداة لمقاومة الذوبان أو التذويب في بعده المحلّي أو العولمي.

من الذاكرة إلى الانتماء: استعادة الحضور في عالم مفكّك

في عالم تتسارع فيه التحوّلات، ويتعمّق فيه الإحساس بوهن الرابط الاجتماعي «بنحن» توسّعت ضبابية الانتماء إليه، تعمل الثقافة الشعبية عبر رموزها وأشكالها السردية على استعادة روابط الانتماء وإعادة ترميم علاقة الأفراد بجماعتهم، وبأماكنهم الأصلية. فالانتماء لم يعد فقط معطى تلقائيًّا من الدولة أو الدين أو العرق، بل أصبح سؤالًا مركّبًا يطرحه الفرد في عالم اليوم الموصوف بتعدّد الهويات والانتماءات والولاءات. من أجل ذلك تعيد الثقافة الشعبية صوغ الحكاية الجماعية التي تتيح للأفراد الشعور بالانتماء إلى ماضٍ مشترك من خلال استعادة التراث الشفوي (الأغاني، الأمثال، السرديات الجماعية…) واللباس وطقوس الفرح والحزن والرموز والعلامات التي تعرّفهم إزاء الآخرين، وتمنحهم «هوية وجدانية» كما يسميها شارلز تايلور(4)، تُعيد إنتاج شكل من «الانتماء المعيش» لا القانوني أو المؤسساتي.

الفرد المعاصر، داخل السياقات العربية تحديدًا، يعيش حالة من عدم الانتماء الرمزي نتيجة تعمّق هشاشة الروابط الاجتماعية، وتراجع السرديات الكبرى لديه، وتآكل الأطر المرجعية التقليدية التي كانت تضفي معنى لوجوده وتحدّد موقعه داخل الجماعة. وفي ظل هذا التفكك، تطرح الهوية كسؤال يومي يتعلّق بالمعنى والانتماء: «من نحن؟ وما الذي يوصل بيننا؟ ومن أين نبدأ في إعادة صياغة ذواتنا الجمعية؟ هنا، تحضر الثقافة الشعبية كدينامية استعادة هذا الحضور الضائع، لا عبر استحضار إستاتيكي للماضي، بل عبر إعادة بناء الجسور الرمزية بين الأفراد، والجماعة، والمجال، والزمن بأدوات الحاضر وتقنياته ووسائل التنشئة الاجتماعية ضمنه. فالثقافة الشعبية، بما هي تمثّلات جماعية تتجلّى، كما أسلفنا، في مرويات شفوية، طقوس، رموز، فضاءات، ومعمار، تُعيد تشكيل العلاقة بالمكان والتجذّر فيه، وتُفعّل آليات الانتماء الجامع الذي يتجاوز عناصر التشرذم أو التفكّك الذي تحيل إليه أحيانًا السردية الرسمية أو الإثنية أو الأيديولوجية للهوية ولذاكرة «النحن».

على سبيل المثال، في الهند، التي تتميّز بتنوّعها الثقافي الشديد، تُستخدم الملاحم الشعبية مثل «المهابهاراتا»(5) و«الرامايانا»(6)؛ لتعزيز الشعور بالوحدة الوطنية أو في السياق العربي، يُعَدّ التراث الشعري العربي، منذ العصر الجاهلي حتى الآن، رمزًا للهوية العربية المشتركة. كذلك، القصص الشعبية عن الأبطال والزعماء التاريخيين، مثل: صلاح الدين الأيوبي أو عمر المختار، تُستخدم لإلهام الأجيال الجديدة وتعزيز الشعور بالفخر الوطني. هذه الروايات لا تساهم فقط في الحفاظ على الهوية، بل أيضًا في تعزيز التماسك الاجتماعي في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

تمنح الثقافة الشعبية الفرد إمكانيّة تأصيل نفسه ضمن سردية تملك فرصًا أوسع للتوحيد وتقوية الإحساس بالاستمرارية من خلال التركيز على القواسم المشتركة والتاريخ المشترك. وهذا ما يجعل من استعادة الثقافة الشعبية فعلًا سياسيًّا وثقافيًّا بامتياز، يُواجه من خلاله الأفراد التهميش الرمزي، وتوهين الرابط بالجذور، والاغتراب داخل المدن المعاصرة، أو حتى في المجتمع الافتراضي أو الفضاء الرقمي، حيث تُختزل التراثات في «ميمات» سريعة الزوال، ويدفع بقوّة ديناميكيته الموجّهة إلى إضعاف الوعي بالانتماء والولاء إلى «النحن»؛ ذلك أنّ الانتقال من الذاكرة إلى الانتماء هو سيرورة سوسيولوجية معقّدة تُفعّل عبر إحياء الممارسات اليومية للتقاليد والعادات وتفعيل التواصل مع الرموز الحيّة، وإستراتيجيات تمثيل الذات داخل المجال العام. ويكمن رهان هذا التحوّل في قدرته على إحياء الهوية الجمعية من دون الوقوع في فخ الخطاب التمجيدي والتذويبي أو خطاب هوياتي انقسامي.

نحو فهم ديناميكي للذاكرة الشعبية والهوية

إن التعامل مع الثقافة الشعبية لا ينبغي أن يكون تعاملًا ماضويًّا أو فلكلوريًّا، فالهوية ليست جوهرًا ثابتًا أو مضمونًا مكتفيًا بذاته، بل هي بنية مفتوحة تتشكّل في خضمّ صراعات رمزية وتاريخية، وتُعاد صياغتها باستمرار عبر جدل الذاكرة والنسيان، التذكّر والتأويل، والسلطة والمقاومة واختلاف وجهات النظر حول الماضي. ثمّ إنّ الثقافة الشعبية تتمنّع أن تكون خزّانًا للرموز فحسب، بل أن تكون في الأساس موردًا لبناء مساحات للانتماء. ففاعليتها تشترط أن تُحوّل إلى مشروع ديناميكي لإنتاج المعنى وتجديد الرابط الاجتماعي، يُمكّن الأفراد من الانخراط مجددًا في الجماعة من موقع واعٍ وناقد وتوفّر للفرد العربي اليوم مجالًا لإعادة امتلاك الزمن والمكان، وإعادة تثبيت الذات في عالم معولم ومتشظٍّ يزداد غموضًا وتفككًا ويعيد ترتيب العلاقة بين ثنائيات تقليدية (الخاص والعام/ المحلي والكوني/ الذاتي والموضوعي …).

في هذا السياق، يُشير يان آسمن(7) إلى أنّ «الذاكرة الثقافية»، تُوظَّف لتثبيت سرديات الهوية، ولكنّها في الوقت نفسه عرضة للصراع بين الفاعلين الاجتماعيين الذين يتنازعون حقّ السرد وامتلاك الماضي. فالهوية ليست معطى نهائيًّا، بل هي بناء متواصل يتغذّى من الذاكرة التي تُنتج بدورها المعاني التي تجعل الهوية ممكنة في سياق تفاعلي دينامي. في هذا الإطار، تُوظَّف الثقافة الشعبية في الخطابات الهوياتية من زوايا متعددة: فمن ناحية قد تُصبح أداة إقصاء حين تُستخدم لتكريس هويات ضيقة (قَبَلية، دينية، إثنية)، أو لإعادة إنتاج الماضي كمطلق لا يقبل المساءلة، كما تُنبه إلى ذلك فاطمة المرنيسي(8) في نقدها للخطابات الأصولية التي تستعيد «الزمن الذهبي» في التراث كمقدّس غير قابل للنقد، بما هي خطابات غير بريئة تُستخدم لتثبيت شكل معيّن من الانتماء المجمَّد الذي يعوق الانخراط في الحداثة. ومن جهة ثانية، يمكن أن تصبح الثقافة الشعبية أداة تحرّر، حين تُعيد الجماعات كتابة تاريخها الخاص من منظور المهمّشين وتُطالب بالاعتراف الرمزي، كما في دراسات إدوارد سعيد(9) وجيمس سكوت(10)، التي ترى في استعادة الذاكرة شكلًا من «مقاومة الصمت التاريخي.

من هذا المنظور، تفتح الثقافة الشعبية أفقًا جديدًا أمام المجتمعات العربية لمساءلة سردياتها الرسمية، وبناء هويات دينامية تتفاعل مع الموروث دون أن تتقوقع داخله، وتستوعب التعدّد دون أن تفقد ثوابتها. وتصبح الذاكرة هنا وسيلة للتمكين الرمزي، واستعادة المعنى، وصياغة مشروعات مستقبلية متجذّرة في التاريخ الجماعي لا مرتهنة له؛ غير أنّ الواقع العربي يكشف عن توجيه مؤسّساتي لهذا؛ لتداخل الثقافة الشعبية مع الهوية من خلال الاستخدام السياسي أو الثقافي للرموز، والأحداث، والأبطال، والقصص المؤسسة.


الأسطورة في جزيرة العرب

استجابةً منهجيةً لحاجات المجتمع

محمد حمدان العتيبي – باحث سعودي

الأسطورة الشعبية وما تحمله من رمزيات ثقافية للمجتمعات ليست قصصًا وتصويراتٍ خياليةً فحسب؛ بل هي تُفضي إلى ما هو أبعد من ذلك، فالأسطورة تُعنَى في كثير من الثقافات بخلق حواجز تُبنى على الخوف من المجهول، وما نستطيع استنباطه من المصادر القديمة التي تناولت هذه الحالة، هو أن الخوف من التصويرات الخيالية لكائناتٍ لم يسبق رؤيتها، يُعَدُّ بمنزلة منهج تنظيميّ للمجتمع.

في نظريته الوظيفية يرى مالينوفسكي أن الأسطورة ليست خيالًا يُروى للتسلية؛ إنما هي تمثّل ميثاقًا اجتماعيًّا حيًّا ينشأ حين يحتاج المجتمع إلى تسويغ قاعدة أخلاقية، أو تشريع سلوك معين(11). فدراسة المجتمع الذي أنتجها أولًا، من حيث الوقت الذي تُروى فيه هذه القصص، وفي أي مناسبة، ولمن؛ سيخلق تصورًا واضحًا لوظيفة الأسطورة الفعلية في السياق الاجتماعي.

يَبرُز دور الأسطورة الشعبية حين يتعلق الأمر بتنشئة الأطفال، فالمجتمعات الإنسانية تستخدم أسلوب التخويف من كائنٍ مجهولٍ على نحو أكثر فاعلية في توجيه السلوك من القاعدة الصريحة. وما نراه في الجزيرة العربية هو امتداد لهذا النمط؛ ليرسم صورةً خاصةً بتشكيل كائنات متنوعة، تتكيف مع بيئاتها المختلفة، في مساحات الصحراء، وتحت ظلال النخيل في البيئات الزراعية، وصولًا إلى أعالي الجبال وضبابها الكثيف، وهو ما يُفسِّر أن الأسطورة تمثل استجابةً منهجيةً لحاجات المجتمع أكثر من كونها مصادَفةً ثقافيةً وحسْب.

الضبط الاجتماعي في البادية والحاضرة

تُمثِّل الأساطيرُ الشعبيةُ نمطًا ثقافيًّا في حياة سكان الجزيرة العربية، حَضَرِها وباديتِها، بل إن بعض هذه الأساطير ما زال يُروى ويُذكَر إلى اليوم كأسلوبٍ تربويّ يستخدمه الآباء والأمهات؛ لضبط عادات صغار السن. ومن هذه الأمثلة التي عاصرتها المسّارة (السِّعْر)(12) وهي تصوير خيالي لكائن يأخذ من صفات الكلب والذئب، وكانت هذه الصفات المشتركة بين هذين الحيوانين تصوّر حيوان «الشيب» وهو حيوان ينتُج عن تزاوجٍ بين الكلب والذئب، وظهوره للعِيَان قد يكون معدومًا. وكانت هذه الأسطورة تُستخدَم للمنع من الخروج ليلًا، أو ترك الأبواب مفتوحة تجنّبًا لخطرها الذي يُحيط بنا، وقد نُقلت هذه الأسطورة إلينا من كبار السن الذين عاشوا في البادية قبل الاستيطان في المدن، فكان اختلاق حيوان يناسب بيئتهم الصحراوية هو المنهج الذي تبنّوه لضبط عادة الخروج ليلًا لدى صغار السن حفاظًا عليهم من الضياع.

بينما في البيئات الزراعية، نرى نمطًا مختلفًا للأسطورة، على نحو أكثر ملاءمة لطبيعة المكان، فكانت أسطورة أم السعف والليف الكائن الذي يُصّور للأطفال كأداة للضبط، وكما أورده بداح بن فهد السبيعي أن أم السعف والليف هي النخلة، ويُطلق عليها بعض أهل الأحساء أم الخضر والليف، بل إنها الجنية الأشهر في منطقة الأحساء، وهي جنية رهيبة يغطّيها الليف ويجلّلها السعف، وإن هوايتها المفضلة هي معاقبة الأطفال(13). هنا نرى التحوّل الشكليّ والوصفيّ للأسطورة بناءً على البيئة، فكون المخلوقِ خياليًّا؛ لذا يجب ألّا ينسلخ من بيئته حتى لا يفقد تصوّر الطفل له؛ إذ إن الطفل نشأ في بيئة معينة ويصعب عليه تصور ما لا ينطبق عليها.

ومن هذا المنطق نرى أن هذا التوزيع الجغرافي والبيئي للكائنات الخرافية كان مبنيًّا لغرض وظيفي مُحدد، فكائن الصحراء والمساحات الفسيحة يختلف كليًّا عن كائن المزارع والبيئات القرويّة، وكذلك في الجبال يُخلَق كائن يتّسق مع بيئته لخدمة محددة في سياق محدد.

الأساطير النهارية

تُعرف الجزيرة العربية بحرارة طقسها، وهو ما كان مصدر خطرٍ على الأطفال في أوقات اشتداد الحرارة، فحلّت الأسطورة محل الرادع الأمثل للصغار عن الخروج في هذه الأوقات، كان ربطها بالوقت ضرورة لضمان ابتعاد الصغار من لهيب الشمس في «القايلة» فأتت حمارة القايلة ككائن يخرج في هذا الوقت، ولم تكن حمارة القايلة الكائن الوحيد، بل كان مسددَ عيونِهِ بالخِرَق(14) كائنًا مخيفًا يفتح آفاق الخيال لدى الأطفال. كما أورده بداح السبيعي في كتابه معجم الكائنات الخرافية، فوصفه بأنه كائن خرافي يخرج في النهار، ولا سيّما وقت الظهيرة، فكانت الأمهات يقلن لأولادهن: «انتبهوا، ترى يجيكم مسدد عيونه بالخِرَق»(15) فحلت هذه الأساطير محل التهديد الواقعي؛ لتصبح خيالًا يتصوره كل طفل بصورة لا تقل رعبًا عن الطفل الآخر.

كذلك تبرز أسطورة «مصبّغ أذانيه بالدم»، حيث كان مجرد ذكر اسمها كفيلًا بجعل الطفل يتخيل منظر هذا الرجل الذي تسيل أذناه دمًا؛ ليمتنع عن العبث أو الخروج دون إذن والديه(16).

كائنات الجبال والضباب

في البيئات الجبلية في منطقة جازان، وتحديدًا في «فيفا» تظهر أسطورة قَحَم امعماية(17)، وهو كائن يوصف بأنه «شيخ الضباب»(18)، ويستخدم كوسيلة لمنع الأطفال من الخروج والابتعاد في أوقات الضباب التي تحجب الرؤية تمامًا، وهو ما قد يتسبب في سقوط الأطفال أو ضياعهم في مناطق يصعب العثور عليهم فيها. فالكائن الخرافي المرتبط بهذه البيئة ليس إلا صياغة أخرى لهذا الخطر على نحو يُقنع الطفل على عكس الأوامر المجردة.

التشريع الخرافي لخطر الآبار

تتنوع مصادر الخطر على الأطفال، وتتنوع الكائنات الخرافية والأساطير الشعبية طبقًا لذلك، وقد انطبق ذلك على خطر الوقوع في الآبار ومنها خروف السلّة(19) ودفّاع الحسو، والدفّيعة(20) وصولًا إلى أسطورة أم بريقع التي وثقها الراوي محمد بن حنتوش السبيعي، في أحد التسجيلات الشفهية المحفوظة في الذاكرة السعودية، بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

«أم بريقع هذي يخوفون فيها الأطفال عشان ما يجون عند البير يقعون فيه، يخافون، يقولون في هالبير أم بريقع وفيها سعلوّة، على شان ما يروحون يطيحون، يصيرون يهابون، إنّا ذيك الحين لا قالوا انتبهوا! تِطلِّع لسانها وتلقطه وتنزله فالبير، ونخاف ما نجيه»(21).

كما أورد أسطورة «شجرة العشر» بقوله: «شجرة العشر هذي يقولون يجي فيها جن»(22). ونلحظ هنا أن هذه الأساطير كانت تعمل كأدوات ضبط مجتمعي ووقائي؛ فشجرة «العشر» مثلًا تُعَدّ من أكثر أشجار الجزيرة العربية سمية(23)، فهي تُنتج مادة بيضاء تُشبه اللبن؛ لذا كان اختلاق حضور «الجن» فيها وسيلة فطرية وفعّالة لحماية الأطفال من خطر مادي حقيقي.

ولم يقتصر اختلاق الأساطير الشعبية على التصوير الشكلي، بل امتد للقصص والأشعار؛ لترسيخها في الأذهان، ومنها أسطورة «العظم المُنَقْرَش(24)، وهو عظم نُقِشَت عليه نقوش جميلة أغرى فتاة تدعى «حمدة» بأخذه، وعند حملها له سقط منها وتحوّل إلى «سعلو» ضخم يأكل البشر، وقال السعلو:

بو بو بو بو/ وأشوى لي بأربع بنات/ معهن حمدة زين الطول/ القرون مجدّلات/ والعيون مكحّلات / والآذان مخرّصات.

ثم هجم السعلو على كلب حمدة الصغير وافترسه وافترس صاحباتها، وخيّرها بين أكلها هي وأختها أو الزواج منه، فوافقت مرغمة، لكنها احتالت عليه وهربت، فصار يطاردها ويسأل من يلقاه: «يا من عيّن الطامح اللي ماسكه شليلها وترامح»(25).

وتكشف هذه القصة التخويف من هذا النوع من العظام الذي يُعتقد أنه نوع من أنواع السحر، وتقص هذه القصة لضمان اجتناب الفتيات لها، وبخاصة في مواقع الريّ وجلب الحطب.

ما الذي تكشفه الكائنات الخرافية (الأسطورة الشعبية)؟

تحليلًا لما استعرضناه في هذه المقالة، نرى أنه عندما نضع هذه الأساطير المختلفة أمام بعضها، سنكتشف ثلاثة أنماط متكررة نستطيع تفسيرها على أنها منظومة ضبط اجتماعي بُنيت عن قصد.

أولًا- التأثير البيئي: لا يوجد كائن خرافي واحد يصلح لكل بيئة، فالمسارة للصحراء الممتدة وظلامها الدامس، وأم السعف والليف للبيئات الزراعية والقروية، وشيخ الضباب للجبال والبيئة الضبابية، وهو ما يُبيّن أن الأسطورة نشأت استجابةً لخطرٍ ما في بيئةٍ ما، ولم تنشأ من خيال مجرد من السببيّة.

ثانيًا- التحديد الزمني: كائنات الليل للخطر الذي يُحيط بالصغار ليلًا، وكائنات الظهيرة لتجنيب الأطفال خطر ضربات الشمس والحرارة الشديدة، فهي تُشرّع الحدود الزمنية التي لا يستطيع المجتمع تطبيقها بالأوامر وحدها.

ثالثًا- اختلاف الأنواع في الكائنات: بعض الكائنات إناث (أم السعف والليف، أم بريقع)، وبعضها ذكور (مسدّد عيونه بالخِرَق)، وبعضها حيوان (المسّارة)، وبعضها أشكال ماديّة (العظم المُنَقْرَش). فهذا التنوع يُشير إلى أن المجتمع وظّف كل ما يُمكن توظيفه من مخاوف جمعية لخدمة غرضه التربويّ.

ختامًا، نتساءل: هل ستظل الأساطير جزءًا من كياننا الثقافي؟ أم إن الروايات المطبوعة ستلغي دور الأسطورة الشفهية؟ الحقيقة أن الأسطورة ستظل حبيسة الذاكرة ما لم نسخر الإمكانات لحفظها وإعادة سردها كجزء من التراث؛ لكونها مثلت أسلوب حياة يدرأ الخطر، ويضع القوانين والحدود في المجتمعات، لا مجرد قصص تناقض العقل. فالأساطير هي أحد أهم الأبواب الثقافية لفهم الشعوب التي قد تفرقها الجغرافيا وتجمعها المخاوف الإنسانية الواحدة؛ فالتشابه بينها يؤكد أن لها جذرًا واحدًا نبع من الخوف أو الخيال، ثم تناقلته الركبانُ ليُعيد كل مجتمع صياغته على النحو الذي يخدم حياته وبيئته.


المراجع:

أولًا- المراجع العربية

–  السبيعي، بداح بن فهد؛ معجم الكائنات الخرافية في تراث المملكة العربية السعودية، الدوادمي، دار أهوى للنشر، ط١، ١٤٤٧هـ.

–  السويداء، عبدالرحمن بن زيد؛ فصيح العامي في شمال نجد، الرياض، دار السويداء للنشر والتوزيع، ط١، ١٤٠٧هـ، ج١.

–  العبودي، محمد بن ناصر؛ شجر البرية وأعشابها، الرياض، دار الثلوثية، ط١، ١٤٣٦هـ.

–  العبودي، محمد بن ناصر؛ كلمات قضت، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز، ط١، ١٤٢٣هـ، ج١.

–  العقيلي، محمد بن أحمد؛ معجم اللهجة المحلية لمنطقة جازان، جدة، تهامة، ط١، ١٤٠٣هـ، ج١.

–  محمد بن زيد بن حنتوش؛ تسجيل صوتي، قسم الذاكرة السعودية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ٢ / ٨ / ١٤٤٧هـ.

–  معجم الرياض للغة العربية المعاصرة، الرابط الإلكتروني: https://dictionary.ksaa.gov.sa/result/مُنَقْرَش.

ثانيًا- المراجع الإنجليزية

–  Malinowski, Bronislaw. Myth in Primitive Psychology. London: Kegan Paul, 1926.


تجليات الثقافة الشعبية في الرواية العربية

نبيل سليمان – روائي وناقد سوري

منذ فجر الرواية حضرت فيها الحكايات والخرافات والأساطير والمعتقدات والخوارق والأغاني والأمثال. ومن الأمثلة العربية: رواية فرنسيس المراش (1835- 1876م): «در الصَّدف في غرائب الصُّدف» (1872م)، حيث تواترت المفردات والتعابير العامية والأمثال الشعبية والمفصّحة، وكتابة الأصوات. وهو ما سميته بالرطانات الشعبية مقابل الرطانات العالمة أو المتعالية. ومن الثقافة الشعبية في هذه الرواية الرائدة جاءت القدود والأدوار المغناة، كما كان لـ«ألف ليلة وليلة» فعلها السردي بتعبيراته الشهرزادية والسندبادية والبنائية.

خيري شلبي راويًا للخيال الشعبي

لقد تواتر وتعمق حضور الثقافة الشعبية في الرواية العربية بالاطّراد مع تطورها، وبخاصة منذ منتصف القرن الماضي. ولعل خير من يمثّل ذلك هو روايات خيري شلبي (1939- 2011م) جميعًا. فالعم شلبي -كما يناديه عشّاق كتابته- عمل رئيس تحرير مكتبة الدراسات الشعبية التي تصدرها الهيئة العامة لقصور الثقافة في مصر، وخَبِرَ الحياة الشعبية، وأورثنا سبعين كتابًا منها رواياته التي لا مناص لمن يدرس تجليات الثقافة الشعبية في الرواية العربية من العودة إلى أي منها. وحسبي في هذا المقام أن أعود إلى بعضها، ابتداءً برواية «لحس العتب» (1991م).

تمحورت هذه الرواية حول المنضدة (الترابيزة) التي شكّلت إيقاعًا لها. وبلسان الوصّاف الشعبي جسدها الكاتب بكاميرا دقيقة وشمولية ولا تكاد تلتقط الأنفاس. ومن سمات هذا اللسان المبالغة والطرافة والهجانة. ومن ذلك مثلًا أن ما على (الترابيزة) تلال من أشياء تنوء بحملها الجبال، وما يسقط منها لا يمكن لقوة في الأرض أن تكتشف مكان سقوطه. والترابيزة هي الشاهد على سيرة الأسرة الكبيرة وسقوطها من رأس الهرم زمن (العز والنغنغة) إلى القاع، حيث اضطر الأب إلى بيعها، وعند إخراجها بكاها وبكتها الأسرة. ومن قاموس اللسان الشعبي اسم البلدة (الزعاكلة) التي ينتهي اسم من فيها بزعلوك.

من إرث هذا الذي يعرّف بنفسه ابنًا للخيال الشعبي، وللفُلكلور المصري، وهو القائل: «ما أنا إلا حكواتي صريح شرير ومجنون»، من إرثه أيضًا رواية «بغلة العرش» (1995م)، التي قامت على الحكاية الشعبية. فأهل بلدة (سالم) ينتظرون في ليلة القدر كل سنة حضور بغلة العرش من السماء محملةً بالذهب وبرأس قتيل. ومن الحكاية الإطارية تتناسل حكايات الباشمهندس عدلي وماهر وعوني بك وكاملة أيوب.. على النسق الألف ليليّ، وخيري شلبي هو القائل: «ألف ليلة وجهتني للانشغال بالثقافة الشعبية عامة وبدراسة علم الفُلكلور خاصة».

بلسان الوصّاف الشعبي يصف وهدان ابنة عمه صبيحة: «طول بعرض. الوجه فلقة بدر. الصدر رمان. البطن عجين خمران. عود ولا غصن البان، بلطية». وبهذا اللسان تبرق المفردات العامية، ويبرق الشعر الشعبي لفؤاد حداد. ومن هذا البريق ما سيستهل رواية شلبي «زهرة الخشخاش» (2005م)، وعناوين الفصول: (شعللة، زغللة…) والأمثال: (أول ما شطحنا نطحنا، عشم إبليس في الجنة، ياما تحت السواهي دواهي…).

تخييل البادية في الرواية العربية

من مصر أيضًا هي ذي رواية ميرال الطحاوي «نقرات الظباء» (2002م)، تنادي الثقافة الشعبية من البداوة. وأول ذلك تصدير الرواية بهذا (العَلَم) من الشعر الشعبي البدوي: «على صدري حطيت شهايد/ بلا موت يا عَلَمْ). وتتفاعل في الرواية السرود الإخبارية والحكائية للخيل والصيد والقنص والجوارح والقبلية وسيَر الشخصيات من مختلف الأجيال. وعلى العكس من الروايات التي تتجلى فيها الثقافة الشعبية، كمعرض للعجائبي والغرائبي (الأكزوتيكية)، كان تجليها في «نقرات الظباء». كذلك في رواية «الخباء» (1996م)، للكاتبة نفسها. وفي هذه الرواية جاءت عتبات الفصول من الشعر الشعبي البدوي.

ومثل هذا التجلي، غير الأكزوتيكي، كان أيضًا في عدد من الروايات التي نادت البداوة، مثل رواية الكاتبة السورية لينا هويان الحسن «بنات نعش» (2005م)، التي راهنت على الأسطرة كزواج سعدون الأبهر من جنية أو اختفائه في صحراء النفوذ. وللكاتبة رواية «الذئاب لا تنسى» (2015م)، وفيها يتوحد الإنسان مع الطبيعة، فيسكن الروايةَ عواءُ الذئبة التي تفقد وليدها، ولا تنسى من قتله، مثل الراوية التي لا تنسى من قتل شقيقها من المعارضة أثناء الزلزلة السورية (2011م).

للكاتب الليبي أحمد إبراهيم الفقيه (1942- 2019م) روايته «فئران بلا جحور» (2002م)، وهي تصور كفاح البدو في الصحراء عبر الرحيل إلى جندوبة، حيث يلهب الخيالَ السحرُ والأسطورة والخرافة: من مدينة النمال ومستعمرة الجرابيع ونجوم بنات نعش وصراع الذئاب والكلاب و… ومن أنسنة الطبيعة إلى المتناصات الغنائية والشعرية الغزيرة إلى السرد الفجائعي كما في تطيين الأسلاف لباب الحجرة؛ لتصير قبرًا ينقذ من العيش حين لا ردّ ولا صدّ للجدب.

الثقافة الشعبية بين الذاكرة والمقاومة

مثل هذا الحضور الفعال للثقافة الشعبية في الفن الروائي يأتي أيضًا في رواية سحر خليفة «باب الساحة» (1990م)، حيث تعمّق وتألق ما كان من هذا الحضور في الروايتين السابقتين للكاتبة «الصبار» و«عباد الشمس».

تلك هي شخصية الست زكية الملقبة بأم الشباب في زمن الانتفاضة الفلسطينية الأولى في مدينة نابلس، تجسد الشخصية الشعبية المؤمنة العطوف الساذجة الخبيرة الشجاعة الخائفة المعطاءة الصابرة، الحمامة والبومة في آنٍ، الداية (مولّدة الحوامل) والممرضة، وصاحبة اللسان الشعبي، لسان العوام الذي يتّقد بالعامية الفلسطينية، ويلوّن اللغة الروائية إذ يعددها، كأن تصف الست زكية ما طرأ على المرأة الفلسطينية بالانتفاضة: «همها زاد وقلبها انحرق، قولي: الله يكون لها النسوان معين (…) حبل وميلاد ونفاس ورضاعة وغسيل وقَشّ ومسح وطبيخ ونفيخ ونكد الجوز وهم الولاد، وهمّ الشباب المشردين بين الصخر والوغر وزمهرير الشتا وشوك البراري».

في السياق الروائي للانتفاضة، ومن بعد الست زكية، تصير نزهة ذلك اللسان الشعبي السليط والناقد، وهي التكوين البالغ التعقيد ذاته، التي كانت تلقب في المدرسة بالكاسرة لدورها في المظاهرات. لكنها ورثت الدار المشبوهة (دار الدعارة)، كما ستصير دار التجسس. وعلى كل ذلك ينتصر الجذر الإنساني المقاوم في شخصية نزهة.

ليس اللسان الروائي الشعبي السليط والناقد وفقًا على نزهة. فهذا المقاوم الشاب حسام يهجس -وهو في المخبأ فرارًا من ملاحقة الجيش الإسرائيلي- بوصف المكان الذي حشرت فيه الفصائل الفلسطينية ومنظمة التحرير: «كل التنظيمات في هالخزق! هذا الخليط في هذا الخزق. المنظمة بحالها في هذا الخزق».

بالعودة إلى ما تفسح به الحفريات الروائية في التاريخ من تفعيل للثقافة الشعبية، يبدو ما تذخر به رواية «أعدائي» (2000م)، لممدوح عدوان (1941- 2004م)، حيث كان التعويل أكبر على تغريبة بني هلال من كنوز التراث السردي الشعبي. فقد تصدرت الرواية بمقبوس من التغريبة، وكذلك جاءت عتبات الفصول: 2، 7، 18، 21، 31، 33. وتبدت في الرواية بقوة الشفاهية كوسمٍ للحوار، وكطاقة متجددة للقول وشحنه بما هو مصيري. أما المفردات والتعبيرات المتعلقة بالحاجات الجسدية الجنسية والغذائية، فقد أقبل عليها اللسان الشعبي كلما اقتضى المقام.

على نحو مضاعف جاءت رواية ثائر تركي الزعزوع «السلطان يوسف» (1999م). وقد حدد الكاتب مظانّ بحثه من أجل المادة التاريخية في مراجع من التاريخ الشعبي لمنطقة نهر الفرات في سوريا، يضاف إليها المصادر الشعبية الشفوية الشحيحة في فضاء الرواية في منطقة البوكمال على الحدود السورية العراقية. وعلى الرغم من هذا التوثيق، فيؤكد الكاتب في ختام الرواية أنها (خيال). وكان الكاتب قد أصدر من قبلُ رواية «رحلة زاعم» (1997م)، حيث تألق فيها استثمار الأسطورة والخوارق في السرديات الشعبية الشفوية، ولا سيما الديني منها.

وسيترجّع من هذه الرواية أسلوب بناء الشخصية في رواية «السلطان يوسف» منذ طفولته التي قيل فيها: إن لسان هذا الطفل ينطق بالعجائب، وهو القول الذي سيقال مثله في أثناء انخراط السلطان يوسف في الكفاح ضد الاستعمار الفرنسي في غوطة دمشق: «قد وضع الله فيك سرًّا نعجز عن فهمه. أنت تشبهنا ولا تشبهنا، ولهذا فأنت ترى ما لا نراه». وكان السلطان يوسف قد تخفى في شق من البلدة خلّفه زلزال، وذلك حين كان الأتراك لا يزالون مسيطرين على البلاد.

اتقد الشعبي في الرواية في الغناء والتطبيب الجسدي والنفسي، وفي أنسنة الطبيعة والوشاح الصوفي. وإذا كان ذلك قد لوّن اللغة الروائية، فقد كان هذا الإنجاز أكبر في رواية الكاتب السابقة «رحلة زاعم».

من الحكاية والأسطورة إلى الغناء

يبلغ التخييل الشعبي مبلغًا كبيرًا في رواية الإماراتية سارة الجروان «عذراء وولي وساحر» (2011م)، وذلك باستلهام «ألف ليلة وليلة». فمن تناسل الحكايات تأتي حكاية السلطان قارون وبنته الأميرة تناهيد، وحكاية العم شاكيل، وحكاية عز الجلال، وحكاية زواج تناهيد وعمر… وفي «ليلة الأساطير الكبرى» تستدعي تناهيد -بعد انزواء عمر عنها- كل من يمكن أن يقص عليها قصصًا غرائبية، لم يسبق أن سمعتها أو قرأت عنها في كتاب. ولأجل ذلك أحضر لها مسعود تسعة رجال وخمس نساء ادّعوا أنهم حكّاؤون لقصص لم يسبقهم إليها أحد. لكن الأميرة تناهيد لا تريد قصة هاروت وماروت ولا قصة الغول ذي الرؤوس السبعة؛ لذلك أسكتت الحكّائين إلا آخرهم شلعم الذي لا يحمل في جَعْبتِه سوى قصص وحكايات. والرواية في ذلك جعلت من شهرزاد ذكرًا.

أما الرواية التي أحسب أنها قد بلغت ما لم يبلغه سواها في سوريا من تفعيل الثقافة الشعبية فهي رواية «مفترق المطر» (1983م) ليوسف المحمود (1921- 2013م). وكان الطيب صالح قد عدّها رواية عالمية (مجلة صباح الخير القاهرية 2012/ 1986م)، وتشتبك السيرة الفردية بالسيرة المجتمعية في هذه الرواية، في منطقة الدريكيش الريفية السورية، وفي النصف الأول من القرن العشرين. وقد تدفقت في الرواية المتناصات الشعبية الشعرية والغنائية، وكثير منها ما هو للكاتب نفسه، وليس من المرويات الفُلكلورية. ولعله ليس من المبالغة إذا ما تحدث المرء عن الملحمية في «مفترق المطر» لما نبض فيها من الروح الجماعية، ومن حضور الحيوانات في حياة البشر، ومن اعتماد المشهديات في البناء الروائي.

تلك كانت رسوم الثقافة الشعبية في عدد من الروايات العربية، وهي غيض من فيض تكتنزه الرواية العربية عقدًا فجيلًا، منسوبًا إلى الرسوم التي باتت للثقافة الشعبية في زمن العولمة والرقمنة، وفي روايات ما بعد الاستعمار.


الحكايات التي تنجو:

الثقافة الشعبية في آداب العالم المعاصر

ندى حطيط – كاتبة لبنانية

تعود الثقافة الشعبية اليوم إلى قلب الحدث الثقافي العالمي محمّلة بطاقة تتجاوز وظيفتها القديمة في التسلية وتوارث الخبرات؛ إذ تبدو في قراءات الباحثين والنقاد المعاصرين بنية رمزية قادرةً على حمل أسئلة تستعصي على اللغة التحليلية المباشرة، من قلق الجماعات الصغيرة أمام جبروت العولمة، إلى ذاكرة المهاجرين، ومن علاقة الإنسان بالطبيعة والكائنات الخفية، إلى أسئلة الجسد والهوية والنجاة. ولهذا صارت الثقافة الشعبية، بما تشمله من ملاحم وحكايات وأساطير وخرافات وأمثال وطقوس وأغانٍ ورقص ومعتقدات شعبية، مجالًا مفتوحًا لفهم الطريقة التي تحفظ بها المجتمعات صورها العميقة عن نفسها، وتعيد نثرها عبر الزمن في صيغٍ جديدة، داخل الرواية، والشعر، والفن البصري، والسينما، والدراسات الثقافية.

تغدو الثقافة الشعبية، من هذا المنظور، أداةً من أدوات المعرفة بالعالم؛ معرفة تتولد من الخبرة اليومية، ومن الهواجس والخوف، ومن الحاجة إلى التفسير، ومن الرغبة في منح الفوضى شكلًا قابلًا للسرد. ولذلك يجد فيه النقد الثقافي المعاصر وسيلة لقراءة الواقع خارج الخطابات الرسمية، أو المتواري تحت سطحها، حيث تتكلم الجماعات بلغتها غير المؤسسية عن الفقد، والخصوبة، والمرض، والعدالة، والعقاب، والحب، والانتقام.

راهنية الفُلكلور المعاصر

تمنح مارينا وورنر، إحدى أبرز دارسات الأسطورة والحكاية الخرافية في الثقافة البريطانية، هذا الحقل بعدًا أخلاقيًّا وسياسيًّا واضحًا في كتابها «Sanctuary: Ways of Telling, Ways of Dwelling»، «الملاذ: طرق السرد، طرق السكن» فتربط بين الحكاية والملاذ، وبين السرد وحق الإنسان في السكن والحماية والانتماء، فتتجاوز الأسطورة موضع الزينة التخييلية المعلّقة خارج التاريخ؛ لتتحول إلى شكل من أشكال السكن الرمزي، يتيح للمهاجر واللاجئ والغريب أن يحمل وطنًا لغويًّا معه، ويستعيد نفسه عبر الحكايات والأمثال والأغاني والرموز التي سبقت جواز السفر وأوراق الإقامة. ومن هنا تتأتى راهنية الفُلكلور في زمن النزوح الكبير؛ إذ تتحول الحكاية إلى بيتٍ مؤقت، وإلى مساحةٍ يتبادل فيها الغرباء أشكالًا من الاعتراف والضيافة.

أما الباحث والناقد الأميركي جاك زايبس، أحد أبرز دارسي الحكايات الخرافية في العالم، فيدفع الفُلكلور نحو أفق صراعيٍّ أكثر حدّة، خصوصًا في كتابه الحديث «Once Upon a Time There Was Truth: Or, Why We Need Fairy Tales»، «في قديم الزمان كانت الحقيقة: أو لماذا نحتاج إلى الحكايات الخرافية»، حيث يرى أن الحكايات الخرافية قادرةٌ على قول الحقيقة في وجه السلطة، وعلى فتح مجالٍ تخييليٍّ للرفض والأمل وتحدي السرديات المهيمنة. ولذلك فإن الحكايات عنده مثل «هانسل وغريتل» و«ذات الرداء الأحمر» و«رامبلستلتسكين» هي نصوص اجتماعية وسياسية بقدر حضورها في عالم الطفولة؛ لأنها تختزن خوف الفقراء من الجوع، ورغبة الضعفاء في العدالة، وصراع الصغار مع عالمٍ محكومٍ بالقسوة والمكر والامتحان.

وتقترب ماريا تاتار، أستاذة الفُلكلور والميثولوجيا والأدب الألماني في جامعة هارفرد، من الحكاية الشعبية عبر سؤال التحول وإعادة الاختراع، فهي تنظر إلى الحكايات الخرافية بوصفها نصوصًا عابرةً للأجيال، يتغير معناها كلما تغير قارئها وراويها وسياقها. ومن خلال قراءاتها للميراث الحكائي الذي جمعه ودوّنه الأخوان ياكوب وفيلهلم غريم في ألمانيا، ولصور البطلات في الحكايات والأساطير، ولعلاقة الطفولة بالسرد، تكشف تاتار أن قوة الحكاية الشعبية تكمن في قدرتها على الانتقال من الأفواه إلى الكتاب، ومن غرف السمر والطفولة إلى الجامعة، ومن العبرة الأخلاقية إلى القراءة النسوية، ومن الخوف الطفولي إلى التفكير التحليلي في السلطة والجسد والعائلة.

تمنح مبادرة «المسح القومي للفُلكلور الإنجليزي»، التي يقودها ديفيد كلارك بمشاركة باحثين مثل ديان رودغرز وسيري هولبروك وأوين ديفيز، دليلًا حديثًا على أن الفُلكلور صار سؤالًا اجتماعيًّا حاضرًا في المجتمعات الغربية. فالمشروع الذي يمتد بين 2025م و2026م يسعى إلى التقاط صورة دقيقة للفُلكلور في إنجلترا متعددة الثقافات، في لحظة تشعر فيها جماعات كثيرة باضطراب في معنى الهوية والانتماء بعد بريكست وجائحة كورونا وتحوّلات الذاكرة الإمبراطورية، فيحضر التراث الشعبي في العادات والخرافات والمعتقدات المحلية والاحتفالات والقصص المتوارثة بوصفه خريطةً وجدانيةً تكشف علاقة الناس بالمكان، وبالخوف، وبالموت، وبالأجيال التي سبقتهم.

وتصل راهنية الفُلكلور اليوم إلى فضاء الدراسات الرقمية، حيث يبحث أكاديميون من جامعة إدنبرة (جولي-آن ميني وبياتريس أليكس ووليام لامب) في قدرة نماذج اللغة الكبيرة على تمثيل الحكايات الشعبية في اللغات قليلة الموارد، ولا سيما الأيرلندية، والغيلية الأسكتلندية. وتطرح هذه الأبحاث تساؤلات مستحقة شديدة الحداثة حول قدرة الذكاء الاصطناعي على فهم الذاكرة الشفوية، والرموز المحلية، والحكايات التي عاشت طويلًا في لغات هامشية قياسًا إلى اللغات المهيمنة. وبذلك ينتقل الفُلكلور من رفوف الأرشيف إلى لجة الجدل حول العدالة المعرفية في العصر الرقمي، وحول مصير الذاكرة المحلية الصغيرة حين تدخل إلى منظومات رقمية كبرى تتولى مهمات التصنيف والترجمة والتوليد.

إن الفُلكلور في نظر هؤلاء الباحثين والنقاد المعاصرين حقل حيّ تتقاطع فيه الحكاية مع السياسة، والذاكرة مع المنفى، والطفولة مع الخوف، والأسطورة مع التقنية، ما يمنح الثقافة المعاصرة قدرةً على الإصغاء إلى المحفوظ في ذاكرة الجماعات عبر صور مكثفة: الغابة، والتنين، والجنية، والساحرة، والبيت المسحور، والطفل الضائع، والمرأة الغريبة، والكائن الذي يقيم بين عالمين، وكلها رموز تعود إلى مكانة مركزية في آداب العالم اليوم حاملةً أسئلة الإنسان الأولى داخل أشكال قادرة على التبدل، وإطلاق الذاكرة القديمة في أشكال سردية معاصرة، وإعادة ترتيب خراب العالم وفوضاه في هيئة حكاية قادرة على النجاة.

الذهاب إلى الحكاية الشعبية

حين يذهب الكاتب المعاصر إلى الحكاية الشعبية، فهو كمن يذهب إلى عين قديمة ما زالت تحتفظ بمائها؛ لأن الفُلكلور يمنحه ما هو أكثر من زخرف تراثيٍّ يضيف إلى النص مسحةً غرائبية؛ إذ يفتح أمامه نظامًا كاملًا من الصور والرموز والكائنات والعتبات، ويتيح له أن يكتب عن العنف، والحب، والخسارة، والهجرة، والجسد، والمرض، والذاكرة، من داخل أشكال سردية عاشت طويلًا قبل الرواية الحديثة، ثم وجدت في الأدب والفن والسينما وسائل جديدة؛ كي تواصل تحولها وتعيد ترتيب أشواق البشرية وهواجسها في هيئة حكاية قابلة لأن تُروى من جديد.

في شهادات كتّاب وفنانين عالميين خلال الأعوام الأخيرة، يحضر الفُلكلور مادة حية تتغير مع كل استخدام. فالحكايات التي عاشت في البيوت والقرى والمدن واللغات المحلية صارت تَعْبُرُ اليوم إلى الرواية، والمذكرات، والفن البصري، والمسرح، والموسيقا، محمَّلةً بأسئلة عن معنى الانتماء، وحدود الهوية، ومصير الذاكرة في عالم يتحرك بسرعة تفوق أحيانًا قدرة الإنسان على الفهم. وهكذا تتسع الحكاية الشعبية كي تصبح طريقةً في التفكير، وشكلًا من أشكال مقاومة النسيان، ووسيلةً لمنح التجربة الفردية جذورًا تمتد في تربة أوسع من سيرة صاحبها.

يقدم الروائي الإنجليزي آلان غارنر نموذجًا بالغ الخصوصية لعلاقة الكاتب بالأسطورة المحلية، فقد جعل من منطقة «ألدرلي إدج» في تشيشاير مركزًا خفيًّا لعالمه الروائي، واستند إلى الحكايات التي سمعها في طفولته عن الفرسان النائمين تحت الأرض، وعن الأحجار والأنفاق والمرتفعات، ثم حوّل هذا الميراث المحلي إلى أدبٍ يتداخل فيه الزمن الجيولوجي بالأسطورة والطفولة والمعرفة الأثرية. وتبدو أعماله، من «The Weirdstone of Brisingamen» «حجر بريسينغامين الغريب» إلى «Treacle Walker»، مشغولة بسؤال الزمن العميق، وبالصلات التي تربط الإنسان بالأرض التي يقيم فوقها، وبالأصوات التي تخرج من المكان حين يصغي إليها الكاتب بما يكفي من الصبر.

تكمن أهمية غارنر في أنه يتعامل مع الفُلكلور بوصفه طبقةً من طبقات المكان، مثل الصخور والجذور والعظام واللهجة المحلية. فهو يضع الأسطورة في صميم المشهد الروائي، ويستخرجها من داخله، من حكاية الجد، ومن الطريق الترابي، ومن الحرف القديمة، ومن الذاكرة العائلية، فكأن الكتابة عنده ضربٌ من التنقيب، حيث البحث في طبقات المكان عن حكاية تسبق الفرد وتستمر بعده. وحين يدخل القارئ إلى عالمه، يشعر أن الأسطورة عومٌ أعمق في مادة الواقع، وفي تاريخه، وفي الأصوات التي ظلت كامنةً تحت سطحه.

وتنقل جامي ناكامورا لين، وهي كاتبة أميركية تستند إلى ميراثٍ ياباني وتايواني وأوكيناوي، الفُلكلورَ إلى مساحةٍ شخصية شديدة الحساسية، في كتابها  «The Night Parade» «العرض الليلي»، وهو نص يمزج المذكرات بالتأمل والغرائبي، وتستدعي فيه كائناتٍ من الفُلكلور الياباني والتايواني والأوكيناوي، خصوصًا اليوكاي؛ كي تواجه المرض، والحزن، والصحة النفسية، والأمومة، وفقد الأب. تصبح المخلوقات العجيبة في هذا العمل مرايا للداخل الإنساني، فهي تساعد الكاتبة على تسمية مشاعر معقدة يصعب القبض عليها بلغة الاعتراف المباشر، وتمنحها فرصة للحديث عن الهشاشة من داخل عالم رمزيٍّ أكثر رحابةً من السيرة التقليدية.

في تجربة لين، تعود الوحوش كي تساعد القارئ على رؤية ما يسكنه من ارتباك، ورغبة، وغضب، وحداد، فاليوكاي كائناتٌ تقيم بين المرئي واللامرئي، بين العالم الطبيعي والعالم الروحي، وهذا الموقع الحدّي يجعلها مناسبةً للكتابة عن الفقد؛ لأن الحداد نفسه إقامةٌ بين عالمين، عالم من رحلوا وعالم من يواصلون العيش، وهكذا يتحول الفُلكلور إلى لغة علاجية وجمالية في آنٍ واحد، تمنح الذات وسيلةً كي تهدّئ اضطرابها الداخلي، وتحوّل أشباح العتمة إلى صور قابلة للتأمل.

تقدم الكاتبة الأميركية-البريطانية فرانشيسكا سايمون في «Salka: Lady of the Lake» «سالكا: سيدة البحيرة»، مثالًا على قدرة الحكاية القديمة على العبور الرشيق بين الفنون، فتستعيد أسطورةً ويلزيةً عن جنية بحيرة تتزوج راعيًا بشروط دقيقة تربط عالم البشر بعالم الجنيات. العمل في الأصل كان قد بدأ بوصفه عملًا موسيقيًّا غنائيًّا قبل أن يتحول إلى نوفيلّا -رواية قصيرة- متعددة الأصوات، وهذا المسار يكشف مرونة الفُلكلور وقدرته على الانتقال من الغناء إلى السرد، ومن الأسطورة المحلية إلى النص الأدبي الحديث، ومن الحكاية الرومانسية إلى تأملٍ في الغربة والاختلاف وشروط العيش بين عالمين.

تصلح شخصية «سلكا» لقراءة صورة المرأة الغريبة في الفُلكلور، فهي تأتي من عالم الماء والجنيات إلى عالم البشر، وتحمل معها نظامًا مختلفًا للحب والكرامة والحدود، وحين تدخل الجماعة البشرية، تبدأ الحكاية في اختبار قدرة المجتمع على استقبال الآخر المختلف. المرأة الآتية من البحيرة تصبح صورةً للكائن الذي يجذب ويخيف في الوقت نفسه، ويضع البشر أمام سؤال الضيافة والرغبة والسيطرة، ومن هنا تستعيد سايمون الأسطورة الويلزية بوصفها دراما عن العلاقة بين العالمين، وعن الثمن الذي يدفعه المختلف حين يقبل بتجاوز العتبة.

تستعين ديردرا سوليفان بفُلكلور بلادها أيرلندا من باب نسويٍّ، خصوصًا في علاقتها بحكايات الجنيات والأساطير القديمة، وفي إعادة قراءتها لقصة «أطفال لير» في «Savage Her Reply»، «ردها قاسٍ»، حيث تنتقل الحكاية من زاوية الضحية الصامتة أو الساحرة الشريرة إلى منطقة أكثر تعقيدًا، تسمح للشخصية التي حاصرتها الرواية القديمة بأن تروي أسبابها وغضبها وارتباكها؛ ليصبح الفُلكلور مادة لإعادة توزيع الصوت داخل الحكاية العتيقة، ووسيلةً لإطلاق العنان أمام الشخصيات التي أبقاها السرد القديم في الظل.

تنبع أهمية هذا المسار من قدرته على مساءلة الحكاية من الداخل، فالأسطورة التي حفظت الجماعة صورتها عن الخير والشر والبراءة والعقاب تحمل في باطنها آثار السلطة التي رتبت الأدوار ومنحت الكلام لشخصياتٍ وحرمت أخرى منه. وحين تعود الكاتبة المعاصرة إلى تلك المادة، فهي تمنحها بنية مختلفةً تسمح للشخصية المهمشة بأن تصبح مركز الحكاية، وبذلك يتحول استدعاء الفُلكلور إلى مساحة نقدية تجدد النظر في قضايا الجندر، والسلطة العائلية، والخوف من المرأة التي تملك معرفةً أو غضبًا أو رغبةً في تقرير مصيرها.

تفتح صوفي أندرسون، الكاتبة الويلزية التي تستلهم الحكايات السلافية التي روتها لها جدتها البروسية، بابًا آخر أمام هذا الجدل من خلال عودتها إلى موروث «بابا ياغا» في الفُلكلور السلافي، خصوصًا في «The House with Chicken Legs» «البيت ذو أرجل الدجاج» وما تلاه من أعمال تعيد تخيّل البيت ذي الأرجل، والمرأة العجوز التي تقيم قرب حدود الحياة والموت، والطفلة التي تجد نفسها وريثةً لدورٍ أكبر من رغبتها الشخصية. في هذا العالم، تتحول «بابا ياغا» من رمز مخيف في الحكاية الشعبية إلى شخصية مركبة تقف بين الرعاية والرهبة، وبين الحكمة والوحشة، وبين خدمة الموتى وحماية الأحياء.

تستثمر أندرسون هذا الموروث؛ كي تكتب عن المصير والحرية والطفولة، فالبيت الذي يمشي فوق أرجل دجاجة يبدو للوهلة الأولى صورة عجائبية مدهشة، لكنه يتحول داخل النص إلى استعارة عن العائلة المتحركة، وعن البيت الذي يحمل صاحبه بدلًا من أن يثبت في مكان واحد، وعن الطفل الذي يرث حكاية كبرى قبل أن يعرف ما يريد أن يكونه. وتكشف هذه التجربة أن أدب الفتيان والفتيات، حين يعود إلى الفُلكلور، يستطيع أن يطرح أسئلة وجودية حادة بلغة شفافة وقادرة على الوصول إلى قراء من أعمار مختلفة.

وتستدعي أعمال أندرسون أيضًا سؤال العتبة، وهو سؤالٌ مركزيٌّ في الحكايات الشعبية، حيث يقف البطل أو الطفلة أو الكائن الغريب بين عالمين، عالم مألوف تحكمه الأسرة والبيت والواجب، وعالم آخر تحكمه الأرواح والموتى والوعود القديمة. ومن خلال هذه العتبة تكتسب الحكاية بعدها الإنساني؛ لأن الطفل الذي يعبرها يتعلم أن الهوية ليست معطى جاهزًا، بل اختبارٌ طويلٌ بين الخوف والرغبة، وبين ما يرثه الإنسان وما يختاره لنفسه.

تتسع المسألة مع الكاتبة والأكاديمية الإنجليزية كاثرين راندل في«Impossible Creatures»، «مخلوقات مستحيلة»، حيث يظهر العالم الأسطوري بوصفه أفقًا جديدًا للتفكير في الخيال والطبيعة والمسؤولية. المخلوقات العجيبة، من التنين إلى الكائنات النادرة المهددة بالاختفاء، تتحول في الرواية إلى علامات على جمال العالم وهشاشته في آنٍ واحد، مستعيدةً طاقة الحكايات القديمة التي تجعل الطفل مكلفًا بعبور الحدود بين المرئي والمستحيل، وبين المعرفة والدهشة، وبين المغامرة والسؤال الأخلاقي. وهكذا يغدو الفُلكلور قريبًا من الوعي البيئي؛ لأن إنقاذ الكائن الأسطوري يشبه إنقاذ علاقة الإنسان بالطبيعة التي فقد قدرته على الإصغاء إليها.

طاقة الفُلكلور المتجددة

إن هذه العودة إلى المخلوقات العجائبية في أدب اليافعين دلالة على امتلاك الفُلكلور طاقة تربوية عميقة دون الوقوع في فخ الوعظ المباشر؛ إذ يفتح بابًا من الخيال نحو التعاطف مع الضعيف والمهدد والمنسي، ويعلّم القارئ الشاب كم هو العالم أوسع من نسخه الواقعية الضيقة، وأن الكائن الغريب يستحق الحماية قبل التصنيف. ولذلك تبدو الروايات التي تستثمر التنين، والوحش، والبيت المتحرك، والجنية، والرياح المسماة، وكأنها تدافع عن حق الإنسان في الدهشة، وعن حق الطبيعة في أن تبقى كائنًا شريكًا في المعنى.

وتمنح أعمال الكاتبة الإنجليزية سارة هول، المتجذرة كتابتها في طبيعة كمبريا وذاكرتها المحلية، مثالًا لافتًا على ارتباط الفُلكلور بالمكان والطبقة والطبيعة. شمال إنجلترا في نصوصها مساحةٌ تنطق بالرياح، والمرتفعات، والقرى، والحدود الطبقية، والفنون اليدوية، والطقوس التي تنمو حول الأشياء الصغيرة، وفي روايتها «Helm» يصبح الطقس نفسه شخصية روائية، وتتحول الطبيعة إلى قوة أسطورية تحاور البشر وتضغط على مصايرهم، وبذلك ينتقل الفُلكلور من الحكاية المروية إلى الإحساس المادي بالمكان، ويعيش التراث الشعبي في الحقول والطرق والأحجار والبيوت، كما يعيش في الكلمات والأغاني والأمثال.

ومن خلال هذا الاشتغال، يظهر الفُلكلور كمعرفة طبقية وبيئية أيضًا؛ لأنه يحفظ أثر الجماعات التي عاشت خارج مركز الثقافة الرسمية، وتركَت خبرتها في الحرف والملابس والألحفة والوشم والأدوات والمواسم والعادات، وهي عناصر تبدو بسيطةً في ظاهرها، لكنها تحمل تاريخًا طويلًا من العلاقة بين اليد والعمل والطبيعة. من هذا المنظور تكتسب الكتابة التي تعود إلى هذه الذاكرات قيمتها في السياق المعاصر؛ لأنها تعيد الاعتبار إلى فنون شعبية وخبرات محلية بقيت طويلًا على هامش المؤسسة الأدبية، وتحوّلها إلى مصدر جماليّ ومعرفيّ يربط الجسد بالمكان، والمكان بالطبقة، والطبقة بطريقة متفردة في رؤية العالم.

إن أي قراءة في كتابات تنهل من الفُلكلور الأورُبي والآسيوي والسلافي، تظهر الوحوش بوصفها مرايا قديمةً لهواجس الجماعة، فالكائن المخيف في الحكاية الشعبية يحمل أكثر من وجه، وقد يكون صورةً للوباء، أو الجوع، أو الرغبة الممنوعة، أو الفرد الذي تخافه الجماعة لأنها تعجز عن إدخاله في نظامها الأخلاقي. وعندما يستعيده الكاتب المعاصر، يستطيع أن يقلب زاوية النظر، فيرى القارئ أن الخرافة القديمة كانت تتكلم عن خوف المجتمع بقدر ما تتكلم عن خوف الإنسان من الوحش، وأن الرعب الحقيقي يسكن أحيانًا في الجماعة التي تصنع الوحش؛ كي تسوِّغ قسوتها.

وتتجلى مرونة الفُلكلور أيضًا في عودة كتّاب معاصرين إلى حكايات التنين والبطل والقرية المهددة، وهي عناصر راسخة في أكثر من مخيال ثقافي، وتتكرر بصور مختلفة في أماكن متعددة، وتملك قوةً خاصةً؛ لأنها تتحرر من فكرة الملكية الفردية للنص، فالتنين والبطل والفتاة والغابة والامتحان عناصر تنتقل بين الجماعات، وتتبدل أسماؤها ولهجاتها وغاياتها، كأن الحكاية تعلن أن قوتها كامنةٌ في قابليتها للتداول، وفي قدرة كل راوٍ على جعلها تخصه من جديد، من غير أن يقطع صلتها بأصلها المشترك.

هذه العودة تطرح سؤالًا معاصرًا حول ملكية الخيال، ففي زمن الامتيازات التجارية والعوالم السردية المغلقة وحقوق الملكية الصارمة، يعيد الفُلكلور التذكير بزمنٍ كانت فيه الحكاية ملكًا جماعيًّا، تنتقل من فمٍ إلى فم، ومن لغة إلى لغة، وتنمو كلما استخدمها أحد. ويستطيع الكاتب المعاصر، وهو يعود إلى التنين أو الغابة أو البطل الشعبي، أن يكون درجةً أخرى في سلسلة طويلة من الرواة، حيث تمنح الحكاية نفسها لمن يعرف كيف يصغي إليها، ثم يردها إلى العالم وقد تغيرت بفعل زمنه وخبرته وخوفه الشخصي.

وتفتح تجربة مارينا وورنر، الكاتبة والباحثة البريطانية البارزة في الأسطورة والحكايات الخرافية، في معرض «مأوى القصص: طرق السرد، طرق السكن» «The Shelter of Stories: Ways of Telling, Ways of Dwelling”، بابًا واسعًا لإدخال الفنون البصرية في هذا الفضاء. فالفُلكلور عندها يغادر حدود الصفحة إلى القناع، والدمية، واللوحة، والمنحوتة، والظل، والقطعة الطقسية، والشيء اليومي وقد اكتسب معنًى جماعيًّا عبر الاستخدام والتكرار. معرضها الذي ضمّ أعمالًا لفنانين مثل باولا ريغو، وكيكي سميث، وينكا شونيبار، إلى جانب مواد تاريخية ومتحفية، يؤكد أن الحكاية الشعبية قادرةٌ على العيش في الصورة والملمس والحركة كما تعيش في اللغة. وفي هذا الانتقال من النص إلى الصورة، تتسع وظيفة الفُلكلور داخل الفن المعاصر، فالساحرة قد تتحول إلى جسدٍ يسترد قوته، والجنيّة إلى سؤال عن المرأة والآخر، والقناع إلى ذاكرة طقسية للانتماء، والدمية إلى وسيط بين الطفولة والرعب، والحكاية إلى طريقة لبناء ملاذٍ رمزيّ في وجه العنف والمنفى. إن تقاطع الأدب بالفن البصري عند نقطة واحدة يؤكد الحاجة إلى أشكال قديمة تستطيع حمل جراح حديثة، وتمنح الجماعات والأفراد طريقةً لتجاوز التجربة عبر تحويلها إلى صورة قابلة للمشاركة.

حيوات متعددة للحكاية

تكشف هذه الأمثلة مجتمعةً أن الفُلكلور المعاصر يتحرك بين وسائط كثيرة؛ فهو يبدأ حكايةً شفويةً، ثم يصبح روايةً، أو مذكراتٍ غرائبيةً، أو نوفيلّا موسيقية الأصل، أو نصًّا موجهًا إلى اليافعين، أو معرضًا بصريًّا، أو عملًا سينمائيًّا قابلًا للتطور، وكل انتقالٍ يمنحه جسدًا جديدًا مع حفاظه على صلته بالذاكرة الأولى؛ لذلك تتجدد الحكاية الشعبية في كل وسيط لأنها تحمل بنيةً مرنةً؛ فيها العتبة، والامتحان، والكائن الغريب، والرحلة، والفقد، والعودة. وهذه البنية تمنح الفنان فرصةً لإعادة ترتيب علاقته بالعالم من خلال صورٍ يعرفها القارئ مسبقًا، لكنه يراها في كل مرة كأنها تولد أمامه.

وتبدو هذه العودة مرتبطةً أيضًا بتعب عالميٍّ من اللغة المباشرة، فالكوارث المعاصرة، من الحروب إلى النزوح، ومن الفقد العائلي إلى أزمة المناخ، تحتاج أحيانًا إلى مجاز أوسع من التقرير، وإلى شكل سرديٍّ يسمح للإنسان بأن يقترب من الألم من دون أن يحترق به. وينجح الفُلكلور في منح الأدب والفن تلك المساحة الثالثة بين الواقعي والرمزي، حيث يمكن للريح أن تتكلم، وللبيت أن يمشي، وللجنية أن تكشف حدود الجماعة، وللوحش أن يصبح شاهدًا على خوف البشر من أنفسهم.

تظهر عودة الفُلكلور إلى آداب العالم وفنونه المعاصرة استعانة الكتّاب والفنانين بالحكايات القديمة بوصفها أدوات حديثة للفهم والتأويل، فعند آلان غارنر تتكلم الأرض بصوت الأسطورة، وعند جامي ناكامورا لين تصبح الكائنات العجائبية لغةً للفقد والمرض، وعند فرانشيسكا سايمون تتحول الجنية الويلزية إلى صورةٍ للمرأة العابرة بين عالمين، وعند ديردرا سوليفان تصبح الحكاية الأيرلندية مساحةً لمنح الصوت لمن ظلّ في الهامش، وعند صوفي أندرسون تتحول بابا ياغا إلى سؤالٍ عن المصير والطفولة والعبور، وعند سارة هول يصبح المكان نفسه كائنًا أسطوريًّا، وعند كاثرين راندل تتخذ المخلوقات العجيبة معنًى بيئيًّا، وعند مارينا وورنر يتحول السرد إلى ملاذ بصريٍّ وجماعي.

في دخوله إلى صميم الإنتاج الأدبي المعاصر، يَهْدُرُ الفُلكلور كقوة خلّاقة تعيد توزيع الذاكرة على الحاضر، وتمنح المبدع مادة تستطيع حمل الأسئلة الكبرى من دون أن تفقد قدرتها على السحر. فالإنسان الذي ابتكر الغابة، والتنين، والجنية، والساحرة، والبيت المسحور، والطفل الضائع، والمرأة الغريبة، والكائن الذي يقيم بين عالمين، كان يحاول أن يمنح خوفه شكلًا، ويجعل من المجهول قابلًا للحكي، وهذا ما يفعله الأدب والفن حين يعودان إلى الفُلكلور: يأخذان الفوضى القديمة للعالم، ويرتبانها في صور جديدة تسمح للحكاية بأن تنجو، وللماضي بأن ينطق متحدثًا باسم الحاضر.


الثقافة الشعبية في زمن الهويات السائلة

سعود الصاعدي – أكاديمي سعودي

تمثّل الثقافة الشعبية العقل الباطن لكل مجتمع؛ فهي بلهجاتها وحكاياتها وأساطيرها وفُلكلورها ذاكرة الثقافة من جهة، وبنيتها العميقة من جهة أخرى. فهي بهذا الاعتبار مكوّن للهوية التي تمنح كل مجتمع وكل ثقافة خصوصيتهما، وتماسكهما من الداخل.

في هذا السياق، يرى اللسانيون أن أية لغة لا تملك مخزونًا من اللهجات فهي قريبة من الموت والفناء، وكذلك الأمر فيما يخص الثقافة؛ إذ لا تواجه الثقافةُ العالمَ الآخر ولا تفرض خصوصيتها وقدرتها على التماسك في أثناء المثاقفة إلا من طريق الثقافة الشعبية، غير أن مفهوم الثقافة الشعبية هنا أوسع مما يعتقده من يقصرونه على الشعر المحكي أو اللهجات، فهي ثقافة ممتدة في بنية المجتمع، وفي ذاكرته، من خلال لهجاته وحكاياته وأساطيره وفُلكلورياته وأعرافه وتقاليده التي صاغتها تجربته في الحياة. ومن هنا، فإن أول الأسئلة الجديدة التي يمكن أن تطرحها لنا الثقافة الشعبية هو سؤال الأنثروبولوجيا، أي كيف نصوغ السؤال المعرفي للثقافة الشعبية داخل المتن العلمي والثقافي بعيدًا من تبسيطه في صيغة سؤال لا يتقاطع إلا مع ذاكرة الشعر أو اللهجة فقط؟

ثمة أسئلة أخرى تتعلق بالمخزون الثقافي والرمزي وتوظيفه في الفن والأدب، وإعادة بناء الذات حضاريًّا وثقافيًّا من هذه المكونات التي تمنح الثقافة خصوصيتها وتحافظ على الهوية الراسخة في جذور المكان والزمان، أي الجغرافيا والتاريخ.

ونحن، اليوم، نعيش في ظل رؤية المملكة 2030 بوعي ثقافي جديد، يؤمن بالانفتاح مع تعميق النظر في مكتسباتنا وتراثنا الثقافي والشعبي، وهو وعي حضاري بضرورة صناعة الذات من الداخل. وقد جاء تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية، في عام ٢٠٢٦م، تحقيقًا لهذه الغاية في تعميق الثقافة السعودية ودراسة المجتمع السعودي في بعده الثقافي والحضاري.

ومما يمكن التنويه به في نهاية المطاف أن ثمة عودة إلى تراثنا الشعبي من قبل وزارة الثقافة بقصد دراسته وترحيله من الهامش إلى المتن؛ لبنائه من جديد في ضوء أسئلة العصر الجديدة التي باتت مُلِحّة للإجابة عن كيفية مواجهة المدّ الثقافي العالمي في عصر ما بعد الحداثة والهويات السائلة.

وأظن أن أبرز الأسئلة في هذا السياق، غير ما ذكر آنفًا، هو: كيف نستدعي ثقافتنا الشعبية ونعيد تدويرها في العالم الرقمي والافتراضي بصياغة مختلفة غير الصياغة التقليدية؟ وكيف نستفيد من المعطيات التقنية بما في ذلك الذكاء الاصطناعي في نمذجة ذاكرتنا الشعبية بمختلف مجالاتها الشفاهية والكتابية؟

الثقافة الشعبية: أثرها في تعميق الهوية الوطنية

مريم خلف العتيبي – أكاديمية سعودية

تشير الثقافة الشعبية إلى الأفكار والممارسات والتقاليد والفنون السائدة في مجتمع ما، ويتوارثها أفراده عبر الأجيال، وتشكل جزءًا من هويتهم الجماعية وحياتهم اليومية. وتمتد الثقافة الشعبية، بصفتها مركبًا اجتماعيًّا، لتشمل: الحكايات الشعبية، والأمثال، والأغاني والرقصات التراثية، والطقوس الاجتماعية، وغيرها من أشكال التعبير التي تعكس تاريخ المجتمع وقيمه ورؤيته للعالم. ‎كما أنها جزء من الثقافة الإنسانية كلها، تنتشر عبر وسائل الإعلام، وتُعَدّ مرآة للحياة اليومية.

تكمن أهمية ‎الثقافة الشعبية في أن وجودها مكتسب وليس فطريًّا، وهي متنفس للمشاعر ومصدر للتواصل الاجتماعي وبناء الهوية الجماعية للأفراد داخل المجتمع. وتشكل مكوناتها تجارب مشتركة تعكس قيم المجتمع، وتؤثر في تطلعاته، وتُنقل مكوناتها -كالتقاليد والقصص والحرف- من جيل لآخر، وهو ما يربط الماضي بالحاضر، ويحفظ التراث ويعزز الهوية المحلية والوطنية. وبذلك تُعزز هوية المكان وتُبرز خصوصيته، ويشعر الأفراد بارتباط قوي بمجتمعهم وتراثهم.

تؤدي الثقافة الشعبية دورًا محوريًّا في تعميق الهوية الوطنية؛ فهي الذاكرة الحية والحاضر المشترك للمجتمعات، ومن خلالها يتعزّز الانتماء ويتماسك النسيج الاجتماعي؛ إذ تربط الماضي بالحاضر عبر توارث القيم والعادات والتقاليد، وهو ما يرسخ الشعور بالهوية في مواجهة تحوّلات العصر وتحدياته. ‎وتعد الثقافة الشعبية مرجعية تاريخية تعزّز الانتماء للوطن، وتُقوّي لُحمة المجتمع وتناغم مكوناته، وتُسهم في تشكيل الذاكرة الجماعية. وتتجلّى هذه الذاكرة في الفنون، والأمثال، والقصص الشعبية، والأزياء، والحرف اليدوية، وغيرها من المظاهر الثقافية التي تمنح أفراد المجتمع شعورًا بالاستمرارية والترابط. وتساعد الثقافة الشعبية في ربط الأجيال الشابة بتراثهم وفهم جذورهم، والاعتزاز بها في ظل التغيرات الثقافية المتسارعة.

ومن جهة أخرى، تؤدي الثقافة الشعبية دورًا مهمًّا في ترسيخ القيم الإيجابية والتعبير عن الشخصية الوطنية؛ فالفنون والتراث يعكسان ملامح هذه الشخصية، ويشكّلان أداة حيّة للاعتزاز بالجذور والانتماء. كما أن الاحتفاء بالثقافة الشعبية وتاريخها يسهم في إبراز الخصوصية الحضارية التي تميّز كل مجتمع من غيره. ولا تقتصر أهمية الثقافة الشعبية على بعدها الرمزي أو الهوياتي، بل تمتد إلى كونها حافزًا على الابتكار والإبداع، وعنصرًا يمكن استثماره في تحقيق التنمية المستديمة، من خلال تصميم مشروعات ثقافية وتنموية ناجحة، وتحويل التراث المادي وغير المادي إلى مصدر جذب سياحي وثقافي واقتصادي.

وتُعَدّ السعودية واحدة من الدول التي أَوْلَتْ ثقافتها الشعبية اهتمامًا كبيرًا، بوصفها جزءًا أصيلًا من هويتها الوطنية وخصوصيتها الحضارية. وقد حظيت هذه الثقافة برعاية المؤسسات والهيئات المختصة، التي عملت على حفظ الموروث الشعبي وإبرازه للعالم، من خلال توثيق الحكايات والأمثال الشعبية، وإحياء الفنون والرقصات التقليدية في مختلف مناطق المملكة، مثل رقصة «الدحة»، في شمال المملكة، و«العرضة السعودية» في وسطها، إلى جانب الأهازيج والفنون الشعبية المتنوعة التي تعكس ثراء البيئة السعودية وتعدّد روافدها الثقافية.

ويكشف هذا التنوع عن غنى المجتمع السعودي واعتزازه بموروثه الشعبي، كما يؤكد حرصه على تقديم هذا التراث في المحافل والمناسبات الدولية بصورة تليق بقيمته الحضارية، وتعبّر عن عمق الانتماء إليه بصفته أحد أهم مكونات الهوية الوطنية.

الثقافة الشعبية واستعادة الذاكرة العربية المُقصاة

محمد الشريف – أكاديمي سعودي

ما يُسمَّى «الثقافة الشعبية» ليس -في جانب كبير منه- وصفًا بريئًا أو محايدًا، بل هو أثرٌ من آثار نظرة دونية طالت جزءًا واسعًا من المكوّن العربي، صدرت غالبًا عن متعلمين جعلوا إتقان العربية الفصحى معيارًا وحيدًا للثقافة والبيان، مع أن الفصحى نفسها لم تتشكل إلا عبر انتقاء مخصوص من لهجات عربية فصيحة، أُقصيت أكثرها بحجج تتصل بالقياس اللغوي والتقعيد النحوي والصرفي، وبما سُمّي عصور الاحتجاج.

وقد جرى على العربية، كما يجري على سائر اللغات الحية، قدرٌ من التحول؛ فضعف الضبط الإعرابي بالحركات في الاستعمال اليومي، ودخلت ألفاظ جديدة، وتبدلت بعض الأبنية الصوتية والصرفية، غير أن ذلك لم يكن خروجًا من العربية، بل تطورًا داخلها، وقع في ألسنة عربٍ يتكلمون اللغة سليقة، وهم أحفاد القبائل التي احتُجّ بلغتها، في بوادي الجزيرة العربية وبلدانها، حيث امتداد البيئة والعادات والأنساق الاجتماعية والاقتصادية نفسها.

ومع ذلك وُصمت هذه اللغة وثقافتها بالشعبية والعامية، وسُمّي الشعر المكتوب بها شعرًا عاميًّا أو شعبيًّا أو نبطيًّا، مع أنه عند من يفقه أسراره ذروة في الحكمة والتصوير والبيان، ومجال رحب لتجليات الفروسية، والمروءة، والوفاء، والنجدة، ومعرفة الأرض والإنسان. بل بلغ الأمر إلى الدعوة إلى نبذ هذا الشعر خشية مزاحمته للغة القرآن الكريم والتراث، كأن المحافظة على الفصحى لا تكون إلا بإلغاء ما جاورها من الذاكرة العربية.

والحق أن التفريط في نتاج يزيد على ألف عام ليس خدمة للفصحى، بل هو إفقار للهوية وحصر للإرث العربي في صورة واحدة من صوره. فالمحكية الدارجة كانت لغة الحكام والحكماء والأعيان والعلماء الذين كتبوا بالفصحى لكنهم عاشوا واقعهم اليومي بالدارجة. ولا يمكن فهم التاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي والفكري للجزيرة العربية دون قراءة أشعار بني هلال، وراشد الخلاوي، والشريف شكر بن هاشم، والعوني، ومطوع أشيقر، والجديع بن هذال، وبركات المشعشعي الحوزي، وبركات المكي، وبديوي الوقداني، ومخلد القثامي، وساجر الرفدي، وآل سعود، وآل رشيد، وغيرهم.

إن شعرنا بالمحكية الدارجة ليس هامشًا ثقافيًّا، بل وثيقة هوية وديوان حكمة وخزان معرفة بالبلدانيات والأنواء والنباتات والقيم والشجون والشؤون. ومن هنا تبرز أسئلة مُلِحّة:

– كيف ندوّن هذا الإرث الشفهي القديم دون تشويهه؟

– وكيف نوائم بين الفصحى ومحكيتنا الدارجة؟

– وهل يمكن مراجعة مفهوم «الفصحى القارّة» وردّ ما أُقصي من ظواهر لهجية وصرفية ونحوية؟

– وكيف نقرّب هذا الشعر للدارس العربي خارج الجزيرة؟

إن إعادة الاعتبار لهذا الإرث ليست خصومة مع الفصحى، بل هو استرداد لذاكرة عربية واسعة، واعتراف بأن العربية أكبر من حدود التقعيد، وأغنى من أن تُختزَل في وجه واحد من وجوهها.

مفردات العيش في الثقافة الشعبية السعودية: من قلب الجزيرة إلى البحر والجبل

تركي الغنامي – أكاديمي سعودي

تجري الثقافة الشعبية في المملكة العربية السعودية مجرى الذاكرة الحية في حياة الناس؛ تظهر في أسمائهم، وأمثالهم، وحكاياتهم، وأغانيهم، وعاداتهم، وأسماء مواضعهم، وطرائقهم في الفرح والحزن والعمل. ومن هنا لا يحسن النظر إليها على أنها زينة تراثية، أو مادة احتفالية عابرة؛ فهي مستودع ذاكرة جماعية يمنح المجتمع شعورًا بالاستمرار والانتماء، ويكشف جانبًا عميقًا من علاقة الإنسان بمكانه وتاريخه وقيمه.

ويميز هذه الثقافة تعدد بيئاتها ووجوهها؛ ففيها بادية قلب الجزيرة، وقرى نجد المستقرة، وجبال الحجاز والسراة الممتدة من مشارف العقبة شمالًا إلى حدود اليمن جنوبًا، وتهامة بأوديتها وقُراها غرب الجبال، والمنطقة الشرقية بأحسائها وقطيفها وسواحلها حيث يلتقي البحر بالنخل والتجارة. ولكل بيئة لغتها اليومية، وفنونها، ومهاراتها، وذاكرتها الخاصة، داخل إطار عربي وإسلامي جامع.

والمدخل الأعمق إلى هذا التنوع هو أن نقرأه من خلال «مفردات العيش»؛ والمقصود بها هنا أوسع من الألفاظ المفردة، وإن كانت الألفاظ من أهم المداخل إلى المعنى. إنها العناصر التي تنتظم بها التجربة الشعبية كلها: الكلمة، والحرفة، والعادة، والأغنية، والمثل، واسم المكان، وأدب الجوار، ومعرفة الموسم، وطريقة التعامل مع الماء، والزرع، والمرعى، والبحر، والجبل. فالثقافة الشعبية لا تحفظ ما قاله الناس فقط، بل تحفظ كيف عاشوا، وكيف فهموا عالمهم، وكيف بنوا قيمهم من صميم التجربة.

في قلب الجزيرة وصحاريها تحضر مفردات الموسم والنجعة والمورد والمرعى والجوار والضيافة، لا بوصفها ألفاظًا معجمية، بل بوصفها نظامًا من الحركة والمعرفة والأخلاق. وفي القرى الزراعية تحضر الساقية والمزرعة والنخل والمحصود، ومعها صبر الفلاح وانتظام المواسم وأدب المشاركة في العمل. وفي الجبال يبرز أثر المصايف ومسالك الشعاب ولهجات تنحت ألفاظها من وعورة المكان وخضرة السفح. وفي تهامة والساحل الغربي تتشكل الذاكرة من السوق والوادي وفنون الساحل وإيقاع الحياة القريبة من البحر والجبل معًا. وفي الشرق تحضر مفردات البحر والغوص والمرافئ وأهازيج السفن وصوت النهّام، حيث يصبح البحر رزقًا واختبارًا وصانعًا للأغنية والحكاية والمهارة.

لهذه العناصر كلها دلالة في أنساق حياة متباينة متصلة؛ فالضيافة جواب أخلاقي على قسوة الطريق وندرة المورد، والجوار نظام حماية وكرامة، وأغنية العمل إيقاع جماعي يخفف المشقة وينظم الجسد والوقت. وهكذا تكشف الثقافة الشعبية أن الهوية لا تسكن الشعارات الكبرى وحدها، بل تسكن في التفاصيل التي يصنع بها الناس حياتهم اليومية. وتزداد خصوصية هذه الثقافة حين نلحظ صلتها العميقة بالثقافة العربية الأولى؛ فكثير مما بقي في حياة البادية والقرى والجبال والسواحل يعين على فهم العربية في أصلها الحي، كما تجلّت في شعر الجاهلية وصدر الإسلام وأخبار العرب. فالشعر القديم لا تنكشف دقائقه بالمعجم وحده، بل يحتاج إلى معرفة نظام الحياة الذي أنشأ لغته: الماء، والموسم، والنجعة، والضيافة، والجوار، والحرب، والهدنة، وعلاقة الإنسان بالمكان والحيوان. وهنا تتحول الثقافة الشعبية إلى شاهد معرفي يردّ الكلمة إلى مناخها الأول، ويصل الحاضر بجذر العربية العميق.

وفي الواقع المعاصر تمنح الثقافة الشعبية الفرد جذورًا داخل عالم سريع التحول. وفي زمن العولمة والهويات السائلة، تصبح الحاجة مُلِحّة إلى ردّ هذه الثقافة إلى معانيها ووظائفها، حتى تبقى مصدرًا للانتماء لا مادة للاستهلاك، ومعرفة حية لا مشهدًا منزوع السياق. ويبقى السؤال: كيف نصون هذا التنوع من التحول إلى عرض سياحي أو محتوى رقمي سريع؟ ومن يملك حق تمثيله؟ وكيف يبقى مصدرًا حيًّا للمعنى في عالم يخفف الروابط ويبدل الهويات؟


الثقافة الشعبية: الإسهام في التنمية المستديمة

الفيصل

لم يكن يُنظَر للثقافة الشعبية، بشقيها المادي والمعنوي، على أنها مجال للتنافس بين الشعوب، كل يسعى لتسجيلها باسمه. فقد ظلت، حتى وقت قريب، متاحة كالماء والهواء، ولا يخشى عليها من أحد، ولا تعد مصدرًا للفخر أو الاعتزاز. لكن هذا التصور بدأ يتغير حين قررت منظمة اليونسكو عدّ التراث غير المادي من الثروات القومية للأمم. منذ ذلك الحين سارعت الدول لتسجيل ما لديها من حرف وفنون شعبية لتسجيلها باسمها في قوائم التراث العالمي، وهو ما يعني حصر حقوق الملكية الفكرية لهذه الفنون القديمة باسم الدولة التي سارعت لتسجيلها باسمها. وقد أدى ذلك إلى تسليط الضوء على أشكال من التراث كانت مهددة بالاندثار، فأصبحت عنصرًا مهمًّا في خريطة التنمية المستديمة لدى المجتمعات والشعوب، بعدما ظلت لسنوات على هامش الحياة، تئنّ تحت وطأة التكنولوجيا الحديثة وغزوها لكل تفاصيل الواقع.

ولا تتوقف أهمية الثقافة الشعبية في أنها أصبحت موردًا رئيسًا في التنمية المستديمة للشعوب، ولا معبرًا عن أصالة إبداعات الفنانين في مجتمعاتهم، فهي تعبير واضح عن الهوية والجذور التاريخية للوعي والفكر والفن في أي مجتمع، وهو ما منحها مزيدًا من الأهمية وإعادة الاعتبار في ظل سطوة العولمة على كل عناصر الحياة، واختراق أدوات التواصل الاجتماعي لكل
البيوت والأذهان.

باتت الثقافة الشعبية المعبرة عن الهوية والأصالة والجذور التاريخية في خطر يستدعي النهوض للحفاظ عليها. فكيف ينظر العلماء والمختصون إلى هذه الثقافة في عالمنا اليوم؟ وكيف يعتمد عليها الكتاب والمبدعون في رسم عوالمهم الإبداعية؟ وإلى أي مدى تسهم الثقافة الشعبية في تحقيق ما تحلم به الشعوب من تنمية مستديمة؟ وكيف يمكن للبلدان العربية أن تسجل ما لديها من فنون وحرف تراثية في اليونسكو قبل أن تسجله بلدان أخرى؟ وهل كل ما يخص الثقافة الشعبية يجب تقديسه والحفاظ عليه، أم أن هناك عناصر في هذه الثقافة باتت معوقًا للتنمية والتطور الحضاري، وعلينا إعادة النظر فيها؟

أُسس التعامل العلمي مع الثقافة الشعبية

مسعود عبدالوهاب – مدير مخبر قضايا الأدب والثقافة الشعبية والترجمة بجامعة زيان عاشور الجلفة بالجزائر

تحتاج الثقافة الشعبية إلى قواعد علمية تضبطها وتضعها في سياق يضمن الإفادة منها، وتجعلنا في مأمن علميّ حينما ننقلها من محضنها الطبيعي، بشكلها الطبيعي، إلى محاضن البحث العلمي ذات القواعد الصارمة والدقيقة. وتحتاج الثقافة الشعبية، أيضًا، إلى قواعد توطّنها بحيث يمكن الاستفادة منها، دون التقليل والإنقاص من صورتها الأولى يوم كانت مادة ماتعة تخرج من أفواه العامة. هذه القواعد، في نظرنا، مادة حساسة ينبغي التعامل معها بحذر بالغ، والنظر إليها بوصفها مادة مهمة تُنقل من بيئة إلى أخرى جديدة، وبينهما سياقات مختلفة وحواضن معرفية مختلفة. وهذه القواعد ينبغي أن تكون مدركة من قبل الجهة المتعاملة مع الثقافة الشعبية، فيجب أن يكون المتعامل معها صاحب صفات منبثقة من الانتماء الحقيقي إلى الوسط الذي خرجت منه هذه الثقافة، أي ألا يكون أجنبيًّا على هذه الثقافة؛ ذلك أن كثيرًا من بناءاتها قائم على خصوصيات دقيقة، وعلى إيغال في المجاز واستعمالات خاصة لها مفاتيحها الخاصة التي تنتجها البيئة، التي خرجت من مشكاتها هذه الثقافات الشعبيّة.

وقد رأينا جهودًا كبيرة للمستشرقين أفلحت ونجحت غالبية دراساتهم، وذلك راجع لتكوينهم القاسي الذي جعلهم يتماهون مع هذه الثقافات ويذهبون معها مذاهب بعيدة. وقد رأيناهم أيضًا يستعينون بأدلاء يذلّلون لهم الصعاب التي يمكن أن تعترضهم، وكلّ مستعصٍ وكل منغلق وكل مادة حرون تمنع الراغب فيها، ومن الأسس التي يمكن تحديدها الآن:

المنهج

وهي الآليات التي يستند إليها الساعي لجمع البيانات والمادة المرغوب في تحليلها، ولا يكون المنهج واضحًا إلا إذا كان مجرّبًا في مثل هذه الأبحاث، مُؤْتِي أُكلِه مع تدعيمه بالأدوات المناسبة. والمنهج إذا كان منضبطًا، وكان المستعمل له مدركًا له ولمخرجاته؛ كانت النتائج باهرة، واستطعنا استنطاق المادة الشعبية من جهة إمكانات بوحها، ومن جهة كونها قابلة للتفاعل مع الأدوات البحثية ومع الجهاز التحليلي. وقد استعملنا مناهج عدة في تعاملنا الطويل مع بعض تمثلات الثقافة الشعبية، وكانت النتائج باهرة ومفيدة ونافعة.

الحواضن

ومعرفة المحيط الذي خرجت منه الثقافة الشعبية، سواء كانت حكاية أو لغزًا أو مثلًا شعبيًّا أو ألعابًا تقليدية أو أساطير أو خرافات أو فُلكلور، هو الذي يجعل قراءة وتحليل هذه المواد صحيحًا، ومؤديًا لنتائج في غاية الدقة والصحة. ولا يمكن الاستهانة بالبيئة التي نتجت منها الثقافة الشعبية؛ إذ إن هذه البيئة هي الدليل على أصولها، وهي المفتاح إلى فهم مدخراتها، وإلى معرفة مكنوناتها، وإلى إدراك مصادر تشكيلها وسبكها بتلك الصورة، وإلى الروافد الأجنبية التي يمكن أن تكون قد ساهمت فيها.

معرفة اللغة القرينة

اللغة هي المدخل الأهم إلى فهم مقاصد الشاعر الشعبي أو الحكّاء أو القصّاص الشعبي. ولكي نتجاوب معه يجب تقمّص العقليّة الشعبيّة التي تتيح لنا التفاعل الجيّد مع المسموع بكل تضاريسه الثقافية والنفسية الخاصة، وبكل قوانين أبجديته التي صاغته على نمط خاص.

اللغة هي مفتاح ذلك كلّه. وقد عايشت الأمر في تجربتي في مرحلة الماجستير حينما كنت أنقل قصائد الشاعر الشعبي يحيى العلواوي رحمه الله، فلم يكن هناك نشاز بين قلمي الفصيح وبين القصيدة المنزاحة عن الفصحى بالمطلق؛ لذلك فإنّ الاستعداد القبلي، من جهة تحصيل اللغة الشعبية، هو الطريق الأمثل للابتعاد من تشويهها، ونقلها نقلًا آمنًا بكل حمولاتها التي تدخرها الأساليب التي صيغت بها.

وأفضل الوسائل للتمكّن من اللغة هو الاندماج في المحيط الذي خرجت منه هذه الحكايات والألغاز والقصائد والأساطير، ومحاولة التعاطي مع قاموسها بشكل سلس وآمن. فاللغة هي أهم عنصر يمكن أن يتسلّح به الباحث وهو يخوض غمار الثقافات الشعبية. هذه هي الأسس الثلاثة التي لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن لأيّ باحث جاد إغفالها أو القفز عليها. وغاية ما نرجوه من مقالنا هذا هو التنبيه على أنّ للثقافة الشعبية دورًا مهمًّا يجب الوعي به وبمخرجاته، وأن الثقافة الشعبية يمكن أن تكون من الوسائل التي نجابه بها قسوة الماديات الحديثة، وإلحاد التقنيات المتوحشة، التي تسعى إلى محو إنسانية الإنسان.

الثقافة الشعبية من مصادر الدخل القومي العربي

خالد أبو الليل – ناقد وأكاديمي نائب رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب

يمتلك العالم العربي عددًا كبيرًا من عناصر الثقافة الشعبية العربية، التي لها دور مهم في الخطة العربية للتنمية المستديمة 2030، ومن ثم تعد مصدرًا مهمًّا من مصادر الدخل القومي العربي. وفي حالة مصر على سبيل المثال، فإنها تزخر بالعديد من العناصر الثقافية الشعبية، وبخاصة الصناعات الثقافية التقليدية، التي تتطلب اهتمامًا من الدولة؛ لتحقق الأهداف المرجوة منها في أن تصبح مصدرًا من مصادر الدخل القومي المصري. ولعل في نموذج «قرية تونس»، والارتقاء بحرفة شعبية تقليدية، هي صناعة الفخار، أدى إلى الارتقاء بالإنسان في هذه القرية، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي. فهذه الحرفة كادت تندثر مثل كثير من الحرف التي اندثرت، أو في طريقها لذلك، كحرفة النحاسين، والمغربلاتي، وغيرها. وقد أدت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية إلى تراجع أو اندثار العديد من هذه الحرف.

التجربة الصينية

من الصناعات الثقافية التقليدية المصرية، التي يمكن أن تلعب دورًا كبيرًا في التنمية المستديمة، صناعة السجاد والكليم والحصر، والتلي، وغيرها. مثل هذه الصناعات يؤدي اهتمام الدولة بها إلى الارتقاء بممارسي هذه الصناعات الثقافية الشعبية، وتترك أثرًا طيبًا في الاقتصاد المصري؛ لأن مثل هذه الصناعات ستؤدي إلى أن تصبح مصدرًا من مصادر الدخل بالعملة الصعبة. ويمكن أن نستفيد من التجربة الصينية في هذا المضمار؛ إذ نجحت الصين في الإفادة من الزيادة السكانية بأن منحت ممارسي الصناعات الثقافية الشعبية الصينية الاهتمام؛ لتصبح مصدرًا من مصادر دخلها، بل أصبحت حلًّا اقتصاديًّا مهمًّا لها. وفي حقيقة الأمر تمكَّنَت مصر مؤخرًا من الالتفات إلى أهمية الصناعات الثقافية، من خلال توجيهات القيادة السياسية المصرية، بضرورة الاهتمام بأصحاب الحرف الشعبية البسيطة، على نحو ما يتبدى ذلك في توجيه القيادة السياسية المصرية بتنظيم معرض سنوي بعنوان «تراثنا»، برعاية من فخامة الرئيس، الذي يحرص على افتتاحه سنويًّا، إلى جانب إقامة العديد من الفعاليات الثقافية المصرية، التي تعزز من الاهتمام بالصناعات الثقافية المصرية وممارسيها. ويمكن القياس على ذلك في معظم أشكال التراث الثقافي المادي وغير المادي.

والحقيقة أن ما قلناه عن حالة مصر، يصدق بدرجات كبيرة على دول عربية، مثل: السعودية والإمارات وقطر. فالسعودية التفتت مؤخرًا إلى عناصر عديدة من التراث الثقافي اللامادي، بإحيائها، ومحاولة عقد العديد من الورش والمعارض التي تهتم بإحياء هذه الصناعات والدعاية والترويج لها، على نحو ما نجد في الجنادرية وغيرها.

الثقافة الشعبية؛ عائق أم داعم للتنوير؟

عبيدي توفيق – باحث في علم الاجتماع بجامعة قالمة – الجزائر

تتسم الثقافة الشعبية في العالم العربي بتنوعها وثرائها، وهو ما يجعلها موردًا إستراتيجيًّا يمكن توظيفه في دعم التنوير وتحقيق التنمية، وتُسهم في تعزيز الهوية والشعور بالانتماء، من خلال توطين التماسك الاجتماعي، في ظلّ الثقافات الوافدة والعولمة الثقافية. وهي تنقل القيم الأخلاقية والمبادئ المجتمعية بين الأجيال، من خلال رسائل قيمية وأخلاقية سامية من شأنها حَفْز التفكير النقدي، ونبذ الخرافة والتعصب، وتعزيز الانفتاح على الآخر، من خلال الاستغلال الأمثل للموروث المحلي، من حكم وأمثال شعبية وقصص وحكايات تحفز على الإبداع، وتدعم الفكر الحر والمستقل، في زمن انتشار وهيمنة الثقافة الرقمية.

رأسمال ثقافي

كما تُشكّل الثقافة الشعبية رأس مال ثقافي ومصدرًا فعليًّا للتنمية والإبداع الفني والسياحة الثقافية، وذلك بترويج التراث الشعبي واستقطاب الآخر نحو المنتج الثقافي للمجتمع المحلي، من خلال المنتجات الحرفية، والمهرجانات الشعبية وغيرهم، وكلها مجالات واعدة للاستثمار وتوفير فرص العمل، وبخاصة في المناطق النائية. كما تعد طاقة حية ووسيلة مهمة للتوعية، يمكن أن تسهم في بناء مجتمع واعٍ ومُنتج، وذلك من خلال توظيف هذا التراث الرمزي في التربية والإعلام والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتعزيز أواصر توازن المجتمع وتماسكه بأسلوب بسيط ومؤثّر، من شأنه التأثير في أطياف المجتمع كافة، وتظهر فاعليتها في مجالات عدة مثل: التعليم والصحة والعمل، وإرساء مبادئ المواطنة.

عائق أمام الحداثة

في المقابل يُمكن أن تُشكّل بعض عناصر الثقافة الشعبية عائقًا أمام الحداثة والانفتاح؛ إذا لم تخضع للنقد. حيث تُعَدّ الثقافة الشعبية مصدرًا لإعادة إنتاج الخرافات، وقد تُؤدي بعض المعتقدات الشعبية السائدة، التي تعتمد على الخرافات والأساطير إلى نشر وترسيخ بعض الأفكار اللاعقلانية والتفسيرات غير العلمية للأحداث اليومية والظواهر، وهو ما يُعزز التفكير الغيبي، ويعوق التفكير العلمي والمنطقي.

ومقاومة التغيير تظهر في تقديس الماضي، من خلال التمسُّك بالأعراف والموروثات، والعادات والتقاليد القديمة ورفض التجديد، بدعوة أنه غريب أو «بدعة»، وهذا يحول دون تحقيق التنمية، ويعوق حركية التقدُّم والابتكار أو أي إصلاحات قانونية ومجتمعية ضرورية، فضلًا عن تكريس التمييز. تُعَدُّ الثقافة الشعبية في المجتمعات العربية صانعةً للفجوة المجتمعية من حيث النوع الاجتماعي، أو الأقليات الثقافية والدينية، حتى العناصر ذات الصلة بالفروقات الاجتماعية، على غرار تغييب دور المرأة في المجتمع، ما يعوق التطوّر الاجتماعي والانفتاح على قيم المساواة والحرية الفردية. هذا ما يُناقض مبادئ التنوير وحقوق الإنسان، إضافة إلى دعم وتحصين السلطة الاجتماعية، حيث تُشجع الثقافة الشعبية في المجتمعات العربية على الطاعة والخضوع للسلطة، وتُثبط من روح النقد أو التساؤل، وتُستخدم في بعض الحالات لإدامة السلطة الأبوية، الدينية، الطبقية والسياسية، وهو ما يُقلّل من فرص الإصلاح، ويحدُّ من تفعيل آليات النقد والتفكير الحر.

في الأخير يُمكن القول: إن الثقافة الشعبية في العالم العربي ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًّا مطلقًا، بل هي مرآة للمجتمع تحمل في طياتها ما يُمكن أن يكون جسرًا نحو التنمية أو حائط صد أمام التنوير. المفتاح يكمن في الوعي النقدي، أي في التمحيص والانتقاء والتحديث دون المساس بجوهر الهوية الثقافية. فبقدر ما نُحسن توظيف هذه الثقافة، نستطيع أن نحولها إلى رافعة للتقدم لا إلى عبء على الحاضر والمستقبل.

لا تنفصل الكتابة عن الثقافة الشعبية

جمعة الفاخري – شاعر وكاتب ورئيس تحرير صحيفة «المأثور الشعبي» في ليبيا

بما أنَّ المبدعَ ابنُ بيئتِهِ، فهو يتأثر بها، كما يؤثر فيها، وهي، غالبًا، مسرحُهُ الذي تدورُ فيها أحداثُ أعمالِهِ، وحقلُهُ الذي يجني منه بدائعَ فنِّهِ، ويستلهمُ منه موضوعاتِهِ. وجلُّ الكتابِ -روائيينَ وقصَّاصينَ- تظهرُ تأثيراتُ ثقافَةِ مجتمعهم الشَّعبيَّةِ في نتاجِهِم الإبداعيِّ، فلا يمكنُهم أن يتخلَّقوا فضاءً آخرَ تعيشُ فيه شخوصُهُم، بثقافةٍ أخرى، وبلغَةِ تفكيرٍ غيرِ لغةِ مجتمَعِهِم. فهم وإن كتبوا بالفصحى، يُفَكِّرُونَ بالعامِّيَّةِ، لغةِ اليوميِّ والمعيشِ، لغَةِ الواقعِ. بمعنًى أدقَّ، كثيرٌ منَ الأعمالِ السَّرديَّةِ يظهرُ فيها اعتناءُ السُّرَّادِ بالحرفِ اليَّدويَّةِ، وهذا تبعًا لطبيعةِ عملِ شخصيَّاتِهم وحرفِهِم التي يمارسُونها. أذكرُ من ذلك روايتَي «من مكَّة إلى هنا» لصادق النَّيهوم، و«العربة» لإبراهيم النَّجمي، ولا تكاد تخلو رواية لإبراهيم الكوني من ذكرِ صاحب حرفةِ وأدواتِ حرفتِهِ.

الهوية الوطنية

ومن منطلق حرص جلِّ المبدعينَ على بقاء الثقافة الشعبيَّة ماثلة للأذهانِ، حفاظًا على الهويَّةِ الوطنيَّةِ، بأبعادِهَا التراثيَّةِ، والثقافيَّةِ والاجتماعيَّةِ، ومراعاة طرائقِ تفكيرِ كلِّ مجتمعٍ، فهم يَعْمدُونَ إلى تجسُّدِ الثقافةِ الشَّعبيَّةِ في مسروداتِهِم، كتوظيفِ خصوصيَّةِ الأمكنَةِ والأزمنَةِ التي تحتِّمُ على المبدعِ أن يسردَ التفاصيلَ كما هي، بلغةِ بيئتِهِ، دونَ الترفُّعِ عنِ استلافِ لغةٍ أُخرى أو استعارةِ عاداتٍ أو تفاصيلَ، أو تزييفِ واقعٍ يتجافى مع الحقيقة، يُناقِضُ فيه الكاتبُ بين طبيعةِ شخصيَّاتِهِ ومستواها التعليميِّ والثقافيِّ. والكتَّابُ المعاصرون الذين يكتبون أعمالهم بوعيٍّ كبيرٍ، يبدُونَ حرصَا شَدِيدًا على تأكيدِ غاياتِ التنميةِ المستديمة، بتلبيَةِ احتياجَاتِ الحاضرِ (دونَ المساوَمَةِ على قدرَةِ الأجيالِ القادمَةِ في تلبيَةِ احتيَاجَاتِهِم الخاصة)، كما اتفق على مفهومِ التنميةِ المستديمة. فهم ينسجون إبداعًا للحاضر، مع إيمانِهم بقدرة الأجيالِ القادمةِ على الإبداعِ والابتكارِ والتجاوزِ، وتوفُّرِ فرصِ الإنجازِ والإعجازِ بلا تَوقُّفٍ، ولا انتهاءٍ.

بقي أن أقول: إنَّ كلَّ ذلك رَهْنٌ بثقافةِ المبدعِ نفسِهِ، وقدرتِهِ على الإبداعِ المستمرِّ، واستيعابِهِ لماهيَّةِ الثابِتِ والمتحَوِّلِ، ويَقينِهِ في مرجعية البيئة وأثرِهَا الفاعِلِ فيما يَكتبُ، وقدرَتِهَا على اقتراحِ الأَفكارِ، وتأكيدِ الهويَّةِ وتأمينِ أفضيَةٍ أمينَةٍ للإبداعِ والحرِّيَّةِ وتهيئةِ السَّبيلِ للأجيالِ القادمَةِ لمراوَدَةِ الآتي بكلِّ ثقةٍ ورغبةٍ في الإبداعِ والإمتاعِ والإقناعِ بلا حدودٍ ولا قيود.

المبدع حارسًا لموروثه الشعبي

مصطفى البلكي – روائي مصري

يُعَدُّ المبدعُ حارسًا أمينًا للموروث الذي وصل إليه، خصوصًا من يعيش في مكانه، فهو المقيم الذي ما زال يتحرك بين وجوه وأماكن تحتفظ بسير مختلفة، ظاهرة ومراوغة، لا يمكنه الفكاك منها. وأنا في حركتي مع كل صباح، تخترقني البيوت، وتفرغ داخلي حزنها وحكاياتها، ومن أجل أن أخفف من حدتها، وحتى لا أجر لبدء الحوار المعتاد معها، كنت أكتفي بسجنها داخل تلك النصوص بما يناسب هيبتها وتاريخها، كأني دائمًا أنتظر عودة الحياة، عودة السلام النفسي، حتى لا أظلمها. فالكتابة أعدّها الحياة ذاتها، أو شرفة لسرد ما كان، كما تحب هي. تكونت لدي خميرة كبيرة أو خزانة ذكريات، أصبحت من أهم مفردات الكتابة لدي. تبرز كل المهن والأفعال، ودائمًا تأتي في سياق طبيعي مع السرد؛ لتبدو كخلفية شفيفة، تضيف وتصبح جزءًا أصيلًا من النص ولا يمكن اقتطاعها أو غض الطرف عنها.

الكحروتة

لا يمكنني أن أنسى مشهد «الكحروتة»، ذلك الطقس الذي تتحول فيه المرأة إلى جثة مكفنة في كفن أسود، من قدميها حتى رأسها؛ لتوضع على سن منحدر بجوار ولي من أولياء الله أو بجوار المدافن، ليدفع جسدها وهي على هذه الهيئة ليدحرج ويلف ويدور حتى يستقر في المنخفض. يتم هذه الطقس مع كل امرأة تأخر حملها، في إعادة لقصة إيزيس، حينما خرجت لتبحث عن أوزوريس. تلك الأسطورة القديمة التي حفرت مساربها في رأس كل باحث عن الحياة الجيدة.

قد تبدو هذه الأفعال خارج سياق العقل، وخارج سياق الحياة، لكنها في الحقيقة تحاكي الواقع الذي يختلف عن الواقعية التي يتمسك بها الكاتب الواعي كمدرسة تحاكي ما يدور. واقع فيه كل شيء: الغرائبي، المحلق خارج حدود المنطق، وفيه أيضًا الشيء الطبيعي. هو مزيج لو جرى العمل عليه في الإبداع لكانت الثمرة ناضجة توافق كل شيء يدور، وكل شيء يمكنه أن يحدث، وكل شيء لا يمكن للمرء نسيانه. فقط يدرك المعنى الحقيقي لما يدور، تمامًا كما فعل كتاب أميركا اللاتينية، أولئك الذين هضموا تراثهم جيدًا، ثم بحرفية عالية أعادوا إنتاجه وتدويره في كتابة أبهرت العالم.

حكايات تشبه الأساطير

منذ البداية انتبهت إلى كل شيء يدور حولي، فأنا ابن مكان صنع أسطورته من خلال بشر هم في أصلهم حكايات تشبه في أغلبها الأساطير. فكانت روايتي الأولى «تل الفواخير»، حكاية بيت عشقه رجل، بيت لا يمثل في تكوينه إلا وطن يُهدَم كل شيء فيه تحت دعوة الحداثة والتجديد. ومن خلال إعادة فكرة البناء، لا الهدم، وفكرة الاتحاد الأولي بين المرأة والرجل، من خلال فكرة واحدة تعتنق «اللي يعرف يبني بيت يعرف يعمره». فكرة نراها من خلال فعل وعمل يتشاركان فيه، ويصبح البيت وطنًا لهما، تمامًا، كالغريب الذي يعيش في بلدة، يظل غريبًا أو «غُربي» حتى يصبح له مقبرة في تلك البلدة تضم أحبابًا له.

هي فكرة الجذور التي لا تبتعد كثيرًا من كل الأساطير التي لا تفارق ألسنة الجدات في جلسات تمتد مع كل ليلة من خلال كلمة مفتاح «خرفيني»، ومن أهم وجوه الحزن في البيوت: الملابس وهيئة الوجوه؛ النساء لهن السواد، والرجل يطلقون اللحى، ولكل شيء موعد محدد لإنهاء هذا الحداد، وقد تنتهي تحت وطأة الملاحظة. فالحزن سيرته ممتدة، خصوصًا للنساء، فهو الرفيق والصديق، وهن سدنته. تخيل عجوز تراقب حياة رجال البيت والنساء، وحينما تلمح البطون وقد قبت، أي كبرت، دليلًا على الحمل، بجملة واحدة منها، يمكنها أن تنهي كل شيء: «لما البطون تقب يبا الحزن مات». مع كل تلك المفردات ومع كل الطقوس والأفعال، تنمو الكتابة وتأخذ طريقها نحو تمجيد الفعل وشرحه ومحاولة تفسيره وجعله حقيقيًّا، ويمكنه أن يخلق نصًّا، في حين أن الحياة العادية برتابتها قد لا تقوم بالفعل نفسه.

وأنا في كل كتابتي، مع اليومي ومع الموروث الذي يمد جذوره بداخلي؛ أشيد عمارة النص، ليخلق حياة لا يمكن للقارئ أن يفصل بينها وبين ما يقوم به، ولا بين مفرداته هو. فدرجة الإقامة دائمًا تعتمد على الحب، ومن غيره تصبح الرحلة بلا مذاق أو طعم أو رائحة. فلو غاب حب الكاتب لمكانه وشخصياته، غاب الصدق، وتحللت كل الأجزاء، وفقد اتجاه حركته، وكل هذا لا يمكنه أن يتم إلا مع من تأمل وأدرك وعرف، ثم عمل.

منظور الخطيبي والعروي لمكونات الثقافة الشعبية

عبداللطيف محفوظ

بما أن الثقافة الشعبية تهم مجالات متعددة، وتتمظهر في أجناس خطابية وشفهية متنوعة، وأشكال فرجوية وفنية عدة، ومظاهر عمرانية وجسدية، وسلوكات تحدد سيناريوهات الاحتفالات الدينية والدنيوية؛ فإن أشكال التعامل معها مختلفة ومتنوعة أيضًا؛ لذلك يصعب تنميط التعامل معها من جانب الكتاب والمفكرين. فإذا كان بعض الكتاب يستثمرونها كما هي، وخصوصًا في جانبها الفلكلوري، من أجل الإثارة أو إشباع رغبة المركزية الأوربية، كما هو توظيف غالبية كتابنا الفرنكوفونيين، فهناك آخرون يوظفونها من أجل تشخيص أشكال الوعي الاجتماعي، أو من أجل الإيهام بالواقعية، أو إضفاء نوع من الأصالة على أعمالهم. كما يعمل آخرون على تشويهها بغرض فك رمزيتها والتحرر مما هو سلبي منها، أو معوق للتطور وللتحديث، وجودة العيش وفق ما تقتضيه تطورات العصر.

عبدالله العروي

وهو الأمر نفسه الذي يلحظ على موقف أبرز مفكرينا الذين أبدعوا في مجال الأدب أيضًا، ونكتفي بموقف كل من عبدالله العروي وعبدالكبير الخطيبي في هذا السياق. حيث يرتبط موقف العروي بعلاقة الفن بالثقافة الشعبية، وخصوصًا بجوانبها اللاعقلانية التي نشأت في أزمنة التدهور الثقافي وانحطاط الفكر، وفي مناخ أبعد ما يكون من أثر الثقافة العالمة؛ لذلك يضع في مؤلفه «الأيديولوجيا العربية المعاصرة»(26)، تمييزًا دقيقًا بين الفن والفُلكلور، من ناحية الوظيفة التعبيرية والحمولة المعرفية لكليهما. فالفن، في تصوره، ليس مجرد شكل جمالي، بل هو فعل تعبيري هادف يروم تجاوز مظاهر التخلف الكامنة في الواقع الاجتماعي؛ إذ يسعى العمل الفني إلى استكمال النقص الوجودي والمعرفي من خلال طاقته التعبيرية. في المقابل، يُقدَّم الفُلكلور بوصفه تمثيلًا حرفيًّا للواقع، لا يتجاوزه ولا يعلو عليه، بل يعيد إنتاجه بشكل نمطي يعكس السمة التاريخية المتأخرة للمجتمع الذي ينتمي إليه(27).

ويؤكد العروي أن الفُلكلور، بوصفه تعبيرًا ينبثق من بيئة متخلفة، لا يمتلك القدرة على تجاوز سياقه التاريخي، بل يتماهى معه ويكرّسه. وهذا التماهي يُنتج وهمًا شائعًا، يتمثل في عد الفُلكلور شكلًا فنيًّا صرفًا، وهو خلط يتعزز بفعل غياب القراءة النقدية الدقيقة، سواء في الأوساط الثقافية العربية، أو حتى الأجنبية. وينطلق هذا التمييز من فهم عميق لمكانة الفن بوصفه أعلى أشكال التعبير عن الذات؛ إذ ينبثق من وعي نقدي بالواقع وسعي لتجاوزه. أما الفُلكلور، فهو، في جوهره، تعبير متخشب، يستعيد الواقع كما هو، دون مساءلة أو رغبة في تجاوزه، مكتفيًا بتأريخ اللحظة وتمجيدها. وتغدو هذه اللحظة التاريخية، عند مقارنتها بالغرب، ذات دلالة رمزية، فتُعاد قراءتها لاحقًا على أنها لحظة إبداع، ما يمنح الفُلكلور مشروعية فنية زائفة، تُرَسَّخ بفعل التلقي المتوارث الذي يتغاضى عن فحص الجوهر والمضمون(28).

وبذلك، فإن الفُلكلور، على اختلاف تجلياته التعبيرية -بصرية، موسيقية، حركية، أو شفهية- يظل في حاجة إلى فاعل ثقافي يعيد تأويله ويوسّع أفق دلالته؛ من أجل منحه قيمة فكرية وجمالية تتجاوز طبيعته الأولية(29). فالفُلكلور، وفق هذا المنظور، لا يعدو أن يكون تعبيرًا خامًا، عاجزًا عن تحقيق المعنى الكافي بمفرده. وفي هذا السياق، يقول العروي: «كل عمل فُلكلوري، سواء أكان موسيقيًّا أو تشكيليًّا أو أدبيًّا، إنما يرث عن المجتمع الذي يظهر فيه صفة التخلف، بل يمكن القول: إنه يستمد منها ما يُلصق به من قيمة»(30).

عبدالكبير الخطيبي – أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة الحسن الثاني

أما عبدالكبير الخطيبي(31)، فينظر إلى الثقافة الشعبية نظرة مرنة تعترف لها بمكانتها الأساس في صون الهوية؛ لأنها قد تكون فضاءً للمقاومة الرمزية للهيمنة الغربية، وأيضًا آلية ممكنة لخلق التفاعل بين الهويات الجزئية المتضامنة داخل هوية شاملة، إلا أنه وهو يحلل بعض مظاهرها يستبعد كل تأطير شمولي أو ارتباط بنسق عام مسبق، بل يفككها في ذاتها وفي دلالاتها البينية بين المتعالي والمحايث، حيث يجعل من أهداف التحليل خلق متعة الغرابة المبررة من قبل النسق المتعالي المستحضر من أجل الإقناع، وذلك من خلال تبني إستراتيجية القارئ الضمني المتصور، الذي يتصف بامتلاك معرفة بآليات التأويل، وبخلفيات التفكيك.

وتتمثل هذه الإستراتيجية في الاستناد إلى المنهج الافتراضي الاستكشافي، الذي هو نوع مخصوص من الاستنتاج المنطقي القائم على تشييد المعرفة، انطلاقًا من تماثلات حدسية مدعومة بحدود مؤسسة على تناظرات مقبولة، ومنها ربطه بين معنى الأحجية بحبات المسبحة: «فنص الأحجية، وهو لعبة بين قرابتين أو أكثر، يربط انغلاقه (انغلاق النص) بهدفه الأولي، وبتعسف نهايته، ويناظر فضاء النص الملغز، بصيغة استعارية، مسبحة، حيث كل حبة لا تدفع الحبة الأخرى إلا من أجل أخذ مكانها»(32) وذلك بناءً على اعتبار أخذ الواحدة مكان الأخرى؛ وكذلك ربطه الوشم (بالإبر) بليلة الزفاف، أو علاقة الوشم بلعب الأوراق.

ومن البين هنا أنه يعامل أدلة الثقافة الشعبية بعيدًا من تحققاتها الواقعية، سواء أكانت مجردة (معنى المثل المعياري كما هو في القاموس أو في الموسوعة(33)، كما في التمثل الشعبي العام غير المقيد بحادث معين)، أم متعينة واقعيًّا (استعمال المثل واقعيًّا ليدل على توصيف حالة مخصوصة). ومن ثم يقدم نموذجًا ممكنًا لتحويل الظواهر الثقافية إلى حوامل رمزية، وبذلك يتعالى على كل فهم تقليدي نكوصي. ويمكن الزعم أن هذين الموقفين الفكريين، من أشكال استعمال مكونات الثقافة الشعبية، يتساوقان مع مختلف التوظيفات في الفكر والأدب.


هوامش:

(1) Michel de Certeau, Arts de faire (Paris : Union générale d’éditions,1980).

(2) Maurice Halbwachs, La Mémoire collective (Paris : Albin Michel, 1997).

(3) عبدالله العروي، «مفهوم التاريخ»، المركز الثقافي العربي، 1992م.

(4) Charles Taylor, Sources of the Self, Harvard University Press, 1992.

(5) هي واحدة من أضخم وأقدم الملاحم الشعرية في العالم. تدور أحداثها حول صراع مَلَكي طويل بين فرعين من سلالة «كورافا» و«باندافا» على الحكم، وتتناول مفاهيم كبرى مثل الواجب الأخلاقي (الدارما)، والعدالة، والقدر، والحرب، والانتصار. وتُعدّ «المهابهاراتا» نصًّا مركزيًّا في تشكيل المخيال الجمعي الهندي، وهي تحتوي أيضًا على نصوص فلسفية وروحية بارزة، من أشهرها «البهافاد غيتا»  (Bhagavad Gītā) ويُنظر إليها على أنها مصدر روحاني وفلسفي في الهندوسية.

(6) هي ملحمة شعرية أخرى كبرى في الأدب الهندي القديم، تُنسب إلى الشاعر الحكيم «فالميكي». تُبرز الملحمة مفاهيم مثل: الإخلاص، والتضحية، والوفاء، والواجب الأخلاقي تجاه الأسرة والمجتمع. وتمثّل الرامايانا مرجعًا ثقافيًّا ودينيًّا مهمًّا في الهندوسية، وهي ركيزة من ركائز التقاليد الشفوية والاحتفالية في الثقافة الشعبية الهندية.

(7) Jan Assmann, Cultural Memory and Early Civilization: Writing, Remembrance, and Political Imagination, Cambridge University Press, 2011.

(8) فاطمة المرنيسي، «الخوف من الحداثة: الإسلام والديمقراطية»، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، المركز الثقافي العربي، 1992م.

(9) Edward Said, Culture and Imperialism, Vintage, 1993.

(10) James C. Scott, Domination and the Arts of Resistance, Yale University Press, 1990.

(11) Malinowski, Bronislaw. ‏Myth in Primitive Psychology. London: Kegan Paul, 1926. P.23.

(12) السِّعْرُ: هو الذئب أو الكلب الذي يأكل الناس وبخاصة الأطفال. انظر: العبودي، محمد بن ناصر: كلمات قضت، الرياض، دارة الملك عبدالعزيز، ط1، 1423هـ، ج1، ص484.

(13) السبيعي، بداح بن فهد: معجم الكائنات الخرافية في تراث المملكة العربية السعودية، الدوادمي، دار أهوى للنشر، ط1، 1447هـ، ص29.

(14) خِرْقَة: القطعة من الثوب، والخرقة الممزقة منه. انظر: السويداء، عبدالرحمن بن زيد: فصيح العامي في شمال نجد، الرياض، دار السويداء للنشر والتوزيع، ط1، 1407هـ، ج1، ص233.

(15) السبيعي، معجم الكائنات، ص148.

(16) السبيعي، معجم الكائنات، ص148.

(17) قَحَم: كبير السن. انظر: العقيلي، محمد بن أحمد: معجم اللهجة المحلية لمنطقة جازان، جدة، تهامة، ط1، 1403هـ، ج1، ص136.

(18) السبيعي، معجم الكائنات، ص138.

(19) السبيعي، معجم الكائنات، ص63.

(20) السبيعي، معجم الكائنات، ص71.

(21) تسجيل صوتي: محمد بن زيد بن حنتوش، قسم الذاكرة السعودية، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، 2/8/1447هـ.

(22) تسجيل صوتي، محمد بن حنتوش، 2/8/1447هـ.

(23) العبودي، محمد بن ناصر: شجر البرية وأعشابها، الرياض، دار الثلوثية، ط1، 1436هـ، ص360.

(24) مُنَقْرَش: مُزخرف، مُزيّن. انظر: مُعجم الرياض للغة العربية المعاصرة https://dictionary.ksaa.gov.sa/result/مُنَقْرَش .

(25) السبيعي، معجم الكائنات، ص١٢١.

(26) «الأيديولوجيا العربية المعاصرة»، المركز الثقافي العربي، 1995م. ص 224.

(27) علي علاوي، «فلسفة المسرح: نحو تفكيك آليات الفكر المسرحي العربي»، أطروحة مرقونة، كلية الآداب بنمسيك 2025. ص 302.

(28) نفسه، الصفحة نفسها.

(29) نفسه، ص303.

(30) «الإيديولوجيا العربية المعاصرة»، مرجع سابق، ص: 224.

(31) «يعد عبدالكبير الخطيبي من أبرز المفكرين والنقاد الذين أثروا في النقد الفرنسي، حتى قال عنه رولان بارت: «عبدالكبير الخطيبي هو أحد المفكرين المعاصرين القلائل الذين يحاولون التفكير في مسألة الاستعمار لا بوصفها واقعة سياسية فحسب، بل كعملية تمس اللغة، واللاوعي، والذاكرة».

(32) عبدالكبير الخطيبي: «الاسم العربي الجريح، ترجمة محمد بنيس، منشورات الجمل. بغداد، بيروت. 2009م.ص: 36.

(33) Umberto Eco, Le signe Histoire et analyse d’un concept, Paris, éd. Labor, 1988, انظر الصفحة 159.

الخوف  من المستقبل

الخوف من المستقبل

لماذا‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬المستقبل؟

أم‭ ‬الزين‭ ‬بنشيخة‭ ‬المسكيني – ‬باحثة‭ ‬تونسية

يبدو المستقبل اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، المكان الأكثر هشاشة وإثارة لمشاعر الخوف بين البشر الحاليين. فما يحدث على سطح الكوكب من اختلالات بيئية واحتباس حراري يهدّد بعالم غير قابل للسكن. وما يحدث من تطور غير متوقع للذكاء الاصطناعي قد يجعل ذكاء البشر في القريب العاجل مجرّد استعارة لغوية. أمّا الشيء الأكثر تهديدًا فهو السِّلْم العالميّ وحق جميع البشر في الحياة. إنّ الحروب الدائمة التي تجري اليوم أمام الجميع، تهدّد بتحويل الأرض إلى مذبحة. لم يعد التفكير في المستقبل إذن حلمًا بعالم أجمل، بل صار خوفًا كونيًّا من الكارثة.

قال الشاعر الفرنسي بول فاليري، في بعض نصوصه: «إنّ المستقبل لم يعد كما كان». وقال والتر بنيامين: «التقدّم هو الكارثة». وتكلّم سيوران عن «مرتفعات اليأس»، وحدّث أغمبان عن «الشجاعة على اليأس». إنّ كلّ هذه المواقف الفلسفية إنّما تدقّ نواقيس الخطر: إلى أين تسير الإنسانية؟ هل تسير إلى حتفها؟ هل نحفر قبورنا بأيدينا وعقولنا؟ أم إن ثمّة إمكانيات مغايرة للتفكير في الأمل، وإنْ وُلِدَ هذا الأمل على أعتاب الكارثة؟

لقد تعدّدت المقاربات حول الخوف من المستقبل: كتب إرنست بلوخ، منذ خمسينيات القرن الماضي، كتابًا ضخمًا حول «مبدأ الأمل» في «ما ليس بعدُ» وأجابه الفيلسوف الألماني هانس جوناس بكتاب عنوانه: «مبدأ المسؤولية» وفيه يقترح مبدأ الخوف من المستقبل كإستراتيجية عقلية نظرية تدفع الإنسانية إلى التفكير بشكل جدّيّ في إمكانية المستقبل من عدمه على كوكب الأرض. وفي كتاب مهمّ جدًّا بعنوان: «المستقبل، مقدّمة وجيزة»، للكاتبة البريطانية جينيفر م. غيدلي، نجد تصوّرًا كاملًا لضرب من «التفاؤلية» كحلّ لهذا الخوف العالمي من المستقبل. نقرأ: «نمتلك جميعًا المقدرة على إبداع ما نرغب فيه من المستقبليات.. وما دام المستقبل هو المكان الوحيد الذي نمتلك فيه شيئًا من الحرية، فإنّه موقع سلطة عظيمة»(1).

هل ثمة مستقبل في انتظارنا؟ أم نحن إزاء كارثة تهدد وجودنا نفسه؟ لماذا الخوف من المستقبل؟ وهل بوسعنا مواجهة هذا الخوف بدلًا من الانخراط فيه؟ كيف يمكننا إنقاذ المستقبل من التهديدات التي تحفّ به اليوم؟

تتوزّع خطّة هذا المقال على ثلاث مراحل نقوم فيها بمعالجة المسائل التالية: أولًا أي معنى لمفهوم المستقبل؟ ثانيًا ما أسباب الخوف منه؟ ثالثًا كيف بوسعنا إنقاذ إمكانية الحياة الكريمة في العالم وضمان مستقبل لأطفالنا الذين لم يولدوا بعدُ؟

أيّ معنى لمفهوم المستقبل؟

تعود ولادة السؤال عن المستقبل بحسب السردية الغربية إلى ظهور فكرة التقدّم التنويرية بوصفها جوهر المشروع الأخلاقي للحداثة. غير أنّ المتأمل في التاريخ البعيد للإنسانية القديمة يدرك أنّ فكرة المستقبل إنّما تعود إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. لقد وُلدت هذه الفكرة كإمكانية للتنبؤ بما سيحدث مع العرّافات والكهنة في الشرق القديم، ثمّ استأنف الأنبياء هذا المفهوم على نحو مغاير في الديانات التوحيدية. وهو المعنى الذي يصرح به كتاب جينفر م. غيدلي التي تكتب حول المستقبل قائلة: «لقد استوحاه الأنبياء وتنبّأ به الكهنة، وجرى تخييله واستعمارُه والخوف منه والتكهّن به، ووضع إستراتيجيات له وخلقه»(2). إنّ المستقبل بهذا التوصيف هو مجال تزاحم حوله رجل الدين مع العالِم والفنان والسياسي معًا. فهو مجال للتنبؤ بما سيحدث، وهو أيضًا مجال للمخيلة الإبداعية تعلق الأمر بالخلق الفني أو بالاختراع العلمي، وهو أخيرًا مجال يجري استعماره والسطو عليه وبرمجته وفق إستراتيجيات وخرائط سياسية.

تعود إذن ولادة مفهوم المستقبل إلى أقدم الديانات الشرقية أي الزرادشتية (نحو 628 ق.م). وتُعَدّ محاورة «الجمهورية» لأفلاطون (380 ق.م) بمنزلة أول كتاب فلسفي يقترح يوتوبيا فلسفية لمدينة عادلة. ويظهر المفهوم في علاقة بمسألة الزمان في كتاب القديس أغوسطينوس «مدينة الله» (426م)، بوصفه أول من اشتغل على التصور الخطي للزمان من جهة ما يتضمن الماضي والحاضر والمستقبل.

وتمثل «مدينة الشمس» للفيلسوف الإيطالي توماسو كامبانيلا (1623م)، من أوائل الأعمال الأدبية اليوتوبية. ولقد استأنفت رواية «أتلانتس الجديدة» (1626م) للكاتب الإنجليزي فرانسيس بيكون هذا النوع من اليوتوبيا التي تقترح إمكانيات مغايرة للمستقبل. ولقد مثّلت كل الثورات السياسية والصناعية والرقمية والطبية والفنية إمكانيات رمزية لاختراع مستقبليات مغايرة. فالمستقبل هو ما لم يحدث بعدُ، أي هو ما يمكن أن يحدث في زمن آتٍ لا نعرفه إلا على سبيل التنبؤ أو البرمجة الافتراضية.

هنا يتنزل المستقبل ضمن زمان متخيّل يفصل بين الواقع والخيال. لكنّ هذا الزمان المتخيّل يمكنه دومًا أن يكون أفضل أو أكثر سوءًا من الواقع نفسه. ليس مفهوم المستقبل إذن مفهومًا يدعو إلى التفاؤل دومًا كما اعتقد طويلًا أصحابُ المشروعات اليوتوبية الحالمة بِغَدٍ أجمل. يمكن للمستقبل أن يتحوّل إلى كارثة أيضًا. ليس المستقبل إذن خبرًا سارًّا دومًا، إنّما هو مكان مخيف ومرعب ومدعاة للحزن أحيانًا كثيرة؛ لذلك اختصم الفلاسفة والعلماء والأدباء والفنانون والسياسيون أيضًا في شأن ما يكونه المستقبل: مجالًا للحلم أم مساحة لحدوث الكارثة؟ إمكانية للأمل في غد أفضل، أم خوف من انقراض العالم نفسه؟

لماذا نخاف من المستقبل؟

تعاني الإنسانيةُ الحالية ثلاثةَ أسبابٍ للخوف من المستقبل: الأزمة الإيكولوجية، ومخاطر الثورة الرقمية، وفظاعة الحروب الدائمة. أمّا عن الأزمة الإيكولوجية التي يهدد بها الاحتباس الحراري بكل أشكال الاختلال البيئي، فهي تمثّل مصدر قلق إنساني كونيّ خوفًا من الكوارث المناخية التي بدأت الإنسانية تعاني تبعاتِها منذ سنوات. وقد شُخِّصَتْ هذه الأزمة المثيرة للخوف من المستقبل منذ سبعينيات القرن الماضي حيث استشرف بعض المفكّرين الأورُبيين على ضرورة إعادة النظر في علاقة البشر بالطبيعة وذلك من جهة اقتراح ضرب من «الإيكولوجيا العميقة» (1973م)(3)، من طرف الفيلسوف النرويجي أرن ناييس.

وهي مقاربة استأنفها بشكل أكثر راديكالية الفيلسوف الألماني هانس جوناس في كتابه «مبدأ المسؤولية» (1979م)(4)، حيث شُخِّصَت الأزمةُ الإيكولوجية من منظور مفهوم «استكشافية الخوف» كدافع وجودي لتأسيس إتيقا حماية العالم من الانقراض. فالخوف من المستقبل يُستعمَل هنا كإمكانية موجبة لضرورة مواجهة أخطار الاختلال البيئي بما هي تهدّد إمكانية الحياة على الأرض مستقبلًا. وهذا الخوف إزاء مستقبل الحياة على الأرض، هو الذي يغذّي منذ سبعينيات القرن الماضي كل الحركات الإيكولوجية العالمية. وهو خوف وجودي جماعي كوني يجعل فكرة المستقبل فكرة غامضة ومثيرة للقلق، وهو ما يفسر حالات الاكتئاب الفردية والجماعية في عصر وصفه الفلاسفة بعصر الاكتئاب المعولم.

وهو اكتئاب لا يجد دوافعه في الأزمة البيئية فحسب، بل في الخوف من المستقبل مثلما تصمّمه اليوم الثورة الرقمية وتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي. ففِيمَ يتمثل الخوف من سيادة العوالم الرقمية على عقولنا وعقول أبنائنا؟ وأي معنى لهذه الرغبة المسعورة في أعماق معظم سكّان الأرض في أن يكون المرء «متّصلًا»(5)؟ هل أصبح الجميع سجينًا للشبكة العنكبوتية وللعوالم الافتراضية؟ أي خطر للثورة الرقمية على حياة الناس وعقولهم؟ بعض العلماء دقوا ناقوس الخطر، وظهر مفهوم «الطفولة السامّة» أو «تآكل الطفولة»، وذلك هو أكثر الأشياء إثارة للقلق حول مستقبل أطفالنا.

لقد فقدت فكرة الطفولة نفسها معناها العميق: العلاقة بالحياة في عفويتها وحيويتها وطابعها المباشر وتعويضها بمرض العصر أي الإدمان الرقمي. هل ينبغي عد الذكاء الاصطناعي كارثة أم هو المستقبل الوحيد للإنسانية؟(6) ربّما ليس بوسعنا الإجابة عن أسئلة المستقبل، لكنّ الأسئلة العالقة إنّما تبقى دومًا بالنسبة إلى عقولنا مصدر خوف وقلق مما تخفيه لنا في غموضها العميق الذي يتجاوز أحيانًا قدراتنا الحالية.

أمّا عن الخوف من الراهن السياسي العالمي من جهة فظاعات الحروب على الشعوب المستهدفة، فربّما يكون أخطر أنواع المخاوف تجاه المستقبل. لقد عانت الشعوب، طيلة تاريخها، شتى أنواع الحروب، ولعلّنا قد أدركنا أكثرها فظاعةً. وعليه فإنّ الخوف من المستقبل، ليس مجرّد شعور نفسي فرديّ يمكن معالجته ببعض العقاقير والمهدّئات الخاصة بالأمراض النفسية، إنّما نحن إزاء خوف جماعي كوني لإنسانية أصبحت مهدّدة في إمكانية وجودها نفسه. بعض الفلاسفة وصف المجتمع المعاصر بمجتمع الفرجة(7)، وبعضهم وصفه بمجتمع الاحتقار(8)، لكن الكاتب الفرنسي كريستوف لمبار يرى أنّنا أصبحنا نعيش في مجتمعات الخوف(9)، وهذا الأمر قد يجعل البشر الحاليين أكثر الإنسانيات قلقًا وهشاشةً واكتئابًا.

كيف ننقذ المستقبل؟

إنّ مهمّة إنقاذ المستقبل من الكارثة رهين لثلاثة شروط أساسية:

أولًا: العمل على تغيير السياسات المناخية بهدف حماية المنظومة البيئية من أشكال الاحتباس الحراري. وذلك يستوجب إرادة سياسية تراهن على إنقاذ إمكانيات الحياة على الأرض، وإتيقا قائمة على المسؤولية تجاه السلامة الإيكولوجية للعالم، وإستراتيجية قائمة على التنمية المستديمة.

ثانيًا: العمل على برامج توعوية في أفق فلسفة رقمية مغايرة تهدف إلى خلق سلوك جديد إزاء أخطار الثورة الرقمية، وذلك بتحويل الذكاء الاصطناعي إلى إمكانيات موجبة لتنمية قدرات البشر على تحسين جودة الحياة وضمان سلامة أطفال المستقبل.

ثالثًا: مقاومة السياسات العالمية القائمة على الحرب باختراع إستراتيجيات ناعمة من أجل الحوار والمصالحة والاعتراف بالثقافات الأخرى، وذلك بغرض إرساء معاهدات سلم دائمة بين الدول.

خاتمة

من أجل ألّا يكون المستقبل مفهومًا مخيفًا؛ علينا إرساء خطّة رُوحية ورمزية عميقة تقوم على مقاومة القحط الروحيّ، وذلك عبر الاستثمار في مجال الفنون عامةً. إلى جانب ضرورة إعادة التفكير في أهمية العلوم الإنسانية عامّةً؛ حتى يستعيد البشر اقتدارهم على تغيير العالم، فنحن نرى أنّ الفنّ بوسعه المساهمة في تحرير الإنسانية من مشاعرها الحزينة، واستعادة قدرة البشر على الفرح. ليس مِثل الفنّ مجالًا لصناعة الأمل في إمكانية ابتكار عوالم جديدة ومستقبليات أقل فظاعة. من أجل ذلك يمكننا العمل على إنجاز مشروع تربية فلسفية تهدف إلى تدريب الناشئة على سلوك إيجابي ونشيط إزاء الحياة، وهو أمر يقتضي العودة إلى الطبيعة، والعناية بأنفسنا بوصفنا كائنات جديرة بالكرامة والسلم والفرح أيضًا.

وحدها خطّة تربوية مغايرة يمكنها إنقاذ البشر من الخوف من المستقبل، وإنقاذ المستقبل من التحوّل إلى كارثة مرّة أخرى. ما نحتاجه هو تحويل المستقبل إلى باحة كبرى لزراعة الأمل. «فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل».(10)


مَخاوِف‭ ‬المجهول

على‭ ‬محكّ‭ ‬الفنون‭ ‬المعاصرة

بنيونس‭ ‬عميروش – ‬ناقد‭ ‬مغربي

يظل الإحساس بالخوف من المجهول أحد الإحساسات المؤثرة التي رافقت وجود الكائن البشري على مرّ العصور. بينما تضاعفت عوامل الخوف من المستقبل بالكثير من التشخيص العلمي في العصر الحديث، بوصفه حالة نفسية تتولد نتيجة ضغوط القلق المفرط الناجم عن تصوُّر تَخْمينات وتوَقّعات سلبية لما سيأتي من وضعيات ومواقف وظروف خفية في غاية الإبهام، وبخاصة أنه قد ارْتجَّت القِيم الثقافية في مطلع القرن العشرين واستفحلت هواجس الإنسان بمُساءلة مصيره داخل زخم الاختراعات والتحولات الأيديولوجية التي وسمت حقبة ما بين الحربَيْن العالميَّتَيْن وما بعدها، بحيث انبثقت انتفاضة الغرب الأورُبي لتُعيد النظر في طبيعة العلم والفكر والفن، وفي مسالك الحياة نفسها.

السوسيولوجي فرانك فوريدي

من ثمَّ، لم تكن الفنون في معزل عن تناول وتشريح مظاهر الخوف من المستقبل وخلفياته بحسب طبيعة كل جنس فني وما يتضمّنه من خصوصيات وإمكانات تعبيرية، لغوية وسمعية وبصرية وسواها، وقد تحولت الإنسانية إلى حَشْد مذعور، تعوقه العديد من المحاذير، وأضحى مفهوم الخوف يَسِم طبيعة العاطفة التي ميزت القرن العشرين منذ حِقبة الاستقرار الهش، وفق ما خلص إليه عالم الاجتماع البريطاني فرانك فوريدي في كتابه «ثقافة الخوف» (1997م)، حيث يتساءل عن إمكانية الفهم المتعلقة بجَعْل الخوف شكلًا من أشكال الثقافة، فيما يسلط الضوء على أطروحة البُعد الاجتماعي للخوف الذي غالبًا ما يُختَزَلُ في آثاره الفردية.

تدخّل الفن في الطبيعة

تَمَثَّل ذلك بشكل ملموس من خلال تنفيذ تصورات المَباني السَّفْلِية، في الوقت الذي أمسى فيه الخوف قوة دافعة لإبراز التحولات المِعمارية والعُمرانية في ستينيات القرن الماضي التي عرفت توجُّسًا كبيرًا من أخطار الصِّراع النووي الموجود حينها في كل مكان، وهي الأخطار التي ولَّدت ذلك الحماس المُرعِب في بناء المَلاجئ المُضادَّة للذرات، كما صَمَّمها المهندس المعماري جاي سويزي في نيويورك، وقدمها في المعارض الدولية ولقيت إقبالًا مُلاحظًا (ومنها معرض نيويورك العالمي، 1964م)، حيث دافع عن فكرة العودة تحت الأرض بكيفية إيجابية، على وصف أن هذه العَودة تُجنِّب مواجهة عناصر الطبيعة، ما يضمن الحماية من الإشعاع الذّرّي ومن كل تهديد تقريبًا، وفق أنظمة بناء جيولوجي يكتفي بتصميم نوافذ زائفة تحت الأرض. هكذا يقترح سويزي حبس المرء نفسه في جوف الأرض، بوصف ذلك أكثر من تحصين داخل عالم الخداع البصري الذي يروم خلق عالم مرح في نظره.

وفي مقابل اشتغال علماء البيئة بدورهم على فكرة الخوف، وعلى عواقب التهديد بنُدْرة الموارد، سيُبْدي رُواد «فن الأرض» اهتمامهم بكل حركة إيكولوجية في الستينيات، بينما يواجهون عناصر الطبيعة التي يتدخلون في مجالها، ضمن إنشاء أعمال فنية ضخمة مباشرة في الطبيعة، باعتماد عناصرها من تربة وماء وصخور وأخشاب، وهي الأعمال الزائلة التي تُوَثَّق بالصور الفوتوغرافية والفيديو.

هكذا، أنجز روبرت سمثسون رصيفه الحلزوني الأكثر شهرة؛ حَوَّل من خلاله أطنانًا من التراب والحصى إلى غرب الولايات المتحدة في 1970م؛ لخلق بنيات ضخمة تتخذ أشكالًا حلزونية للتعبير عن «النظام والفوضى» و«الصدفة والضرورة» بوصفها ظواهر طبيعية. بينما شَيَّدت نانسي هولت بناياتها الصرحية التي تقوم على معطيات أَسْتروفزيائية؛ منها «أنفاق الشمس» (1973- 1976م) والحلقات الحجرية والأبراج (1977- 1978م).

ومن الأعمال الشهيرة في الألفية الجديدة، نشير إلى عمل النيوزيلاندي مارتن هيل «تَضامُن» (2009م) الذي بحث من خلاله عن وُجود ديمومة بين رابطة إنْسِيَّة وغير إنسِيَّة في إطار تركيزه على النَّحْت البيئي والعودة إلى الطبيعة. كما نستحضر في السياق «عُشّ كليمسون كلاي» بتوقيع الألماني نيلس أودو، ويجسد عشّ عصفور عملاق (131x 200 سم) يصل وزنه إلى ثمانين طنًّا، شُيِّدَ في 2005م بحدائق ساوث كارولينا التابعة لجامعة كليمسون باعتماد مواد نباتية طبيعية وجدها الفنان في الموقع؛ وبالنسبة إليه، يرمز العُشّ إلى الطبيعة الأم، بينما ينوب عن الأرض بوصفها بيتنا الناعم.

الرأسمالية المتوحشة على الخشبة

بمثل هذه الأبعاد المفاهيمية المُترجَمة عبر العديد من التعبيرات والبناءات الهائلة في الهواء الطَّلْق، بات فن الأرض، منذ ظهوره في نهاية الستينيات، يروم إعادة ترتيب العلاقة العضوية بين الإنسان والطبيعة، ويعمل على خلق حافزات للَفْتِ النظر إلى الحفاظ على البيئة التي طالها التَّصَحُّر والتَّدْمير. ومن ثمَّ، توجه الفنانون صَوْب المجال البيئي لتَبْديد القلق والخوف من حصار الآلة وهيمنة التصنيع، فيما جعلوا من الأرض قاعدة مُشتركة تُمَكِّنهم من البحث عن الذات عبر العمل المُمتدّ، حيث استبدلوا إطار اللوحة بإطار الوجود الذي يُتيح لهم أفقًا تشكيليًّا لا مُتناهيًّا، يتجاوز قاعة العرض ليشمل العالم.

في حين، ظهر «مسرح العولمة»، مع أشهر كُتّابه المخرج المسرحي الألماني فالْكْ ريشتر ضمن حرصه على مناهضة هيمنة النزعة المادية التي صار معها الإنسان مذعورًا، فاقدًا لوِجْهَته، وقد أصبح مجرد رَقْم داخل مُتوالية هائلة من المُعاملات الحِسابية المُتعاقبة التي وَسَمت طبيعة المجتمع الاستهلاكي في نهاية القرن العشرين، المُزْدانة بالقنوات الفضائية ومنَصّات الدعاية وشبكات التواصل الرقمي التي قلصت رقعة العالم. عِلمًا أن الفن المسرحي، منذ سوفوكليس إلى اليوم، دأب إلى جانب الأدب على استدراج الرؤية المشهدية القَمينة بتمثيل واقع الحياة والتفاعل مع تقَلُّباتها.

كان من الطبيعي أن يعتمد مسرح العولمة في بناء رؤيته الفنية على تيارَيْن رئيسِيَّيْن سابقَيْن، يتجسَّدان في المسرح التَّسْجيلي، والمسرح المَلْحمي الذي انتشر على يد رائده الشاعر والمسرحي الألماني برتولد بريشت؛ إذ وجد هذا الأسلوب التعبيري أكثر قابلية لاستيعاب مرحلة ما بعد الحرب بأبعادها السياسية والاجتماعية، فعَمِل على كَسْر الإيهام، واعتمد مفهوم «التغريب» الذي يروم تغريب أحداث اليومي التي تبدو عادية؛ لتكون مثيرة للدهشة والتفكير. فيما ارْتَكن المسرح التسجيلي مع الكاتب والمسرحي الألماني بيتر فايس إلى المنهج الجدلي، مُستنبطًا مادّته من الكتابات الصحفية والمحاضر والأحداث الموثقة، مع تَبَنّي البَساطة والدَّلالة الرمزية. بينما يَعتبِر فالْكْ ريشتر أن المسرح ذاته جزء من الشبكة العالمية، حيث تظل العولمة الرأسمالية بالنسبة له، تُخَطِّط أسلوب حياة خاضِع لنظام غير مناسب لأغلب الناس، وهو ما يستدعي مقاومة العولمة المتوحشة التي لا تتوقف عن تكريس الاستسلام والشعور بالعجز.

الفنان نيلس أودو

في مسرح العولمة، يقدم ريشتر «كوميديا مُرعِبة» يكشف من خلالها الوعي بحقيقة التكنولوجيا وضحاياها، وكيف يمكن لعمليات جامحة أن تنتج نظامًا مُنفلِتًا يؤدي إلى ضياع الذاكرة والتاريخ. تلك هي الرؤية التي يُعالجها بقدر من العُمق في أعماله («مَدينة إلكترونية»، «حالة استثنائية»، «سبع ثوانٍ» وغيرها) التي تنصبُّ في الأساس على الحياة المُعاصرة، وما يتعرض له الإنسان من قَلَق وأهوال خضوعه لمنظومة قاهرة، عليه أن يُسايِرَها من أجل البقاء، كما في مسرحيته «تحت الجليد» (2004م)، حيث عمل على تفكيك عميق لضراوة هذه المنظومة وكيف تبلع أتباعها، من خلال البطل (باول نيمان) «المستشار في شركة متخصصة في تصفية الشركات والمصانع» الذي يرفع تقارير لمتابعة الإنتاج وتَنْمِيته، مع الوقوف على مُواصفات العاملين وسَيْر المُنافسة والمُثابرة، وهو ما جعل حياته لاهِثَة بين المطارات والفنادق ومواعيد العملاء؛ بُغْيَة جَمْع حيثيات أحكام التَّسْريح أو البَقاء بين العُمّال؛ للحفاظ على دَوَران الماكينة الموصوفة بقسوة لا إنسانية.

في توالي هذا الإيقاع المُضْني، يكتشف البطل بامْتعاض أنَّ دَوْرَه قادم لا محالة، وقد كُتِبت عنه التقارير من مُراقبيه، ليصبح مُهدَّدًا ويشعر بانتهاء دوره (الطرد!)؛ هو المستشار المُرْتاع الذي أنْفَق عُمْره في الشركة إلى أن فاق الأربعين. أمسى وحيدًا مُنْهَك العقل، لا يمتلك إلّا أن يدخل في صراع مع الذات والتحَدُّث إلى نفسه، في الوقت الذي عليه أن يُشَكِّل بمُفْرَدِه الجماعة التي يرغب في أن يكون بينها، ضمن رَتابَة حياة فاقِدة للمعنى، سائرة في التلاشي أمام عالم يتفسَّخ من حولِه. في مشهد المَصير، يتساقط الجليد إبّان المونولوغ الأخير، يتَجَمَّد الممثلون في صمت رهيب؛ تلك عاقبتنا!

السينما واستشراف الكارثة

مثل هذه المصاير التي تُهدِّد الإنسان المعاصر، نجد لها الكثير من التصوُّرات في السينما التي تناولت أيضًا أهْوال الحروب وتكهُّنات نهاية العالم وما يتعلق بالتلوث والأوبئة، حيث يتحول الخيال والفانتازيا لدى المؤلفين إلى ما يُحاكي مَخاوفنا، كما عاشه العالم سنة 2020م في ظل انتشار جائحة كورونا (كوفيد 19). ومن بين الأعمال السينمائية التي جسدت تجليات تفشي وباء يروم القضاء على البشرية، نشير إلى «Outbreak, 1995» («انْدِلاع»، من إخراج وولفغانغ بيترسن)، «Days later 28, 2002» («بعد 28 يومًا»، من إخراج داني بويل) الذي يتناول انتشار فيروس غامض في إنجلترا ويكشف كيف حاول قِلَّة من الناجين إيجاد مأوى يَقيهم الإصابةَ.

من ثمة، ستَعرف «السينما الزُّومْبِية» طفرةً إنتاجيةً بعد سنة 2000م، وهي نوع من أفلام الرعب والخيال العلمي، تتمحور على كائنات «ميتة حية» تقتات على لحوم البشر؛ لتعكس بدورها أعراض الأوبئة وحروب الفيروسات، وما يليها من تَحَلُّل المجتمع وصور التَّوجُّس البشري. كما عُولِج ذلك في أعمال سينمائية مثل فِلْم «حرب الزومبي العالمية» «World War Z, 2013» (إخراج دافيد فينشر) الذي يُشَخِّص أطْوار سَفَر موظف الأمم المتحدة السابق حول العالم من أجل إيجاد علاج لفيروس فتاك يهدد بإبادة البشرية. وفِلْم «قِطار بوسان» «Train to Busan, 2016» (إخراج سانغ هو يون) الذي يتناول أحداث ركاب قطار في أثناء سفرهم ضمن محاولتهم النجاة من فيروس يَمْسَخ البشر، ويحولهم إلى موتى أحياء (زومبي) في كوريا الجنوبية.

المسرحي فالك ريشتر

وفي السياق ذاته، نستحضر سلسلة أفلام «Resident Evil» (أنجزت بين عامَيْ 2002م و2016م) التي استوحاها بول أندرسون من لعبة فيديو بالاسم نفسه، وتدور حول عملية، بِقِوى خارقة، تهدف إلى مُحارَبة شركة فاسدة صنعت سلاحًا عُضويًّا يحَوِّل البشر إلى موتى أحياء. ومُجمل هذه الأفلام تستشرف المستقبل بقدر ما تعود منه، فيما تفتح ذِهْن المشاهد على حقيقة أن هذا العالم الذي نعيشه باسم التقدم والبحث العلمي، لا يني يدفع المجتمعات نحو المجاعات والأوبئة والانْمِساخ، بينما يَهْدم أصول الأنْسَنَة ومُقوِّماتها.

في السياق ذاته، تنوعت مستويات التعبير عن الخوف من المستقبل في الموسيقا العالمية عبر المؤثرات، والإيقاعات المتسارعة، والأجراس المتنافرة، والنبرات العالية، ضمن توليف المقامات الصوتية المثيرة للريبة، وما يُرافقها من كلمات تُحاكي صُور الحروب والتدهور الاجتماعي والوجه السلبيّ للتكنولوجيا والقلق من المجهول عامة، كما في أنماط موسيقية مثل البانك والإلكترو.

وفي مقابل اعتماد التَّضادّات النغمية لخلق الإحساس بالخوف في الموسيقا الكلاسيكية، كما لدى سانت ساين وموسورجكي؛ نجد موضوعات غنائية ذات صلة، كما في قطعة «المستقبل» (1992م)، بتوقيع الموسيقيّ والشاعر الكندي ليونارد كوهين الذي يُصوِّر من خلالها مستقبلًا مظلمًا وفَوْضويًّا؛ وبصددها يُصرِّح بكَوْن حضارتنا وكل الأشياء الجميلة من موزارت إلى بوكوفسكي، تبقى مُجرَّد طلاء أظافر شرع في التَّشّقُّق لتظهر المخالب؛ وهذا ما نعيشه في عالم كشف عن مخالبه!

بناءً على ما سبق، تجدر الإشارة إلى لُزوم استدراج التساؤل عن مدى استثمار الذكاء الاصطناعي في الموسيقا والصوتيات واللغويات، كما في الفنون البصرية برُمَّتها، ومدى الإبقاء على جوهر الإبداع الإنساني، وما يتمتع به من حِسّ وِجداني ورُوحي ومُثُل عليا؟ والحال أن سنوات الألفية الجديدة قد ضاعَفت من حَجْم الارتياب من الآتي؛ إذ عرفت المزيد من احتداد النزاعات الإقليمية والتهديدات البيئية وتفاقم الانغماس في العالم الافتراضي، مع ما ولَّدَتْه جاذبية الخوارزميات من سلبيات تتصل بالتزييف، وانتهاك الخصوصيات، والهجمات السيبرانية، ورفع معدلات البطالة، في الوقت الذي لا يتم فيه استغلال الذكاء الاصطناعي كوسيلة جَسيمة لصالح الإنسان، بالانْتِفاع من كفاءته المُذْهِلة في تنفيذ المَهامّ وتَقْويمها.


الخوف‭ ‬من‭ ‬المستقبل‭: ‬عندما‭ ‬تتحوّل‭ ‬حماية‭ ‬الطفل

إلى‭ ‬مصدر‭ ‬قلق‭ ‬وجودي‭ ‬للأسرة

ساري‭ ‬حنفي – ‬باحث‭ ‬فلسطيني

في عالم يتّسم بتسارع التحوّلات الاجتماعية والسياسية، لم يعد الخوف من المستقبل شعورًا فرديًّا عابرًا، بل أصبح تجربة جماعية تعيشها مجتمعات بأكملها. هذا الخوف لا ينبع فقط من الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل أيضًا من السياسات التي يُفترض أنها وُضعت لحماية الإنسان، لكنها قد تتحول -في بعض السياقات- إلى مصدر قلق وعدم يقين. ومن أبرز هذه الحالات ما يتعلق بسياسات حماية الطفل في بعض الدول الأورُبية، حيث يتقاطع الأمني بالاجتماعي، ويتحوّل القلق إلى شعور دائم بالتهديد لدى الأسر، وبخاصة المهاجرة منها.

من الطمأنينة إلى القلق: تحوّل وظيفة الدولة

تقوم الدولة الحديثة، نظريًّا، على توفير الحماية والرعاية لمواطنيها، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال، غير أن هذا الدور قد ينقلب في بعض الأحيان إلى مصدر خوف، عندما تُمارَس السلطة بشكل فوقي، وبمنطق قائم على الشكّ بدلًا من الثقة. ففي حالة السويد، مثلًا، تشير بعض الدراسات إلى أن تدخل الخدمات الاجتماعية في شؤون الأسرة، بما في ذلك انتزاع الأطفال من ذويهم، أصبح ممارسة متكررة، أحيانًا من دون توافق أو حتى فهم مشترك مع الأسر المعنية.

وفقًا للإحصاءات السويديّة الرسميّة لعام 2020م، والصادرة عن المجلس الوطني للصحة والرعاية، انتُزع 3486 طفلًا ومراهقًا من أُسَرهم، وأُسكِنوا في بيوت جديدة تابعة لقطاع الرعاية الاجتماعية من دون موافقة أسرهم، وهو ما يُسمَّى الرعاية القَسريّة بموجب قانون رعاية الشباب (LVU)(11). بدا لي هذا الرقم ضخمًا بالنسبة لدولة يبلغ سكانها 10 ملايين نسمة، لكنّني فوجئت بأنّه كان أضخم عام 2008م، حين أُخذ نحو 15800 طفل ومراهق (دون سن 18 عامًا)(12) من بيوت أهليهم؛ منهم 4800 وُضِعوا تحت الرعاية القَسريّة(13). وقد يكون الرقم الحقيقي أعلى كثيرًا بالنظر إلى أشكال القَسر الخفيّة التي لا نراها في السجلّات الرسميّة لما يُصنَّف رعاية طوعيّة(14). لكنّ انتزاع الأطفال من أهليهم قَسْريًّا مرارًا وتكرارًا ليس ظاهرة سويدية فقط، بل نجدها في دول أخرى مثل النرويج وألمانيا.

وفق مقال كتبه ستيفن بينيت لعام 2016م، «من بين كلّ 1000 طفل، هناك 101 منهم يسكنون في دور الرعاية البديلة التابعة [لخدمات رعاية الطفل النرويجية]، وفي 71 في المئة من الحالات يَحدُث ذلك من دون موافقة أهاليهم البيولوجيِّين. وللمقارنة، في ألمانيا، النسبة هي 9 بالألف و10 في المئة حالات القَسر، وفي السويد 8.2 بالألف و26 في المئة حالات القسر»(15). هذه الدول الإسكندنافية، ومعها ألمانيا، تختلف عن فرنسا اختلافًا كبيرًا؛ إذ ينخفض معدَّل انتزاع الأطفال بصورة كبيرة، ولا يكاد يحدث أيّ قسر. وفقًا لجوان-لامبير وسيرافين(16)، تبقى مرجعيّة الأهل قائمة في العلاقة مع الطفل إلّا في حالات الإخلال الخطير بالمسؤوليّات أو الإهمال المديد.

ولكن بالعودة إلى السويد، تشير تقارير حكوميّة إلى أنّ «الإساءة الجسديّة روتينيّة والتعنيف الجنسي شائع. ومن بين 798 فتًى وفتاةً في دور رعاية، ذكر 763 (96 في المئة) أنّهم تعرّضوا للتعنيف أو الإهمال؛ ومن بين 665 في المؤسَّسات، ذكر 462 (69 في المئة) أنّهم تعرّضوا للتعنيف أو الإهمال»(17).

هذا الواقع يخلق حالة من القلق العميق لدى الأهالي؛ إذ لم يعد المستقبل واضحًا أو قابلًا للتنبؤ. فمجرد شكوى من مدرسة أو جار قد تفتح بابًا لإجراءات قد تنتهي بفقدان الطفل. وهنا يتحوّل الخوف من المستقبل إلى خوف يومي: هل يمكن أن أفقد أطفالي؟ هل أُحاسَب على طريقة تربيتي؟ هل هناك معايير خفية لا أفهمها؟

الخوف كمنتج للسياسات الأمنية

يتفاقم هذا القلق عندما تتداخل السياسات الاجتماعية مع منطق الأمن. فقد أدى توسيع تعريف «الخطر» ليشمل تهديدات ثقافية أو سلوكية إلى ما يُعرف بـ«أمننة» العمل الاجتماعي، أي تحويله من خدمة إنسانية إلى أداة مراقبة وضبط. في هذا السياق، تصبح بعض الفئات -وبخاصةٍ المسلمون- موضوعًا للريبة، لا لشيء سوى لانتمائهم الثقافي أو الديني.

وهكذا، لا يعود الخوف مرتبطًا بسلوك فعلي، بل بهوية. الأسرة المهاجرة، تحديدًا، تجد نفسها أمام نظام لا يثق بها بالكامل، بل يراقبها باستمرار، ويعيد تفسير أفعالها وفق قوالب جاهزة. وهذا ما يخلق شعورًا عميقًا بعدم الأمان، ليس فقط في الحاضر، بل في المستقبل أيضًا.

تفكك الثقة: حين تصبح المؤسسات مصدر تهديد

أحد أخطر آثار هذا الوضع هو تآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات. فحين يشعر الأهل بأن النظام قد يتخذ قرارات مصيرية بناءً على معلومات ناقصة أو متحيزة، تتزعزع الثقة في العدالة. وقد أظهرت بعض التحليلات أن تقارير التحقيق في هذه الحالات قد تفتقر إلى الاتساق، وتعتمد أحيانًا على فرضيات مسبقة أو بيانات غير دقيقة. هذا النقص في الشفافية يعمّق الإحساس بالخوف؛ لأن المستقبل يصبح مرهونًا بقرارات غير مفهومة. فالأسرة لا تعرف كيف تُقيّم، ولا ما الذي يُعَدّ «مقبولًا» أو «مرفوضًا». وهنا يتحوّل الخوف من احتمال إلى حالة دائمة من التوتر الوجودي.

من أبرز مظاهر هذا القلق ما عبّر عنه بعض الأهالي من عجزهم عن ممارسة أبسط أشكال التربية؛ خوفًا من التدخل الرسمي. فحتى التوبيخ أو العقاب قد يُفسَّر كعنف، وهو ما يدفع الأهل إلى التراجع عن دورهم التربوي. هذا الوضع يخلق مفارقة خطيرة: الأسرة، التي يفترض أن تكون فضاءً للحنان والتوجيه، تتحول إلى مساحة خاضعة للمراقبة. والوالدان، بدل أن يكونا مصدر الأمان، يصبحان في حالة دفاع دائم. وهنا يظهر الخوف من المستقبل في صورته الأكثر عمقًا: فقدان القدرة على تربية الأبناء وفق القيم التي يؤمن بها الأهل.

الخوف الثقافي: صراع القيم والمعايير

يتعزز هذا القلق عندما يتقاطع مع اختلافات ثقافية. فالكثير من الأسر المهاجرة تجد نفسها أمام نظام يفرض نموذجًا معيّنًا للتربية والحياة، دون مراعاة كافية للتنوع الثقافي. وقد أشار بعض الباحثين إلى أن السياسات المتبعة غالبًا ما تكون فوقية، ولا تتيح للمهاجرين مساحة للتفاوض أو التكيّف الذاتي. في هذا السياق، يصبح الخوف من المستقبل أيضًا خوفًا من الذوبان الثقافي: هل سيُسمح لي بالحفاظ على هويتي؟ هل ستُعَدُّ قيمي تهديدًا؟ هل سيُنتزَع أطفالي لأنني أربيهم بطريقة مختلفة؟

من أكثر الجوانب إثارة للقلق هو ما يمكن تسميته «بناء صورة العدو». يطرح بو إدفاردسون، صاحب الخبرة الواسعة في تدريب العاملين الاجتماعيين في مختلف الجامعات السويديّة، عددًا من الأسئلة الثاقبة، مثل: «هل يصبّ هذا حقًّا في مصلحة الأطفال؟»، أو «هل نظريّة اصطياد الوحش مؤثِّرة في قرارات الخدمة الاجتماعيّة؟»(18). المقصود بـ«الوحش»، وفقًا لإدفاردسون، هو الوالدة أو الوالد، الذي ترسم له الخدمات الاجتماعيّة السويديّة صورة أبشع بكثير ممّا يقوله الواقع. ولفهم ذلك، طرح إدفاردسون مجموعة من الفرضيّات:

– الأهالي خَطِرون.

– الاضطهاد مشروع ما دام المحقِّق قد امتلك صورة ذهنية عن توحُّش الوالدَيْنِ البيولوجيَّيْنِ، وأراد إنقاذ ضحاياهما المزعومِين، أي الأطفال.

– يبدو أنّ تزوير الوثائق لغايات التحقيق مقبول.

– يقتصر التعامل، فقط، على المخبِرين المخلصين للنظريّة.

– يجري تجنُّب المخبِرين غير المخلِصين أو الأخبار المتناقضة.

– يجب أن تكون تقارير التحقيق إقناعيّة، وليست وصفيّة.

– في حالة حماية الطفل، يجب نشر نظريّة اصطياد الوحش لزيادة عمليّات الاصطياد.

– وجود النظريّة سيجلب داعميها. ستُجمَّع بيانات جديدة، وستبدو داعمة لفرضيّة الوحش، وسيُبلَّغ عنها لمنظمة الخدمات الاجتماعيّة. وسيؤدي الاستجواب المتكرِّر الموجَّه للأطفال إلى إجابات يمكن تفسيرها لتدعيم النظريّة.

– ثمّة مَن يفكر مليًّا في بناء إستراتيجيّات إقناعية واستخدامها.

– يجب اصطياد الأهالي المتوحِّشين الخَطِرين بعد انتزاع الأطفال.

– لا يجوز أن ينال الوحش معامَلة منصِفة.

– الخدمات الاجتماعيّة نادرًا جدًّا ما تعترف بأخطاء ارتكبتها في العمل الاجتماعي. ويبدو أنّ الاعتراف بوجود قصور مستحيل نفسيًّا بالنسبة إلى العاملين في الخدمات الاجتماعيّة(19).

هذه الرؤية تؤدي إلى ما يشبه «نبوءة تحقق ذاتها»؛ إذ تُفسَّر كل المعطيات بما يدعم الفرضية الأساسية، ويُتجاهَل ما يخالفها. في هذه الحالة، لا يعود الخوف من المستقبل مجرد شعور، بل نتيجة منطقية لنظام يُنتج القلق ويعيد إنتاجه.

الإعلام والشائعات: تضخيم الخوف

يلعب الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًّا في تضخيم هذا الخوف. فغياب المعلومات الدقيقة يفتح المجال للشائعات، التي تنتشر بسرعة وتزيد من حالة الذعر. وعندما تُقابل هذه المخاوف باتهامات بالتطرف أو التضليل، يتعمّق الشعور بالعزلة وانعدام الثقة. وهكذا، يصبح الخوف من المستقبل ليس فقط نتيجة للسياسات، بل أيضًا للخطابات التي تحيط بها.

في جوهره، يعكس هذا الوضع أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الحداثة نفسها. فالمجتمعات الحديثة، التي قامت على الفردانية والاستقلالية، تجد نفسها في مواجهة تحديات تتعلق بالتماسك الاجتماعي ودور الأسرة. وفي هذا السياق، قد تتحول بعض السياسات إلى أدوات لفرض نموذج معيّن للحياة «الجيدة»، حتى على حساب التنوع.

في فِلْمٍ وثائقيّ لإريك غانديني «نظريّة الحبّ السويديّة»، نجد انتقادًا شرسًا للفردانية المؤسَّسِيّة في السويد، بحسب مصطلح لارس تريغارد. ويبدو أنّ هذا النظام أنتج تكتُّلًا توافقيًّا هائلًا، وخصوصًا على مستوى الخطاب السياسي العام الذي تُديره السلطات الحكومية (بما في ذلك فروعها من شركات ناشئة تعمل في مجال رعاية الأطفال اليوم). هذا التكتّل يشتغل ضدّ كلّ من يرفضون وجود تصوُّر تغلُّبي للخير تفرضه الأكثرية الثقافيّة. لقد بذل عالم الاجتماع هانس زيتربيرغ جهدًا كبيرًا في قيادته لمشروع «الدولة الاجتماعيّة» الذي يدعو إلى تبنِّي «أفكار جماعاتيّة مثل الكرامة الإنسانيّة، والاعتماد على الذات، والمسؤوليّة الشخصيّة، ورعاية المجتمع المدني بديلًا عن رعايَتي الدولة والسوق»(20)، إلّا أنّ الفردانيّة بقيت جزءًا من ثقافة الدولة السويديّة، ولا تزال النموذج النظري الحاكم في البلاد.

وهنا يصبح الخوف من المستقبل تعبيرًا عن صراع بين رؤيتين: رؤية ترى في الفرد وحدة مستقلة، وأخرى ترى في الأسرة بنية أساسية للحماية والدعم.

نحو تجاوز الخوف: الحاجة إلى حوار

إذا كان الخوف من المستقبل هو النتيجة، فإن الحل لا يمكن أن يكون أمنيًّا أو تقنيًّا فقط، بل حواريًّا. فالمطلوب هو إعادة بناء الثقة بين الدولة والأسرة، من خلال الاعتراف بالتعددية، واحترام الاختلافات الثقافية، وتعزيز الشفافية في اتخاذ القرار. كما أن علم الاجتماع، وبخاصة في مقاربته التحاورية(21)، يمكن أن يلعب دورًا مهمًّا في فتح نقاشات جادّة حول هذه القضايا، بدلًا من تركها رهينة للخطابات المتطرفة أو التبسيطية.

خاتمة: بين الخوف والأمل

في النهاية، يكشف هذا النقاش عن مفارقة أساسية: السياسات التي تهدف إلى حماية المستقبل (الأطفال) قد تتحول إلى مصدر خوف منه. وهذا يدعونا إلى إعادة التفكير في معنى الحماية، وفي العلاقة بين الدولة والأسرة، وفي كيفية إدارة التعددية في مجتمعات معقدة.

فالخوف من المستقبل ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات وسياسات يمكن مراجعتها. وبينما يبقى القلق حاضرًا، فإن إمكانية تجاوزه تظل قائمة؛ إذا ما أُعيد بناء الثقة، وفُتح باب الحوار، ووُضع الإنسان، لا الأيديولوجيا، في مركز الاهتمام.


هوامش:

(1) جينفر م. غيدلي، «المستقبل: مقدمة وجيزة»، ترجمة رندة بعث، بيروت، 2018، ص. 203.

(2) نفسه، ص. 201.

(3) Arne Naess, L’Ecologie profonde, Paris, P.U.F, 2021.

(4) Hans Jonas, Le principe responsabilité, Traduit de l’Allemand par J.Greisch, Paris, Le Cerf, 1997.

(5) Connected.

(6) انظر: كتاب: ستيفان فيال، «الكينونة والشاشة: كيف يغيّر الرقمي الإدراك ؟»، ترجمة إدريس كثير، بيروت، هيئة البحرين للثقافة والآثار، 2018.

(7) Guy Debord, La société du spectacle, Paris, Buchet- Chastel, 1967.

(8) Axel Honnet, Société du mépris, Paris, La découverte, 206.

(9) Christophe Lambert, La société de la peur, Paris, Plon, 2007.

(10) الطغرائي، «لامية العجم».

(11) https://www.thelocal.se/20220222/fact-check-what-is-swedens-lvu-and-how-does-it-work. Access 12/4/2024.

(12) سأستخدم في هذا المقال مصطلح الأطفال للإشارة إلى الذين تقلّ أعمارهم عن 18 عامًا.

(13) Bo Edvardsson, “Child Protection Investigations in the Swedish Social Services – Are They Really Children ́s Best Interests? Is a ‘Hunting the Monster Theory’ Influencing Social Work and Decisions?,” School of Law, Psychology and Social Work, University of Örebro, 2010. https://shorturl.at/B6Djm.

(14) Gustav Svensson and Staffan Höjer, “Placing Children in State Care in Sweden: Decision-Making Bodies, Laypersons, and Legal Framework,” in: Kenneth Burns, Tarja Pösö and Marit Skivenes (eds.), Child Welfare Removals by the State: A Cross-Country Analysis of Decision-Making Systems (Oxford University Press, 2016), pp. 65–88, https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780190459567.003.0004.

(15) http://www.barnefjern.org/secrets-and-lies-inside-barnevernet/. Access 12/4/2024.

لإجراء تحليل مقارَن أكثر شمولًا حول نزع الأطفال من أسرهم في دول الرفاه الليبراليّة، يُنظر: Burns, Pösö, and Skivenes (2016);

وبما يخص الأخطاء والهفوات في حماية الطفل ينظر: Biesel et al. (eds.), ibid.

(16) Hélène Join-Lambert and Gilles Séraphin, “Dysfunctions in French Child Protection,” in: Judith Masson et al. (eds.), Errors and Mistakes in Child Protection: International Discourses, Approaches and Strategies (Bristol University Press, 2020), p. 195, https://doi.org/10.46692/9781447350927.011ed. Judith Masson et al. (Bristol University Press, 2020.

(17) Höjer and Kjellberg, “The Political- Administrative and the Professional Approach,” pp. 139–40.

(18) Edvardsson, “Child Protection Investigations in the Swedish Social Services.”

(19) Ibid.

(20) Rune Ervik and Nanna Kildal, New Contractualism in European Welfare State Policies, 1st ed. (Farnham, Surrey: Routledge, 2015), p. 15.

(21) ساري حنفي. ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2025م.

لطفية الدليمي: انحازت إلى قضايا المرأة ورسخت تجربة إبداعية متفردة

لطفية الدليمي:

انحازت إلى قضايا المرأة ورسخت تجربة إبداعية متفردة

لم تكن لطفية الدليمي مجرد كاتبة، لكنها كانت محركًا ثقافيًّا عظيمًا في مجتمعها ولحظتها التاريخية. فضلًا عن كتابتها القصة والرواية والمسرح، كانت مترجمة وصحفية كبيرة ومؤسسة منتدى ثقافي معني بشؤون المرأة وإبداعها. شغلت لطفية الدليمي، في أعمالها، بقضايا المرأة فدافعت عن حقها في الاختيار، وتحديد مستقبلها بنفسها، وتبنت العديد من المواهب، ودعمت كثيرًا من الكتاب، وصنعت الأمل لأسماء ووجوه كثيرة.

كانت لطفية الدليمي تاريخًا ممتدًّا من الكتابة، بدأته عام 1970م حين أصدرت مجموعتها القصصية الأولى «ممر إلى أحزان الرجال»، واستمرت في الكتابة مدة خمسين عامًا بلغة رصينة استقتها من كونها في البدء معلمة لغة عربية، ثم محررة في مجلة الطليعة، ثم مديرة تحرير مجلة الثقافة الأجنبية، ثم رئيسة لتحرير مجلة «هلا» النسائية، فأنجزت العديد من المجموعات والأعمال الروائية من بينها: عالم النساء الوحيدات، من يرث الفردوس، بذور النار، موسيقا صوفية، ما لم يقله الرواة، شريكات المصير الأبدي، خسوف برهان الكتبي، ضحكة اليورانيوم، يوميات المدن، سيدات زحل، مسرات النساء، عُشّاق وفونوغراف وأزمنة، وكتاب «مُدُني وأهوائي» الفائز بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي عن فئة أدب الرحلات عام 2017م. ودخلت إلى مجال المسرح والترجمة مشمولة بروح المغامرة، والقدرة على الولوج إلى المناطق الصعبة، وإثارة الأسئلة الكبيرة. كما كان لها اهتمام بالعلوم والفلسفة وكتبت وترجمت أكثر من كتاب في هذه المجالات، وهو اهتمام يكاد يكون نادرًا في أوساط الأدباء العرب. وبعد رحلة قصيرة مع المرض قررت الرحيل، لتمضي سريعًا كما لو أنها عاشت يومًا واحدًا يبدأ من 7 مارس 1939م حتى 8 مارس 2026م؛ لتترك لنا أعمالًا مهمة، وذكريات محفورة في أذهان أصدقائها ومحبيها.

لطفية‭ ‬الدليمي‭ ‬في‭ ‬نصوصها‭ ‬وفي‭ ‬حياتها

الجوهر‭ ‬المضيء‭ ‬في‭ ‬أقاليم‭ ‬الجمال

لؤي‭ ‬حمزة‭ ‬عبّاس‭ – ‬روائي‭ ‬وناقد‭ ‬عراقي

ليس من المصادفة أن يكون آخر مقال للكاتبة لطفية الدليمي بعنوان: «نعمة العيش بقلب لا يعرف الضغينة»، إنها كلمتها الختاميّة قبل أسبوع من تغوّل المرض الذي أطفأ الشعلة وطوى الصفحة وأفرد القلوع للرحيل، لكن من الغريب أن تكون كلمتها تلك تلخيصًا باهرًا وإيجازًا حكيمًا لمسيرة حافظت على تطلّعها لما هو جوهري في الكتابة والحياة، من (بهرز) في محافظة ديالى حيث وُلدت عام 1943، إلى (عمّان)، فضاء رحيلها، المدينة التي اختارتها مستقرًّا بعيدًا من بيتها، جنّتها المنهوبة في عامريّة بغداد.

كأنها في صُلب اختيارها الهجرة اختارت أن تكون في المكان الذي تتمكن منه من أن ترى العراق وتتنفّسه، وترى بيتها وترانا فيه، نحن الذين تذوّقنا رفعته وعشنا عذوبته، وعرفنا معنى أن يبني المرءُ بيتًا يعبّر عن هندسة أحلامه وروعة أمانيه، إنه البيت الذي لم تغادره مطلقًا، على الرغم من خسارته في مرارات الزمن العراقي.

تقول في نعمة العيش: «نحوز في حياتنا أشياء لو أدركنا قيمتها لخشينا فقدانها كما نخشى على أعمارنا: سلام الروح، وسكينة القلب، نبدّدهما بنزق غريب في خصومات لا ضرورة لها، وفي كراهية مستعجلة، وفي أزمات نصنعها بأيدينا، ثم نشكو ثقلها الضاغط على صدورنا». كلمات تُضيء بنور الحكمة وهي تجعل سلام الروح وسكينة القلب من جواهر الحياة الإنسانية التي لا يمنحها الإنسان ما تستحق من البصيرة والتأمّل، الأشياء الرفيعة التي طالما بخسناها وتعاملنا معها بقوة الاعتياد، لكن لطفية شقّت طريقًا فريدًا في فهم الحياة والتعاطي معها، الطريق الذي قادها إلى الجوهر الفريد، لتتنفس ضوء الحياة الناصع وتتلقّى إشاراتها البليغة، وهو الأمر الذي عمّق الإحساس بالصدمة لرحيلها، ففكرة الموت بدت لزمن ليس بالقصير غير متناسبة مع سيدة احترفت الجمال في أكثر معانيه سموًّا وتعاليًا، ووهبت حياتها للنور، ولم تكن حبيسة زمن مثقل بالهموم والآثام، إنها المرأة التي عاشت في قلب اللحظة العراقيّة وأدركت مبكّرًا عسر تناقضاتها، وحافظت، في الوقت نفسه، على حضورها بعيدًا منها، فكانت تغرف حكمتها من مياه سومرية أبديّة الجريان دفاعًا عن الحياة في مواجهة موت مجاني عميم.

الحق في مواجهة التوماهوك

في عام 2000م وكان قد مرَّ على العراق ما يقارب العقد من سنوات الحصار، أصدرت كتاب نصوص بعنوان: «ترنُّ الهواتف: لن نموت»، وهو الكتاب الذي أراه اليوم دفاعًا تفصيليًّا عن الحق في الحياة في مواجهة (مهرجان الدمع والتوماهوك) الذي أحاط بالعراق سنوات طويلة، في تلك السنوات كتبت خطابها «لمن يهمه الأمر»، وهو منذ اللحظة التي كُتب فيها كان موجهًا للّحظة الراهنة وللتاريخ على السواء، وقد عاشت فيه دورًا مركَّبًا مثل أية أم عراقيّة، دور الشهود والشهادة، كما يعبّر عنوان إحدى قصص مجموعتها (التمثال، 1977) التي تحكي فيها مشاهد من صلب الحسين بن منصور الحلاج، زمن الخليفة المقتدر، يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي القعدة 309 للهجرة: «ها هو الليل يهبط بسكون تشوبه الرهبة، وجو عاصمة الخلافة ثلوّثه التهم التي يصبّها الشهود المحترفون على جسد أبي المغيث الحسين بن منصور الحلاج الصوفي، وأوجه المحبين تنتظر بأسى انقضاض الخبر الصاعق: اليوم يُصلب».

خطاب لطفية الدليمي ينبثق من لحظة تاريخية فارقة ليسكن الراهن معبّرًا عن تجربة «مشتركة في مملكة الوجود الإنساني»، كما تكتب في القصة نفسها. إن التفصيلات التي سعت نصوص (ترنُّ الهواتف) لالتقاطها والتعبير عنها، تفصيلات الحياة العراقيّة اليومية المبدّدة بين ظلامين؛ ظلام السلطة القامعة، وظلام العدوان، وفي قلب هذه التفصيلات ينبض شعور عميق بالحياة ويجدُّ في الدفاع عنها، «نحن، عيّنة من فضاء غير أرضي، يهيّئون لنا مصاير من ثمار حرب النجوم.

ألسنا أسلاف عبدة الشمس والقمر والمياه؟

ألسنا وارثي المدن المقدّسة التي ولدت من سرّة الزمان؟

ها هم يصنعون من أجسادنا المرّصوصة في المحارق كوكبًا شرقيًّا في كون مائل».

في مجمل أعمالها في الرواية والقصة القصيرة والرحلة والمسرح والبحث والمذكرات، كتبت لطفية الدليمي ذاكرة الخوف والاشتهاء، ودوّنت حكايا مدن تتقلّب على ضفاف الليل والنهار وسط أمواج من وجوه وأسماء ومصاير وأحلام ونبوءات؛ ليحقق العمل الأدبي شهادته على قدرة الكلمة على السيرورة والحياة في ظلِّ التراجع والخراب، وهو ما عملت رواية (سيدات زحل، 2012) على مواجهته، وهي توثّق سردها بوقائع نصيّة يلتحم فيها الواقعي مع المتخيل، حتى ليبدو الواقع، في عنف تفصيلاته ووحشية عناصره، ضربًا من الوهم والهذيان، وصولًا للحظة يتبادل فيها كلٌّ من الواقع والخيال دوريهما وهما يدفعان بالرواية في طريقين متضادين تنبثق لحظة السرد بينهما نقطةً للتلاحم، ومساحةً للرصد والمعاينة، فقراءة سيرة مدينة مثل بغداد تتطلّب، بالضرورة، ذهابًا بعيدًا في تضاعيف الزمان، ونظرًا قادرًا على الفصل بين الحلم والاشتهاء، فالمنصور «لم يؤسّسها ولكنه حين اشتهاها، شاء أن يفتضّها كما يفعل بالجواري العذراوات كلَّ ليلة وينام على رائحة الدم وريق الإناث وعبق عرقهن.. فكَّ أسرها من قبضة الدهر، وكانت حيّة تنبض في رعشة الطين وتتنفس في حمحمة الحريق، وتكابد طوفان دجلة في خفاء الزمان»، إن المنصور لم يكن منفصلًا في لحظة التأسيس نفسها عن سلسلة العنف ودورة الاستبداد، فقد كان «كمثل جميع المستبدين قد اخترع مدينةً عظمى من رغباته الملكيّة وعنفه الدموي».

سرديات بيتها البغدادي

ومثلما شكّل الخليفة لحظةً مؤسّسةً في تأريخ المدينة، فإن لحظات أُخر ستوطّد نسيج الحلم والدم وصولًا لصورة المدينة الراهنة حيث تلتقط (حياة البابلي) إشاراتها وتهيئ قدراتها للسرد والمواجهة، فالسرد نفسه يتجسّد ضربًا من المواجهة والسؤال، تنزل حياة في زمن العنف إلى سرداب بيتها البغدادي، بما يضيئه من حضور رمزي بدرجاته الأربع عشرة ومرايا جدرانه وخزانة كتبه ومخطوطاته، محاولةً استعادة قدرتها على النطق وقد استغرقها السكوت، إنها تجلو في نزولها ما يحدث حولها، تكتشفه وتزداد بصيرة فيه، ليمثل النزول إلى السرداب نزولًا إلى الذاكرة، فسرداب البيت هو خزانة المدينة، روحها المكنوزة وحرفها المخبوء، وهو الموضع الذي تتقاطع فيه طرق الزمان؛ لتشهد الوقائع نوعًا من التكثيف يُهيئ للراوية فرصة أوسع لإضاءة تفاصيل قد تبدو خارج انشغالاتها، لكنه المأوى الأعمق في الوقت الذي يشهد البيت فيه تعديًا واختراقًا (يذكّر ببيت لطفية نفسه).

وهو، مع ذلك، يشهد اعتراض حياة وعنف مواجهتها حين تُعلن مغادرة المدينة؛ لتواصل لطفية الدليمي، عبر حياة البابلي، أو آسيا كنعان، أو زبيدة، سردها مدونةً مصاير أناس آمنوا بها، فاستأمنوها على حكاياتهم، مترقّبةً من خلالها مصير البلاد وما يمكن أن تؤول إليه قبل أن تتهاوى وتختفي؛ إن حدثًا فاصلًا مثل دخول القوات الأميركية بغدادَ لا يقف وحده خطًّا حاكمًا في بندول السرد، بل ينتسج مع مجموعة من الخيوط التي تتبرعم من الشجرة.

فإذا كانت الرواية تخضع في تحبيكها لمنطق محدّد، واضح ومعلوم، يكشفه السرد وينبئ عنه، فإن الحياة، بدورها، تتحرّك على وفق منطق لا يقبل التجزئة أو الفصل، وهو ما عملت الرواية على تأديته في مراقبتها حركة المدينة بين صعود وهبوط، ومتابعة أثر تحولاتها في مصاير شخصياتها، مثلما تراقب ماكنة الدكتاتورية وهي تجرّ البلاد، في اندفاعة وحش أعمى، من نفق معتم إلى آخر، فترسم ظلال الصراع على الجدران أشلاءً بشريّةً مهروسةً وأرواحًا محطّمة، الدور الذي أكملت تأديته ماكنة الغزو وعنف الجماعات المسلحة؛ ليؤكد السؤال أهميته، مثلما تكشف الإجابة قسوة براهينها: فكيف يمكن لعمل أن يختصر تاريخ الألم، وهو يأمل، بالمقابل، أن يوقظ ممكنات الجمال، ولو من خلال الرؤى والأحلام، لتحمل الكراسة الأخيرة في الرواية عنوان: «زهرة أوكيناوا أو الجمال»، لا لتقف عند زهرة الجمال الإنساني أو زهرة النجاة فحسب، بل لتخبئ حياة البابلي بذرتها الهلالية السوداء، في واحدة من ذرى العنف والألم، بانتظار زمن قادم بعد أن تموت الحروب وتتجلّى لها العلامة كما تجلّت لآخرين من قبل.

انفتاح الحكايات واتساعها

بين الكرّاسة الأولى من الرواية وكرّاسة الختام الخامسة والثلاثين لا تسرد حياة البابلي حكايتها وحدها، بل تنفتح الحكايات وتتسع بما يتهدّدها من اختفاء الأسماء وزوال أصحابها: «أنا حياة، وهذه كراساتي التي شرعت بكتابتها منذ سنوات ودوّنت فيها حكاياتنا، حكاية عشقنا الصاعق، قصص الفقد وأوجاع السجن والاختفاءات، عار الخصاء وبتر اللسان، خزي اغتصاب البنات، دوّنت أكثر من ثلاثين كرّاسة طوال كارثة الحصار وحرب الاحتلال، وكنت كلّما أنهيت واحدةً منها وعدت إليها أُفاجأ باختفاء الأسماء…»، وصولًا إلى لحظة لا يُعد اختفاء الأسماء فيها يعني حياة وهي تُدير عجلة الروي، فالحكايات، كما تصرّح، لنا جميعًا ونحن نتداول الأحزان والمسرّات والموت بتبادل مواقعنا.

فالأسماء «إرث نتقاسمه مع الزوال والنسيان»، لكن الحوادث تظلُّ، على الرغم من ذلك، موصولةً بأسماء أصحابها وهم بدورهم يُكملون فسيفساء المشهد مؤكدين تواشجه في سعي ملحمي لا تغدو الرواية معه «ملحمةً فرديّةً يتخذ فيها المؤلف حريّة تصوير الإنسان على طريقته»، بحسب تعبير غوته، بل ملحمة الجماعة وبيان حياتها التي لا تُعد حياة البابلي فيها غير العين الناظرة واللسان الناطق، وهي تتلبّس في فصول العذاب ما تروي من انكسار العلاقات، وانقلاب القيم، وتحوّل الطبائع والأحوال، متحمّلةً مخاطرة أن تروي، مدركةً ما ثبّته عبدالجبار النفري في موقف التيه بأن «في المخاطرة جزءًا من النجاة».

إنه وجه آخر من وجوه شهرزاد التي تُدافع عن الحياة بالحكاية، وتُعيد من خلال الحكاية بناء الحياة عبر وقائعها الحزينة المعتمة حيث «الجرحى يتراكضون -وقد انفجرت العبوة الناسفة قرب البيت- ويتركون وراءهم سطورًا من الدم»، السطور التي تنتظم من فصل إلى آخر، ومن شخصية إلى سواها، فلكلِّ شخصية مرآة حكايتها التي ترى حياة البابلي فيها تفاصيل حياتها وموتها، وهي في صلب ذلك، تترك لشخصياتها مهمّة ملاحقة الماضي الذي لا يتجلى بوصفه وثائق مجزوءة ووقائع متشظية بقدر ما يوطّد بلحمته نسيج الحاضر، فما بدّده الراهن تعمل رؤية الماضي على مقاربته وربط عناصره؛ لتظلَّ دائرة الصراع مفتوحةً، بعيدًا ممّا ارتهنت المدينة له من طوالع فلكية، فللحب، في النهاية، حضوره الطيفي في لجّة الخراب. ترحل لطفية الدليمي بعد أن كتبت كلمتها في سِفر الحياة العراقية، وكافحت طويلًا من أجل زمن يُعلي قيم الثقافة والجمال.


عبرت إلى ضفة النعيم الأبدي

ميسلون هادي – كاتبة عراقية

وأنت تضع قدمك على أرض العراق؛ اتجه بنظرك حيثما شئت. ستجد على كل بقعة منه شاعرًا أو مفكرًا أو روحًا صوفية ناحلة الخاطر؛ تطوف وتخفق بين الأرض والسماء. يرسم العراق روحه الأدبية من خ ال حضارة ممتدة لآلاف السنين، ونهرين ينقشان للحياة معنى النماء والنجاة والاستمرارية. ستكون الروائية لطفية الدليمي واحدة من هاته النسوة اللواتي صنعن للعراق نهره الثالث، ثم أثثت كل طية من طياته بمادة معرفية عميقة، وخبرات حياتية متراكمة، ومعلومات تاريخية موثوقة، نسجت من خلالها مئة عام من تاريخ العراق، والمنطقة، بلغة ثرية حسية متحركة.

أقل ما يقال عنها: إنها ساحرة، نابضة بالحياة والعاطفة، فواحة بالعطور، منغمة بموسيقا مشهدية رفيعة المستوى. هذا التفوق المشهدي في سردها يعود لأسباب عديدة، أهمها تشبع الكاتبة على مدى تاريخها بشتى المجالات المعرفية؛ من الموسيقا إلى الأدب إلى الفلسفة، ومن علم النفس إلى علم الاجتماع والتاريخ، فكانت تضع غلال هذه الحقول فوق مساحات كبيرة من أرضها التي فرشتها تحت الضوء، ثم دوزنت عصاها السحرية لاستعمال شذرات هذا الخزين في المكان والزمان المناسبين.

عمق التاريخ

وفقًا لباختين فإن «كل متكلم إلا ويحمل أفقًا اجتماعيًّا معينًا يعينه على اختيار الكلمات المناسبة». ولطفية الدليمي لا ترسم في كتاباتها حافات المياه أو الأشياء، بل ترمي بكل ثقلها في عمق التاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا، وستفتح لك باب الدخول إلى التاريخ العراقي، ثم باب الخروج منه إلى حديقته الخلفية، حيث نجد في كل كتاباتها، منجمًا من الروائح والأزمنة والأصوات والأطعمة والحواس. وهي التي تموّن أبطال رواياتها بالذوق الرفيع، والحكمة الناهلة من خزنة معرفية ووجدانية وتاريخية، تقدمها الكاتبة من خلال انتمائها الكوني العميق. تقول عن ذلك: «على غير ما درج الناس في أنسابهم، أحسّني أنتسب إلى سلالة مائية: سلالة أولئك السومريين الهابطين إلى دلتا النهرين من فردوس مفقود، قد أكون كاهنة من كاهنات القمر، أنا سليلتهم التي ضلّت في متاهات التاريخ، قد أكون إحدى الناجيات من حقب الطوفانات العظمى، أنقذني أتراحس، «نوح السومري»، في فلكهِ المحبوك من القصب، والمطليّ بالقار، وأتى بي من زمن إلى زمن. وجدني وحيدة عند معبد أور في برهة انهيار دويلات المدن السومرية، وانتشلني من لجج الغمر المائي، وأنا أحمل تمائمي وتعاويذي المتمثلة بالنبع الفوّار والقمر والبرق، وألقى بي في وحشة الزمن المعاصر وحيدة أيضًا، كما وجدني هنا».

في رصيد لطفية الدليمي 33 مؤلفًا؛ في القصة والرواية والمقالة والفكر الفلسفي، و25 كتابًا مترجمًا، و7 أعمال درامية، وعشرات الدراسات عن المرأة العراقية. كانت من أكبر المدافعات عن حقوق المرأة، والباحثات في أوضاعها الاجتماعية، ويشاء القدر أن ترتبط ذكرى رحيلها باليوم العالمي للمرأة في 8 آذار. عبرتْ لطفية الدليمي إلى ضفة النعيم الأبدي، وظلتْ أوراقها مزهرة في عنان المسافات الطويلة.


سيدة زحل في ارتقائها الأخير

رشا الربيعي – كاتبة وناقدة عراقية

ما زلتُ أتذكر أول جملةٍ كتبتها لي الكاتبة والمترجمة القديرة لطفية الدليمي، عام 2013م، حينما كنتُ أكتب مراجعاتٍ عن الكتب في مجموعةٍ ثقافية تحمل عنوان: «أنفي يطلق الروايات». حينها كنتُ أكتب للمتعة لا أكثر. كتبت قائلة: «عزيزتي رشا، أرى فيكِ بذرة كاتبة موهوبة، لا بد أن تُرعى، وأنا سأتحمل مسؤولية رعايتك بكل أمانةٍ ومحبة». ومنذ تلك اللحظة، غيّرت هذه الجملة مفهومي للكتابة والقراءة على حدٍّ سواء؛ فحينما تتبنّى كاتبة قديرة مثل (لطفية الدليمي) كاتبةً شابة، فلا بدّ أن تأخذ الأخيرة الكتابة على محمل الجدّ.

إعادة تشكيل

كانت تكتب لي بين حينٍ وآخر، تقترح عليّ قراءة كتبٍ مهمة، أو تُنقّح لي نصًّا أرغب في نشره. ومع مرور الوقت صار تواصلنا يوميًّا، ولمراتٍ عدة في اليوم. لم تكتفِ ملهمتي الخالدة بإعادة صياغة موهبتي فحسب، بل أعادت تشكيل شخصيتي، وعملت على تشذيب طباعي وتعزيز نقاط القوة فيها. تابعت، بكل ما تحتويه الأم من قدرة على العطاء، كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ فيَّ. كانت تقسو في أحيانٍ كثيرة حبًّا وحرصًا، رأت فيَّ ما لم يره الأقربون دمًا، فاستبشرت بولادة كاتبةٍ ناقدة، مثلما كانت تقول لي دائمًا: «ستتكرّسين كناقدة، شئتِ أم أبيتِ».

الصالون الثقافي

بعد خمس سنواتٍ من ذلك، تجاوزنا مرحلة المعلّم والتلميذ لننتقل إلى مرحلةٍ أجمل، هي الأمومة والصداقة. أسّسنا ما يشبه الصالون الثقافي، نتشارك فيه قراءة الكتب والمقالات، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات العالمية، ونتبادل مقاطع من الموسيقا الكلاسيكية، وأخرى لعمر خيرت، ونقرأ نصوصًا من المسرح العربي والعالمي.

من يعرف لطفية الدليمي عن قرب، يعرف مدى انضباطها العالي؛ فلولا دستورها الصارم الذي وضعته لنفسها، والتزمت به منذ عقود عدة، لَمَا غدت ظاهرةً ثقافية لا تتكرر في المشهد الثقافي العراقي والعربي. حينما يرد اسم الدليمي، فنحن نتحدث عن مشروعٍ متكامل يندر أن تجد له مثيلًا، عن تاريخٍ تجاوز الخمسين عامًا من الإبداع المتواصل في مجالاتٍ عدة، تنوّعت ما بين القصة والرواية والمسرح والترجمة والمذكرات وكتابة المقالات العلمية والفكرية والنقد الأدبي والثقافي. ركّزت الدليمي في مشروعها السردي على المرأة؛ لا بوصفها جزءًا من المجتمع فقط، بل بوصفها ربّة الحياة وملهمة الخلق والقوة. وفي روايتها «سيدات زحل»، وظّفت المرأة، عبر بطلة الرواية (حياة البابلي)، كذاكرةٍ للوطن، ومدوّنةٍ لكراساته التاريخية. تتميّز بطلات الدليمي غالبًا بامتلاكهن سمة الإصرار والعزيمة، وتمسّكهن بالأمل والحلم حتى في أصعب الظروف وأقساها.

الدفاع عن المرأة

لم تكتفِ لطفية الدليمي بالدفاع عن حقوق المرأة عبر نساء رواياتها ومجموعاتها القصصية، بل كانت ثيمة مشروعها السردي مرآةً لمشروعها الثقافي الشخصي؛ فتبنّت، منذ لحظة ظهورها الثقافي الأول، مشروع الدفاع عن المرأة وحقها في العيش الذي تختاره، وحقها بالرفض والقبول اللذين تقرّرهما هي، لا الآخر (الرجل). لكن ذلك لم يحدث عبر الخطابات النسوية المستهلكة، بل عبر فعلٍ ثقافي لا يعوّل على الضجيج الإعلامي، ليتحوّل هذا الفعل، فيما بعد، إلى مشروعٍ ثقافي راسخ ممتد عبر السنين.

يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: «نملك الفن كي لا نهلك بالحياة»، وأعتقد أن لطفية الدليمي ردّت على خسارات الوطن المتكررة، واغترابها القسري عن بغدادها التي تُحب، وعن منزلها وحديقتها الأثيرة، بالكتابة والترجمة والنقد؛ فلم تهلك يومًا حيّة، ولا أعتقد أنها ستهلك يومًا بعد ارتقائها الأخير.


لطفية الدليمي: سيدة الحرية

نرمين المفتي – كاتبة ورئيسة تحرير مجلة الشبكة العراقية

كنت أتابع كتابات النساء العراقيات باهتمام، فجذبتني سريعًا كتابات لطفية الدليمي. رحت -بصفتي صحفية- أبحث عنها حتى التقيت بها في أحد مهرجانات المربد، في نهاية الثمانينيات. وفي عام 1991م قررنا أن نؤسس «منتدى المرأة الثقافي». كانت الأجواء في ذلك الوقت أشبه بأجواء النكسة في مصر، عام 1967م، تدعو إلى اليأس من كل شيء، لكننا قررنا أنه لا داعي لليأس. تجمعنا معًا، نحو 35 امرأة من مجالات ثقافية مختلفة، من بينهن كاتبات وصحفيات ومغنيات وباحثات وناقدات، قررنا تأسيس المنتدى على أمل أنه لا يأس مهما كانت الخسارات.

وقتها أجريت حوارًا مهمًّا (للأسف لا أملك منه نسخة الآن، ففي عام 2003م أُحرقت الصحف ومقارها). كان حوارًا رائعًا بين شخصيتين نسائيتين هما الكاتبة والمترجمة الراحلة ناصرة سعدون، والكاتبة والمترجمة لطفية الدليمي. وقتها كنا قد بدأنا نتخلى عن اليأس، ورأينا أن يكون الكاتب هو هوراشيوس (من أعظم شعراء الرومان في القرن الأول الميلادي) الذي يقول الحقيقة فيما يعبر.

جروح في شجرة النخيل

في عام 2006م، وبمبادرة من الصليب الأحمر العراقي، أصدرنا كتاب «جروح في شجرة النخيل». صدر الكتاب عن دار رياض الريس، تحت إشراف الأستاذ نادر الدوماني، وضم عددًا من الشهادات لكتاب وإعلاميين ورسامين عراقيين مقيمين في العراق، كان من بينهم أحمد خلف وحسن العاني وأحمد سعداوي وسلوى زكو وأسماء محمد مصطفى وإرادة الجبوري ونرمين المفتي. وكانت شهادة لطفية الدليمي من أجمل الشهادات، وقد قدم للكتاب الروائي اللبناني الشهير أمين معلوف، بمقدمة حملت عنوان «شهادات من عراقيين ما يزالون في العراق».

وفي عام 2004م أسست لطفية مركز «شبعاد» لدراسات حرية المرأة، وفي عام 2005م رأست تحرير مجلة «هلا» النسائية، التي صدر منها أربعة أعداد فقط، قبل أن تتوقف عام 2006م. بعدها سافرت لطفية إلى فرنسا، ثم قبرص، ثم عادت لتستقر في عمان.

في مقالي «فنجان محبة» أسميت لطفية سيدة الحرية، وقلت: إنني لا أتذكر متى قرأت لها أول مرة، فقد كان ذلك قبل أن أتعرف عليها بسنوات، ولا أدعي أنني قرأت كل منجزها سواء بالتأليف أو الترجمة أو دراساتها، لكنها كاتبة تعرف كيف تجعل اللغة الصعبة طوع يديها، وتخرج لنا روايات نتفاعل مع شخصياتها وكأننا نتحاور معها، وبخاصة شخصياتها النسائية. ففي كل واحدة منهن شيء منها ومني ومن أية امرأة عراقية. أما ترجماتها فأهميتها توازي أهمية رواياتها وقصصها؛ لأنها دقيقة في اختيار العناوين، مهما كانت صعبة. ولطفية ليست كاتبة ومترجمة وباحثة من طراز خاص، هي أيضًا امرأة من طراز خاص، فهي سيدة بيت رائعة، تعرف كيف تفرح بضيوفها، وتسقيهم شاي الياسمين. وهي سيدة متصالحة مع نفسها، تعرف كيف ترد على من يناقضها أو يرفضها. امرأة تعشق الحرية وتحترم الآخر وتتقبله، لذلك أطلقت عليها لقب «سيدة الحرية»؛ لأنها من المدافعات عن الحرية بشكلها الصحيح، وبالأخص حرية المرأة في الاختيار.


أيقونة عراقية نادرة

عبد الأمير المجر – قاص وصحفي عراقي

لم تكن لطفية الدليمي أديبة فقط، كانت مثقفة من الطراز الرفيع، وهو أمر يكاد يكون نادرًا في أوساطنا الأدبية العربية عامة، والعراق خاصة؛ إذ تجد كثيرين من أصحاب المواهب في الشعر والسرد، لكنهم لا يتمتعون بثقافة عالية، بحكم انغماسهم في عالم الأدب وغوصهم في جمالياته. وهناك قلّة من المبدعين ممن يتمتعون بثقافة رصينة، لسعة اطلاعهم وانفتاحهم المستمر على النتاج الثقافي والفكري العالمي. وهؤلاء تجد أعمالهم مثقلة بالرؤى والأسئلة العميقة. ولطفية الدليمي تنتمي لهذا النوع من المبدعين المثقفين، فهي إضافة إلى اهتمامها الأدبي، الذي بدأته في عام 1970م بمجموعتها القصصية الأولى «ممر إلى أحزان الرجال»، ظلت متدفقة؛ إذ أصدرت العديد من الأعمال القصصية والروائية، وكذلك كتبت في المسرح. ولم يتوقف نشاط هذه المرأة التي بدأت حياتها مدرّسة للغة العربية؛ فكانت رصانتها في لغتها الأم مدخلًا لرصانة مماثلة في الترجمة، حيث ترجمت إلى العربية كثيرًا من الأعمال الأدبية والفكرية العالمية التي يصعب حصرها في هذه السطور.

سيدات زحل

في روايتها «سيدات زحل»، التي عرضت فيها لمظلومية المرأة العراقية، تناولت ما حصل للعراق من حروب وكوارث، تلمّستها بطريقة تنم عن سعة اطلاع وحساسية عالية، إضافة إلى مقدرتها على السرد الرشيق والمتلاحق. كنت وأنا أقرأ هذه الرواية، أتساءل مع نفسي: كم قرأت لطفية الدليمي، وكم دونت من ذكريات ومواقف قبل أن تبدأ رحلتها الكتابية؟ أو كم بلغ حجم قراءاتها قبل أن تكتب هذه الرواية؟!

فهي لم تكتب فقط عن بغداد، التي عاشت أهوال الحروب منذ أكثر من ثلاثة عقود، بل كتبت عن بغداد التاريخ القديم والحديث، ورموزها الثقافية المختلفة، وعن محنها الكثيرة والأهوال التي شهدتها على مرّ التاريخ. «يرى الشيخ قيدار أن بغداد تديم حياتها من بين نار ومذبحة وطاعون حتى يختم هولاكو عمرانها ببرج من جماجم، ويقيم تيمورلنك مئذنة من رؤوس أهلها، ويطلب من كل مغولي أن يأتي بعشرة رؤوس لرجال بغداديين، ولما لم يعثروا على المزيد من الذكور فقد عمدوا إلى جزّ رؤوس النساء وجعلوا رؤوسهن في عداد رؤوس الرجال!».

فهي تستعير، حكاية الطالع السيئ لكوكب زحل، وتسقط عليه ما حصل لبغداد، أو ما حصل لسيداتها اللواتي يتوزعن أحداث الرواية: «كان طالع بغداد يشتبك أمامي بطالع فتنة، وأنا أبصر في سماء المدينة ذلك الكوكب الرهيب الأزرق، وأشفق من النظرة الثانية إليه، لا أريد أن أصدق ظهوره في طالع المدينة، فذلك يحملني من الهم ما لا طاقة لي به، وأنا جاوزت الستين من عمر العناء».

لقد تجاوزت لطفية الدليمي مسألة الاهتمام بالمرأة، وإن حضر هذا في بعض نتاجها الأدبي، كونها باتت مثقفة كبيرة تحمل همًّا إنسانيًّا شاملًا.

من الرهبنة إلى العالم: رحلة متحف ومكتبة هيل من التراث البيندكتي إلى المخطوطات الإسلامية والشرقية

من الرهبنة إلى العالم: رحلة متحف ومكتبة هيل

من التراث البيندكتي إلى المخطوطات الإسلامية والشرقية

في زمن تتسارع فيه وتيرة النسيان، وتواجه فيه الثقافة الإنسانية أخطار الحرب والنهب والإهمال، تنهض مبادرات استثنائية تسعى لصون الذاكرة المكتوبة للبشرية. من قلب دير رهباني في ولاية مينيسوتا انطلقت عام 1965م مكتبة هيل للمخطوطات (HMML)، في مشروعٍ بدأ بتصوير تراث الرهبنة البيندكتية المهدد بالضياع في أوربا، وسرعان ما توسّع ليشمل كنوز المخطوطات من مختلف الديانات والثقافات، من إثيوبيا إلى العراق، ومن الهند إلى اليمن وسوريا.

تتبنّى HMML رؤية عابرة للحدود والانتماءات، تقوم على مبدأ الشراكة مع المجتمعات المحلية؛ لتصوير المخطوطات في أماكن حفظها، وإتاحتها رقميًّا للعالم، مساهمة بذلك في إنقاذ تراث عظيم طالما عانى أهوالَ الحروبِ أو وطأةَ الإهمالِ. في هذا الحوار مع «الفيصل»، يستعرض مدير المكتبة الدكتور كولومبا ستيوارت قصصًا ملهمة عن تحديات البناء في بيئات مضطربة، ونجاحات صغيرة وكبيرة في استعادة ما كاد يُنسى، ونكتشف كيف يمكن لمؤسسة بدأت بتوثيق التراث الرهباني أن تتحول إلى أكبر مكتبة رقمية للمخطوطات في العالم، حاملة رسالة إنسانية شاملة: الحفاظ على الذاكرة التراثية للبشرية.

من المخطوطات الرهبانية إلى التراث العالمي

  بدايةً، ما الدوافع وراء إنشاء هذا المتحف أو المكتبة لحماية تراث المخطوطات، وكيف استقبلت الجهات المعنية رسالته؟

  تحافظ مكتبة ومتحف المخطوطات الرهبانية (HMML) على التراث الخطي العالمي وتشاركه، بهدف إلهام فهم أعمق لحاضرنا ومستقبلنا. وتتكون مهمتنا من ثلاثة محاور رئيسة: الحفاظ الرقمي على المخطوطات النادرة والمهددة بالزوال، وأرشفة المخطوطات وفهرستها ومشاركتها عبر الإنترنت، وتعزيز البحث العلمي حول الفكر والثقافات التي تمثلها هذه المخطوطات.

تأسست مكتبة المخطوطات الرهبانية (HMML) في عام 1965م. وقد انطلقت فكرتها عام 1964م تحت اسم «مشروع التصوير الميكروفيلمي الرهباني» بهدف تصوير مكتبات الرهبنة البيندكتية في النمسا وألمانيا. كانت ذكريات الحرب العالمية الثانية لا تزال حاضرة، ومع تزايد الخوف من اندلاع حرب نووية في أوربا، أعربت القيادة الرهبانية في دير وجامعة سانت جون في كوليجفيل بولاية مينيسوتا عن قلقها من احتمال تدمير التراث البيندكتي.

لاحقًا في عام 1964م، أصبح المشروع برنامجًا تابعًا لجامعة سانت جون، تحت اسم «مكتبة الميكروفيلم الرهبانية للمخطوطات» (MMML). وبدأ التصوير الميكروفيلمي في النمسا في إبريل 1965م، وسرعان ما توسّع العمل ليشمل مكتبات دينية وغير دينية في أنحاء أوربا. وفي السبعينيات، انطلق مشروع حفظ كبير في إثيوبيا، ومنذ عام 2003م، بدأنا بالعمل في إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا أيضًا.

في عام 1975م، تغير اسم المنظمة إلى «مكتبة هيل الرهبانية للمخطوطات» (HMML) تكريمًا لرجل الأعمال والمحسن جيمس ج. هيل، الذي قدمت مؤسسته العائلية دعمًا أساسيًّا للمشروع في سنواته الأولى. وفي عام 2005م، عُدِّلَ الاسم ليصبح «متحف ومكتبة هيل للمخطوطات» (Hill Museum & Manuscript Library – HMML)، اعترافًا باهتمام المكتبة بمخطوطة «إنجيل سانت جون» وعرضها لها، إضافة إلى مجموعات الكتب النادرة والفنون التابعة لجامعة سانت جون. يعكس الاسم الجديد بشكل أوضح أننا لا نعتني فقط بالمخطوطات الرهبانية، بل بجميع أنواع التراث الخطي الذي يتوافق مع رسالتنا.

  هل يمكن أن تحدثنا عن آلية العمل وكيف تتم؟

  تبقى المخطوطات في حوزة المكتبات أو الجهات الحافظة لها؛ إذ تعتمد HMML منهجية تقوم على الشراكة مع هذه المكتبات والمراكز، حيث تُصوَّر المخطوطات في أماكنها، ثم تُنشر صورها الرقمية على الإنترنت؛ لضمان الحفظ الرقمي طويل الأمد وإتاحة الوصول إليها.

يبدأ عملنا بتوقيع اتفاقيات شراكة مع كل مكتبة أو جهة حافظة، تتيح لنا هذه الاتفاقيات تصوير المخطوطات رقميًّا ومشاركة هذه الصور مع الجمهور العام. ونستعين بِفِرَقٍ محليةٍ لتصوير المخطوطات في أماكن حفظها، وإنشاء نسخ رقمية لكل مخطوطة ضمن المجموعة. وإذا كانت المخطوطات في خطر مباشر أو يصعب الوصول إليها ماديًّا، فإن أي قرار بشأن نقلها يعود بالكامل إلى المكتبة أو الجهة المالكة للمخطوطات. وتُسلَّم نسخ رقمية من الصور للمكتبة أو الجهة الحافظة، كما تُرسل نسخ أخرى إلى مقرنا في ولاية مينيسوتا. وهناك يعمل مفهرسون وموظفون متخصصون على توثيق الصور الرقمية، وضمان دعمها وإتاحتها على المدى الطويل، وتوفيرها مجانًا للجمهور من خلال موقعنا الإلكتروني المعروف باسم «غرفة القراءة».

ليست كل الأبواب مفتوحة

  في رأيك، ما التحديات الرئيسة التي تواجه مشروعًا كهذا؟

  يُعد بناء علاقات ثقة مع أمناء مجموعات المخطوطات التحدي الرئيس دائمًا. ولحسن الحظ، حققنا نجاحًا كبيرًا في ذلك.

  مؤسس هذا المشروع شخصية دينية مرموقة. هل أثار ذلك أي شكوك لدى جماعات دينية متشددة في أنحاء مختلفة من العالم، وهل شكّل عائقًا أمام عملكم؟

  كان مؤسسونا عام ١٩٦٥م رهبانًا بينديكتين كاثوليك، وكان التركيز الأساسي على المخطوطات البيندكتية. وسرعان ما انتشر نشاطنا ليشمل جماعات علمانية ومسيحية أخرى، مع بذل جهود كبيرة في إثيوبيا في سبعينيات القرن الماضي، وفي الشرق الأوسط والهند منذ عام ٢٠٠٣م، عندما توليتُ منصب المدير التنفيذي. في عام ٢٠١١م، بدأنا في التعاون مع مجموعات من المخطوطات الإسلامية، وحظينا بترحيب حار من المسلمين من مختلف الأديان في إفريقيا والبوسنة والهند وباكستان. نسعى دائمًا إلى استقطاب من يشاركوننا قيمنا والتزامنا بدراسة التاريخ على نطاق واسع وشامل.

  هل تتلقون دائمًا ردود أفعال إيجابية من المؤسسات التي تستهدفونها؟ هل تشعرون بوجود إيمان حقيقي وقناعة راسخة بالمشروع الذي كرّستم له عقودًا من حياتكم؟ وما المؤسسات التي أبدت تعاونًا مثاليًّا معكم؟

  لا نبني دائمًا شراكات ناجحة. ننجح مع من يشاركوننا قيمنا في حرية الوصول إلى المعرفة من جميع الثقافات. يمكنكم الاطلاع على قائمة شركائنا هنا: https://hmml.org/collections/repositories/

  يرسل متحفكم فِرَقًا إلى المناطق النائية. كيف تُموّل هذه المشروعات؟ وهل تُساهم المؤسسات والمراكز والمكتبات التي تتعاونون معها في هذا التمويل؟

  تُعد مكتبة ومتحف هيل للمخطوطات (HMML) منظمة غير حكومية وغير ربحية. وتعتمد في تمويلها بالكامل على سخاء المؤسسات، والشركات، والمتبرعين الأفراد الذين يدعمون رسالتها. أما الرسوم التي تُفرض على الباحثين مقابل الحصول على نسخ من المخطوطات، فلا تمثل سوى أقل من 1٪ من الإيرادات السنوية للمنظمة، في حين تُتاح أغلبية المخطوطات مجانًا عبر الإنترنت أو من خلال زيارات مباشرة.

داعمونا الرئيسون هم صندوق أركاديا (لندن) ومعهد باكارد للعلوم الإنسانية (كاليفورنيا). معظم شركائنا غير قادرين على المساهمة ماليًّا في المشروعات، مع أنهم يوفرون المرافق، وفي بعض الحالات، الموظفين اللازمين للعمل. يمكن معرفة المزيد حول هذه المسألة من خلال تصفح صفحة «الدعم» في موقعنا.

  هل تقبلون أي تمويل يُعرض عليكم؟ هل سبق أن تلقيتم عرضًا من متبرع بشروط محددة؟

  نحن نحرص على قبول الهدايا بحذر، ولا نقبل الهدايا التي تتضمن شروطًا تُخالف سياساتنا. مع ذلك، يُمكن تقديم الهدايا لمشروع مُحدد، ونحن نُراعي نية المتبرع.

  لا يقتصر دوركم على الرقمنة فحسب، بل تقدمون أيضًا خدمات تعليمية، وتطبقون تقنيات تصوير متنوعة، وتقدمون رواتب ودعمًا ماليًّا للفرق العاملة على المخطوطات في البلدان التي تواجه أوضاعًا قاسية. كيف يمكنكم إدارة كل ذلك؟

  لدينا فريق متخصص من الموظفين في الولايات المتحدة وفروع دولية في كل منطقة نعمل فيها، يُمكّنون من إنجاز العمل. بفضل تفانيهم، نجحنا في تحقيق مهمتنا.

العمل في بيئات مضطربة

  في أثناء كل هذه السنوات من العمل، هل يمكنكم مشاركة أمثلة محددة على مخطوطات تمكنتم من حفظها عبر الرقمنة؟ وكيف ساعد التصوير في تأكيد ملكيتها؟

  دُمّر أو فُقِدَ العديدُ من المخطوطات التي رقمناها مع شركائنا في العراق خلال أزمة 2014-2017م في شمال العراق. وفي إثيوبيا، حيث راعينا التصوير بالميكروفيلم في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، فُقِدَ أو سُرِقَ العديدُ من المخطوطات المصورة بالميكروفيلم. وفي بعض الحالات، أكدت الميكروفيلمات الملكية وأدت إلى إعادة المخطوطات إلى بلدها الأصلي.

  يمتد عملكم إلى دول تعاني الحروبَ والصراعاتِ والاضطراباتِ الأهليةَ، مثل: لبنان وباكستان والهند ومصر وسوريا واليمن وغيرها. في بعض هذه الدول، تتنافس جهات متعددة على الإمساك بالسلطة. كيف يمكنكم بناء شراكات في مثل هذه البيئات؟ وهل من الممكن إبرام اتفاقيات دون موافقة هذه الجهات المتنافسة؟

  نتعاون مع منظمات ومجتمعات محلية تمتلك مجموعات مخطوطاتها الخاصة. نحن منفتحون على جميع المجتمعات الراغبة في العمل معنا.

  كيف تتعامل السلطات المحلية معكم عادةً في الدول التي تعملون فيها؟ هل تواجهون أي صعوبات معها؟

  نعتمد على شركائنا في إدارة علاقاتنا مع السلطات المحلية.

  لا يقتصر خطر الحروب والنزاعات على المخطوطات، بل يشمل أيضًا الإهمال. حتى في الدول المتقدمة التي تمتلك تقنيات حفظ متطورة، تفتقر أحيانًا إلى الرعاية المناسبة. كيف تتعاملون مع هذا النوع من الإهمال؟

  نقدم بعض النصائح الأساسية، وقد تعاونّا أحيانًا مع منظمات متخصصة في رعاية وحفظ مجموعات المخطوطات؛ لتوفير المزيد من الموارد. كما نرعى أحيانًا ندوات تدريبية تُدعى إليها مؤسسات مختلفة في بلد معين.

  كيف تضمنون سلامة فريقكم في الدول المتضررة من النزاعات والحروب؟ هل واجه أيٌّ من أعضاء فريقكم مواقف تُهدد حياته؟

  نعتمد على شركائنا المحليين لتقديم المشورة لنا بشأن الوضع الأمني، ونتخذ الاحتياطات اللازمة في أثناء وجودنا على الأرض. في إحدى المرات، وجدنا أنفسنا فجأةً محاصرين في هجوم في تمبكتو، مالي، لكننا استطعنا الاعتماد على اتصالات الأمم المتحدة لضمان سلامتنا.

  ما حجم الضرر الذي ألحقته الحروب والنزاعات بمجموعات المخطوطات؟ هل فُقدت أو دُمرت مخطوطات نادرة وقيّمة نتيجةً لذلك؟ إلى أي مدى استطعتم المساعدة في إنقاذ المخطوطات في مختلف أنحاء العالم؟ وهل هناك مخطوطات لم تتمكنوا من الوصول إليها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟

  فُقِدَتْ مخطوطاتٌ على مر التاريخ أكثر مما حُفظ حتى يومنا هذا. وكانت الحرائق والحروب والتدهور البيئي والإهمال الأسباب الرئيسة لذلك. لقد تعاونّا مع مئات المكتبات في أربع قارات العالم لتصوير مخطوطاتها. في بعض الحالات، لم نتمكن من إقامة شراكة، لكننا لم نستسلم قط.

  زرت المملكة العربية السعودية مؤخرًا، وكان برفقته وليد مراد، مدير العمليات في المكتبة. إلى جانب مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، ما المؤسسات والمراكز الأخرى التي زرتموها؟ كيف كانت تجربتكم بشكل عام في السعودية، وهل أدت الزيارة إلى أي شراكات مفيدة؟

زرنا أيضًا مكتبة الملك فهد الوطنية، ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة، والمتحف الوطني، ومركز الملك عبدالعزيز التاريخي. استمتعنا بجميع هذه الزيارات ونأمل أن نواصل بناء علاقات جيدة.