الخوف  من المستقبل

الخوف من المستقبل

لماذا‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬المستقبل؟

أم‭ ‬الزين‭ ‬بنشيخة‭ ‬المسكيني – ‬باحثة‭ ‬تونسية

يبدو المستقبل اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، المكان الأكثر هشاشة وإثارة لمشاعر الخوف بين البشر الحاليين. فما يحدث على سطح الكوكب من اختلالات بيئية واحتباس حراري يهدّد بعالم غير قابل للسكن. وما يحدث من تطور غير متوقع للذكاء الاصطناعي قد يجعل ذكاء البشر في القريب العاجل مجرّد استعارة لغوية. أمّا الشيء الأكثر تهديدًا فهو السِّلْم العالميّ وحق جميع البشر في الحياة. إنّ الحروب الدائمة التي تجري اليوم أمام الجميع، تهدّد بتحويل الأرض إلى مذبحة. لم يعد التفكير في المستقبل إذن حلمًا بعالم أجمل، بل صار خوفًا كونيًّا من الكارثة.

قال الشاعر الفرنسي بول فاليري، في بعض نصوصه: «إنّ المستقبل لم يعد كما كان». وقال والتر بنيامين: «التقدّم هو الكارثة». وتكلّم سيوران عن «مرتفعات اليأس»، وحدّث أغمبان عن «الشجاعة على اليأس». إنّ كلّ هذه المواقف الفلسفية إنّما تدقّ نواقيس الخطر: إلى أين تسير الإنسانية؟ هل تسير إلى حتفها؟ هل نحفر قبورنا بأيدينا وعقولنا؟ أم إن ثمّة إمكانيات مغايرة للتفكير في الأمل، وإنْ وُلِدَ هذا الأمل على أعتاب الكارثة؟

لقد تعدّدت المقاربات حول الخوف من المستقبل: كتب إرنست بلوخ، منذ خمسينيات القرن الماضي، كتابًا ضخمًا حول «مبدأ الأمل» في «ما ليس بعدُ» وأجابه الفيلسوف الألماني هانس جوناس بكتاب عنوانه: «مبدأ المسؤولية» وفيه يقترح مبدأ الخوف من المستقبل كإستراتيجية عقلية نظرية تدفع الإنسانية إلى التفكير بشكل جدّيّ في إمكانية المستقبل من عدمه على كوكب الأرض. وفي كتاب مهمّ جدًّا بعنوان: «المستقبل، مقدّمة وجيزة»، للكاتبة البريطانية جينيفر م. غيدلي، نجد تصوّرًا كاملًا لضرب من «التفاؤلية» كحلّ لهذا الخوف العالمي من المستقبل. نقرأ: «نمتلك جميعًا المقدرة على إبداع ما نرغب فيه من المستقبليات.. وما دام المستقبل هو المكان الوحيد الذي نمتلك فيه شيئًا من الحرية، فإنّه موقع سلطة عظيمة»(1).

هل ثمة مستقبل في انتظارنا؟ أم نحن إزاء كارثة تهدد وجودنا نفسه؟ لماذا الخوف من المستقبل؟ وهل بوسعنا مواجهة هذا الخوف بدلًا من الانخراط فيه؟ كيف يمكننا إنقاذ المستقبل من التهديدات التي تحفّ به اليوم؟

تتوزّع خطّة هذا المقال على ثلاث مراحل نقوم فيها بمعالجة المسائل التالية: أولًا أي معنى لمفهوم المستقبل؟ ثانيًا ما أسباب الخوف منه؟ ثالثًا كيف بوسعنا إنقاذ إمكانية الحياة الكريمة في العالم وضمان مستقبل لأطفالنا الذين لم يولدوا بعدُ؟

أيّ معنى لمفهوم المستقبل؟

تعود ولادة السؤال عن المستقبل بحسب السردية الغربية إلى ظهور فكرة التقدّم التنويرية بوصفها جوهر المشروع الأخلاقي للحداثة. غير أنّ المتأمل في التاريخ البعيد للإنسانية القديمة يدرك أنّ فكرة المستقبل إنّما تعود إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. لقد وُلدت هذه الفكرة كإمكانية للتنبؤ بما سيحدث مع العرّافات والكهنة في الشرق القديم، ثمّ استأنف الأنبياء هذا المفهوم على نحو مغاير في الديانات التوحيدية. وهو المعنى الذي يصرح به كتاب جينفر م. غيدلي التي تكتب حول المستقبل قائلة: «لقد استوحاه الأنبياء وتنبّأ به الكهنة، وجرى تخييله واستعمارُه والخوف منه والتكهّن به، ووضع إستراتيجيات له وخلقه»(2). إنّ المستقبل بهذا التوصيف هو مجال تزاحم حوله رجل الدين مع العالِم والفنان والسياسي معًا. فهو مجال للتنبؤ بما سيحدث، وهو أيضًا مجال للمخيلة الإبداعية تعلق الأمر بالخلق الفني أو بالاختراع العلمي، وهو أخيرًا مجال يجري استعماره والسطو عليه وبرمجته وفق إستراتيجيات وخرائط سياسية.

تعود إذن ولادة مفهوم المستقبل إلى أقدم الديانات الشرقية أي الزرادشتية (نحو 628 ق.م). وتُعَدّ محاورة «الجمهورية» لأفلاطون (380 ق.م) بمنزلة أول كتاب فلسفي يقترح يوتوبيا فلسفية لمدينة عادلة. ويظهر المفهوم في علاقة بمسألة الزمان في كتاب القديس أغوسطينوس «مدينة الله» (426م)، بوصفه أول من اشتغل على التصور الخطي للزمان من جهة ما يتضمن الماضي والحاضر والمستقبل.

وتمثل «مدينة الشمس» للفيلسوف الإيطالي توماسو كامبانيلا (1623م)، من أوائل الأعمال الأدبية اليوتوبية. ولقد استأنفت رواية «أتلانتس الجديدة» (1626م) للكاتب الإنجليزي فرانسيس بيكون هذا النوع من اليوتوبيا التي تقترح إمكانيات مغايرة للمستقبل. ولقد مثّلت كل الثورات السياسية والصناعية والرقمية والطبية والفنية إمكانيات رمزية لاختراع مستقبليات مغايرة. فالمستقبل هو ما لم يحدث بعدُ، أي هو ما يمكن أن يحدث في زمن آتٍ لا نعرفه إلا على سبيل التنبؤ أو البرمجة الافتراضية.

هنا يتنزل المستقبل ضمن زمان متخيّل يفصل بين الواقع والخيال. لكنّ هذا الزمان المتخيّل يمكنه دومًا أن يكون أفضل أو أكثر سوءًا من الواقع نفسه. ليس مفهوم المستقبل إذن مفهومًا يدعو إلى التفاؤل دومًا كما اعتقد طويلًا أصحابُ المشروعات اليوتوبية الحالمة بِغَدٍ أجمل. يمكن للمستقبل أن يتحوّل إلى كارثة أيضًا. ليس المستقبل إذن خبرًا سارًّا دومًا، إنّما هو مكان مخيف ومرعب ومدعاة للحزن أحيانًا كثيرة؛ لذلك اختصم الفلاسفة والعلماء والأدباء والفنانون والسياسيون أيضًا في شأن ما يكونه المستقبل: مجالًا للحلم أم مساحة لحدوث الكارثة؟ إمكانية للأمل في غد أفضل، أم خوف من انقراض العالم نفسه؟

لماذا نخاف من المستقبل؟

تعاني الإنسانيةُ الحالية ثلاثةَ أسبابٍ للخوف من المستقبل: الأزمة الإيكولوجية، ومخاطر الثورة الرقمية، وفظاعة الحروب الدائمة. أمّا عن الأزمة الإيكولوجية التي يهدد بها الاحتباس الحراري بكل أشكال الاختلال البيئي، فهي تمثّل مصدر قلق إنساني كونيّ خوفًا من الكوارث المناخية التي بدأت الإنسانية تعاني تبعاتِها منذ سنوات. وقد شُخِّصَتْ هذه الأزمة المثيرة للخوف من المستقبل منذ سبعينيات القرن الماضي حيث استشرف بعض المفكّرين الأورُبيين على ضرورة إعادة النظر في علاقة البشر بالطبيعة وذلك من جهة اقتراح ضرب من «الإيكولوجيا العميقة» (1973م)(3)، من طرف الفيلسوف النرويجي أرن ناييس.

وهي مقاربة استأنفها بشكل أكثر راديكالية الفيلسوف الألماني هانس جوناس في كتابه «مبدأ المسؤولية» (1979م)(4)، حيث شُخِّصَت الأزمةُ الإيكولوجية من منظور مفهوم «استكشافية الخوف» كدافع وجودي لتأسيس إتيقا حماية العالم من الانقراض. فالخوف من المستقبل يُستعمَل هنا كإمكانية موجبة لضرورة مواجهة أخطار الاختلال البيئي بما هي تهدّد إمكانية الحياة على الأرض مستقبلًا. وهذا الخوف إزاء مستقبل الحياة على الأرض، هو الذي يغذّي منذ سبعينيات القرن الماضي كل الحركات الإيكولوجية العالمية. وهو خوف وجودي جماعي كوني يجعل فكرة المستقبل فكرة غامضة ومثيرة للقلق، وهو ما يفسر حالات الاكتئاب الفردية والجماعية في عصر وصفه الفلاسفة بعصر الاكتئاب المعولم.

وهو اكتئاب لا يجد دوافعه في الأزمة البيئية فحسب، بل في الخوف من المستقبل مثلما تصمّمه اليوم الثورة الرقمية وتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي. ففِيمَ يتمثل الخوف من سيادة العوالم الرقمية على عقولنا وعقول أبنائنا؟ وأي معنى لهذه الرغبة المسعورة في أعماق معظم سكّان الأرض في أن يكون المرء «متّصلًا»(5)؟ هل أصبح الجميع سجينًا للشبكة العنكبوتية وللعوالم الافتراضية؟ أي خطر للثورة الرقمية على حياة الناس وعقولهم؟ بعض العلماء دقوا ناقوس الخطر، وظهر مفهوم «الطفولة السامّة» أو «تآكل الطفولة»، وذلك هو أكثر الأشياء إثارة للقلق حول مستقبل أطفالنا.

لقد فقدت فكرة الطفولة نفسها معناها العميق: العلاقة بالحياة في عفويتها وحيويتها وطابعها المباشر وتعويضها بمرض العصر أي الإدمان الرقمي. هل ينبغي عد الذكاء الاصطناعي كارثة أم هو المستقبل الوحيد للإنسانية؟(6) ربّما ليس بوسعنا الإجابة عن أسئلة المستقبل، لكنّ الأسئلة العالقة إنّما تبقى دومًا بالنسبة إلى عقولنا مصدر خوف وقلق مما تخفيه لنا في غموضها العميق الذي يتجاوز أحيانًا قدراتنا الحالية.

أمّا عن الخوف من الراهن السياسي العالمي من جهة فظاعات الحروب على الشعوب المستهدفة، فربّما يكون أخطر أنواع المخاوف تجاه المستقبل. لقد عانت الشعوب، طيلة تاريخها، شتى أنواع الحروب، ولعلّنا قد أدركنا أكثرها فظاعةً. وعليه فإنّ الخوف من المستقبل، ليس مجرّد شعور نفسي فرديّ يمكن معالجته ببعض العقاقير والمهدّئات الخاصة بالأمراض النفسية، إنّما نحن إزاء خوف جماعي كوني لإنسانية أصبحت مهدّدة في إمكانية وجودها نفسه. بعض الفلاسفة وصف المجتمع المعاصر بمجتمع الفرجة(7)، وبعضهم وصفه بمجتمع الاحتقار(8)، لكن الكاتب الفرنسي كريستوف لمبار يرى أنّنا أصبحنا نعيش في مجتمعات الخوف(9)، وهذا الأمر قد يجعل البشر الحاليين أكثر الإنسانيات قلقًا وهشاشةً واكتئابًا.

كيف ننقذ المستقبل؟

إنّ مهمّة إنقاذ المستقبل من الكارثة رهين لثلاثة شروط أساسية:

أولًا: العمل على تغيير السياسات المناخية بهدف حماية المنظومة البيئية من أشكال الاحتباس الحراري. وذلك يستوجب إرادة سياسية تراهن على إنقاذ إمكانيات الحياة على الأرض، وإتيقا قائمة على المسؤولية تجاه السلامة الإيكولوجية للعالم، وإستراتيجية قائمة على التنمية المستديمة.

ثانيًا: العمل على برامج توعوية في أفق فلسفة رقمية مغايرة تهدف إلى خلق سلوك جديد إزاء أخطار الثورة الرقمية، وذلك بتحويل الذكاء الاصطناعي إلى إمكانيات موجبة لتنمية قدرات البشر على تحسين جودة الحياة وضمان سلامة أطفال المستقبل.

ثالثًا: مقاومة السياسات العالمية القائمة على الحرب باختراع إستراتيجيات ناعمة من أجل الحوار والمصالحة والاعتراف بالثقافات الأخرى، وذلك بغرض إرساء معاهدات سلم دائمة بين الدول.

خاتمة

من أجل ألّا يكون المستقبل مفهومًا مخيفًا؛ علينا إرساء خطّة رُوحية ورمزية عميقة تقوم على مقاومة القحط الروحيّ، وذلك عبر الاستثمار في مجال الفنون عامةً. إلى جانب ضرورة إعادة التفكير في أهمية العلوم الإنسانية عامّةً؛ حتى يستعيد البشر اقتدارهم على تغيير العالم، فنحن نرى أنّ الفنّ بوسعه المساهمة في تحرير الإنسانية من مشاعرها الحزينة، واستعادة قدرة البشر على الفرح. ليس مِثل الفنّ مجالًا لصناعة الأمل في إمكانية ابتكار عوالم جديدة ومستقبليات أقل فظاعة. من أجل ذلك يمكننا العمل على إنجاز مشروع تربية فلسفية تهدف إلى تدريب الناشئة على سلوك إيجابي ونشيط إزاء الحياة، وهو أمر يقتضي العودة إلى الطبيعة، والعناية بأنفسنا بوصفنا كائنات جديرة بالكرامة والسلم والفرح أيضًا.

وحدها خطّة تربوية مغايرة يمكنها إنقاذ البشر من الخوف من المستقبل، وإنقاذ المستقبل من التحوّل إلى كارثة مرّة أخرى. ما نحتاجه هو تحويل المستقبل إلى باحة كبرى لزراعة الأمل. «فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل».(10)


مَخاوِف‭ ‬المجهول

على‭ ‬محكّ‭ ‬الفنون‭ ‬المعاصرة

بنيونس‭ ‬عميروش – ‬ناقد‭ ‬مغربي

يظل الإحساس بالخوف من المجهول أحد الإحساسات المؤثرة التي رافقت وجود الكائن البشري على مرّ العصور. بينما تضاعفت عوامل الخوف من المستقبل بالكثير من التشخيص العلمي في العصر الحديث، بوصفه حالة نفسية تتولد نتيجة ضغوط القلق المفرط الناجم عن تصوُّر تَخْمينات وتوَقّعات سلبية لما سيأتي من وضعيات ومواقف وظروف خفية في غاية الإبهام، وبخاصة أنه قد ارْتجَّت القِيم الثقافية في مطلع القرن العشرين واستفحلت هواجس الإنسان بمُساءلة مصيره داخل زخم الاختراعات والتحولات الأيديولوجية التي وسمت حقبة ما بين الحربَيْن العالميَّتَيْن وما بعدها، بحيث انبثقت انتفاضة الغرب الأورُبي لتُعيد النظر في طبيعة العلم والفكر والفن، وفي مسالك الحياة نفسها.

السوسيولوجي فرانك فوريدي

من ثمَّ، لم تكن الفنون في معزل عن تناول وتشريح مظاهر الخوف من المستقبل وخلفياته بحسب طبيعة كل جنس فني وما يتضمّنه من خصوصيات وإمكانات تعبيرية، لغوية وسمعية وبصرية وسواها، وقد تحولت الإنسانية إلى حَشْد مذعور، تعوقه العديد من المحاذير، وأضحى مفهوم الخوف يَسِم طبيعة العاطفة التي ميزت القرن العشرين منذ حِقبة الاستقرار الهش، وفق ما خلص إليه عالم الاجتماع البريطاني فرانك فوريدي في كتابه «ثقافة الخوف» (1997م)، حيث يتساءل عن إمكانية الفهم المتعلقة بجَعْل الخوف شكلًا من أشكال الثقافة، فيما يسلط الضوء على أطروحة البُعد الاجتماعي للخوف الذي غالبًا ما يُختَزَلُ في آثاره الفردية.

تدخّل الفن في الطبيعة

تَمَثَّل ذلك بشكل ملموس من خلال تنفيذ تصورات المَباني السَّفْلِية، في الوقت الذي أمسى فيه الخوف قوة دافعة لإبراز التحولات المِعمارية والعُمرانية في ستينيات القرن الماضي التي عرفت توجُّسًا كبيرًا من أخطار الصِّراع النووي الموجود حينها في كل مكان، وهي الأخطار التي ولَّدت ذلك الحماس المُرعِب في بناء المَلاجئ المُضادَّة للذرات، كما صَمَّمها المهندس المعماري جاي سويزي في نيويورك، وقدمها في المعارض الدولية ولقيت إقبالًا مُلاحظًا (ومنها معرض نيويورك العالمي، 1964م)، حيث دافع عن فكرة العودة تحت الأرض بكيفية إيجابية، على وصف أن هذه العَودة تُجنِّب مواجهة عناصر الطبيعة، ما يضمن الحماية من الإشعاع الذّرّي ومن كل تهديد تقريبًا، وفق أنظمة بناء جيولوجي يكتفي بتصميم نوافذ زائفة تحت الأرض. هكذا يقترح سويزي حبس المرء نفسه في جوف الأرض، بوصف ذلك أكثر من تحصين داخل عالم الخداع البصري الذي يروم خلق عالم مرح في نظره.

وفي مقابل اشتغال علماء البيئة بدورهم على فكرة الخوف، وعلى عواقب التهديد بنُدْرة الموارد، سيُبْدي رُواد «فن الأرض» اهتمامهم بكل حركة إيكولوجية في الستينيات، بينما يواجهون عناصر الطبيعة التي يتدخلون في مجالها، ضمن إنشاء أعمال فنية ضخمة مباشرة في الطبيعة، باعتماد عناصرها من تربة وماء وصخور وأخشاب، وهي الأعمال الزائلة التي تُوَثَّق بالصور الفوتوغرافية والفيديو.

هكذا، أنجز روبرت سمثسون رصيفه الحلزوني الأكثر شهرة؛ حَوَّل من خلاله أطنانًا من التراب والحصى إلى غرب الولايات المتحدة في 1970م؛ لخلق بنيات ضخمة تتخذ أشكالًا حلزونية للتعبير عن «النظام والفوضى» و«الصدفة والضرورة» بوصفها ظواهر طبيعية. بينما شَيَّدت نانسي هولت بناياتها الصرحية التي تقوم على معطيات أَسْتروفزيائية؛ منها «أنفاق الشمس» (1973- 1976م) والحلقات الحجرية والأبراج (1977- 1978م).

ومن الأعمال الشهيرة في الألفية الجديدة، نشير إلى عمل النيوزيلاندي مارتن هيل «تَضامُن» (2009م) الذي بحث من خلاله عن وُجود ديمومة بين رابطة إنْسِيَّة وغير إنسِيَّة في إطار تركيزه على النَّحْت البيئي والعودة إلى الطبيعة. كما نستحضر في السياق «عُشّ كليمسون كلاي» بتوقيع الألماني نيلس أودو، ويجسد عشّ عصفور عملاق (131x 200 سم) يصل وزنه إلى ثمانين طنًّا، شُيِّدَ في 2005م بحدائق ساوث كارولينا التابعة لجامعة كليمسون باعتماد مواد نباتية طبيعية وجدها الفنان في الموقع؛ وبالنسبة إليه، يرمز العُشّ إلى الطبيعة الأم، بينما ينوب عن الأرض بوصفها بيتنا الناعم.

الرأسمالية المتوحشة على الخشبة

بمثل هذه الأبعاد المفاهيمية المُترجَمة عبر العديد من التعبيرات والبناءات الهائلة في الهواء الطَّلْق، بات فن الأرض، منذ ظهوره في نهاية الستينيات، يروم إعادة ترتيب العلاقة العضوية بين الإنسان والطبيعة، ويعمل على خلق حافزات للَفْتِ النظر إلى الحفاظ على البيئة التي طالها التَّصَحُّر والتَّدْمير. ومن ثمَّ، توجه الفنانون صَوْب المجال البيئي لتَبْديد القلق والخوف من حصار الآلة وهيمنة التصنيع، فيما جعلوا من الأرض قاعدة مُشتركة تُمَكِّنهم من البحث عن الذات عبر العمل المُمتدّ، حيث استبدلوا إطار اللوحة بإطار الوجود الذي يُتيح لهم أفقًا تشكيليًّا لا مُتناهيًّا، يتجاوز قاعة العرض ليشمل العالم.

في حين، ظهر «مسرح العولمة»، مع أشهر كُتّابه المخرج المسرحي الألماني فالْكْ ريشتر ضمن حرصه على مناهضة هيمنة النزعة المادية التي صار معها الإنسان مذعورًا، فاقدًا لوِجْهَته، وقد أصبح مجرد رَقْم داخل مُتوالية هائلة من المُعاملات الحِسابية المُتعاقبة التي وَسَمت طبيعة المجتمع الاستهلاكي في نهاية القرن العشرين، المُزْدانة بالقنوات الفضائية ومنَصّات الدعاية وشبكات التواصل الرقمي التي قلصت رقعة العالم. عِلمًا أن الفن المسرحي، منذ سوفوكليس إلى اليوم، دأب إلى جانب الأدب على استدراج الرؤية المشهدية القَمينة بتمثيل واقع الحياة والتفاعل مع تقَلُّباتها.

كان من الطبيعي أن يعتمد مسرح العولمة في بناء رؤيته الفنية على تيارَيْن رئيسِيَّيْن سابقَيْن، يتجسَّدان في المسرح التَّسْجيلي، والمسرح المَلْحمي الذي انتشر على يد رائده الشاعر والمسرحي الألماني برتولد بريشت؛ إذ وجد هذا الأسلوب التعبيري أكثر قابلية لاستيعاب مرحلة ما بعد الحرب بأبعادها السياسية والاجتماعية، فعَمِل على كَسْر الإيهام، واعتمد مفهوم «التغريب» الذي يروم تغريب أحداث اليومي التي تبدو عادية؛ لتكون مثيرة للدهشة والتفكير. فيما ارْتَكن المسرح التسجيلي مع الكاتب والمسرحي الألماني بيتر فايس إلى المنهج الجدلي، مُستنبطًا مادّته من الكتابات الصحفية والمحاضر والأحداث الموثقة، مع تَبَنّي البَساطة والدَّلالة الرمزية. بينما يَعتبِر فالْكْ ريشتر أن المسرح ذاته جزء من الشبكة العالمية، حيث تظل العولمة الرأسمالية بالنسبة له، تُخَطِّط أسلوب حياة خاضِع لنظام غير مناسب لأغلب الناس، وهو ما يستدعي مقاومة العولمة المتوحشة التي لا تتوقف عن تكريس الاستسلام والشعور بالعجز.

الفنان نيلس أودو

في مسرح العولمة، يقدم ريشتر «كوميديا مُرعِبة» يكشف من خلالها الوعي بحقيقة التكنولوجيا وضحاياها، وكيف يمكن لعمليات جامحة أن تنتج نظامًا مُنفلِتًا يؤدي إلى ضياع الذاكرة والتاريخ. تلك هي الرؤية التي يُعالجها بقدر من العُمق في أعماله («مَدينة إلكترونية»، «حالة استثنائية»، «سبع ثوانٍ» وغيرها) التي تنصبُّ في الأساس على الحياة المُعاصرة، وما يتعرض له الإنسان من قَلَق وأهوال خضوعه لمنظومة قاهرة، عليه أن يُسايِرَها من أجل البقاء، كما في مسرحيته «تحت الجليد» (2004م)، حيث عمل على تفكيك عميق لضراوة هذه المنظومة وكيف تبلع أتباعها، من خلال البطل (باول نيمان) «المستشار في شركة متخصصة في تصفية الشركات والمصانع» الذي يرفع تقارير لمتابعة الإنتاج وتَنْمِيته، مع الوقوف على مُواصفات العاملين وسَيْر المُنافسة والمُثابرة، وهو ما جعل حياته لاهِثَة بين المطارات والفنادق ومواعيد العملاء؛ بُغْيَة جَمْع حيثيات أحكام التَّسْريح أو البَقاء بين العُمّال؛ للحفاظ على دَوَران الماكينة الموصوفة بقسوة لا إنسانية.

في توالي هذا الإيقاع المُضْني، يكتشف البطل بامْتعاض أنَّ دَوْرَه قادم لا محالة، وقد كُتِبت عنه التقارير من مُراقبيه، ليصبح مُهدَّدًا ويشعر بانتهاء دوره (الطرد!)؛ هو المستشار المُرْتاع الذي أنْفَق عُمْره في الشركة إلى أن فاق الأربعين. أمسى وحيدًا مُنْهَك العقل، لا يمتلك إلّا أن يدخل في صراع مع الذات والتحَدُّث إلى نفسه، في الوقت الذي عليه أن يُشَكِّل بمُفْرَدِه الجماعة التي يرغب في أن يكون بينها، ضمن رَتابَة حياة فاقِدة للمعنى، سائرة في التلاشي أمام عالم يتفسَّخ من حولِه. في مشهد المَصير، يتساقط الجليد إبّان المونولوغ الأخير، يتَجَمَّد الممثلون في صمت رهيب؛ تلك عاقبتنا!

السينما واستشراف الكارثة

مثل هذه المصاير التي تُهدِّد الإنسان المعاصر، نجد لها الكثير من التصوُّرات في السينما التي تناولت أيضًا أهْوال الحروب وتكهُّنات نهاية العالم وما يتعلق بالتلوث والأوبئة، حيث يتحول الخيال والفانتازيا لدى المؤلفين إلى ما يُحاكي مَخاوفنا، كما عاشه العالم سنة 2020م في ظل انتشار جائحة كورونا (كوفيد 19). ومن بين الأعمال السينمائية التي جسدت تجليات تفشي وباء يروم القضاء على البشرية، نشير إلى «Outbreak, 1995» («انْدِلاع»، من إخراج وولفغانغ بيترسن)، «Days later 28, 2002» («بعد 28 يومًا»، من إخراج داني بويل) الذي يتناول انتشار فيروس غامض في إنجلترا ويكشف كيف حاول قِلَّة من الناجين إيجاد مأوى يَقيهم الإصابةَ.

من ثمة، ستَعرف «السينما الزُّومْبِية» طفرةً إنتاجيةً بعد سنة 2000م، وهي نوع من أفلام الرعب والخيال العلمي، تتمحور على كائنات «ميتة حية» تقتات على لحوم البشر؛ لتعكس بدورها أعراض الأوبئة وحروب الفيروسات، وما يليها من تَحَلُّل المجتمع وصور التَّوجُّس البشري. كما عُولِج ذلك في أعمال سينمائية مثل فِلْم «حرب الزومبي العالمية» «World War Z, 2013» (إخراج دافيد فينشر) الذي يُشَخِّص أطْوار سَفَر موظف الأمم المتحدة السابق حول العالم من أجل إيجاد علاج لفيروس فتاك يهدد بإبادة البشرية. وفِلْم «قِطار بوسان» «Train to Busan, 2016» (إخراج سانغ هو يون) الذي يتناول أحداث ركاب قطار في أثناء سفرهم ضمن محاولتهم النجاة من فيروس يَمْسَخ البشر، ويحولهم إلى موتى أحياء (زومبي) في كوريا الجنوبية.

المسرحي فالك ريشتر

وفي السياق ذاته، نستحضر سلسلة أفلام «Resident Evil» (أنجزت بين عامَيْ 2002م و2016م) التي استوحاها بول أندرسون من لعبة فيديو بالاسم نفسه، وتدور حول عملية، بِقِوى خارقة، تهدف إلى مُحارَبة شركة فاسدة صنعت سلاحًا عُضويًّا يحَوِّل البشر إلى موتى أحياء. ومُجمل هذه الأفلام تستشرف المستقبل بقدر ما تعود منه، فيما تفتح ذِهْن المشاهد على حقيقة أن هذا العالم الذي نعيشه باسم التقدم والبحث العلمي، لا يني يدفع المجتمعات نحو المجاعات والأوبئة والانْمِساخ، بينما يَهْدم أصول الأنْسَنَة ومُقوِّماتها.

في السياق ذاته، تنوعت مستويات التعبير عن الخوف من المستقبل في الموسيقا العالمية عبر المؤثرات، والإيقاعات المتسارعة، والأجراس المتنافرة، والنبرات العالية، ضمن توليف المقامات الصوتية المثيرة للريبة، وما يُرافقها من كلمات تُحاكي صُور الحروب والتدهور الاجتماعي والوجه السلبيّ للتكنولوجيا والقلق من المجهول عامة، كما في أنماط موسيقية مثل البانك والإلكترو.

وفي مقابل اعتماد التَّضادّات النغمية لخلق الإحساس بالخوف في الموسيقا الكلاسيكية، كما لدى سانت ساين وموسورجكي؛ نجد موضوعات غنائية ذات صلة، كما في قطعة «المستقبل» (1992م)، بتوقيع الموسيقيّ والشاعر الكندي ليونارد كوهين الذي يُصوِّر من خلالها مستقبلًا مظلمًا وفَوْضويًّا؛ وبصددها يُصرِّح بكَوْن حضارتنا وكل الأشياء الجميلة من موزارت إلى بوكوفسكي، تبقى مُجرَّد طلاء أظافر شرع في التَّشّقُّق لتظهر المخالب؛ وهذا ما نعيشه في عالم كشف عن مخالبه!

بناءً على ما سبق، تجدر الإشارة إلى لُزوم استدراج التساؤل عن مدى استثمار الذكاء الاصطناعي في الموسيقا والصوتيات واللغويات، كما في الفنون البصرية برُمَّتها، ومدى الإبقاء على جوهر الإبداع الإنساني، وما يتمتع به من حِسّ وِجداني ورُوحي ومُثُل عليا؟ والحال أن سنوات الألفية الجديدة قد ضاعَفت من حَجْم الارتياب من الآتي؛ إذ عرفت المزيد من احتداد النزاعات الإقليمية والتهديدات البيئية وتفاقم الانغماس في العالم الافتراضي، مع ما ولَّدَتْه جاذبية الخوارزميات من سلبيات تتصل بالتزييف، وانتهاك الخصوصيات، والهجمات السيبرانية، ورفع معدلات البطالة، في الوقت الذي لا يتم فيه استغلال الذكاء الاصطناعي كوسيلة جَسيمة لصالح الإنسان، بالانْتِفاع من كفاءته المُذْهِلة في تنفيذ المَهامّ وتَقْويمها.


الخوف‭ ‬من‭ ‬المستقبل‭: ‬عندما‭ ‬تتحوّل‭ ‬حماية‭ ‬الطفل

إلى‭ ‬مصدر‭ ‬قلق‭ ‬وجودي‭ ‬للأسرة

ساري‭ ‬حنفي – ‬باحث‭ ‬فلسطيني

في عالم يتّسم بتسارع التحوّلات الاجتماعية والسياسية، لم يعد الخوف من المستقبل شعورًا فرديًّا عابرًا، بل أصبح تجربة جماعية تعيشها مجتمعات بأكملها. هذا الخوف لا ينبع فقط من الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل أيضًا من السياسات التي يُفترض أنها وُضعت لحماية الإنسان، لكنها قد تتحول -في بعض السياقات- إلى مصدر قلق وعدم يقين. ومن أبرز هذه الحالات ما يتعلق بسياسات حماية الطفل في بعض الدول الأورُبية، حيث يتقاطع الأمني بالاجتماعي، ويتحوّل القلق إلى شعور دائم بالتهديد لدى الأسر، وبخاصة المهاجرة منها.

من الطمأنينة إلى القلق: تحوّل وظيفة الدولة

تقوم الدولة الحديثة، نظريًّا، على توفير الحماية والرعاية لمواطنيها، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال، غير أن هذا الدور قد ينقلب في بعض الأحيان إلى مصدر خوف، عندما تُمارَس السلطة بشكل فوقي، وبمنطق قائم على الشكّ بدلًا من الثقة. ففي حالة السويد، مثلًا، تشير بعض الدراسات إلى أن تدخل الخدمات الاجتماعية في شؤون الأسرة، بما في ذلك انتزاع الأطفال من ذويهم، أصبح ممارسة متكررة، أحيانًا من دون توافق أو حتى فهم مشترك مع الأسر المعنية.

وفقًا للإحصاءات السويديّة الرسميّة لعام 2020م، والصادرة عن المجلس الوطني للصحة والرعاية، انتُزع 3486 طفلًا ومراهقًا من أُسَرهم، وأُسكِنوا في بيوت جديدة تابعة لقطاع الرعاية الاجتماعية من دون موافقة أسرهم، وهو ما يُسمَّى الرعاية القَسريّة بموجب قانون رعاية الشباب (LVU)(11). بدا لي هذا الرقم ضخمًا بالنسبة لدولة يبلغ سكانها 10 ملايين نسمة، لكنّني فوجئت بأنّه كان أضخم عام 2008م، حين أُخذ نحو 15800 طفل ومراهق (دون سن 18 عامًا)(12) من بيوت أهليهم؛ منهم 4800 وُضِعوا تحت الرعاية القَسريّة(13). وقد يكون الرقم الحقيقي أعلى كثيرًا بالنظر إلى أشكال القَسر الخفيّة التي لا نراها في السجلّات الرسميّة لما يُصنَّف رعاية طوعيّة(14). لكنّ انتزاع الأطفال من أهليهم قَسْريًّا مرارًا وتكرارًا ليس ظاهرة سويدية فقط، بل نجدها في دول أخرى مثل النرويج وألمانيا.

وفق مقال كتبه ستيفن بينيت لعام 2016م، «من بين كلّ 1000 طفل، هناك 101 منهم يسكنون في دور الرعاية البديلة التابعة [لخدمات رعاية الطفل النرويجية]، وفي 71 في المئة من الحالات يَحدُث ذلك من دون موافقة أهاليهم البيولوجيِّين. وللمقارنة، في ألمانيا، النسبة هي 9 بالألف و10 في المئة حالات القَسر، وفي السويد 8.2 بالألف و26 في المئة حالات القسر»(15). هذه الدول الإسكندنافية، ومعها ألمانيا، تختلف عن فرنسا اختلافًا كبيرًا؛ إذ ينخفض معدَّل انتزاع الأطفال بصورة كبيرة، ولا يكاد يحدث أيّ قسر. وفقًا لجوان-لامبير وسيرافين(16)، تبقى مرجعيّة الأهل قائمة في العلاقة مع الطفل إلّا في حالات الإخلال الخطير بالمسؤوليّات أو الإهمال المديد.

ولكن بالعودة إلى السويد، تشير تقارير حكوميّة إلى أنّ «الإساءة الجسديّة روتينيّة والتعنيف الجنسي شائع. ومن بين 798 فتًى وفتاةً في دور رعاية، ذكر 763 (96 في المئة) أنّهم تعرّضوا للتعنيف أو الإهمال؛ ومن بين 665 في المؤسَّسات، ذكر 462 (69 في المئة) أنّهم تعرّضوا للتعنيف أو الإهمال»(17).

هذا الواقع يخلق حالة من القلق العميق لدى الأهالي؛ إذ لم يعد المستقبل واضحًا أو قابلًا للتنبؤ. فمجرد شكوى من مدرسة أو جار قد تفتح بابًا لإجراءات قد تنتهي بفقدان الطفل. وهنا يتحوّل الخوف من المستقبل إلى خوف يومي: هل يمكن أن أفقد أطفالي؟ هل أُحاسَب على طريقة تربيتي؟ هل هناك معايير خفية لا أفهمها؟

الخوف كمنتج للسياسات الأمنية

يتفاقم هذا القلق عندما تتداخل السياسات الاجتماعية مع منطق الأمن. فقد أدى توسيع تعريف «الخطر» ليشمل تهديدات ثقافية أو سلوكية إلى ما يُعرف بـ«أمننة» العمل الاجتماعي، أي تحويله من خدمة إنسانية إلى أداة مراقبة وضبط. في هذا السياق، تصبح بعض الفئات -وبخاصةٍ المسلمون- موضوعًا للريبة، لا لشيء سوى لانتمائهم الثقافي أو الديني.

وهكذا، لا يعود الخوف مرتبطًا بسلوك فعلي، بل بهوية. الأسرة المهاجرة، تحديدًا، تجد نفسها أمام نظام لا يثق بها بالكامل، بل يراقبها باستمرار، ويعيد تفسير أفعالها وفق قوالب جاهزة. وهذا ما يخلق شعورًا عميقًا بعدم الأمان، ليس فقط في الحاضر، بل في المستقبل أيضًا.

تفكك الثقة: حين تصبح المؤسسات مصدر تهديد

أحد أخطر آثار هذا الوضع هو تآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات. فحين يشعر الأهل بأن النظام قد يتخذ قرارات مصيرية بناءً على معلومات ناقصة أو متحيزة، تتزعزع الثقة في العدالة. وقد أظهرت بعض التحليلات أن تقارير التحقيق في هذه الحالات قد تفتقر إلى الاتساق، وتعتمد أحيانًا على فرضيات مسبقة أو بيانات غير دقيقة. هذا النقص في الشفافية يعمّق الإحساس بالخوف؛ لأن المستقبل يصبح مرهونًا بقرارات غير مفهومة. فالأسرة لا تعرف كيف تُقيّم، ولا ما الذي يُعَدّ «مقبولًا» أو «مرفوضًا». وهنا يتحوّل الخوف من احتمال إلى حالة دائمة من التوتر الوجودي.

من أبرز مظاهر هذا القلق ما عبّر عنه بعض الأهالي من عجزهم عن ممارسة أبسط أشكال التربية؛ خوفًا من التدخل الرسمي. فحتى التوبيخ أو العقاب قد يُفسَّر كعنف، وهو ما يدفع الأهل إلى التراجع عن دورهم التربوي. هذا الوضع يخلق مفارقة خطيرة: الأسرة، التي يفترض أن تكون فضاءً للحنان والتوجيه، تتحول إلى مساحة خاضعة للمراقبة. والوالدان، بدل أن يكونا مصدر الأمان، يصبحان في حالة دفاع دائم. وهنا يظهر الخوف من المستقبل في صورته الأكثر عمقًا: فقدان القدرة على تربية الأبناء وفق القيم التي يؤمن بها الأهل.

الخوف الثقافي: صراع القيم والمعايير

يتعزز هذا القلق عندما يتقاطع مع اختلافات ثقافية. فالكثير من الأسر المهاجرة تجد نفسها أمام نظام يفرض نموذجًا معيّنًا للتربية والحياة، دون مراعاة كافية للتنوع الثقافي. وقد أشار بعض الباحثين إلى أن السياسات المتبعة غالبًا ما تكون فوقية، ولا تتيح للمهاجرين مساحة للتفاوض أو التكيّف الذاتي. في هذا السياق، يصبح الخوف من المستقبل أيضًا خوفًا من الذوبان الثقافي: هل سيُسمح لي بالحفاظ على هويتي؟ هل ستُعَدُّ قيمي تهديدًا؟ هل سيُنتزَع أطفالي لأنني أربيهم بطريقة مختلفة؟

من أكثر الجوانب إثارة للقلق هو ما يمكن تسميته «بناء صورة العدو». يطرح بو إدفاردسون، صاحب الخبرة الواسعة في تدريب العاملين الاجتماعيين في مختلف الجامعات السويديّة، عددًا من الأسئلة الثاقبة، مثل: «هل يصبّ هذا حقًّا في مصلحة الأطفال؟»، أو «هل نظريّة اصطياد الوحش مؤثِّرة في قرارات الخدمة الاجتماعيّة؟»(18). المقصود بـ«الوحش»، وفقًا لإدفاردسون، هو الوالدة أو الوالد، الذي ترسم له الخدمات الاجتماعيّة السويديّة صورة أبشع بكثير ممّا يقوله الواقع. ولفهم ذلك، طرح إدفاردسون مجموعة من الفرضيّات:

– الأهالي خَطِرون.

– الاضطهاد مشروع ما دام المحقِّق قد امتلك صورة ذهنية عن توحُّش الوالدَيْنِ البيولوجيَّيْنِ، وأراد إنقاذ ضحاياهما المزعومِين، أي الأطفال.

– يبدو أنّ تزوير الوثائق لغايات التحقيق مقبول.

– يقتصر التعامل، فقط، على المخبِرين المخلصين للنظريّة.

– يجري تجنُّب المخبِرين غير المخلِصين أو الأخبار المتناقضة.

– يجب أن تكون تقارير التحقيق إقناعيّة، وليست وصفيّة.

– في حالة حماية الطفل، يجب نشر نظريّة اصطياد الوحش لزيادة عمليّات الاصطياد.

– وجود النظريّة سيجلب داعميها. ستُجمَّع بيانات جديدة، وستبدو داعمة لفرضيّة الوحش، وسيُبلَّغ عنها لمنظمة الخدمات الاجتماعيّة. وسيؤدي الاستجواب المتكرِّر الموجَّه للأطفال إلى إجابات يمكن تفسيرها لتدعيم النظريّة.

– ثمّة مَن يفكر مليًّا في بناء إستراتيجيّات إقناعية واستخدامها.

– يجب اصطياد الأهالي المتوحِّشين الخَطِرين بعد انتزاع الأطفال.

– لا يجوز أن ينال الوحش معامَلة منصِفة.

– الخدمات الاجتماعيّة نادرًا جدًّا ما تعترف بأخطاء ارتكبتها في العمل الاجتماعي. ويبدو أنّ الاعتراف بوجود قصور مستحيل نفسيًّا بالنسبة إلى العاملين في الخدمات الاجتماعيّة(19).

هذه الرؤية تؤدي إلى ما يشبه «نبوءة تحقق ذاتها»؛ إذ تُفسَّر كل المعطيات بما يدعم الفرضية الأساسية، ويُتجاهَل ما يخالفها. في هذه الحالة، لا يعود الخوف من المستقبل مجرد شعور، بل نتيجة منطقية لنظام يُنتج القلق ويعيد إنتاجه.

الإعلام والشائعات: تضخيم الخوف

يلعب الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًّا في تضخيم هذا الخوف. فغياب المعلومات الدقيقة يفتح المجال للشائعات، التي تنتشر بسرعة وتزيد من حالة الذعر. وعندما تُقابل هذه المخاوف باتهامات بالتطرف أو التضليل، يتعمّق الشعور بالعزلة وانعدام الثقة. وهكذا، يصبح الخوف من المستقبل ليس فقط نتيجة للسياسات، بل أيضًا للخطابات التي تحيط بها.

في جوهره، يعكس هذا الوضع أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الحداثة نفسها. فالمجتمعات الحديثة، التي قامت على الفردانية والاستقلالية، تجد نفسها في مواجهة تحديات تتعلق بالتماسك الاجتماعي ودور الأسرة. وفي هذا السياق، قد تتحول بعض السياسات إلى أدوات لفرض نموذج معيّن للحياة «الجيدة»، حتى على حساب التنوع.

في فِلْمٍ وثائقيّ لإريك غانديني «نظريّة الحبّ السويديّة»، نجد انتقادًا شرسًا للفردانية المؤسَّسِيّة في السويد، بحسب مصطلح لارس تريغارد. ويبدو أنّ هذا النظام أنتج تكتُّلًا توافقيًّا هائلًا، وخصوصًا على مستوى الخطاب السياسي العام الذي تُديره السلطات الحكومية (بما في ذلك فروعها من شركات ناشئة تعمل في مجال رعاية الأطفال اليوم). هذا التكتّل يشتغل ضدّ كلّ من يرفضون وجود تصوُّر تغلُّبي للخير تفرضه الأكثرية الثقافيّة. لقد بذل عالم الاجتماع هانس زيتربيرغ جهدًا كبيرًا في قيادته لمشروع «الدولة الاجتماعيّة» الذي يدعو إلى تبنِّي «أفكار جماعاتيّة مثل الكرامة الإنسانيّة، والاعتماد على الذات، والمسؤوليّة الشخصيّة، ورعاية المجتمع المدني بديلًا عن رعايَتي الدولة والسوق»(20)، إلّا أنّ الفردانيّة بقيت جزءًا من ثقافة الدولة السويديّة، ولا تزال النموذج النظري الحاكم في البلاد.

وهنا يصبح الخوف من المستقبل تعبيرًا عن صراع بين رؤيتين: رؤية ترى في الفرد وحدة مستقلة، وأخرى ترى في الأسرة بنية أساسية للحماية والدعم.

نحو تجاوز الخوف: الحاجة إلى حوار

إذا كان الخوف من المستقبل هو النتيجة، فإن الحل لا يمكن أن يكون أمنيًّا أو تقنيًّا فقط، بل حواريًّا. فالمطلوب هو إعادة بناء الثقة بين الدولة والأسرة، من خلال الاعتراف بالتعددية، واحترام الاختلافات الثقافية، وتعزيز الشفافية في اتخاذ القرار. كما أن علم الاجتماع، وبخاصة في مقاربته التحاورية(21)، يمكن أن يلعب دورًا مهمًّا في فتح نقاشات جادّة حول هذه القضايا، بدلًا من تركها رهينة للخطابات المتطرفة أو التبسيطية.

خاتمة: بين الخوف والأمل

في النهاية، يكشف هذا النقاش عن مفارقة أساسية: السياسات التي تهدف إلى حماية المستقبل (الأطفال) قد تتحول إلى مصدر خوف منه. وهذا يدعونا إلى إعادة التفكير في معنى الحماية، وفي العلاقة بين الدولة والأسرة، وفي كيفية إدارة التعددية في مجتمعات معقدة.

فالخوف من المستقبل ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات وسياسات يمكن مراجعتها. وبينما يبقى القلق حاضرًا، فإن إمكانية تجاوزه تظل قائمة؛ إذا ما أُعيد بناء الثقة، وفُتح باب الحوار، ووُضع الإنسان، لا الأيديولوجيا، في مركز الاهتمام.


هوامش:

(1) جينفر م. غيدلي، «المستقبل: مقدمة وجيزة»، ترجمة رندة بعث، بيروت، 2018، ص. 203.

(2) نفسه، ص. 201.

(3) Arne Naess, L’Ecologie profonde, Paris, P.U.F, 2021.

(4) Hans Jonas, Le principe responsabilité, Traduit de l’Allemand par J.Greisch, Paris, Le Cerf, 1997.

(5) Connected.

(6) انظر: كتاب: ستيفان فيال، «الكينونة والشاشة: كيف يغيّر الرقمي الإدراك ؟»، ترجمة إدريس كثير، بيروت، هيئة البحرين للثقافة والآثار، 2018.

(7) Guy Debord, La société du spectacle, Paris, Buchet- Chastel, 1967.

(8) Axel Honnet, Société du mépris, Paris, La découverte, 206.

(9) Christophe Lambert, La société de la peur, Paris, Plon, 2007.

(10) الطغرائي، «لامية العجم».

(11) https://www.thelocal.se/20220222/fact-check-what-is-swedens-lvu-and-how-does-it-work. Access 12/4/2024.

(12) سأستخدم في هذا المقال مصطلح الأطفال للإشارة إلى الذين تقلّ أعمارهم عن 18 عامًا.

(13) Bo Edvardsson, “Child Protection Investigations in the Swedish Social Services – Are They Really Children ́s Best Interests? Is a ‘Hunting the Monster Theory’ Influencing Social Work and Decisions?,” School of Law, Psychology and Social Work, University of Örebro, 2010. https://shorturl.at/B6Djm.

(14) Gustav Svensson and Staffan Höjer, “Placing Children in State Care in Sweden: Decision-Making Bodies, Laypersons, and Legal Framework,” in: Kenneth Burns, Tarja Pösö and Marit Skivenes (eds.), Child Welfare Removals by the State: A Cross-Country Analysis of Decision-Making Systems (Oxford University Press, 2016), pp. 65–88, https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780190459567.003.0004.

(15) http://www.barnefjern.org/secrets-and-lies-inside-barnevernet/. Access 12/4/2024.

لإجراء تحليل مقارَن أكثر شمولًا حول نزع الأطفال من أسرهم في دول الرفاه الليبراليّة، يُنظر: Burns, Pösö, and Skivenes (2016);

وبما يخص الأخطاء والهفوات في حماية الطفل ينظر: Biesel et al. (eds.), ibid.

(16) Hélène Join-Lambert and Gilles Séraphin, “Dysfunctions in French Child Protection,” in: Judith Masson et al. (eds.), Errors and Mistakes in Child Protection: International Discourses, Approaches and Strategies (Bristol University Press, 2020), p. 195, https://doi.org/10.46692/9781447350927.011ed. Judith Masson et al. (Bristol University Press, 2020.

(17) Höjer and Kjellberg, “The Political- Administrative and the Professional Approach,” pp. 139–40.

(18) Edvardsson, “Child Protection Investigations in the Swedish Social Services.”

(19) Ibid.

(20) Rune Ervik and Nanna Kildal, New Contractualism in European Welfare State Policies, 1st ed. (Farnham, Surrey: Routledge, 2015), p. 15.

(21) ساري حنفي. ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2025م.

لطفية الدليمي: انحازت إلى قضايا المرأة ورسخت تجربة إبداعية متفردة

لطفية الدليمي:

انحازت إلى قضايا المرأة ورسخت تجربة إبداعية متفردة

لم تكن لطفية الدليمي مجرد كاتبة، لكنها كانت محركًا ثقافيًّا عظيمًا في مجتمعها ولحظتها التاريخية. فضلًا عن كتابتها القصة والرواية والمسرح، كانت مترجمة وصحفية كبيرة ومؤسسة منتدى ثقافي معني بشؤون المرأة وإبداعها. شغلت لطفية الدليمي، في أعمالها، بقضايا المرأة فدافعت عن حقها في الاختيار، وتحديد مستقبلها بنفسها، وتبنت العديد من المواهب، ودعمت كثيرًا من الكتاب، وصنعت الأمل لأسماء ووجوه كثيرة.

كانت لطفية الدليمي تاريخًا ممتدًّا من الكتابة، بدأته عام 1970م حين أصدرت مجموعتها القصصية الأولى «ممر إلى أحزان الرجال»، واستمرت في الكتابة مدة خمسين عامًا بلغة رصينة استقتها من كونها في البدء معلمة لغة عربية، ثم محررة في مجلة الطليعة، ثم مديرة تحرير مجلة الثقافة الأجنبية، ثم رئيسة لتحرير مجلة «هلا» النسائية، فأنجزت العديد من المجموعات والأعمال الروائية من بينها: عالم النساء الوحيدات، من يرث الفردوس، بذور النار، موسيقا صوفية، ما لم يقله الرواة، شريكات المصير الأبدي، خسوف برهان الكتبي، ضحكة اليورانيوم، يوميات المدن، سيدات زحل، مسرات النساء، عُشّاق وفونوغراف وأزمنة، وكتاب «مُدُني وأهوائي» الفائز بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي عن فئة أدب الرحلات عام 2017م. ودخلت إلى مجال المسرح والترجمة مشمولة بروح المغامرة، والقدرة على الولوج إلى المناطق الصعبة، وإثارة الأسئلة الكبيرة. كما كان لها اهتمام بالعلوم والفلسفة وكتبت وترجمت أكثر من كتاب في هذه المجالات، وهو اهتمام يكاد يكون نادرًا في أوساط الأدباء العرب. وبعد رحلة قصيرة مع المرض قررت الرحيل، لتمضي سريعًا كما لو أنها عاشت يومًا واحدًا يبدأ من 7 مارس 1939م حتى 8 مارس 2026م؛ لتترك لنا أعمالًا مهمة، وذكريات محفورة في أذهان أصدقائها ومحبيها.

لطفية‭ ‬الدليمي‭ ‬في‭ ‬نصوصها‭ ‬وفي‭ ‬حياتها

الجوهر‭ ‬المضيء‭ ‬في‭ ‬أقاليم‭ ‬الجمال

لؤي‭ ‬حمزة‭ ‬عبّاس‭ – ‬روائي‭ ‬وناقد‭ ‬عراقي

ليس من المصادفة أن يكون آخر مقال للكاتبة لطفية الدليمي بعنوان: «نعمة العيش بقلب لا يعرف الضغينة»، إنها كلمتها الختاميّة قبل أسبوع من تغوّل المرض الذي أطفأ الشعلة وطوى الصفحة وأفرد القلوع للرحيل، لكن من الغريب أن تكون كلمتها تلك تلخيصًا باهرًا وإيجازًا حكيمًا لمسيرة حافظت على تطلّعها لما هو جوهري في الكتابة والحياة، من (بهرز) في محافظة ديالى حيث وُلدت عام 1943، إلى (عمّان)، فضاء رحيلها، المدينة التي اختارتها مستقرًّا بعيدًا من بيتها، جنّتها المنهوبة في عامريّة بغداد.

كأنها في صُلب اختيارها الهجرة اختارت أن تكون في المكان الذي تتمكن منه من أن ترى العراق وتتنفّسه، وترى بيتها وترانا فيه، نحن الذين تذوّقنا رفعته وعشنا عذوبته، وعرفنا معنى أن يبني المرءُ بيتًا يعبّر عن هندسة أحلامه وروعة أمانيه، إنه البيت الذي لم تغادره مطلقًا، على الرغم من خسارته في مرارات الزمن العراقي.

تقول في نعمة العيش: «نحوز في حياتنا أشياء لو أدركنا قيمتها لخشينا فقدانها كما نخشى على أعمارنا: سلام الروح، وسكينة القلب، نبدّدهما بنزق غريب في خصومات لا ضرورة لها، وفي كراهية مستعجلة، وفي أزمات نصنعها بأيدينا، ثم نشكو ثقلها الضاغط على صدورنا». كلمات تُضيء بنور الحكمة وهي تجعل سلام الروح وسكينة القلب من جواهر الحياة الإنسانية التي لا يمنحها الإنسان ما تستحق من البصيرة والتأمّل، الأشياء الرفيعة التي طالما بخسناها وتعاملنا معها بقوة الاعتياد، لكن لطفية شقّت طريقًا فريدًا في فهم الحياة والتعاطي معها، الطريق الذي قادها إلى الجوهر الفريد، لتتنفس ضوء الحياة الناصع وتتلقّى إشاراتها البليغة، وهو الأمر الذي عمّق الإحساس بالصدمة لرحيلها، ففكرة الموت بدت لزمن ليس بالقصير غير متناسبة مع سيدة احترفت الجمال في أكثر معانيه سموًّا وتعاليًا، ووهبت حياتها للنور، ولم تكن حبيسة زمن مثقل بالهموم والآثام، إنها المرأة التي عاشت في قلب اللحظة العراقيّة وأدركت مبكّرًا عسر تناقضاتها، وحافظت، في الوقت نفسه، على حضورها بعيدًا منها، فكانت تغرف حكمتها من مياه سومرية أبديّة الجريان دفاعًا عن الحياة في مواجهة موت مجاني عميم.

الحق في مواجهة التوماهوك

في عام 2000م وكان قد مرَّ على العراق ما يقارب العقد من سنوات الحصار، أصدرت كتاب نصوص بعنوان: «ترنُّ الهواتف: لن نموت»، وهو الكتاب الذي أراه اليوم دفاعًا تفصيليًّا عن الحق في الحياة في مواجهة (مهرجان الدمع والتوماهوك) الذي أحاط بالعراق سنوات طويلة، في تلك السنوات كتبت خطابها «لمن يهمه الأمر»، وهو منذ اللحظة التي كُتب فيها كان موجهًا للّحظة الراهنة وللتاريخ على السواء، وقد عاشت فيه دورًا مركَّبًا مثل أية أم عراقيّة، دور الشهود والشهادة، كما يعبّر عنوان إحدى قصص مجموعتها (التمثال، 1977) التي تحكي فيها مشاهد من صلب الحسين بن منصور الحلاج، زمن الخليفة المقتدر، يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي القعدة 309 للهجرة: «ها هو الليل يهبط بسكون تشوبه الرهبة، وجو عاصمة الخلافة ثلوّثه التهم التي يصبّها الشهود المحترفون على جسد أبي المغيث الحسين بن منصور الحلاج الصوفي، وأوجه المحبين تنتظر بأسى انقضاض الخبر الصاعق: اليوم يُصلب».

خطاب لطفية الدليمي ينبثق من لحظة تاريخية فارقة ليسكن الراهن معبّرًا عن تجربة «مشتركة في مملكة الوجود الإنساني»، كما تكتب في القصة نفسها. إن التفصيلات التي سعت نصوص (ترنُّ الهواتف) لالتقاطها والتعبير عنها، تفصيلات الحياة العراقيّة اليومية المبدّدة بين ظلامين؛ ظلام السلطة القامعة، وظلام العدوان، وفي قلب هذه التفصيلات ينبض شعور عميق بالحياة ويجدُّ في الدفاع عنها، «نحن، عيّنة من فضاء غير أرضي، يهيّئون لنا مصاير من ثمار حرب النجوم.

ألسنا أسلاف عبدة الشمس والقمر والمياه؟

ألسنا وارثي المدن المقدّسة التي ولدت من سرّة الزمان؟

ها هم يصنعون من أجسادنا المرّصوصة في المحارق كوكبًا شرقيًّا في كون مائل».

في مجمل أعمالها في الرواية والقصة القصيرة والرحلة والمسرح والبحث والمذكرات، كتبت لطفية الدليمي ذاكرة الخوف والاشتهاء، ودوّنت حكايا مدن تتقلّب على ضفاف الليل والنهار وسط أمواج من وجوه وأسماء ومصاير وأحلام ونبوءات؛ ليحقق العمل الأدبي شهادته على قدرة الكلمة على السيرورة والحياة في ظلِّ التراجع والخراب، وهو ما عملت رواية (سيدات زحل، 2012) على مواجهته، وهي توثّق سردها بوقائع نصيّة يلتحم فيها الواقعي مع المتخيل، حتى ليبدو الواقع، في عنف تفصيلاته ووحشية عناصره، ضربًا من الوهم والهذيان، وصولًا للحظة يتبادل فيها كلٌّ من الواقع والخيال دوريهما وهما يدفعان بالرواية في طريقين متضادين تنبثق لحظة السرد بينهما نقطةً للتلاحم، ومساحةً للرصد والمعاينة، فقراءة سيرة مدينة مثل بغداد تتطلّب، بالضرورة، ذهابًا بعيدًا في تضاعيف الزمان، ونظرًا قادرًا على الفصل بين الحلم والاشتهاء، فالمنصور «لم يؤسّسها ولكنه حين اشتهاها، شاء أن يفتضّها كما يفعل بالجواري العذراوات كلَّ ليلة وينام على رائحة الدم وريق الإناث وعبق عرقهن.. فكَّ أسرها من قبضة الدهر، وكانت حيّة تنبض في رعشة الطين وتتنفس في حمحمة الحريق، وتكابد طوفان دجلة في خفاء الزمان»، إن المنصور لم يكن منفصلًا في لحظة التأسيس نفسها عن سلسلة العنف ودورة الاستبداد، فقد كان «كمثل جميع المستبدين قد اخترع مدينةً عظمى من رغباته الملكيّة وعنفه الدموي».

سرديات بيتها البغدادي

ومثلما شكّل الخليفة لحظةً مؤسّسةً في تأريخ المدينة، فإن لحظات أُخر ستوطّد نسيج الحلم والدم وصولًا لصورة المدينة الراهنة حيث تلتقط (حياة البابلي) إشاراتها وتهيئ قدراتها للسرد والمواجهة، فالسرد نفسه يتجسّد ضربًا من المواجهة والسؤال، تنزل حياة في زمن العنف إلى سرداب بيتها البغدادي، بما يضيئه من حضور رمزي بدرجاته الأربع عشرة ومرايا جدرانه وخزانة كتبه ومخطوطاته، محاولةً استعادة قدرتها على النطق وقد استغرقها السكوت، إنها تجلو في نزولها ما يحدث حولها، تكتشفه وتزداد بصيرة فيه، ليمثل النزول إلى السرداب نزولًا إلى الذاكرة، فسرداب البيت هو خزانة المدينة، روحها المكنوزة وحرفها المخبوء، وهو الموضع الذي تتقاطع فيه طرق الزمان؛ لتشهد الوقائع نوعًا من التكثيف يُهيئ للراوية فرصة أوسع لإضاءة تفاصيل قد تبدو خارج انشغالاتها، لكنه المأوى الأعمق في الوقت الذي يشهد البيت فيه تعديًا واختراقًا (يذكّر ببيت لطفية نفسه).

وهو، مع ذلك، يشهد اعتراض حياة وعنف مواجهتها حين تُعلن مغادرة المدينة؛ لتواصل لطفية الدليمي، عبر حياة البابلي، أو آسيا كنعان، أو زبيدة، سردها مدونةً مصاير أناس آمنوا بها، فاستأمنوها على حكاياتهم، مترقّبةً من خلالها مصير البلاد وما يمكن أن تؤول إليه قبل أن تتهاوى وتختفي؛ إن حدثًا فاصلًا مثل دخول القوات الأميركية بغدادَ لا يقف وحده خطًّا حاكمًا في بندول السرد، بل ينتسج مع مجموعة من الخيوط التي تتبرعم من الشجرة.

فإذا كانت الرواية تخضع في تحبيكها لمنطق محدّد، واضح ومعلوم، يكشفه السرد وينبئ عنه، فإن الحياة، بدورها، تتحرّك على وفق منطق لا يقبل التجزئة أو الفصل، وهو ما عملت الرواية على تأديته في مراقبتها حركة المدينة بين صعود وهبوط، ومتابعة أثر تحولاتها في مصاير شخصياتها، مثلما تراقب ماكنة الدكتاتورية وهي تجرّ البلاد، في اندفاعة وحش أعمى، من نفق معتم إلى آخر، فترسم ظلال الصراع على الجدران أشلاءً بشريّةً مهروسةً وأرواحًا محطّمة، الدور الذي أكملت تأديته ماكنة الغزو وعنف الجماعات المسلحة؛ ليؤكد السؤال أهميته، مثلما تكشف الإجابة قسوة براهينها: فكيف يمكن لعمل أن يختصر تاريخ الألم، وهو يأمل، بالمقابل، أن يوقظ ممكنات الجمال، ولو من خلال الرؤى والأحلام، لتحمل الكراسة الأخيرة في الرواية عنوان: «زهرة أوكيناوا أو الجمال»، لا لتقف عند زهرة الجمال الإنساني أو زهرة النجاة فحسب، بل لتخبئ حياة البابلي بذرتها الهلالية السوداء، في واحدة من ذرى العنف والألم، بانتظار زمن قادم بعد أن تموت الحروب وتتجلّى لها العلامة كما تجلّت لآخرين من قبل.

انفتاح الحكايات واتساعها

بين الكرّاسة الأولى من الرواية وكرّاسة الختام الخامسة والثلاثين لا تسرد حياة البابلي حكايتها وحدها، بل تنفتح الحكايات وتتسع بما يتهدّدها من اختفاء الأسماء وزوال أصحابها: «أنا حياة، وهذه كراساتي التي شرعت بكتابتها منذ سنوات ودوّنت فيها حكاياتنا، حكاية عشقنا الصاعق، قصص الفقد وأوجاع السجن والاختفاءات، عار الخصاء وبتر اللسان، خزي اغتصاب البنات، دوّنت أكثر من ثلاثين كرّاسة طوال كارثة الحصار وحرب الاحتلال، وكنت كلّما أنهيت واحدةً منها وعدت إليها أُفاجأ باختفاء الأسماء…»، وصولًا إلى لحظة لا يُعد اختفاء الأسماء فيها يعني حياة وهي تُدير عجلة الروي، فالحكايات، كما تصرّح، لنا جميعًا ونحن نتداول الأحزان والمسرّات والموت بتبادل مواقعنا.

فالأسماء «إرث نتقاسمه مع الزوال والنسيان»، لكن الحوادث تظلُّ، على الرغم من ذلك، موصولةً بأسماء أصحابها وهم بدورهم يُكملون فسيفساء المشهد مؤكدين تواشجه في سعي ملحمي لا تغدو الرواية معه «ملحمةً فرديّةً يتخذ فيها المؤلف حريّة تصوير الإنسان على طريقته»، بحسب تعبير غوته، بل ملحمة الجماعة وبيان حياتها التي لا تُعد حياة البابلي فيها غير العين الناظرة واللسان الناطق، وهي تتلبّس في فصول العذاب ما تروي من انكسار العلاقات، وانقلاب القيم، وتحوّل الطبائع والأحوال، متحمّلةً مخاطرة أن تروي، مدركةً ما ثبّته عبدالجبار النفري في موقف التيه بأن «في المخاطرة جزءًا من النجاة».

إنه وجه آخر من وجوه شهرزاد التي تُدافع عن الحياة بالحكاية، وتُعيد من خلال الحكاية بناء الحياة عبر وقائعها الحزينة المعتمة حيث «الجرحى يتراكضون -وقد انفجرت العبوة الناسفة قرب البيت- ويتركون وراءهم سطورًا من الدم»، السطور التي تنتظم من فصل إلى آخر، ومن شخصية إلى سواها، فلكلِّ شخصية مرآة حكايتها التي ترى حياة البابلي فيها تفاصيل حياتها وموتها، وهي في صلب ذلك، تترك لشخصياتها مهمّة ملاحقة الماضي الذي لا يتجلى بوصفه وثائق مجزوءة ووقائع متشظية بقدر ما يوطّد بلحمته نسيج الحاضر، فما بدّده الراهن تعمل رؤية الماضي على مقاربته وربط عناصره؛ لتظلَّ دائرة الصراع مفتوحةً، بعيدًا ممّا ارتهنت المدينة له من طوالع فلكية، فللحب، في النهاية، حضوره الطيفي في لجّة الخراب. ترحل لطفية الدليمي بعد أن كتبت كلمتها في سِفر الحياة العراقية، وكافحت طويلًا من أجل زمن يُعلي قيم الثقافة والجمال.


عبرت إلى ضفة النعيم الأبدي

ميسلون هادي – كاتبة عراقية

وأنت تضع قدمك على أرض العراق؛ اتجه بنظرك حيثما شئت. ستجد على كل بقعة منه شاعرًا أو مفكرًا أو روحًا صوفية ناحلة الخاطر؛ تطوف وتخفق بين الأرض والسماء. يرسم العراق روحه الأدبية من خ ال حضارة ممتدة لآلاف السنين، ونهرين ينقشان للحياة معنى النماء والنجاة والاستمرارية. ستكون الروائية لطفية الدليمي واحدة من هاته النسوة اللواتي صنعن للعراق نهره الثالث، ثم أثثت كل طية من طياته بمادة معرفية عميقة، وخبرات حياتية متراكمة، ومعلومات تاريخية موثوقة، نسجت من خلالها مئة عام من تاريخ العراق، والمنطقة، بلغة ثرية حسية متحركة.

أقل ما يقال عنها: إنها ساحرة، نابضة بالحياة والعاطفة، فواحة بالعطور، منغمة بموسيقا مشهدية رفيعة المستوى. هذا التفوق المشهدي في سردها يعود لأسباب عديدة، أهمها تشبع الكاتبة على مدى تاريخها بشتى المجالات المعرفية؛ من الموسيقا إلى الأدب إلى الفلسفة، ومن علم النفس إلى علم الاجتماع والتاريخ، فكانت تضع غلال هذه الحقول فوق مساحات كبيرة من أرضها التي فرشتها تحت الضوء، ثم دوزنت عصاها السحرية لاستعمال شذرات هذا الخزين في المكان والزمان المناسبين.

عمق التاريخ

وفقًا لباختين فإن «كل متكلم إلا ويحمل أفقًا اجتماعيًّا معينًا يعينه على اختيار الكلمات المناسبة». ولطفية الدليمي لا ترسم في كتاباتها حافات المياه أو الأشياء، بل ترمي بكل ثقلها في عمق التاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا، وستفتح لك باب الدخول إلى التاريخ العراقي، ثم باب الخروج منه إلى حديقته الخلفية، حيث نجد في كل كتاباتها، منجمًا من الروائح والأزمنة والأصوات والأطعمة والحواس. وهي التي تموّن أبطال رواياتها بالذوق الرفيع، والحكمة الناهلة من خزنة معرفية ووجدانية وتاريخية، تقدمها الكاتبة من خلال انتمائها الكوني العميق. تقول عن ذلك: «على غير ما درج الناس في أنسابهم، أحسّني أنتسب إلى سلالة مائية: سلالة أولئك السومريين الهابطين إلى دلتا النهرين من فردوس مفقود، قد أكون كاهنة من كاهنات القمر، أنا سليلتهم التي ضلّت في متاهات التاريخ، قد أكون إحدى الناجيات من حقب الطوفانات العظمى، أنقذني أتراحس، «نوح السومري»، في فلكهِ المحبوك من القصب، والمطليّ بالقار، وأتى بي من زمن إلى زمن. وجدني وحيدة عند معبد أور في برهة انهيار دويلات المدن السومرية، وانتشلني من لجج الغمر المائي، وأنا أحمل تمائمي وتعاويذي المتمثلة بالنبع الفوّار والقمر والبرق، وألقى بي في وحشة الزمن المعاصر وحيدة أيضًا، كما وجدني هنا».

في رصيد لطفية الدليمي 33 مؤلفًا؛ في القصة والرواية والمقالة والفكر الفلسفي، و25 كتابًا مترجمًا، و7 أعمال درامية، وعشرات الدراسات عن المرأة العراقية. كانت من أكبر المدافعات عن حقوق المرأة، والباحثات في أوضاعها الاجتماعية، ويشاء القدر أن ترتبط ذكرى رحيلها باليوم العالمي للمرأة في 8 آذار. عبرتْ لطفية الدليمي إلى ضفة النعيم الأبدي، وظلتْ أوراقها مزهرة في عنان المسافات الطويلة.


سيدة زحل في ارتقائها الأخير

رشا الربيعي – كاتبة وناقدة عراقية

ما زلتُ أتذكر أول جملةٍ كتبتها لي الكاتبة والمترجمة القديرة لطفية الدليمي، عام 2013م، حينما كنتُ أكتب مراجعاتٍ عن الكتب في مجموعةٍ ثقافية تحمل عنوان: «أنفي يطلق الروايات». حينها كنتُ أكتب للمتعة لا أكثر. كتبت قائلة: «عزيزتي رشا، أرى فيكِ بذرة كاتبة موهوبة، لا بد أن تُرعى، وأنا سأتحمل مسؤولية رعايتك بكل أمانةٍ ومحبة». ومنذ تلك اللحظة، غيّرت هذه الجملة مفهومي للكتابة والقراءة على حدٍّ سواء؛ فحينما تتبنّى كاتبة قديرة مثل (لطفية الدليمي) كاتبةً شابة، فلا بدّ أن تأخذ الأخيرة الكتابة على محمل الجدّ.

إعادة تشكيل

كانت تكتب لي بين حينٍ وآخر، تقترح عليّ قراءة كتبٍ مهمة، أو تُنقّح لي نصًّا أرغب في نشره. ومع مرور الوقت صار تواصلنا يوميًّا، ولمراتٍ عدة في اليوم. لم تكتفِ ملهمتي الخالدة بإعادة صياغة موهبتي فحسب، بل أعادت تشكيل شخصيتي، وعملت على تشذيب طباعي وتعزيز نقاط القوة فيها. تابعت، بكل ما تحتويه الأم من قدرة على العطاء، كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ فيَّ. كانت تقسو في أحيانٍ كثيرة حبًّا وحرصًا، رأت فيَّ ما لم يره الأقربون دمًا، فاستبشرت بولادة كاتبةٍ ناقدة، مثلما كانت تقول لي دائمًا: «ستتكرّسين كناقدة، شئتِ أم أبيتِ».

الصالون الثقافي

بعد خمس سنواتٍ من ذلك، تجاوزنا مرحلة المعلّم والتلميذ لننتقل إلى مرحلةٍ أجمل، هي الأمومة والصداقة. أسّسنا ما يشبه الصالون الثقافي، نتشارك فيه قراءة الكتب والمقالات، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات العالمية، ونتبادل مقاطع من الموسيقا الكلاسيكية، وأخرى لعمر خيرت، ونقرأ نصوصًا من المسرح العربي والعالمي.

من يعرف لطفية الدليمي عن قرب، يعرف مدى انضباطها العالي؛ فلولا دستورها الصارم الذي وضعته لنفسها، والتزمت به منذ عقود عدة، لَمَا غدت ظاهرةً ثقافية لا تتكرر في المشهد الثقافي العراقي والعربي. حينما يرد اسم الدليمي، فنحن نتحدث عن مشروعٍ متكامل يندر أن تجد له مثيلًا، عن تاريخٍ تجاوز الخمسين عامًا من الإبداع المتواصل في مجالاتٍ عدة، تنوّعت ما بين القصة والرواية والمسرح والترجمة والمذكرات وكتابة المقالات العلمية والفكرية والنقد الأدبي والثقافي. ركّزت الدليمي في مشروعها السردي على المرأة؛ لا بوصفها جزءًا من المجتمع فقط، بل بوصفها ربّة الحياة وملهمة الخلق والقوة. وفي روايتها «سيدات زحل»، وظّفت المرأة، عبر بطلة الرواية (حياة البابلي)، كذاكرةٍ للوطن، ومدوّنةٍ لكراساته التاريخية. تتميّز بطلات الدليمي غالبًا بامتلاكهن سمة الإصرار والعزيمة، وتمسّكهن بالأمل والحلم حتى في أصعب الظروف وأقساها.

الدفاع عن المرأة

لم تكتفِ لطفية الدليمي بالدفاع عن حقوق المرأة عبر نساء رواياتها ومجموعاتها القصصية، بل كانت ثيمة مشروعها السردي مرآةً لمشروعها الثقافي الشخصي؛ فتبنّت، منذ لحظة ظهورها الثقافي الأول، مشروع الدفاع عن المرأة وحقها في العيش الذي تختاره، وحقها بالرفض والقبول اللذين تقرّرهما هي، لا الآخر (الرجل). لكن ذلك لم يحدث عبر الخطابات النسوية المستهلكة، بل عبر فعلٍ ثقافي لا يعوّل على الضجيج الإعلامي، ليتحوّل هذا الفعل، فيما بعد، إلى مشروعٍ ثقافي راسخ ممتد عبر السنين.

يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: «نملك الفن كي لا نهلك بالحياة»، وأعتقد أن لطفية الدليمي ردّت على خسارات الوطن المتكررة، واغترابها القسري عن بغدادها التي تُحب، وعن منزلها وحديقتها الأثيرة، بالكتابة والترجمة والنقد؛ فلم تهلك يومًا حيّة، ولا أعتقد أنها ستهلك يومًا بعد ارتقائها الأخير.


لطفية الدليمي: سيدة الحرية

نرمين المفتي – كاتبة ورئيسة تحرير مجلة الشبكة العراقية

كنت أتابع كتابات النساء العراقيات باهتمام، فجذبتني سريعًا كتابات لطفية الدليمي. رحت -بصفتي صحفية- أبحث عنها حتى التقيت بها في أحد مهرجانات المربد، في نهاية الثمانينيات. وفي عام 1991م قررنا أن نؤسس «منتدى المرأة الثقافي». كانت الأجواء في ذلك الوقت أشبه بأجواء النكسة في مصر، عام 1967م، تدعو إلى اليأس من كل شيء، لكننا قررنا أنه لا داعي لليأس. تجمعنا معًا، نحو 35 امرأة من مجالات ثقافية مختلفة، من بينهن كاتبات وصحفيات ومغنيات وباحثات وناقدات، قررنا تأسيس المنتدى على أمل أنه لا يأس مهما كانت الخسارات.

وقتها أجريت حوارًا مهمًّا (للأسف لا أملك منه نسخة الآن، ففي عام 2003م أُحرقت الصحف ومقارها). كان حوارًا رائعًا بين شخصيتين نسائيتين هما الكاتبة والمترجمة الراحلة ناصرة سعدون، والكاتبة والمترجمة لطفية الدليمي. وقتها كنا قد بدأنا نتخلى عن اليأس، ورأينا أن يكون الكاتب هو هوراشيوس (من أعظم شعراء الرومان في القرن الأول الميلادي) الذي يقول الحقيقة فيما يعبر.

جروح في شجرة النخيل

في عام 2006م، وبمبادرة من الصليب الأحمر العراقي، أصدرنا كتاب «جروح في شجرة النخيل». صدر الكتاب عن دار رياض الريس، تحت إشراف الأستاذ نادر الدوماني، وضم عددًا من الشهادات لكتاب وإعلاميين ورسامين عراقيين مقيمين في العراق، كان من بينهم أحمد خلف وحسن العاني وأحمد سعداوي وسلوى زكو وأسماء محمد مصطفى وإرادة الجبوري ونرمين المفتي. وكانت شهادة لطفية الدليمي من أجمل الشهادات، وقد قدم للكتاب الروائي اللبناني الشهير أمين معلوف، بمقدمة حملت عنوان «شهادات من عراقيين ما يزالون في العراق».

وفي عام 2004م أسست لطفية مركز «شبعاد» لدراسات حرية المرأة، وفي عام 2005م رأست تحرير مجلة «هلا» النسائية، التي صدر منها أربعة أعداد فقط، قبل أن تتوقف عام 2006م. بعدها سافرت لطفية إلى فرنسا، ثم قبرص، ثم عادت لتستقر في عمان.

في مقالي «فنجان محبة» أسميت لطفية سيدة الحرية، وقلت: إنني لا أتذكر متى قرأت لها أول مرة، فقد كان ذلك قبل أن أتعرف عليها بسنوات، ولا أدعي أنني قرأت كل منجزها سواء بالتأليف أو الترجمة أو دراساتها، لكنها كاتبة تعرف كيف تجعل اللغة الصعبة طوع يديها، وتخرج لنا روايات نتفاعل مع شخصياتها وكأننا نتحاور معها، وبخاصة شخصياتها النسائية. ففي كل واحدة منهن شيء منها ومني ومن أية امرأة عراقية. أما ترجماتها فأهميتها توازي أهمية رواياتها وقصصها؛ لأنها دقيقة في اختيار العناوين، مهما كانت صعبة. ولطفية ليست كاتبة ومترجمة وباحثة من طراز خاص، هي أيضًا امرأة من طراز خاص، فهي سيدة بيت رائعة، تعرف كيف تفرح بضيوفها، وتسقيهم شاي الياسمين. وهي سيدة متصالحة مع نفسها، تعرف كيف ترد على من يناقضها أو يرفضها. امرأة تعشق الحرية وتحترم الآخر وتتقبله، لذلك أطلقت عليها لقب «سيدة الحرية»؛ لأنها من المدافعات عن الحرية بشكلها الصحيح، وبالأخص حرية المرأة في الاختيار.


أيقونة عراقية نادرة

عبد الأمير المجر – قاص وصحفي عراقي

لم تكن لطفية الدليمي أديبة فقط، كانت مثقفة من الطراز الرفيع، وهو أمر يكاد يكون نادرًا في أوساطنا الأدبية العربية عامة، والعراق خاصة؛ إذ تجد كثيرين من أصحاب المواهب في الشعر والسرد، لكنهم لا يتمتعون بثقافة عالية، بحكم انغماسهم في عالم الأدب وغوصهم في جمالياته. وهناك قلّة من المبدعين ممن يتمتعون بثقافة رصينة، لسعة اطلاعهم وانفتاحهم المستمر على النتاج الثقافي والفكري العالمي. وهؤلاء تجد أعمالهم مثقلة بالرؤى والأسئلة العميقة. ولطفية الدليمي تنتمي لهذا النوع من المبدعين المثقفين، فهي إضافة إلى اهتمامها الأدبي، الذي بدأته في عام 1970م بمجموعتها القصصية الأولى «ممر إلى أحزان الرجال»، ظلت متدفقة؛ إذ أصدرت العديد من الأعمال القصصية والروائية، وكذلك كتبت في المسرح. ولم يتوقف نشاط هذه المرأة التي بدأت حياتها مدرّسة للغة العربية؛ فكانت رصانتها في لغتها الأم مدخلًا لرصانة مماثلة في الترجمة، حيث ترجمت إلى العربية كثيرًا من الأعمال الأدبية والفكرية العالمية التي يصعب حصرها في هذه السطور.

سيدات زحل

في روايتها «سيدات زحل»، التي عرضت فيها لمظلومية المرأة العراقية، تناولت ما حصل للعراق من حروب وكوارث، تلمّستها بطريقة تنم عن سعة اطلاع وحساسية عالية، إضافة إلى مقدرتها على السرد الرشيق والمتلاحق. كنت وأنا أقرأ هذه الرواية، أتساءل مع نفسي: كم قرأت لطفية الدليمي، وكم دونت من ذكريات ومواقف قبل أن تبدأ رحلتها الكتابية؟ أو كم بلغ حجم قراءاتها قبل أن تكتب هذه الرواية؟!

فهي لم تكتب فقط عن بغداد، التي عاشت أهوال الحروب منذ أكثر من ثلاثة عقود، بل كتبت عن بغداد التاريخ القديم والحديث، ورموزها الثقافية المختلفة، وعن محنها الكثيرة والأهوال التي شهدتها على مرّ التاريخ. «يرى الشيخ قيدار أن بغداد تديم حياتها من بين نار ومذبحة وطاعون حتى يختم هولاكو عمرانها ببرج من جماجم، ويقيم تيمورلنك مئذنة من رؤوس أهلها، ويطلب من كل مغولي أن يأتي بعشرة رؤوس لرجال بغداديين، ولما لم يعثروا على المزيد من الذكور فقد عمدوا إلى جزّ رؤوس النساء وجعلوا رؤوسهن في عداد رؤوس الرجال!».

فهي تستعير، حكاية الطالع السيئ لكوكب زحل، وتسقط عليه ما حصل لبغداد، أو ما حصل لسيداتها اللواتي يتوزعن أحداث الرواية: «كان طالع بغداد يشتبك أمامي بطالع فتنة، وأنا أبصر في سماء المدينة ذلك الكوكب الرهيب الأزرق، وأشفق من النظرة الثانية إليه، لا أريد أن أصدق ظهوره في طالع المدينة، فذلك يحملني من الهم ما لا طاقة لي به، وأنا جاوزت الستين من عمر العناء».

لقد تجاوزت لطفية الدليمي مسألة الاهتمام بالمرأة، وإن حضر هذا في بعض نتاجها الأدبي، كونها باتت مثقفة كبيرة تحمل همًّا إنسانيًّا شاملًا.

من الرهبنة إلى العالم: رحلة متحف ومكتبة هيل من التراث البيندكتي إلى المخطوطات الإسلامية والشرقية

من الرهبنة إلى العالم: رحلة متحف ومكتبة هيل

من التراث البيندكتي إلى المخطوطات الإسلامية والشرقية

في زمن تتسارع فيه وتيرة النسيان، وتواجه فيه الثقافة الإنسانية أخطار الحرب والنهب والإهمال، تنهض مبادرات استثنائية تسعى لصون الذاكرة المكتوبة للبشرية. من قلب دير رهباني في ولاية مينيسوتا انطلقت عام 1965م مكتبة هيل للمخطوطات (HMML)، في مشروعٍ بدأ بتصوير تراث الرهبنة البيندكتية المهدد بالضياع في أوربا، وسرعان ما توسّع ليشمل كنوز المخطوطات من مختلف الديانات والثقافات، من إثيوبيا إلى العراق، ومن الهند إلى اليمن وسوريا.

تتبنّى HMML رؤية عابرة للحدود والانتماءات، تقوم على مبدأ الشراكة مع المجتمعات المحلية؛ لتصوير المخطوطات في أماكن حفظها، وإتاحتها رقميًّا للعالم، مساهمة بذلك في إنقاذ تراث عظيم طالما عانى أهوالَ الحروبِ أو وطأةَ الإهمالِ. في هذا الحوار مع «الفيصل»، يستعرض مدير المكتبة الدكتور كولومبا ستيوارت قصصًا ملهمة عن تحديات البناء في بيئات مضطربة، ونجاحات صغيرة وكبيرة في استعادة ما كاد يُنسى، ونكتشف كيف يمكن لمؤسسة بدأت بتوثيق التراث الرهباني أن تتحول إلى أكبر مكتبة رقمية للمخطوطات في العالم، حاملة رسالة إنسانية شاملة: الحفاظ على الذاكرة التراثية للبشرية.

من المخطوطات الرهبانية إلى التراث العالمي

  بدايةً، ما الدوافع وراء إنشاء هذا المتحف أو المكتبة لحماية تراث المخطوطات، وكيف استقبلت الجهات المعنية رسالته؟

  تحافظ مكتبة ومتحف المخطوطات الرهبانية (HMML) على التراث الخطي العالمي وتشاركه، بهدف إلهام فهم أعمق لحاضرنا ومستقبلنا. وتتكون مهمتنا من ثلاثة محاور رئيسة: الحفاظ الرقمي على المخطوطات النادرة والمهددة بالزوال، وأرشفة المخطوطات وفهرستها ومشاركتها عبر الإنترنت، وتعزيز البحث العلمي حول الفكر والثقافات التي تمثلها هذه المخطوطات.

تأسست مكتبة المخطوطات الرهبانية (HMML) في عام 1965م. وقد انطلقت فكرتها عام 1964م تحت اسم «مشروع التصوير الميكروفيلمي الرهباني» بهدف تصوير مكتبات الرهبنة البيندكتية في النمسا وألمانيا. كانت ذكريات الحرب العالمية الثانية لا تزال حاضرة، ومع تزايد الخوف من اندلاع حرب نووية في أوربا، أعربت القيادة الرهبانية في دير وجامعة سانت جون في كوليجفيل بولاية مينيسوتا عن قلقها من احتمال تدمير التراث البيندكتي.

لاحقًا في عام 1964م، أصبح المشروع برنامجًا تابعًا لجامعة سانت جون، تحت اسم «مكتبة الميكروفيلم الرهبانية للمخطوطات» (MMML). وبدأ التصوير الميكروفيلمي في النمسا في إبريل 1965م، وسرعان ما توسّع العمل ليشمل مكتبات دينية وغير دينية في أنحاء أوربا. وفي السبعينيات، انطلق مشروع حفظ كبير في إثيوبيا، ومنذ عام 2003م، بدأنا بالعمل في إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا أيضًا.

في عام 1975م، تغير اسم المنظمة إلى «مكتبة هيل الرهبانية للمخطوطات» (HMML) تكريمًا لرجل الأعمال والمحسن جيمس ج. هيل، الذي قدمت مؤسسته العائلية دعمًا أساسيًّا للمشروع في سنواته الأولى. وفي عام 2005م، عُدِّلَ الاسم ليصبح «متحف ومكتبة هيل للمخطوطات» (Hill Museum & Manuscript Library – HMML)، اعترافًا باهتمام المكتبة بمخطوطة «إنجيل سانت جون» وعرضها لها، إضافة إلى مجموعات الكتب النادرة والفنون التابعة لجامعة سانت جون. يعكس الاسم الجديد بشكل أوضح أننا لا نعتني فقط بالمخطوطات الرهبانية، بل بجميع أنواع التراث الخطي الذي يتوافق مع رسالتنا.

  هل يمكن أن تحدثنا عن آلية العمل وكيف تتم؟

  تبقى المخطوطات في حوزة المكتبات أو الجهات الحافظة لها؛ إذ تعتمد HMML منهجية تقوم على الشراكة مع هذه المكتبات والمراكز، حيث تُصوَّر المخطوطات في أماكنها، ثم تُنشر صورها الرقمية على الإنترنت؛ لضمان الحفظ الرقمي طويل الأمد وإتاحة الوصول إليها.

يبدأ عملنا بتوقيع اتفاقيات شراكة مع كل مكتبة أو جهة حافظة، تتيح لنا هذه الاتفاقيات تصوير المخطوطات رقميًّا ومشاركة هذه الصور مع الجمهور العام. ونستعين بِفِرَقٍ محليةٍ لتصوير المخطوطات في أماكن حفظها، وإنشاء نسخ رقمية لكل مخطوطة ضمن المجموعة. وإذا كانت المخطوطات في خطر مباشر أو يصعب الوصول إليها ماديًّا، فإن أي قرار بشأن نقلها يعود بالكامل إلى المكتبة أو الجهة المالكة للمخطوطات. وتُسلَّم نسخ رقمية من الصور للمكتبة أو الجهة الحافظة، كما تُرسل نسخ أخرى إلى مقرنا في ولاية مينيسوتا. وهناك يعمل مفهرسون وموظفون متخصصون على توثيق الصور الرقمية، وضمان دعمها وإتاحتها على المدى الطويل، وتوفيرها مجانًا للجمهور من خلال موقعنا الإلكتروني المعروف باسم «غرفة القراءة».

ليست كل الأبواب مفتوحة

  في رأيك، ما التحديات الرئيسة التي تواجه مشروعًا كهذا؟

  يُعد بناء علاقات ثقة مع أمناء مجموعات المخطوطات التحدي الرئيس دائمًا. ولحسن الحظ، حققنا نجاحًا كبيرًا في ذلك.

  مؤسس هذا المشروع شخصية دينية مرموقة. هل أثار ذلك أي شكوك لدى جماعات دينية متشددة في أنحاء مختلفة من العالم، وهل شكّل عائقًا أمام عملكم؟

  كان مؤسسونا عام ١٩٦٥م رهبانًا بينديكتين كاثوليك، وكان التركيز الأساسي على المخطوطات البيندكتية. وسرعان ما انتشر نشاطنا ليشمل جماعات علمانية ومسيحية أخرى، مع بذل جهود كبيرة في إثيوبيا في سبعينيات القرن الماضي، وفي الشرق الأوسط والهند منذ عام ٢٠٠٣م، عندما توليتُ منصب المدير التنفيذي. في عام ٢٠١١م، بدأنا في التعاون مع مجموعات من المخطوطات الإسلامية، وحظينا بترحيب حار من المسلمين من مختلف الأديان في إفريقيا والبوسنة والهند وباكستان. نسعى دائمًا إلى استقطاب من يشاركوننا قيمنا والتزامنا بدراسة التاريخ على نطاق واسع وشامل.

  هل تتلقون دائمًا ردود أفعال إيجابية من المؤسسات التي تستهدفونها؟ هل تشعرون بوجود إيمان حقيقي وقناعة راسخة بالمشروع الذي كرّستم له عقودًا من حياتكم؟ وما المؤسسات التي أبدت تعاونًا مثاليًّا معكم؟

  لا نبني دائمًا شراكات ناجحة. ننجح مع من يشاركوننا قيمنا في حرية الوصول إلى المعرفة من جميع الثقافات. يمكنكم الاطلاع على قائمة شركائنا هنا: https://hmml.org/collections/repositories/

  يرسل متحفكم فِرَقًا إلى المناطق النائية. كيف تُموّل هذه المشروعات؟ وهل تُساهم المؤسسات والمراكز والمكتبات التي تتعاونون معها في هذا التمويل؟

  تُعد مكتبة ومتحف هيل للمخطوطات (HMML) منظمة غير حكومية وغير ربحية. وتعتمد في تمويلها بالكامل على سخاء المؤسسات، والشركات، والمتبرعين الأفراد الذين يدعمون رسالتها. أما الرسوم التي تُفرض على الباحثين مقابل الحصول على نسخ من المخطوطات، فلا تمثل سوى أقل من 1٪ من الإيرادات السنوية للمنظمة، في حين تُتاح أغلبية المخطوطات مجانًا عبر الإنترنت أو من خلال زيارات مباشرة.

داعمونا الرئيسون هم صندوق أركاديا (لندن) ومعهد باكارد للعلوم الإنسانية (كاليفورنيا). معظم شركائنا غير قادرين على المساهمة ماليًّا في المشروعات، مع أنهم يوفرون المرافق، وفي بعض الحالات، الموظفين اللازمين للعمل. يمكن معرفة المزيد حول هذه المسألة من خلال تصفح صفحة «الدعم» في موقعنا.

  هل تقبلون أي تمويل يُعرض عليكم؟ هل سبق أن تلقيتم عرضًا من متبرع بشروط محددة؟

  نحن نحرص على قبول الهدايا بحذر، ولا نقبل الهدايا التي تتضمن شروطًا تُخالف سياساتنا. مع ذلك، يُمكن تقديم الهدايا لمشروع مُحدد، ونحن نُراعي نية المتبرع.

  لا يقتصر دوركم على الرقمنة فحسب، بل تقدمون أيضًا خدمات تعليمية، وتطبقون تقنيات تصوير متنوعة، وتقدمون رواتب ودعمًا ماليًّا للفرق العاملة على المخطوطات في البلدان التي تواجه أوضاعًا قاسية. كيف يمكنكم إدارة كل ذلك؟

  لدينا فريق متخصص من الموظفين في الولايات المتحدة وفروع دولية في كل منطقة نعمل فيها، يُمكّنون من إنجاز العمل. بفضل تفانيهم، نجحنا في تحقيق مهمتنا.

العمل في بيئات مضطربة

  في أثناء كل هذه السنوات من العمل، هل يمكنكم مشاركة أمثلة محددة على مخطوطات تمكنتم من حفظها عبر الرقمنة؟ وكيف ساعد التصوير في تأكيد ملكيتها؟

  دُمّر أو فُقِدَ العديدُ من المخطوطات التي رقمناها مع شركائنا في العراق خلال أزمة 2014-2017م في شمال العراق. وفي إثيوبيا، حيث راعينا التصوير بالميكروفيلم في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، فُقِدَ أو سُرِقَ العديدُ من المخطوطات المصورة بالميكروفيلم. وفي بعض الحالات، أكدت الميكروفيلمات الملكية وأدت إلى إعادة المخطوطات إلى بلدها الأصلي.

  يمتد عملكم إلى دول تعاني الحروبَ والصراعاتِ والاضطراباتِ الأهليةَ، مثل: لبنان وباكستان والهند ومصر وسوريا واليمن وغيرها. في بعض هذه الدول، تتنافس جهات متعددة على الإمساك بالسلطة. كيف يمكنكم بناء شراكات في مثل هذه البيئات؟ وهل من الممكن إبرام اتفاقيات دون موافقة هذه الجهات المتنافسة؟

  نتعاون مع منظمات ومجتمعات محلية تمتلك مجموعات مخطوطاتها الخاصة. نحن منفتحون على جميع المجتمعات الراغبة في العمل معنا.

  كيف تتعامل السلطات المحلية معكم عادةً في الدول التي تعملون فيها؟ هل تواجهون أي صعوبات معها؟

  نعتمد على شركائنا في إدارة علاقاتنا مع السلطات المحلية.

  لا يقتصر خطر الحروب والنزاعات على المخطوطات، بل يشمل أيضًا الإهمال. حتى في الدول المتقدمة التي تمتلك تقنيات حفظ متطورة، تفتقر أحيانًا إلى الرعاية المناسبة. كيف تتعاملون مع هذا النوع من الإهمال؟

  نقدم بعض النصائح الأساسية، وقد تعاونّا أحيانًا مع منظمات متخصصة في رعاية وحفظ مجموعات المخطوطات؛ لتوفير المزيد من الموارد. كما نرعى أحيانًا ندوات تدريبية تُدعى إليها مؤسسات مختلفة في بلد معين.

  كيف تضمنون سلامة فريقكم في الدول المتضررة من النزاعات والحروب؟ هل واجه أيٌّ من أعضاء فريقكم مواقف تُهدد حياته؟

  نعتمد على شركائنا المحليين لتقديم المشورة لنا بشأن الوضع الأمني، ونتخذ الاحتياطات اللازمة في أثناء وجودنا على الأرض. في إحدى المرات، وجدنا أنفسنا فجأةً محاصرين في هجوم في تمبكتو، مالي، لكننا استطعنا الاعتماد على اتصالات الأمم المتحدة لضمان سلامتنا.

  ما حجم الضرر الذي ألحقته الحروب والنزاعات بمجموعات المخطوطات؟ هل فُقدت أو دُمرت مخطوطات نادرة وقيّمة نتيجةً لذلك؟ إلى أي مدى استطعتم المساعدة في إنقاذ المخطوطات في مختلف أنحاء العالم؟ وهل هناك مخطوطات لم تتمكنوا من الوصول إليها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟

  فُقِدَتْ مخطوطاتٌ على مر التاريخ أكثر مما حُفظ حتى يومنا هذا. وكانت الحرائق والحروب والتدهور البيئي والإهمال الأسباب الرئيسة لذلك. لقد تعاونّا مع مئات المكتبات في أربع قارات العالم لتصوير مخطوطاتها. في بعض الحالات، لم نتمكن من إقامة شراكة، لكننا لم نستسلم قط.

  زرت المملكة العربية السعودية مؤخرًا، وكان برفقته وليد مراد، مدير العمليات في المكتبة. إلى جانب مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، ما المؤسسات والمراكز الأخرى التي زرتموها؟ كيف كانت تجربتكم بشكل عام في السعودية، وهل أدت الزيارة إلى أي شراكات مفيدة؟

زرنا أيضًا مكتبة الملك فهد الوطنية، ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة، والمتحف الوطني، ومركز الملك عبدالعزيز التاريخي. استمتعنا بجميع هذه الزيارات ونأمل أن نواصل بناء علاقات جيدة.

رحلة سعيد السريحي في اللغة والحداثة وفضاءات التأويل الثقافي

رحلة سعيد السريحي في اللغة والحداثة وفضاءات التأويل الثقافي

تُعدُّ تجربة الدكتور سعيد السريحي (1953- 2026م) واحدة من أبرز التجارب النقدية والفكرية في المشهد الثقافي السعودي والعربي المعاصر؛ فقد دعا، خلال عدد من الكتب المهمة، إلى إعادة النظر في علاقة اللغة بالوجود الإنساني، وإلى كشف المضمرات الكامنة خلف الخطابات الثقافية والتاريخية والاجتماعية، متجاوزًا حدود النقد الأدبي التقليدي إلى فضاء تحليل ثقافي أعمق، لتصبح اللغة- إضافة إلى كونها وسيلة للتعبير- أداة كشف وتأويل للخطاب، ومنهجًا يقظًا يحرّر المعرفة من السبات، ويُعيد تشكيل الوعي بماهية النص وثقافته وعلاقته بالإنسان والواقع.

والسريحي لم يكن ناقدًا فحسب، إنما أيضًا كان شاعرًا وكاتب سيرة متفردة، وكل هذا أعطى تجربته زخمًا وحيوية خاصة. مارس السريحي حضوره النقدي والأدبي والإبداعي والإنساني طوال عقود من الزمن، عاصر واشتبك مع لحظات مفصلية وشديدة الحساسية في تاريخ المشهد الثقافي السعودي. وهو ليس ناقدًا وأديبًا ومبدعًا، إنما كان شاهدًا على مرحلة ثقافية هي من أهم المراحل في تاريخ الثقافة العربية.

سعيد السريحي توأم الروح والذاكرة

صلوح السريحي – ناقدة وأكاديمية

لن أتحدث عن سعيد بوصفه المثقف والناقد والشاعر والأديب والكاتب، ولن أتحدث عن مؤلفاته ودراساته التي تشهد له بالثراء وعمق الفكر، وإنما سأتحدث عن سعيد أخي وأستاذي ومعلمي، عن سندي وعضدي، عن سعيد توأم رحلة العمر والفكر، عن سعيد الذي شاركني مسيرة الحياة والعلم والتعلم. أتحدث عن ذاكرتي التي تختزن ما فات وما تحمله من آمال وذكريات، عن سعيد الذي يمثل جذوري التي أنتمى إليها، وامتدادي الذي أسير عليه. فبعد وفاة أمّنا ثم أبينا ثم أختينا، ازددنا قربًا؛ وكأنما يفرغ كل منّا على الآخر ما فقدناه بفقدهم. فكنت أرى فيه روح أبي وريحه وملامحه وحبه لي، وكان يرى فيّ جزءًا من أمّنا وأختينا اللاتي فقدناهن وافتقدناهن. كان كل منّا يرى في الآخر امتدادًا يربطنا بجذورنا ويعيدنا إلى ذواتنا ويصحح مسيرة تربطنا معًا. وكلما مر بنا العمر وسارت بنا سنواته ازداد أخي شبهًا بأبي حتى غدا أبي ذاته بملامحه وروحه وحبه وحنانه، أخي الذي كان أبي بعد وفاة أبي، ثم كان أبًا لأبنائي بعد وفاة أبيهم -رحمه الله- فكان نعم الأخ الأب والخال.

الآن وأنا أتحدث عن أخي يقف الألم والخوف وخشية الفقد بيني وبين استرجاع سنين العمر. يقف الألم بيني وبين استرجاع طفولة وذكريات لم تكن إلا معه، وحياة لم أعشها إلا برفقته، ووجود لم يكن إلا به، وذات لم تكتمل ملامحها إلا بصنيعه وصياغته، ومرآة لا تنعكس عليها صور حياتي إلا هو فيها. أسترجع حياة أرقب فيها أخي شريك بداياتي، وذاكرتي الأولى، ومرآة ذاتي، أخي الذي تتبعت خطاه وسرت على دربه. أخي الذي زرع فيَّ ذاتي، وكوّن شخصي، وأشعل في داخلي هاجس حب الكتب والقراءة والكتابة، حين جعل من القراءة متطلبًا رئيسًا في حياتنا. كنت أتّبعه مقلدة له راضخة لأوامره حينًا، ومحبة لها حينًا آخر؛ حتى استقام أمامي الطريق، واستوى الدرب، واتضحت أمامي الرؤية. علَّمَني أهمية تتبع الحلم والتشبث به وتحقيقه، كان، ولا يزال، ساعدي الذي أستند عليه، وعصاي التي أتوكأ عليها وأهش بها على أفكاري وأحرفي وكلماتي وسائر أمور حياتي. أخي سعيد كان، ولا يزال، وطني وكهفي الذي آوي إليه إذا تاهت بي السبل، وغمت عليّ الطرق، واستعصى عليّ الدرب والفكر.

عندما أتحدث عن سعيد أخي، توأم روحي وذاكرتي، وتوأم حياتي، أترك مساحة تحضر فيها العائلة؛ فقد كان سعيد بالنسبة لها المركز وقطب الرحى. كان قِبْلة المجلس وجوهره، كان نعم الجليس؛ إذا تحدث أنصت له الجميع، وإذا صمت التفت له الجميع، بحضوره يكتمل اللقاء، وينعقد بقدومه المجلس. وكانت إمكانية حضوره الأسبوعي حالة ترقب كبار العائلة وصغارها محط سؤال يتردد: هل سيحضر سعيد؟ متى يأتي خالي؟ جدي سعيد تأخر اليوم. بحضوره يكتمل عقد العائلة وإذا خلا منه الحضور وتعذر عليه اللقاء -ونادرًا ما يتعذر- ينحل عقد المجلس ويصبح ناقصًا ومبتورًا؛ وإن كنّا مجتمعين، فلا يطيب مجلس إلا به، ولا يحلو الحديث إلا بوجوده، ولا يطيب لقاء العائلة إلا بحضرته. كان ولا يزال مؤثرًا في العائلة بكل المقاييس. كان مؤثرًا بالحب والاهتمام، ومؤثرًا بالتفقد والرعاية للصغير والكبير. تحسبه بعيدًا مشغولًا بكتبه وكتاباته ورحلاته وأسفاره وتتفاجأ بمتابعته وحنانه ورفقه وأحيانًا لصلابته؛ إذا احتاج الأمر.

سعيد السريحي واليقظة من السبات اللغوي الدوغمائي

عبدالله الخطيب – ناقد وأكاديمي

في تمهيده لكتابه المُتفرِّد «تحرير المجاز.. هامش على جهود لطفي عبدالبديع اللغوية» يقول الدكتور سعيد السريحي: «حظيتُ بالتلْمَذة على يدي لطفي عبدالبديع وجلست إليه طوال اثني عشر عامًا جلوس المُريد إلى شيخه». لقاء سعيد السريحي بأستاذه لطفي عبدالبديع عامل أساسي لفك شفرة مسيرته المعرفية والفكرية. أثبت الزمن -رغم ما تعرَّض له من ألوان الأذى والتفتيش المتلبِّس بالأكاديمي- أن هذا اللقاء، وما نتج عنه من تشييد مفكِّر نوعي استوعب مبكرًا أخطار السير في الطرق المُعبَّدة مسبقًا، شكَّل المنعطف الأهم في تجربته الفكرية. انتقل إلى الاشتغال على اللغة انطلاقًا من قدرتها الفائقة على الكشف عن وجود الإنسان، وأنها مشيَّدة بطبيعتها على الرموز أكثر من تعبيرها عن الأشياء صراحةً.

غرس لطفي عبدالبديع في سلوك السريحي المعرفي مُفارقة الكليات والجزئيات التي تطرَّق لها القدماء. تحوَّل -عبر استبطان الحدود الفاصلة بينها- من مُتلقٍّ (تقليدي) إلى حامل لـ (منخل) معرفي لا يعتد ولا يعترف إلا بما يتَّسق مع قيم المعرفة الحقة (التجرد، والعقلانية، والتحقق). الجزئيات وظروف إنتاجها وتأويلاتها المحتملة هي التي جعلت سعيد السريحي بارعًا في اختراق العبارات «الحمْليَّة التي تخفي خلفها قضايا وجودية».

منعطف لطفي عبدالبديع، قبل كل شيء، منعطف (المنهج) الذي حمله معه على إثر سنوات إقامته في (تشيلي) وتمازج معه، ومع ما استجدَّ في فضاء الدرس النقدي هناك. بطرحه للمنهج النقدي (المخالف) للمؤالف الذي اقترحه دون أن يفرضه في جامعة أم القرى آنذاك، أيقظ سعيد السريحي من سُباته اللغوي الدوغمائي (إذا جاز لنا استعارة هذه العبارة من كانط). يقظةٌ طوَّرت وحوَّلت رؤيتَه لعلاقة اللغة بالشعر وبالخطاب الشعري من متلقٍّ (مقيَّد) إلى كاشف لـ «كينونته» وانفتاحه على فضاء اللامنتهي من المعاني والدلالات. غدت مقارباته العميقة للغة الشعر أحد أنجع أدواته لتقريب الإنسان من حقيقته وسرِّ وجوده. أصبحت اللغة وسيلتَه الأسمى لتفكيك تجربة الإستطيقا وعلاقتها في فهمنا للواقع. يقظةُ المنهج وتجاوُز السُّبات اللغوي (التقليدي) حوَّله إلى فاعل مسكون بإيجاد التوازن بين كُنه العقل وعاطفة القلب.

هل توقف السريحي عند رؤية لطفي عبدالبديع من إعادة «اللغة إلى الشعر» و«الشعر إلى اللغة» كما كان جُلُّ همِّ لطفي عبدالبديع؟ من يتأمل نصوصهم ومؤلفاتهم، يلحظ -دون عناء كبير- أنه تجاوز إلى حدٍّ ما أستاذه في الانخراط في زحزحة النصوص نحو فضاءات تأويلية؛ مستدعيةً ظروف إنتاج هذه النصوص التاريخية، والاجتماعية، والثقافية؛ كما فعل في كثير من مقالاته، وبخاصة كتاب «ما لم يقله الشاهد» الذي يعد مرجعًا في تكثيف الحسابات التأويلية التي لا تنمو إلا في فضاء الجزئيات واللامُتوقَّع.

سألت سعيد السريحي، في اللقاء المفتوح الذي عُقد معه في جمعية الثقافة والفنون قبل سنوات، عن المقدس في قلبه تماهيًا مع مقولة أمبيرتو إيكو: «لا يخلو قلب إنسان من مقدَّسٍ ما»؛ فأجابني: «إن كان ثمة ما هو مقدس في قلبي (دون المقدس الديني) فهي اللغة». علاقة السريحي باللغة علاقة من نوع خاص: بصمته الخاصة التي يستدرج بها الآخرين حتى أولئك الذين ليس لهم اهتمامات فكرية أو معرفية بما يطرح (يحبونه للغته ومن أجل لغته)، هي فتنته، وهي سلطته التي يقمع بها عند الحاجة إلى إعادة بعضٍ إلى أماكنهم الطبيعية. كما أن اللغة هي نواتُه الصلبة للاستفزاز، انطلاقًا من أن للاستفزاز جماليات، غالبًا ما تأخذنا في فضاءٍ ثريٍّ من اللامُتوقَّع.

سعيد السريحي القارئ النهم والنصوح الذي لم يغرر بنا!

محمد حبيبي – شاعر وأكاديمي

تستحق تجربة الدكتور سعيد السريحي الأدبية وأطروحاته النقدية تسليط الضوء عليها لما تنطوي عليه من تميّز وثراء، بدءًا من جهوده في تأصيل جذور التحديث في الشعر العربي منذ بداياته الأولى، عبر أطروحتيه عن أبي تمام، وأشعار المحدثين وريادته في «النقد الثقافي» حيث كان له السبق في الحفر الثقافي فيما وراء جماليات النص الشعري، وما يدور حوله وينتج عنه من أنساق ثقافية واجتماعية، بداية من كتابه «أركيولوجيا الكرم». ويضاف إلى ذلك رصيدٌ من المؤلفات الجديرة بالقراءة وإعادة النظر، بما يجعل مشروعه النقدي ثروة معرفية مفتوحة على قراءات متعددة ومن زوايا مختلفة.

لكنّ ثمة جوانبَ وأبعادًا سيرية لم يثبتها الدكتور سعيد في كتاباته ولقاءاته! يعرفها فحسب من جمعتهم به علاقة في مرحلة ما من مراحل رحلته العلمية والأدبية الثرية. وهنا سأتحدث عما عرفته وشهدته بنفسي من بدايات تعرفي على «سعيد السريحي» و«سعيد مصلح السريحي»!

حينما بدأنا الدراسة الجامعية، في عام 1407هـ بجامعة أم القرى بمرحلة البكالوريوس، كان «سعيد السريحي» عضو هيئة تدريس بكلية اللغة العربية. وعلى الرغم من أني لم ألتقه مباشرة في قاعات الدرس بالكلية، فإني كنت أعرف اسمه منذ السنة الأولى من خلال ترديد معظم الزملاء لاسمه وامتداح تدريسه؛ إذ كانت تلك الطريقة «السؤال عن أستاذ المقرر» هي المتبعة في المفاضلة بين أساتذة المقررات والتسجيل في شعبها؛ لكن لماذا هذا الأستاذ، الذي يمتدحه الطلاب، لا يدرس المقررات التخصصية في الأدب والنقد؟!

في السنوات الثلاث الأخيرة من مرحلة الدراسة تلك، ومع انفتاحنا على قراءة الصفحات الثقافية والملاحق الأدبية أخذ اسم سعيد السريحي «الناقد» يتكرس ويتبلور في أذهاننا أكثر فأكثر، وزاد ذلك من خلال حضورنا، ونحن طلبة بمرحلة البكالوريوس، فعاليات نادي جدة الأدبي، التي كانت تقام آنذاك في فندق العطاس. وكان بعضنا قد بدأ النشر لكتاباته، وبدأت أسماؤنا تظهر في بعض الصحف.

في سنتنا الأخيرة 1410هـ، حدث أول لقاء مباشر بيننا -وهنا أتحدث عن نفسي خاصة؛ إذ ربما بعض الأصدقاء من زملائنا قد تسنى له الالتقاء بالدكتور سعيد في قاعات الدرس، أو على هامش بعض الفعاليات- غير أن هذا اللقاء الذي تم على طاولة ورشة نادي جدة الأدبي في تلك السنة، كان أول لقاء مباشر يجمعني بالدكتور سعيد السريحي، وما زال سؤاله في بداية ذلك اللقاء يصدع في ذهني إلى الآن: «ما الذي يدفعكم للانخراط في هذا التيار برغم كل ما ترون وتسمعون من هجوم عليه؟!».

أجاب كل منا عن السؤال بطريقته، ثم تحدث هو بكل شفافية، عن أن من سبقونا لم يواكب بداياتهم مثل هذا الهجوم، وأن فرص الحضور والمشاركة في الفعاليات لم يعد لها ذلك الوهج، والانتشار! وأننا قد نعاني كثيرًا التبعاتِ والصعوباتِ والعراقيلَ والمضايقاتِ! ثم ختم حديثه المتعلق بهذا السؤال بكلمات مشجعة جدًّا لنا؛ إذا قُدِّر لنا الاستمرار في هذا المشوار! كانت تلك الحقبة تشكل ذروة «الصراع حول الحداثة». عقب ذلك اللقاء تيقنت من إجابة السؤال: «لماذا لم تكن تسند لسعيد السريحي مواد تخصصية؟» إنهم يخشون أن يؤثر هذا الحداثي في فكر الطلبة من خلال التصور السائد بأن الحداثة قطيعة مع التراث!

ما سبق هو المرحلة الأولى من معرفتي بالدكتور سعيد السريحي، أما المرحلة الثانية فكانت مع بداية التحاقي بالدراسات العليا ببرنامج الماجستير بكلية اللغة العربية بجامعة أم القرى، بداية من عام 1411هـ. وهنا بدأت علاقتي بمكتبة الجامعة المركزية تتوثق أكثر، فقد كانت نادرة في مرحلة البكالوريوس؛ وأصبحت مختلفة تمامًا. كنت أقضي أوقاتًا مطولة في المكتبة، متنقلًا بين كتب الأدب والنقد والبلاغة ودواوين الشعراء القدامى، وبدأت أستعير العديد من الكتب لقراءتها خارج المكتبة.

لفت نظري تكرر اسم «سعيد مصلح السريحي» بهذه الصيغة الثلاثية؛ بينما المكرس في ذهني الاسم بصيغته الثنائية «سعيد السريحي». فهل هو «سعيد مصلح السريحي» الذي يتكرر معي في بطاقات استعارات الكتب التي تكون ملصقة في ظهر جلد الغلاف الأخير من كل كتاب، وفيها تجد أسماء من استعاروا الكتاب من قبل، بخط أيديهم؟! ظننت للوهلة الأولى أن الاسم ربما مختلف! أو أنها مصادفة في كتابين أو ثلاثة. في البداية كان تركيزي على ما أحتاج إليه من كتب متعلقة بطبيعة الموضوع الذي سأبحث فيه -كنتُ في مرحلة الاختيار والمفاضلة بين أكثر من موضوع لأطروحة الماجستير- لكن عندما تكرر الأمر في المرتين الثانية والثالثة، حيث أجد في جلّ الكتب التي استعرتها من المكتبة اسم «سعيد مصلح السريحي»!

وهنا استبدّ بي الفضول أكثر، لأتأكد أولًا من أن صيغتي الاسمين كلاهما تشيران للدكتور سعيد السريحي. وتأكدت أنه هو نفسه! بعدها زاد بي الفضول أكثر؛ فلم أعد أدقق في الكتب التي سأستعيرها فحسب، وإنما صار فضولي مع كل كتاب أراه في رف ويقع في يدي أن أستبق النظر إلى الغلاف الأخير حيث ملصق بطاقات الاستعارة! لعلي أجد كتابًا لم يستعره قبلي «سعيد مصلح السريحي»!

وهنا شهادة حق أني طيلة أربع سنوات، لم يحدث أن احتجت كتابًا لأستعيره من مكتبة جامعة أم القرى المركزية، ولم يستعره قبلي «سعيد مصلح السريحي»! باستثناء كتب قليلة جدًّا؛ وباستثناء الكتب التي عليها عبارة «للمطالعة فقط، ممنوع الاستعارة».

أي سعة اطلاع وطاقة قرائية كانت لدى ذلك الرجل المدعو «سعيد مصلح السريحي»! وهل كان يدرك من حجروا تدريسه على المقررات «العامة» أنه من أكثر من اطلعوا على كتب التراث الذي يتهمونه بمقاطعته لتوجّهه «الحداثي»!

أما المرحلة الثالثة من علاقتي بالدكتور سعيد السريحي فكانت في أثناء كتابتي لرسالتي العلمية! وكان قد بات يعرفني شاعرًا وباحثًا؛ ويتفضل عليّ بالمعاملة بصفتي زميلًا وصديقًا -وهو بمنزلة أستاذ لي- وفي هذه المرحلة كنت مدينًا له بالنصح والتوجيه؛ حيث كان وقتها قد ناقش رسالته للدكتوراه، ومُنِح درجة الدكتوراه «علنًا»، ولكنه أصر على ألا يرضخ لمقترحات المناقشين. وهنا بدأت شرارة الإجراءات المتعاقبة التي انتهت بتراجع إدارة الجامعة عن قرار استكماله إجراءات منح الدرجة. ولذلك كان ينصحني بألا أكرر ما ألزم نفسه به! بأن أتحاشى قدر الإمكان في الرسالة كل ما يبدو فيه بحسب «آراء أساتذة القسم» توجهات حداثية من مصطلحات ومراجع وأسماء مؤلفين! وأن أتحلى بالمرونة في التعامل مع مقترحات مشرفي ومقترحات المناقشين، فيما أثبته من آراء تحليلية! «والرضوخ» والتسليم إن اقتضى الأمر بما يرون تغييره واستبعاده من مقاطع في الرسالة. وهمس لي ببيت الشعر: ودارهم ما دمت في ديارهم.. وجارهم ما دمت في جوارهم!

وبالفعل، كان لنصائحه أثر كبير في مستهل مشواري العلمي الأكاديمي.

النقد بوصفه ضرورة حضارية

مستورة العرابي – شاعرة وأكاديمية

الدكتور سعيد السريحي ليس ناقدًا عابرًا في المشهد الثقافي، بل هو مشروع معرفي، تزخر سيرته العلمية والفكرية بالنبل والعطاء والحصافة، ويتميّز بحضور مهيب، وفكر عميق، وطرح رصين، ولغة آسرة، وانزياحات أسلوبية متفرّدة جعلت من كتابته فعلًا معرفيًّا وجماليًّا في آنٍ معًا. لقد قدّم للوطن وللثقافة رصيدًا معرفيًّا متنوعًا، أسهم في توسيعِ أفقِ النقدِ الأدبيِّ، وفي إعادةِ مساءلةِ المسلَّماتِ، وفتحِ أبوابٍ جديدةٍ للتفكير والتأويل.

بدأ السريحي مشروعه النقدي مبكرًا بكتابٍ تأسيسي مهم هو «شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الحديث»، كشف فيه عن وعي منهجي حاد، وقدرة لافتة على الموازنة بين التراث النقدي العربي ومناهج النقد الحديث، بعيدًا من القطيعة أو التبسيط. ثم توالت أعماله الفكرية والنقدية التي اتسمت بالجرأة المعرفية والاشتباك العميق مع الأسئلة الثقافية، كما في «غواية الاسم: القهوة وخطاب التحريم»، حيث تتقاطع الثقافة بالأنساق الاجتماعية والدينية، ويتحوّل اليومي إلى نص قابل للتفكيك والتحليل.

وفي كتبه الأخرى مثل «الرويس»، و«عتاب التهجي»، و«العشق والجنون»، و«الكتابة خارج الأقواس»، تتجلّى ملامح ناقد لا يكتفي بالتحليل الأكاديمي الصارم، بل ينفتح على الكتابة بوصفها تجربة فكرية ووجدانية، تتقاطع فيها الذات مع النص، ويصبح النقد ممارسة ثقافية تتجاوز حدود التصنيف التقليدي. وقد بلغ هذا المنحى ذروته في كتابه «الحياة خارج الأقواس»، الذي يقدّم فيه نموذجًا مميزًا لكتابة التخييل الذاتي، حيث تمتزج السيرة بالفكر، والنقد بالحياة، في نصٍّ مفتوح على التأويل والأسئلة.

ولم تقتصر إسهامات الدكتور سعيد السريحي على نتاجه العلمي والنقدي الغزير، بل سبقته وصاحبته مشاركة فاعلة ومؤثرة في الحراك الثقافي والفكري العربي والمحلي، من خلال حضوره في المؤتمرات والملتقيات، ومشاركته في المنابر الأدبية والثقافية، فضلًا عن كتاباته الصحفية المتميزة التي تناولت الشأن الثقافي والاجتماعي برؤية نقدية واعية، ولغة مسؤولة، وموقف فكري واضح.

لقد كان الدكتور سعيد السريحي أحد روّاد التحديث الأدبي والثقافي، ممن آمنوا بأن النقد ليس ترفًا معرفيًّا، بل ضرورة حضارية، وبأن الثقافة الحية هي تلك التي تطرح الأسئلة، وتراجع ذاتها، وتنفتح على التحوّل. ولا تزال إسهاماته سارية في تشكيل الوعي الأدبي والثقافي والفكري في بلادنا.

سعيد السريحي، الفنان لا الناقد!

علي زعلة – ناقد

في مطلع عام 1989م، وفي إثنينية الراحل عبدالمقصود خوجة، اجتمع أشياخ الأدب ورواده من رؤساء الأندية الأدبية وغيرهم. ليلتها دعا مضيفهم عبدالفتاح أبو مدين الشعراء منهم ليلقوا قصائدهم في نهاية النقاش، وكان أن ألقى جملة من الشعراء قصائدهم، مثل: الأساتذة عبدالله بن إدريس، ومحمد هاشم رشيد، ومحمد العيد الخطراوي، وسعيد السريحي، ومحمد زايد الألمعي، وعبد المحسن حليت. ألقى الدكتور سعيد السريحي قصيدة عمودية وأخرى من شعر التفعيلة، ولم يبدُ أنه أُقحِم في غير مكانه شاعرًا بين الشعراء، أي لم يكن ناقدًا يتعاطى الشعر أو يقرضه أو يجرب قدراته الإبداعية من خلاله. وكان مما ألقى الدكتور سعيد ذاك المساء قصيدة عمودية، مما جاء فيها:

إني رأيت ملاك الشعر محتضرًا    وقد تسرب في أوصاله الخدرُ

ونحن نجلس في المركاز، شاعرنا    كهلٌ تجمّع فيه الكِبْرُ والكِبَرُ

لا يحسب العِلم إلا أنه نتفٌ    من الأحاديث، يُستحلى بها السمرُ

وفتيةٍ عن سبيل العلم قد نشزوا:   فما يبالون ما قالوا وما سطَروا

لم يعرفوا الضاد حرفًا عزّ مطلبه    فليس يدرون ما المفعول والخبرُ

تسوّروا الشعر لما عزّ ناصرُه    فأين؟ لا أين، ما خطّوا وما نشروا

انظر صحائفهم، يُنبيك ظاهرُها    بموسم القحط؛ لا زهرٌ ولا ثمرُ

ما أريد قوله هنا: إن سعيد السريحي الشاعر/ الفنان توارى وانزوى عن الباب والشرفة إلى حوافّ التجربة لا صدرها، إلى هوامش الناقد والمثقف الذي استبدت بمتونه شعرية أبي تمام وبنيوية شعراء بني العباس والنقد الجديد. انتظم خلال ذلك كله أكاديميًّا وصحافيًّا وإذاعيًّا، محسوبًا على رموز الحداثة، غير مدّعٍ لمزية النضال أو صفة الريادة أو التضحية الثقافية أو الفكرية ضد المحافظة أو التشدد الفكري. وبرغم ما لاقاه من أشكال العنف الثقافي والاجتماعي في الجامعة والمجتمع والفضاء المحافظ، فإنه لم ينسب لنفسه ريادةً ما، وظلّ يصرح بتواضع الكبار أنه ليس ذلك المناضل الذي أراد زعزعة شيء أو التمرد على آخر.

كل ما هنالك أنه أراد أن يقول ما يهجس به، ويجرّب من الأمر ما يعتقد أنه يتقنه، مُحاذِرًا تكرار ما قد قيل سلفًا، أو أن يُثقل المكتبة العربية بمحتوى مكرور أو مستنسخ عن سابقه. وكان في ذلك يستحضر وصية أستاذه الناقد الراحل الدكتور لطفي عبدالبديع، في الابتعاد من الطرح المستعاد والقول المألوف.

التقيت السريحي في حلقة من برنامجي «المتن والهامش» على الثقافية السعودية عام 2014م، كان سعيد قد جاوز الستين من عمره يومها. سألته: أما زلت تكتب الشعر؟ فأجاب: يكتبني الشعر أحيانًا، لكنني لا أستطيع أن أجيب أما زلت أم لا، أنا لا أعرف.

سألته: لم تصدر أي مجموعة شعرية؟ فقال: ولن أصدر.

قلت: لماذا؟ أجاب: هناك عدم رضا؛ أتذكر لأبي تمام بيتًا من الشعر:

ويسيء بالإحسان ظنًّا لا كمَن    هو بابنه وبشعره مفتونُ!

ثم أضاف: ترعبني فكرة أن أكون مفتونًا بما أكتب. وأن أجمعه في ديوان هو غاية الفتنة. إذا كان فيما نشر لي -داخل المملكة أو خارجها- خيرٌ فسيجد متثوّبًا يجمعه، أمّا أنا فحسبي أن ارتكبتُ إثمَ أن نشرته مفرّقًا هنا وهناك!».

قال لي سعيد أيضًا: «يشغلني أنني حين أستعيد ما يتجاوز الثلاثين عامًا لا أجد فيما أنجزت ما يمكن أن يشكّل رضا عن نفسي. أحاول جهدي أن أنتهز ما تبقى من العمر -ولستُ أعرف ما الذي تبقى منه- في أن أنجز مجموعة من الأعمال التي ما زالت معلقة».

في السنوات التي تلت حوارنا ذاك، أغدق سعيد بعطاءات فنية إبداعية ونقدية مختلفة تمامًا، أرى أنها أقرب إلى روحه البدوية الحرة، ومواقفه الذاتية والمعرفية من العالم، ونبله الحفي بالإنسان والمكان والتقاليد الجمالية العليا، من كل طروحاته النقدية المميزة السابقة، أعني تلك الكتب الصادرة منذ عام 2013م: «الرويس» والهوية المنشطرة، «عتبات التهجي»، تلك القراءة التأويلية الحرة المذهلة في تجربة محمد الثبيتي، السيرة الطباقية المشغولة بمتعة وألم كبيرين في «الحياة خارج الأقواس»، وصولًا إلى روايته (جدة 915هـ) آخر أعماله الصادرة قبل أن يفجعنا به المرض رده الله من مخالبه!

حين أتيح للفنان أن يتحرر من كماليّته، وللمفكر أن يتخفف من صرامته ويصطنع منهجيته الخاصة، عرفنا من أبي إقبال صوتًا متفرّدًا؛ قدّم مقاربات نقدية أقرب إلى النص وإلى المجتمع، وأنتج سردًا ممتعًا حكيمًا محكَمًا، في أكثر من كتاب. ويمكن النظر إلى هذا المنجز بوصفه فصلًا جديدًا ومستقلًّا تمامًا، يوازي ما سبق من نتاجه، إن لم يتفوق عليه، فصلًا يضاف إلى تجربة الدكتور سعيد السريحي ومشروعه المعرفي الممتد على مدى نصف قرن؛ ذلك لأن نسغ الفن أصيل بداخله؛ لأنه في الأساس روحُ فنّانٍ اغتنت بالفكر النقدي، وليس ناقدًا قرّر أن يجرّب حظّه في الفنون!

سعيد السريحي: من المطابقة إلى الاختلاف

فخري صالح – ناقد ومترجم فلسطيني

الصديق الناقد والباحث سعيد السريحي كان، وما زال، أحد أعلام التحديث الثقافي والنقدي، على صعيد الفكر والنظرية والرؤية، في المملكة العربية السعودية. فعندما تحضر الأسماء التي ساهمت في تحويل المشهد النقدي، في المملكة، فإن السريحي يكون في مقدمة هذه الأسماء، إلى جانب ثلَّة قليلة سعت إلى تحديث النص وتحديث الرؤية. لقد كانت تجربته النقدية، وكتاباته، في صحيفة عكاظ، وكذلك في مجلة «علامات»، علامةً على الانتقال بالنقد الأدبي، وكذلك بالفكر النقدي، الذي يوجه هذا النقد، من التقليد إلى الحداثة، ومن المطابقة إلى الاختلاف، ومن استعادة فكر الماضي، وترداد أقوال السابقين، دون إضافة أو فحص لهذا الفكر، وقابليته للكشف عن تجارب الحاضر، إلى البحث عن أشكال جديدة من النظر، وقراءة التجارب والنصوص الأدبية الجديدة استنادًا إلى كشوف النظرية المعاصرة.

بهذا المعنى، فإن اشتغال سعيد السريحي على النصوص القديمة، أو النصوص الجديدة، تأسس على فكرة الاختلاف في الأساس، وعلى قدرة الناقد المعاصر على الكشف عما تنطوي عليه النصوص من إمكانات التأويل وثراء المادة النصيَّة، التي تعرض نفسها أمام عين القارئ المعاصر، الذي يعثر في النصوص القديمة على ما لم يعثر عليه أسلافه من النقاد العرب. وهو ما يجعل النص الأدبي قابلًا للكشف بصورة مستمرة عن طبقاته الخافية: الدلالية والنصيَّة والثقافية، من خلال استخدام أدوات لسانية وتحليلية، نصيَّة وثقافية، جديدة لم تتوافر للناقد العربي القديم. ولعل هذه الرؤية، التي ترى في النص بنيةً غيرَ قارة، وعملًا ما يفتأ يكشف عن معانيه، وتعدديته، هي التي تجعل عمل سعيد السريحي، وعددٍ قليل من مجايليه وأقرانه، من النقاد ودارسي الأدب في السعودية، ينفتحون على النظريات اللسانية والنصيَّة الحديثة في العالم، عبر الاتصال بتلك النظريات، من خلال الاطلاع عليها في لغات إنتاجها، أو عبر الترجمات؛ ليعيدوا النظر في النص العربي القديم، ويسلطوا ضوء تلك النظريات على النصوص الجديدة، كذلك.

من التقليد إلى الحداثة

يتمثَّل فضل السريحي، وثلَّة قليلة من أقرانه، ومن ضمنهم عبدالله الغذامي وسعد البازعي وميجان الرويلي ومحمد العباس، وغيرهم، في أنهم استطاعوا أن ينتقلوا بالنقد والبحث الأدبي في المملكة العربية السعودية من التقليد إلى الحداثة، ومن نظرية المحاكاة إلى أفق الاختلاف والتعدد. وهو ما جعل النصَّ الأدبي السعودي، شعرًا ورواية وقصة قصيرة، يتحوَّل هو نفسه، ويدخل زمان الحداثة، في شكلٍ من أشكال التلازم، والتطور المتبادل، بين النص الحديث والنقد الحديث. وقد كان سعيد السريحي واحدًا ممن قاتلوا بضراوة على صفحات الصحف والمجلات، كما في مؤلفاته، التي تناولت الأدب العربي القديم، والنص الجديد؛ لكي يحدث هذا الانتقال بالرؤية النقدية، وأشكال الاشتغال على النصوص الأدبية، من القدم إلى الحداثة، ومن النسقية إلى الخروج على الأنساق؛ أي من المطابقة، التي تحكم الفكر النقدي غير الحديث، إلى الاختلاف، الذي يسم النصَّ والنقدَ والنظريةَ في زمن الحداثة.

السريحي مشروع ثقافي مفتوح

فوزي عمر الحداد – ناقد وأكاديمي ليبي

بدت لي تجربة الشاعر والناقد الدكتور سعيد السريحي منذ تعرّفي المبكر إلى منجزها، واحدة من أكثر التجارب العربية إثارة للأسئلة، وأشدّها وعيًا بإشكاليات الكتابة والقراءة في آنٍ معًا. إن الحديث عن السريحي هو حديث عن مشروع ثقافي يتجاوز حدود الشعر أو النقد ليقارب سؤال الثقافة بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا يهدأ. ففي تجربته الشعرية الطويلة لم أجد قصيدة تسعى إلى إرضاء الذائقة السائدة أو تكرار أنماط مألوفة، بل وجدت كتابة قلقة متأملة تراهن على المعنى العميق أكثر من الرنين البلاغي. قصيدة السريحي لا تُقرأ على عجل، إنها تطلب قارئًا شريكًا، قادرًا على الإصغاء إلى ما تقوله اللغة وما تواريه في آنٍ واحد. وقد شدّني في هذه القصيدة ذلك التوازن الدقيق بين التكثيف والغموض المنتج، حيث لا يتحول الغموض إلى إبهام ولا تنزلق المباشرة إلى تقرير.

ولعل من أهم ما يلفت النظر هو حضور التراث في شعر السريحي بوصفه ذاكرة حيّة لا مخزونًا جامدًا. فالمرجعيات التراثية لا تظهر عنده كعلامات ثقافية جاهزة، بل تدخل في نسيج النص لتؤدي دورًا دلاليًّا يفتح أفق التأويل بدل أن يغلقه. وهنا تتجلى علاقة الشاعر بالتراث بوصفها علاقة سؤال وحوار، لا علاقة تبعية أو قطيعة. غير أن فهم هذه التجربة الشعرية يظل ناقصًا إذا لم يُقرأ في ضوء المنجز النقدي للسريحي. فمن خلال كتبه يتضح أن ما يكتبه في الشعر يجد جذوره العميقة في وعي نقدي حاد، منشغل بإعادة النظر في مفاهيم الحداثة، وإشكالية التراث وحدود القراءة والتأويل.

لقد وجدتُ في هذه الكتب خطابًا نقديًّا لا يكتفي بالوصف، بل يسعى إلى التفكيك والمساءلة بلغة تجمع بين الدقة والقدرة على الإقناع. ومع ذلك، فإن ما يحسب للسريحي هو قدرته على عدم جعل وعيه النقدي سلطة تضغط على تجربته الشعرية، فالناقد لا يطغى على الشاعر، كما أن الشاعر لا يميع صرامة النقد. هذا التوازن في تقديري، هو أحد أهم أسرار فرادة مشروعه، وهو ما يجعل نصوصه عصية على التصنيف السهل. لقد ارتبط اسم سعيد السريحي بعدد من السجالات الثقافية التي أثارتها مواقفه الجريئة من قضايا الحداثة والتأويل ونقد الخطاب التقليدي، على مثال كتابيه: «العشق والجنون: دولة العقل وسلطان الهوى في الثقافة العربية»، و«كي لا نصحو ثانية: تفكيك خطاب الصحوة وآليات الهيمنة على المجتمع». ومن زاوية متابعتي لهذه السجالات، لم أجد فيها نزوعًا إلى الصدام من أجل الصدام، بقدر ما وجدت إصرارًا على قول ما يراه ضروريًّا، مهما كانت كلفته الثقافية وهذا ما يمنح تجربته بعدًا أخلاقيًّا إلى جانب بعدها الجمالي والمعرفي.

إن شهادتي هذه لا تدّعي الإحاطة بتجربة الدكتور سعيد السريحي، لكنها تؤكد قناعتي بأننا أمام مثقف عربي كتب الشعر بوصفه معرفة، وكتب النقد بوصفه فعلًا إبداعيًّا، وجعل من العلاقة مع التراث سؤالًا مفتوحًا لا يقينًا مغلقًا. وهي تجربة أراها جديرة بقراءة متأنية، وبحضور دائم في النقاش الثقافي العربي المعاصر.

سعيد السريحي: الناقد المتعدد

شعيب حليفي – ناقد وأكاديمي مغربي

تحتاج الثقافات الوطنية دائمًا إلى مثقفين متعددي المهام، يحملون قضايا الثقافة على كاهلهم، من خلال تجديد الأسئلة الثقافية ووصلها بما يمنحها القدرة على العبور بين الأجناس بحثًا عن أسئلة متجددة تروم الدفاع عن الإنسان والمجتمع.

وتختزل سرديات سعيد السريحي صورة المثقف والناقد والأديب الذي ينهض بتجربة تستحق الانتباه في قدرته على عدم الارتكان إلى المكرور من الأسئلة، واختياره الزوايا الصعبة والمقلقة التي تعكس تعدده المعرفي الذي يقارب به أسئلته النقدية في مجالات نقد النص الأدبي، شعرًا ونثرًا، بين الرؤية الأكاديمية الرصينة وبين الانفتاح على النقاش الهادئ مكسرًا الحواجز بين النقد والفكر والسرد، مع لغة تجمع الصرامة المفهومية والحسّ الأدبي.

كما منح المقال الثقافي شرعية معرفية، وحوّل الناقد من مجرد شارح إلى فاعل ثقافي يشتبك مع القيم والمجتمع.

تعرية المسكوت عنه

وتكمن الجِدّة في كتابات السريحي في قدرته على التحوّل من النقد الوصفي إلى النقد الإشكالي وطريقة الاشتغال التي قارب فيها النصوص بأدوات التفكيك والحفريات وكسر الحدود بين الأجناس، وبنقل النقد من النخبوية الأكاديمية إلى المجال العمومي دون تسطيح. كما تتمثل حداثته في تعرية المسكوت عنه، القيمي والأخلاقي، داخل الخطاب، وفي تعامله مع التراث بوصفه خطابًا تاريخيًّا قابلًا للتأويل لا مخزونًا مقدسًا، وهو ما جعل مواقفه تميل إلى مساءلة القيم السائدة: سلطة التراث، أخلاق الامتثال، وخطاب الهوية المغلق، من دون السقوط في عداء لهذا التراث أو افتتان بالغرب. كتاباته الصحافية تمثل امتدادًا لهذا الوعي، فقد نقل النقاش الحداثي من الحقل الأكاديمي إلى المجال العمومي، رابطًا الفكر بالسؤال الاجتماعي، ومؤكدًا أن الحداثة ممارسة نقدية مستمرة.

الوجه الأكثر وضوحًا واكتمالًا للخطاب الفكري الليبرالي

عادل ضرغام – ناقد مصري

يمثل سعيد السريحي، الناقد والمفكر السعودي، مرحلة مهمة من مراحل تطوّر الخطاب الثقافي عامةً، والخطاب النقدي خاصةً، في المملكة العربية السعودية. ويعد مع الغذامي ومعجب الزهراني ومحمد العبّاس، وآخرين بالضرورة، المرايا العاكسة لحالة التناحر التي كانت موجودة وساخنة في حقبة سابقة، والتي سادت بين خطاب الليبرالية والصحوة الإسلامية، وبخاصة حين كان خطاب الصحوة مهيمنًا في ظل سطوته وتأثيره الكبير، لدرجة أن كثيرين كانوا يداهنون هذا الخطاب. فهؤلاء المفكرون -وإن كانوا ينتمون إلى أجيال مختلفة، ويتبعون أساليب ومنطلقات مختلفة في إسدال الفكر الليبرالي أو الحداثي في مواجهة الخطاب الآخر- لهم التأثير الكبير في زحزحة الأصولية من عرينها، في مقارباتهم للشأن الثقافي العام، بل كان لهم تأثير، بنسب متفاوتة، في التأسيس للخطاب الفكري الليبرالي، فأصبحت له هوية ووجود ملموس على أيديهم، في ظلّ منجزهم الكتابي.

الوجه الرائق

يمثل سعيد السريحي الوجه الرائق لهذا الخطاب، أو الوجه الأكثر وضوحًا واكتمالًا، ومنجزه هو الأكثر حضورًا لفكرة الحداثة في المملكة العربية السعودية، وربما يكون أكثر المفكّرين تضررًا؛ لأنه دفع ثمنًا غاليًا، لإيمانه بأفكاره، وتمسكه بها دون شبهة التخلي عنها أو التنصل منها، بالرغم من المحاولات العديدة التي بذلت في هذا السياق.

لكن مشروعه الفكري أو النقدي، بالرغم من كونه مشروعًا، لم يترك له المجال للتأثير بسهولة في عقول الأجيال اللاحقة؛ لأن أصحاب الاتجاه الأصولي كانوا يمارسون نوعًا من التعتيم والتشويه المتعمّدين لهذا الخطاب، وقد حكى لي كثير من طلابه، الذين ارتبطوا به وبمنهجه في التفكير، في مرحلة الجامعة، كيف كانوا يجلّونه، ويحترمونه، وينظرون لأفكاره بكثير من القداسة، وبخاصة هؤلاء الطلاب الذين كان لديهم ميل إلى الكتابة الإبداعية؛ لأنهم يعرفون قيمة الحرية، وينفرون من القيود،؛ فقد عوّدهم على أن يقاربوا الجديد ويعاينوه دون خوف من سلطة المحو أو الانسحاق. وبوسع أي باحث لتاريخ حركة الحداثة في المملكة أن يتوقف عند هؤلاء الطلاب ودورهم المغاير في مقاربة الأمور.

في أثناء حديثي مع طلابه، الذين صاروا أساتذة، أدركت كثيرًا من الأمور الغريبة، وعرفت بعضًا من أسماء الأعلام المتورطين في هذه المشكلة التي لا يدفع ثمنها، من جهده وعقله وراحته، إلا كل مغاير، أو كلّ صاحب نظرة أو توجه مختلفين عن السائد. فمنهجه في كل ما كتب جاء محمّلًا بالرغبة في نفض الغبار عن كل الخطابات الأصولية المتكلّسة، وموجّهًا نحو مقاربة كل الأمور في سياق وجهة نظر تحتمي بالعقل والمنطق، بعيدًا من المعاد والمكرّر غير القادر على تحريك الساكن، أو غير القادر على بثّ الحياة في الأجزاء التالفة أو الميّتة. فقد كشفت نظرته للتراث عن عين انتقائية في البحث عن الأشياء المهمة؛ لينقلها إلى منزلة مغايرة داخل خطابه الذي يعيد تخصيبها مرّة أخرى وفق توجّه جديد يتساوق مع اللحظة الراهنة.

النشر  في العالم العربي

النشر في العالم العربي

صناعة‭ ‬الكتاب‭ ‬مهمة‭ ‬صعبة ومظلومة‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي

محمد‭ ‬رشاد – ‬ناشر‭ ‬مصري‭ ‬ورئيس‭ ‬اتحاد‭ ‬الناشرين‭ ‬العرب

دخلت صناعة النشر إلى العالم العربي بعد نحو أربع مئة سنة من اختراع يوهان غوتنبرغ المطبعة عام 1442م. ومن ثم هناك فارق زمني كبير تأسست فيه قواعد المهنة في الغرب، وترسخت فيه العلاقة بين الناشر والمؤلف والقارئ، حيث أصبح كل منهم على معرفة بحقوقه. أما لدينا فلا توجد حتى الآن محددات واضحة لحقوق كل طرف. فالناشر هو شخص يدير عملية النشر بين المؤلف والموزع والمطبعة، والثلاثة كل منهم منفصل عن الآخر. وأنا بصفتي مسؤولًا في صناعة الكتاب أرى أن صناعة النشر في العالم العربي ضعيفة، وتتأرجح ما بين الصعود والهبوط لأسباب كثيرة.

كان هناك رواج في صناعة النشر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبخاصة في مصر. فمع إنشاء محمد علي مطبعة بولاق، وبعد البعثات التي أرسلت إلى أورُبا صار هناك صناعة قوية. وكان هناك ازدهار للصناعة طوال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات أيضًا، فكنا نطبع من الكتاب الواحد خمسة آلاف نسخة أو سبعة آلاف، وكنا نطبع من كتب الأطفال عشرين ألف نسخة، لكننا الآن لا نطبع من كتب الأطفال سوى ألفي نسخة؛ وذلك لتكاليف الألوان، أما الكتاب العادي فيطبع في أفضل الحالات ألف نسخة، وهناك بعض دور النشر تطبع خمسين نسخة.

على الرغم من زيادة عدد المدارس والجامعات والسكان على مستوى الوطن العربي، فإن عدد المطبوع من الكتاب في تراجع. وكل الحجج التي تسوِّغ ذلك هي حجج ضعيفة، من قبيل أن الجيل الجديد يفضل الكتب الإلكترونية. وهذه حجة باطلة؛ لأن الإحصائيات تقول: إن عدد المطبوع من الكتاب الورقي في أورُبا وأميركا يزيد من ثمانية بالمئة إلى عشرة بالمئة، فرغم أنهم صناع التكنولوجيا الحديثة، فإنهم رسّخوا عادة القراءة منذ الصغر فقد ارتبطوا بالكتاب. الأمر لدينا على النقيض، فلا يوجد اهتمام بالقراءة. ومن ثم فأبرز التحديات اللي تواجهها صناعة النشر في الوطن العربي هي ضعف الاهتمام بالقراءة منذ الصغر.

طبعات وهمية

هناك مشكلة أخرى تتمثل في ارتفاع نسبة الأمية. فإذا كانت نسبة الأمية في بعض البلدان تصل إلى خمسة وعشرين أو ثلاثين بالمئة، فهذا الرقم أيضًا يقلل من كمية المطبوع من الكتاب. المتعلمون أيضًا عازفون عن القراءة، فكثيرون يعتقدون أن القراءة تنتهي بتخرجهم من الجامعة. كل ذلك يؤثر في صناعة النشر ويجعل بعض الناشرين يطبعون خمسين نسخة، ويكتبون عليها الطبعة الأولى والطبعة الثانية. ولأنهم لا يملكون منافذ توزيع يرتفع سعر الكتاب؛ لأن الكمية المطبوعة محدودة. هناك أيضًا مشكلة أجهزة الرقابة، فهذا الكتاب مسموح به هنا وممنوع هناك. إضافة إلى مشكلة القراءة المتخصصة، بمعنى أن كل مثقف يقرأ حسب التوجه السياسي أو الفكري الخاص به.

هناك أيضًا ظاهرة تزوير الكتب أو الاعتداء على الملكية الفكرية. في البدء كان التزوير بطباعة نسخ ورقية، الآن هناك أيضًا التزوير الإلكتروني على شبكة الإنترنت. فكل من يقرأ كتابا ويعجبه يرفعه على موقع من فور خروجه من المطبعة. نحو تسعين بالمئة من كتب الناشرين، التي تلقى رواجًا، مقرصنة على شبكة الإنترنت. ورغم أن القانون يمنع ذلك، فإن تنفيذ القانون ليس بالمستوى المطلوب. فضلًا عن زيادة معدلات الضرائب على الكتب، فبعض البلدان العربية تفرض ضريبة القيمة المضافة على الكتاب، وتصل بعض بلدان الخليج إلى 15 بالمئة، وفي بعض الدول 5 بالمئة. هؤلاء يرون أن النشر نشاط تجاري مثله مثل السيارات أو العقارات.

مكتبات عامة

أما أخطر نقطة -لأنها من الأسباب الرئيسة في ازدهار صناعة النشر في الدول المتقدمة- فهي المكتبات العامة، فعلى الدولة أن توفر للمواطن مكتبة عامة في كل حي، بحيث يدفع الراغب في القراءة رسم نشاط بسيط، بينما تقوم الجهة الرسمية بتحمل باقي الميزانية. فالناشر الأورُبي قبل أن يصدر الكتاب يرسل ملخصًا عنه إلى المكتبات؛ ليكون على معرفة بعدد النسخ التي سيطبعها. ومن المفترض في المجتمعات الأكثر رفاهية أن تكون هناك مكتبة عامة لكل عشرة آلاف نسمة، تضم كل منها عشرة آلاف عنوان، أما في البلدان الأقل رفاهية فإن كل خمسين ألف نسمة يكون لهم مكتبة عامة. ولو حسبنا عدد المكتبات العامة على مستوى الوطن العربي فلن نجدها تتناسب مطلقًا مع عدد السكان.

في السنوات الأخيرة كلما حدثت أزمة اقتصادية في أي دولة فإن الميزانيات المخصصة للكتب سواء في المكتبات المدرسية أو الجامعية أو المراكز الثقافية، تتراجع من فورها. هناك أمر آخر يسهم في ازدهار صناعة النشر في الدول المتقدمة، وهو أن الناشر يشارك في تأليف وطباعة وتوزيع الكتاب المدرسي، وهذا يوفر عوائد له، وبالتالي يستطيع أن يغامر وينشر لوجوه جديدة. إضافة إلى أن الأجهزة المنوط بها تنفيذ قوانين الملكية الفكرية ليس لديها دراية كاملة بأهمية حماية واحترام الملكية الفكرية. كما أن ثورات الربيع العربي أخرجت بلدانًا مثل ليبيا وسوريا واليمن من خريطة المعارض والتوزيع.

نشاط خدمي

لا تعترف الدول العربية بأن النشر صناعة، وتعدّه نشاطًا خدميًّا، على نقيض الدول المتقدمة التي تعدّه نشاطا صناعيًّا، أي أنه يأخذ كل الدعم، ويهتم به في عمليات التصدير. فمثلًا في وقت كورونا، خصصت مصر نحو مئة مليار لدعم الصناعات، لم يستفد منها الناشرون المصريون. لكن في بعض الدول، مثل الإمارات والمغرب، خصصوا مبلغًا للناشرين. فضلًا عن أن مفهوم التنمية الثقافية ليس موجودًا في معظم الدول العربية. حيث ترى الحكومات أن الأهم هو التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فالتنمية الثقافية بالنسبة لها هي آخر ما تهتم به، رغم أنه من المفترض أن يكون الاهتمام بالتنمية الثقافية في المقام الأول كي أخلق مواطنًا واعيًا يتقبل السياسات الموجودة.

مهنة النشر في العالم العربي مربحة إذا كان الناشر لديه أدواته، لكن في العموم لا يساوي العائد من النشر في العالم العربي لا الجهد ولا الوقت ولا المال الذي ينفق عليه؛ لأنه لا يبيع إلا قدرًا محدودًا. في العالم الغربي يُعَدّ الناشرون في مرتبة عالية من ناحية النمو الاقتصادي. يكفي أن نعرف أن تجارة الكتاب تأتي في أميركا بعد صناعة السلاح، وقبل تجارة المخدرات؛ لأن معدل مبيعات الكتب يصل إلى ثمانية وعشرين مليار دولار في العام. لكن في عالمنا العربي لو كان الناشر ملتزمًا، ولديه المهنية الكاملة ويحافظ على حقوق المؤلفين فبالكاد يغطي مصروفاته.

هناك قاعدة تقول: إن الجيل الأول أو المؤسس الأول يعيش على نحو مقبول من المهنة، أما الجيل الثاني فيصبح حاله أفضل؛ بفضل الخبرة والمعرفة، أما الجيل الثالث فيتمتع بفضل جهود الجيل الأول والثاني. أما دُور الناشر الجديدة عامةً، فبعضها تحقق أرباحًا بالفعل؛ إذ يأخذ أموالًا من المؤلفين على أساس أنه سيطبع ألفًا أو ألف وخمس مئة نسخة من العمل، ثم لا يطبع غير خمسين نسخة أو ستين نسخة. والناشر الجاد الذي يحافظ على اسمه وسمعته لا يفعل ذلك، ولا يذهب إلى كتابة أرقام طبعات وهمية على كتبه بدعوى أنها أكثر مبيعًا، ولا يجاري بعض المؤلفين الراغبين في كتابة أرقام طبعات وهمية على كتبهم.

الرقابة

بصفتي ناشرًا، فأنا ضد الرقابة بكل أشكالها وأنواعها، وأرى أن الرأي يرد عليه بالرأي، مهما كان، حتى لو كان في التابوهات الثلاثة المعروفة: الدين والجنس والسياسة. لكني مقتنع بضرورة أن تكون هناك رقابة ذاتية من الناشر والمؤلف. بمعنى أن نراعي تقاليد المجتمع من دون أن نجور على حق المؤلف في كتابة إبداعه. لا بد من نوع من التفاهم بين الناشر والمؤلف، ومراعاة القيم الموجودة على نحو لا يقتل حرية الإبداع، وألا يكون فيه صدام مع الرأي العام في المجتمع. بمعنى أن نصل إلى المجتمع بالشكل الذي أريد أن أصل إليه من دون صدام معه.

الحقيقة أن أدوات الرقابة في العالم العربي ما زالت موجودة على نحو تقليدي، وقد آن الأوان -مع ظهور التكنولوجيا بمستحدثاتها، وظهور النشر الإلكتروني والصوتي والتفاعلي- أن تتغير قواعد ومفاهيم الرقابة، وأن نتفق جميعًا، كُتّاب وناشرون، على عدم نشر كتب تدعو إلى الإرهاب والتطرف، أو إلى تفكيك المجتمع من الناحية الإباحية، أو التشكيك في القيم والعادات الأساسية للمجتمع. الرقابة بشكلها التقليدي بلا قواعد واضحة ولا محددة، فلا أحد -حتى إدارات الرقابة- تخبرنا لِمَ مُنِعَ هذا الكتاب، وكأن فكر الرقيب، الموظف في إدارة إعلام أو ثقافة، أعلى من فكر المؤلف أو الناشر.

علينا أن نعترف أن المقولة القديمة: إن «مصر تكتب، وبيروت تطبع، والعراق يقرأ» قد تغيرت على نحو كبير، وبخاصة أن نسبة ما كانت تنتجه مصر من كتب، حتى ستينيات القرن الماضي، تصل إلى نحو 65 بالمئة وهو ما ينتجه العالم العربي، وأن هذه النسبة تراجعت الآن لنحو النصف، نظرًا لدخول صناعات النشر في كثير من الدول العربية، وبخاصة منطقة الخليج؛ تلك التي بدأت حكوماتها تنتبه إلى أن الثقافة أمر أساسي. وحين يكون لديها كوادر في القوة الناعمة فإن ذلك يساعدها على الوجود على نحو حضاري أفضل، فضلًا عن العائد المادي الكبير للمواطن في منطقة الخليج، وهو ما يجعل الناشر يحرص على أن يكون موجودًا في معارض الخليج. وهناك ظاهرة أخرى الآن وهي أن دول الخليج أصبحت في مرحلة جذب لدور النشر، وبخاصة المصرية، التي بدأت توجد في دول مثل الإمارات والسعودية. هناك ما يقرب من مئة وتسعين ناشرًا مصريًّا فتحوا فروعًا لهم في المنطقة الحرة في مدينة الشارقة. فالخليج سوق جاذب والمملكة العربية السعودية تعد من أهم الأسواق في العالم العربي.

عوائد التأليف

في النهاية، إن تُغُلِّبَ على نصف هذه المعوّقات، فإن الكاتب سيعيش من عوائد كُتبه، مثلما كان حال عدد قليل من الكتاب مثل: محمد حسنين هيكل. وربما استفاد ورثة طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ من طباعة أعمال آبائهم أكثر منهم؛ لأن العائد كان لهم بسيطًا. فمثلًا طه حسين كان يأخذ مئة جنيه في الكتاب من دار المعارف. وعلى الرغم من أنه كان مبلغًا له قيمته في ذلك الوقت فإن العائد كان ضئيلًا؛ لأن الكميات المطبوعة كانت قليلة. فإذا أردنا أن تكون هناك عوائد للمؤلف من كتبه فلا بد أن يكون هناك توزيع جيد، وناشر يحافظ على حقوق المؤلف، ويطور من أدواته بحيث يأتي بعوائد للمؤلف سواء من النشر الورقي أو الإلكتروني أو الصوتي، حتى من وسائل الإعلام. فأن تقوم جريدة بنشر كتاب على صفحاتها بدعوى أنها تقوم بعمل دعاية للكتاب فهذا مرفوض، ولا بد أن تدفع الجريدة مقابلًا للناشر الذي يقتسم العائد مع المؤلف وفقًا لبنود العقد، كذلك الأمر مع الأحاديث الإذاعية والبرامج التلفزيونية.


الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬شركة‭ ‬توزيع‭ ‬عربية

بشار‭ ‬شبارو – ‬ناشر‭ ‬لبناني‭ ‬وأمين‭ ‬عام‭ ‬اتحاد‭ ‬الناشرين‭ ‬العرب

في بداية الألفية الجديدة كنا نقول: إن الرقم الذهبي في الطباعة هو ألف نسخة، وأحيانًا ثلاثة آلاف أو خمسة آلاف نسخة. اليوم مع تطور الماكينات الحديثة أصبح الرقم الذهبي هو مئتي نسخة، وهو ما رفع من تكلفة الطباعة. فمن المعروف أن طباعة أي كتاب تمر بمراحل مثل الجمع والتصحيح والتحرير والإخراج الفني والغلاف وغيرها، وتكاليف هذه المراحل توزع على كل النسخ إلى جانب سعر الورق. وكلما زاد عدد المطبوع قلّت تكاليف هذه المراحل، حتى تصبح مع الأرقام الكبيرة، مليون نسخة مثلًا، إلى صفر تكاليف. ولا يكون هناك سوى سعر الورق المستخدم فقط. لكن مع الماكينات الرقمية أصبح عدد المطبوع قليل، فارتفع سعر النسخ، فضلًا عن ارتفاع سعر الدولار في مختلف البلدان، وبالتالي ارتفاع أسعار الورق والأحبار وأجر العاملين في الطباعة ومكافآت المصممين والمحررين وغيرهم.

للأسف، لا يملك اتحاد الناشرين العرب، ولا حتى الاتحادات المحلية، سلطة فعلية على الناشر؛ إذ لا يوجد ما يُلزمه بطباعة عدد معين من النسخ. فالاتحاد ينظم أمورًا مهنية، لكنه لا يملك سلطة تحديد سعر معين للكتاب؛ فإذا رفع الناشر سعر الكتاب فذلك شأنه الخاص. ومن هنا يفضّل كثير من الناشرين العمل على الكتب الأكثر مبيعًا أو انتشارًا، وهذا حقهم؛ لأن النشر في النهاية مهنة واستثمار، وصاحب رأس المال يسعى إلى تحقيق الربح.

شركة توزيع

أكبر المشكلات التي تواجه الناشرين هي غياب شركة توزيع على مستوى البلدان العربية. المتاح هو شركات توزيع الصحف، وهي توزع الكتب الصغيرة والخفيفة، وبذلك فالكتاب هو السلعة الوحيدة التي من دون شركة توزيع، لهذا يتجه الجميع إلى معارض الكتب بوصفها حلًّا مؤقتًا، لكنه لا يمكن أن يكون حلًّا دائمًا أو كافيًا. وقد أخفقت الدول حتى الآن في حل مشكلة غياب شركة توزيع عربية؛ بسبب تعقيدات تختلف من بلد إلى آخر، مثل الرقابة، وتحويل الأموال، وسعر الصرف، وغيرها. أما محاولات إنشاء شركة توزيع على مستوى العالم العربي فقد بدأت منذ نحو عشر سنوات، بمبادرات خليجية، وبخاصة من أبوظبي، حيث جرى التواصل مع كبرى شركات التوزيع الألمانية، وأُنجزت دراسات، وعُقدت لقاءات لمسؤولي تلك الشركات في القاهرة والإمارات وغيرها، لكن المشروع لم يصل إلى نتيجة، وبقي الحلم مؤجّلًا بسبب تلك الصعوبات.

من هنا، يصبح من الضروري أن يتخذ وزراء الثقافة العرب قرارًا بإنشاء شركة توزيع للكتاب على مستوى العالم العربي، حتى تعمّ الثقافة ويصل الكتاب إلى الجميع، ويصبح سعره في متناول القارئ العادي؛ لأن زيادة عدد النسخ المطبوعة تؤدي، بطبيعة الحال، إلى انخفاض سعر النسخة الواحدة. وإلى أن يتحقق هذا المشروع، يمكن اقتراح حلول انتقالية. من بينها أن يتجه الناشرون إلى النشر المشترك؛ فالعالم العربي مقسّم، عمليًّا، إلى ثلاثة فضاءات: المشرق والمغرب والخليج. فلماذا لا يتعاون ناشر من المشرق مع آخر من المغرب وثالث من الخليج في طباعة الكتب؟ على هذا النحو يصل الكتاب الخليجي إلى المشرق، ويصل الكاتب المغربي إلى الخليج، ويزداد عدد النسخ المطبوعة من ألف إلى ثلاثة آلاف مثلًا.

وهناك فكرة أخرى لتجاوز عقبات التوزيع، تقوم على إنشاء مكاتب في المدن الكبرى مزوّدة بماكينات طباعة رقمية، تتبع شركة لها موقع إلكتروني تشارك فيه دور النشر بأعمالها. يختار القارئ الكتاب ويدفع ثمنه عبر الإنترنت، وتصله النسخة خلال ساعتين أو ثلاث ساعات من أقرب مكتب إليه.

وفي النهاية، يمكن القول: إن التحديات التي تواجه الناشرين كثيرة، من الرقابة والجمارك إلى ضريبة القيمة المضافة وغيرها؛ إذ يُتعامل مع الكتاب بوصفه سلعة استهلاكية تُفرض عليها الرسوم والضرائب. ومع ذلك، لا تتعامل كل الدول بالطريقة نفسها مع الكتاب وصناعته؛ فهناك دول مثل المملكة العربية السعودية تُعدّ من أكبر أسواق الكتاب، وهناك دول تقدّم دعمًا مهمًّا للناشرين، كما في الإمارات، سواء للناشرين المحليين أو العرب والأجانب، عبر الجوائز والترجمة ودعم النشر.


صناعة‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬السعودية‭: ‬تحديات‭ ‬وفرص‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل

هدى‭ ‬الدغفق – ‬صحافية‭ ‬سعودية

يشهد عالم النشر السعودي حراكًا متسارعًا يعكس شغفًا وطموحًا لدى الناشرين والمؤلفين الشباب خاصة، مع تزايد ملحوظ في دور النشر السعودية وتنوع إصداراتها. لكن تواجه هذا الحراك تحديات جوهرية تتعلق بالاحتراف المؤسسي، وجودة المحتوى، وشبكات التوزيع، والاستدامة المالية. نناقش في هذا التقرير واقع صناعة النشر الحديثة في المملكة، مؤكدين أهمية الاستثمار في المحتوى، وبناء هوية ثقافية للدار، وتطوير قدرات فرق العمل، واستثمار الدعم الحكومي بشكل ذكي لتعزيز النمو المستديم. في هذا التقرير مع بعض الناشرين السعوديين، يتضح أن مستقبل النشر السعودي يرتبط بقدرة الدُّور على الانتقال من العمل الفردي إلى الاحتراف المؤسسي، ومن الطباعة إلى صناعة ثقافية متكاملة، تجمع بين الابتكار والجودة والاستمرارية.

حراك النشر المستمر

الناشرة السعودية ابتسام التويجري، صاحبة دار مضامين، ترى أن الحراك المتسارع في عدد دور النشر السعودية -الذي ارتفع من 374 دارًا في عام 2014م إلى 522 دارًا في عام 2019م، وفق إحصاءات مكتبة الملك فهد الوطنية- يعكس شغف وطموح الناشرين والمؤلفين، ورغبتهم الجادة في إثراء المكتبة العربية والمحلية. وترى التويجري أن هذا التوسع لا يخلو من عشوائية في بعض الجوانب؛ فمع صعود دُور جديدة وشابة، يلاحظ انحسار دُور أخرى كانت فاعلة في السابق. ويُعَدّ هذا الصعود والانحسار ظاهرة طبيعية في أي سوق تنافسي، لكنه يعكس تحديات أعمق تتعلق بنماذج العمل، وغياب الدراسات السوقية الدقيقة، والاعتماد على الجهود الفردية أكثر من العمل المؤسسي المستديم. وتؤكد أن الاستمرارية في عالم النشر تتطلب رؤية إستراتيجية، وقدرة على التكيف، وبناء علامة تجارية ثقافية راسخة.

وتشير التويجري إلى أن قطاع النشر يواجه تحديات جوهرية، أولها: ضعف شبكات التوزيع؛ فالكتاب السعودي لا يزال يعاني صعوبة الوصول إلى القارئ محليًّا وعربيًّا. ثانيها: محدودية الدراسات السوقية والبيانات الدقيقة، التي تساعد الناشرين على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن ما ينشرونه ولمن. ثالثها: التحدي المالي؛ إذ إن النشر صناعة رأسمالية تتطلب استثمارات كبيرة في الطباعة والتسويق والتوزيع، وهو ما يشكل عبئًا على دور النشر الناشئة. وتؤكد أن الانتقال من الهواية إلى الاحترافية الكاملة يتطلب تعزيز البنية التحتية لصناعة النشر، بما يشمل المطابع والتوزيع والقدرات البشرية وبرامج التدريب المتخصصة.

أمّا دُور النشر الرسمية، فترى التويجري أن غيابها له وجهان؛ فمن جهة يمثل فرصة إيجابية لقطاع النشر الخاص ليتطور وينافس بحرية، وهو ما يحفز على التنوع والإبداع ويمنع احتكار الصوت الواحد. ومن جهة أخرى، يمثل غياب جهة نشر رسمية قصورًا؛ إذ تلعب هذه الدور -في كثير من دول العالم- دورًا حيويًّا في نشر الأعمال التراثية والكتب الأكاديمية والمشاريع الثقافية الكبرى التي قد لا تكون ذات جدوى تجارية للقطاع الخاص. وترى أن الدار الرسمية يمكن أن تكون رافدًا ومكملًا لجهود القطاع الخاص، مع دعم المشاريع طويلة الأمد وتقديم أعمال ذات قيمة معرفية عالية، مشيرة إلى أن وزارة الثقافة أسست فعليًّا في 2019م دار نشر سعودية بمعايير عالمية لرفع جودة المحتوى الأدبي ونشر الثقافة السعودية.

وتثمن التويجري دعم الدولة المقدم من هيئة الأدب والنشر والترجمة والصندوق الثقافي، الذي شكل نقطة تحول في تمكين الناشرين والمؤلفين. وتوضح أن الدعم لا يقتصر على التمويل المباشر، بل يمتد إلى بناء بيئة متكاملة وحافزة، مثل مبادرات «ترجم» وبرامج تمكين مهنة «الوكيل الأدبي» وتطوير بيئة المطابع وتقديم برامج تدريبية متخصصة، بما يعزز الاحترافية في القطاع. وتشير إلى أهمية التحول الرقمي، مع إطلاق برنامج النشر الرقمي في 2021م، الذي يقدم الدعم الفني والتقني لتحويل الأعمال إلى كتب رقمية وصوتية، بما يوسع وصول الكتاب السعودي للمستفيدين ويثري المحتوى العربي الرقمي، مع الحفاظ على مكانة الكتاب الورقي.

وترى التويجري أن الصندوق الثقافي يقدم حلولًا تمويلية مبتكرة تساعد دور النشر على الاستمرارية والنمو، وتخفف الأعباء المالية، بما يمنح الناشرين القدرة على التخطيط طويل المدى والمغامرة المحسوبة في اكتشاف المواهب الجديدة. وتؤكد التويجري في الختام أن عالم النشر في السعودية يقف على أعتاب مرحلة جديدة، مدفوعًا برؤية طموحة ودعم حكومي غير مسبوق، وأن روح المبادرة والشغف لدى الناشرين مقترنة بسياسات ومبادرات داعمة تبشر بمستقبل واعد لصناعة نشر سعودية قوية ومؤثرة، تليق بتاريخ المملكة الثقافي العريق، وتطلعاتها نحو المستقبل.

فرص النشر والاستدامة

أما الناشر السعودي صالح الحماد، صاحب (دار رشم)، فيلفت إلى أن عالم النشر في السعودية يمر بمرحلة انتقالية مهمة، ليست مرحلة تأسيس بعد، ولا نضج كامل، بل منطقة وسطى مليئة بالفرص والتحديات. ويلاحظ حراكًا ثقافيًّا واضحًا، مع ارتفاع عدد الإصدارات والفعاليات واهتمام متزايد بالكتاب. ويؤكد أن دار رشم، منذ تأسيسها عام 2019م، شهدت هذا الحراك مباشرة، حيث شاركت إصداراتها في القوائم الطويلة والقصيرة للجوائز العالمية، وفازت روايتان بالجائزة العالمية للرواية العربية لعامين متتاليين، إضافة إلى الفوز بالمركز الأول في الجوائز الكبرى لجائزة القلم الذهبي، وهو ما يعكس جودة المحتوى الذي تختاره الدار.

يرى الحماد أن هذا الحراك لا يزال غير منظم بالقدر الكافي ليُنتج صناعة نشر متماسكة ومستديمة، موضحًا أن أبرز التحديات تشمل غياب المعايير المهنية الواضحة لدى بعض الدور، ضعف سلاسل التوزيع، غياب البيانات الدقيقة عن السوق، ومحدودية التحرير العميق والتطوير الحقيقي للنصوص. ويشدد على أن النشر لا ينبغي أن يُختزل في الطباعة فقط، دون رؤية تحريرية، أو مشروع ثقافي، أو استثمار طويل الأمد في الكاتب والكتاب.

ويشير إلى أن دار رشم تتبنى نهجًا مختلفًا، فهي تبني هوية معرفية لكل سلسلة من سلاسلها، وتضع معايير محددة لاختيار الكتب وآليات تقويمها، مع التركيز على ثقافة «الاختلاف» التي تكشف عن تجارب إنسانية متنوعة، وتفتح آفاقًا جديدة لدى القارئ، بعيدًا من المعايير المغلقة والمفاهيم الثابتة.

ويحدد الحماد ثلاثة عناصر أساسية يفتقدها قطاع النشر السعودي لتطوره: أولًا، الاحتراف المؤسسي، حيث يجب أن تُدار دُور النشر بعقلية صناعة لا اجتهاد فردي. وثانيًا، الاستثمار في المحتوى نفسه، من تحرير واختيار وبناء هوية معرفية لكل كتاب، مع مراحل متعددة من القراءة والتحرير الإبداعي مع الحفاظ على استقلالية النص. وثالثًا، منظومة توزيع وتسويق فعّالة، تضمن وصول الكتاب إلى قارئه الطبيعي، مع المشاركة في المعارض والفعاليات الثقافية المختلفة.

ويعلق على صعود بعض دور النشر الجديدة وانحسار أخرى، موضحًا أن هذا أمر طبيعي وصحي لأي سوق حي، وأن البقاء في السوق يتطلب تطورًا مستمرًا، استثمارًا في الترجمة عالية الجودة، التحرير الإبداعي، الوكالة الأدبية، والتسويق المتخصص، إضافة إلى توسيع النشاطات لتشمل المعرفة السينمائية والأدب الناشئ وقصص الشعوب. ويُعَدّ الحماد أن عدم وجود دار نشر رسمية له وجهان؛ من جهة إيجابية لأنه يحافظ على استقلالية النشر ويتيح تنوعًا حقيقيًّا. ومن جهة أخرى يحتاج السوق إلى جهات مؤسسية داعمة للمشاريع الكبرى، بما في ذلك ترجمة الأعمال المهمة وتمثيل الكتاب السعودي خارجيًّا بشكل منظم. ويشير إلى أن دار رشم تسعى لسد هذه الفجوة من خلال شراكات إستراتيجية مع هيئة الأدب والنشر والترجمة، صندوق الثقافة، ومركز الملك عبدالعزيز للثقافة (إثراء).

يشير الحماد أيضًا إلى أن الدعم المقدم من هيئة الأدب والنشر وصندوق الثقافة هو خطوة مهمة، وقد ساعد في تحريك السوق وإتاحة مساحة للتجربة والتوسع، مع التأكيد أن المرحلة المقبلة تتطلب دعمًا أكثر تخصصًا وذكاءً، ويركز على جودة المحتوى واستمرارية الدور والابتكار وبناء القدرات المؤسسية للناشرين، بحيث يكون الدعم شريكًا إستراتيجيًّا لا مجرد ممول. ويخلص الحماد إلى أن السعودية أمام فرصة تاريخية لبناء صناعة نشر قوية، مرهونة بالقدرة على الانتقال من «كمّ الكتب» إلى «قيمة الكتاب»، ومن الجهد الفردي إلى العمل المؤسسي، ومن اللحظة الآنية إلى رؤية طويلة المدى. ويؤكد أن دار رشم ملتزمة بهذا التحول، بهدف بناء صناعة نشر تحترم الكاتب والقارئ والكتاب نفسه، وتستند إلى الاحتراف المؤسسي والرؤية الثقافية والاستثمار الحقيقي في المحتوى.

تحديات النشر

في حين يراهن الناشر إبراهيم السنان، الناشر والمستشار الثقافي، إلى أن النشر في السعودية، بشكله الحديث، بدأ فعليًّا في العقدين الماضيين، ويتميز من النشر التقليدي الذي كان يركز على الكتب الأكاديمية والمتخصصة، وكتب التراث الإسلامي والعربي. ويُعرِّف النشر الحديث بأنه النشر العام، الذي يشمل جميع أنواع الكتب، سواء كانت أدبية أو تعليمية وثقافية وتنموية وفلسفية وغيرها. ويؤكد السنان أن الناشرين السعوديين حققوا مستوى مرتفعًا من الاحترافية والتنافسية مقارنة بالدور العربية التي سبقتهم بما يزيد على نصف قرن، مع طفرة إضافية تأتي عبر ما تقدمه هيئة الأدب والنشر والترجمة.

ويؤكد أن قطاع النشر لا يعاني عشوائية مطلقة، إنما غياب الفهم المؤسسي والمهني لدى بعض المبادرين والمتحمسين لممارسة النشر. ويشير إلى أن مجرد حب القراءة أو القدرة على التأليف لا يكفي؛ إذ إن النشر مهنة تتطلب أدوات مهنية وإدارية ومالية وإستراتيجية، إضافة إلى القدرة على إدارة المشاريع، والفهم الفني للطباعة والتسويق والتوزيع. ويضيف أن انخفاض ربحية قطاع النشر يجعل من الضروري للناشر امتلاك هذه الأدوات، فغالبًا ما تقتصر بعض الدُّور المهمة على ثلاثة أو أربعة موظفين فقط، وهو ما يجعل العشوائية نتيجة غياب العمل المؤسسي الجاد والمحترف.

ويصف السنان عملية النشر الحديثة بأنها تتطلب ما لا يقل عن 19 مرحلة إدارية وفنية وتشغيلية من تسلُّم الكتاب كمسودة حتى وصوله لسوق الكتب، لكن العديد من دور النشر تختصرها إلى ثلاث مراحل أو أربع؛ بسبب نقص الكوادر أو ارتفاع التكاليف، وهو ما ينعكس على سعر الكتاب وربحية الدار. ويشير إلى أن هذا الواقع يفسر صعود دور نشر سعودية جديدة، وانحسار أخرى؛ إذ إن استمرار أي دار يعتمد على قدرتها على التكيف مع السوق وضمان الاستدامة.

أما فيما يتعلق بالدور الحكومية أو الرسمية، فيرى السنان أن فكرة وجود دار نشر حكومية يمكن أن تكون مفيدة لإعادة نشر الكتب التي تتجنبها الدور التجارية بسبب ارتفاع التكاليف أو انخفاض الربحية، مع مراعاة عدم خلق منافسة غير عادلة. ويضيف أن هذه الدور يمكن أن تركز على الكتب ذات المنفعة العامة، بما يضمن وصولها لجميع فئات المجتمع بأسعار مناسبة، مستشهدًا بتجارب مماثلة في مصر والكويت.

ويشير السنان إلى أن هيئة الأدب والنشر والترجمة تقدم دعمًا متنوعًا للقطاع، يشمل التدريب الفني والإداري، بهدف رفع مهنية الناشرين وتأسيس صناعة احترافية مقارنة بأفضل الممارسات الدولية. كما يقدم صندوق الثقافة دعمًا موازيًا في التمويل والتدريب والاستشارات، وهو ما يرفع من قيمة القطاع ويعزز استدامته المالية. ويؤكد السنان أن الاستدامة المالية هي أكبر تحدٍّ للقطاع الثقافي، وأن أي دور نشر لا تحقق ربحية مستديمة ستواجه صعوبة في البقاء، وهو ما يؤدي إلى بدء دُور جديدة ثم توقفها بسرعة.


بعض‭ ‬مظاهر‭ ‬أزمة‭ ‬النشر‭ ‬في‭ ‬المغرب

حسن‭ ‬بحراوي – ‬ناقد‭ ‬مغربي

تزامن ظهور دور النشر العربية الأولى، مع حلول القرن التاسع عشر، عبر انطلاق بعض المؤسسات المختصة في كبريات مدن الشرق العربي – مثل القاهرة وبيروت وبغداد- التي سارعت إلى الانخراط في عمليات تعميم المعرفة والثقافة. وكانت في مقدمتها مطبعة بولاق التي أنشأها، في القاهرة محمد علي عام 1820م، ومطبعة بيروت التي أطلقها الآباء اليسوعيون في عام 1840م، ومطبعة البستاني التي دشنها بطرس البستاني في عام 1850م.

وفي المغرب تأخر ظهور المطبعة الحجرية إلى عهد السلطان المولى الحسن (ت: 1894م) التي وصلته هدية من القاضي محمد الطيب الروداني، أحد الحجاج المغاربة، وقد اشتراها من تركيا. وكانت فرنسا التي احتلت الجزائر منذ 1830م قد جلبت لإدارتها مطابع عصرية بالحرف الفرنسي لأغراض إدارية ودعائية تهمها.

من الرفض إلى البناء المؤسساتي

وإذا كانت نيتنا الاقتصار على التأريخ لظاهرة الطباعة في المغرب سيكون علينا أن ننظر في الأطروحة التي أنجزها العراقي الدكتور فوزي عبدالرزاق في جامعة هارفارد الأميركية، ونشرها تحت عنوان: «مملكة الكتاب: تاريخ الطباعة في المغرب» (1990م)، وهو الكتاب الذي رصد فيه موقف المغاربة من التكنولوجيا الآتية من الغرب المسيحي ورفضهم استخدام الطباعة العصرية خشية مما قد يمكن أن يصيب القرآن الكريم من تصحيف وتحريف لمضمونه ومساس بقدسيته، علمًا أنهم قد تعرفوا إلى أهمية الطباعة منذ القرن السادس عشر عندما بلغتهم منجزاتها عبر الرحلات والسفارات.

على أن هذا الموقف المبدئي لم يمنعهم من التعاطي مع منجزات المطبعة قراءة وتداولًا، بل وممارسة مهنية كانت تدرُّ عليهم بعض الأموال. بل كانت بداية القرن العشرين سبيلهم إلى نشر جريدة في مدينة طنجة بعنوان: «لسان المغرب»، كانت لسانهم للرد على «جريدة السعادة» التي أطلقتها المفوضية الفرنسية لمناهضة سياسة السلطان المغربي. وسوف يجري استعمال الطباعة في أعقاب ذلك لتجاوز البنية التقليدية لنظام التعليم المغربي العتيق عبر استعمالها في نشر الكتاب المدرسي وتطوير طرائق التلقي البيداغوجي، واتخاذها أساسًا في سبيل إشاعة الأفكار الإصلاحية وتقوية ممكنات الوعي الوطني.

وفي أعقاب حصول المغرب على الاستقلال (1956م) عاشت حركة النشر ركودًا متواصلًا؛ بسبب غياب البنيات التحتية من مطابع ووسائل النشر وآليات التوزيع، وهو ما أثَّر سلبًا في القدرة الإنتاجية وفي جودة المطبوعات. كما أن غياب الكفاءات المهنية، من محررين ومصممين، كان له دور حاسم في هذه الوضعية. ثم هناك أيضًا محدودية سوق الكتاب الناتجة عن ضآلة أعداد القراء وانتشار الأمية ومحدودية التعليم. وأخيرًا قلة المكتبات التي من المفترض أن تساهم في ترويج الكِتاب عندما يجد طريقه إلى النشر.

لكن في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ستظهر جملة من دُور النشر المغربية التي على قلة عددها وتواضع إسهاماتها ستحاول النهوض بدورها في تأثيث المشهد الثقافي والأدبي والحفاظ على الهوية الوطنية. ومع أن المعلومات بصدد إصداراتها ضئيلة وغير متواترة؛ بسبب غياب التوثيق الرقمي الشامل وقلة الوجود على الإنترنت، فإننا يمكن أن نذكر أولى تلك الدور، وهي: دار الثقافة، بالدار البيضاء، التي أنشأها اللبناني نزار فاضل مع بداية الاستقلال، ودار الكتاب، التي أقامها وطنيون مغاربة في الحقبة نفسها تقريبًا، متبوعتان بدار النشر المغربية، التي أسسها الإعلامي المغربي محمد برادة، أواسط الستينيات، وعُدَّت من أنشط دور الطباعة والنشر وأطولها عمرًا. وذلك قبل أن تهلّ سنوات الثمانينيات التي ستشهد انطلاقة جملة من الدُّور الوطنية ذات الحضور اللافت في تاريخ النشر بالمغرب. نذكر من بينها: منشورات عكاظ (1981م)، ومؤسسة بنشرة (1982م)، ودار إفريقيا الشرق (1983م)، ودار توبقال (1985م)، ودار الفنيك (1987م). وصولًا إلى التسعينيات التي توجت بظهور دُور لامعة قدرًا وكيفًا، مثل: دار الأمان (1991م)، دار البوكيلي (1993م) ودار السلايكي (1994م).

على أن هذا التكاثر المتزايد لدُور النشر في الساحة المغربية لم يكن مصحوبًا بسلاسة وسهولة في عمليات الطبع والتوزيع لأسباب موضوعية متعددة كانت ناجمة في معظمها عن حداثة التجربة ونقصان الوسائل المادية والمهارات التقنية. ولذلك احتاج ميدان النشر إلى تكاثف الجهود الفردية والمؤسساتية التي مهَّدت أمامه الطريق ومنعت استفحال المصاعب الميدانية من كل نوع.

أزمة النشر من القارئ إلى المؤلف

ومن بين مظاهر أزمة النشر بالمغرب، التي لا يزال بعضها قائمًا إلى اليوم، يمكننا أن نقف عند طاقم متعدد الأطراف؛ يبدأ بالمؤلف، ويتواصل بالناشر والموزع، وينتهي بالقارئ الذي يشكل آخر حلقة وأضعفها في هذه السلسلة المترابطة. ولعل الحكمة تقتضي منا أن نبدأ بهذا العنصر الأخير؛ لأنه يمثل في رأينا نقطة حاسمة في عملية النشر.

إن انخفاض ثقافة القراءة، بين مختلف الفئات العمرية، يعود لسبب أساسي أول هو انخفاض القدرة الشرائية الذي جعل الكتاب بعيدًا من متناول القارئ من الفئات المستضعفة، بل الطبقة المتوسطة كذلك. يضاف إلى ذلك تراجع الإعلام الثقافي في مجال الدعاية للكتاب خلافًا لما كان عليه الأمر في السابق، وهو ما جعله يشكل عقبة أمام تنشيط دورة الكتاب من طبع ونشر وتوزيع وقراءة.

ومن جملة الأشياء، أن القارئ المغربي لا يصرف سنويًّا أكثر من 35 درهمًا على اقتناء الكتاب الثقافي، وهو الشيء الذي يجعل المغرب تُصنف في رتبة متأخرة عالميًّا (33) في مجال القراءة بحسب إحصائيات البرنامج الدولي لتقويم المتعلمين (2022م). وهو ما يؤكد ما سبق أن ذكرناه بصدد ضعف التنشئة القرائية التي تقف وراءها في المقام الأول الحالة المتردية للمدرسة العمومية.

وأما المؤلف نفسه فيعيش عزلة متزايدة ويشتكي من قلة الإقبال على إنتاجاته التي تراجعت قيمتها الربحية وتضاءل، مقارنة بالإقبال الذي كان في الماضي. فبعد أن كان يحصل من الناشر على ربع سعر الغلاف، في أعقاب عملية النشر والتوزيع، أصبح مطلوبًا منه اليوم أن يساهم في تكلفة الطبع، ولا ينال سوى نسخ معدودة برسم المكافأة (العمولة).

ونتيجة هذا الوضع أن المؤلف صار يلجأ إلى عملية النشر الذاتي التي تفرض عليه دفع كامل تكلفة الطبعة، وهي في الوقت الراهن تتجاوز 3000 د، مقابل 100 نسخة من الكتاب الواحد، على ألا يتوقع في أفضل الأحوال ربحًا يقع بين 15% و20% وليس أكثر من ذلك؛ بسبب ضآلة فرص التسويق الناجمة عن احتكار التوزيع. وكل ذلك يجعله مضطرًّا إلى خيارات أخرى.

فهناك من يجازف في عملية التوزيع الفردي للمنشور الذاتي، حيث يقع المؤلف ضحية التوزيع المجحف للشركات (أكثر من 50% من سعر الغلاف) أو المتقشف للمكتبات والأكشاك (25%). وفي الحالتين يلاحظ تدهور حالة المرتجعات، بحيث لا تعود صالحة في الأغلب للتداول أو القراءة. وهناك من يلجأ إلى طريقة البيع قبل الطبع حيث يعتمد المؤلف على المتطوعين من أصدقائه ومعارفه الذين يقبلون على اقتناء الكتاب قبل صدوره مساهمة منهم في حل مشكلة المؤلف مع المطبعة والموزع؛ على أن يضمن لهم الحصول على النسخة عند صدورها؛ وهو أمر ليس فيه أي شيء مؤكد. وهناك من يلجأ إلى دور النشر العربية، فيواجه مشكلات أخرى، مثل: عدم تحديد مدة زمنية لعمليات الطبع والتوزيع، وعدم الحصول على تعويض مهما قلَّتْ قيمتُه.

وزارة الثقافة وسياسة دعم الكتاب

سيبدو لأول وهلة أن المؤسسة الرسمية في المغرب، المعنية بأمر النشر، وهي وزارة الثقافة، لا تولي اهتمامًا كافيًا بدعم هذا القطاع. غير أن الواقع العياني يحيلنا إلى جملة من الحقائق الدامغة التي في مقدمتها أن وزارة الثقافة المغربية تواصل ممارسة سياستها المرسومة منذ عقود عدة لمواكبة عمليات النشر عبر مجموعة من المبادرات التي ترمي إلى تشجيع التأليف والنشر وتوفير دعم مالي سنوي للمشاريع الثقافية وجعل الكتاب متاحًا لأوسع شريحة من المواطنين وبأنسب الأسعار.

وتتسع لائحة المستفيدين من هذه المبادرة الرسمية لتشمل القطاعات التالية: دعم الناشرين في المجال الثقافي والتربوي بمنحة سنوية جاوزت في هذه السنة مبلغ مئتي مليون درهم (أكثر من 22 مليون دولار). دعم الموزعين للمشاركة في حضور المعارض العربية والدولية بهدف الترويج للكتاب المغربي بمبلغ يجاوز أربعة ملايين درهم. ودعم المجلات الثقافية بمبلغ قارب المليون درهم. وتضاف إلى ذلك مبالغ مهمة أخرى لدعم النشر الخاص بالأشخاص غير المبصرين، ودعم مكتبات البيع، وتأمين مشاركة الكتاب المغاربة في إقامة المؤلفين، والمساهمة في إطلاق وتحديث المجلات الثقافية الإلكترونية… إلخ

غير أن هذه الجهود التي تبذلها الوزارة المعنية لم تسلم من النقد والمساءلة الموضوعيين، وفي مقدمة ذلك أن صرف هذه المبالغ يتم لصالح الناشرين تحديدًا، وليس للمؤلفين ذوي المصلحة الأولى في الدعم. وكان من نتائج هذا الدعم أن دور النشر المغربية لم تعد تطبع على نفقتها الخاصة، كما هو متوقع من شركات ربحية، بل صارت تنتظر الحصول على الدعم السنوي قبل أن تباشر عملها. وتسوّغ الوزارة هذا الاختيار بكون القانون هو الذي يفرض عليها التعامل حصرًا مع المؤسسات الاقتصادية (الناشرين) وليس مع المؤلفين لصعوبة أو استحالة محاسبتهم ومتابعتهم في حالة الإخلال بالتعاقد.

بينما ينتقد المؤلفون الوزارة لأنها لا تتوفر على جهاز لمراقبة الناشرين، من حيث الأسعار التي يقررونها للكتب والتي تكون في العادة مرتفعة ولا تتناسب مع القدرة الشرائية للقراء، وكذلك غياب رقابة على عدد نسخ الكتاب الواحد التي قد لا تكون متناسبة مع مبلغ الدعم الممنوح لدار النشر. وفي غياب هذه الرقابة يبقى الباب مشرعًا أمام حصول التجاوزات من كل نوع، ويكون الخاسر الأول والأخير هو القارئ.

ومن جهتهم يشكو الناشرون من جملة من العوائق التي تقلص في رأيهم من نتائج جهودهم وتعرقل سبل تواصلهم مع القراء، وفي مقدمتها: ارتفاع تكاليف الطبع، التي تشمل غلاء الورق والمواد الأولية، وكذلك مصاريف التصميم والطباعة. وينعكس كل ذلك على ثمن بيع الكتاب للعموم وطغيان الطابع التجاري الصرف على معاملات دور النشر المغربية التي صارت تكرس العمل على الكتاب المدرسي في المقام الأول.

كما يشكو الناشرون من ضعف شبكة توزيع الكتاب في المغرب بسبب هيمنة شركة أو شركتين على سوق التوزيع، وهو ما أدى إلى الاحتكار ورفع التكلفة إلى نحو 50% من سعر النسخة الواحدة، وصعوبة استقطاب المكتبات النظامية لقطع الطريق أمام تدخلات الأكشاك ونقط البيع العشوائي. ونتيجة لذلك يضطر بعض الناشرين إلى اللجوء للتعامل المباشر مع المكتبات في المدن الكبرى، مع ما يفرضه ذلك من مصاعب التواصل والمحاسبة واستحالة أن يشمل توزيع الكتاب جميع مناطق التراب الوطني.

كما يشكو الناشرون من تأخر مواعيد صرف مبالغ الدعم التي تقررها الوزارة نتيجة التعقيدات الإدارية وهيمنة النزعة البيروقراطية، وهو ما يؤثر سلبًا في مواعيد النشر والتوزيع. وهناك أيضًا مشكلة القرصنة التي صارت عملة رائجة في تجارة الكتاب مع ما تعنيه من ضياع حقوق المؤلفين والطابعين والناشرين.

حصاد النشر المغربي

يمكن تلخيص جميع هذه المشكلات في ضعف المهنية وسيادة الارتجال، وهو ما أسفر عن تدهور العلاقة بين مختلف الفاعلين: من مؤلفين وناشرين وموزعين. غير أن النظر الموضوعي في هذه المسألة يقودنا إلى تأكيد أن معظم اختلالات النشر في المغرب كان يجري، على الدوام، تجاوزها بفضل النوايا الحسنة للعاملين في هذا القطاع؛ إذ كانوا يحرصون على تخطي منطق الربح الخالص والانخراط في مجهود وطني لنشر الثقافة، عبر طبع ونشر وتوزيع الإنتاجات الأدبية والفكرية، وطرحها في السوق بأسعار مقبولة لا ترهق القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود.

تركة معرفية وثقافية

والخلاصة التي نقف عليها اليوم -بعد كل هذه العقود- تدلنا على النجاح، النسبي بالتأكيد، لهذا المسعى وتضعنا أمام تركة معرفية وثقافية لا ينكرها سوى جاحد. وسنقوم فيما يلي برسم صورة تقريبية لهذه الجهود الحثيثة عبر استقصاء بياني لما أنجزته دور النشر المغربية في العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين التي نجم عنها ظهور أدب مغربي حديث كان في حكم الغائب قبل هذا التاريخ، فإذا به صار له حضور لافت في النطاق العربي والإفريقي، ونال اعترافًا مستحقًّا في جميع الأوساط.

ومن جملة الأدوار الطليعية التي نهضت بها دار النشر المغربية، في الدار البيضاء، ابتداءً من أوائل الستينيات: نشرت دواوين الشعر الحديث الأولى للشعراء الرواد أمثال مصطفى المعداوي «ديوان المعداوي» (1963م)، ومحمد الحلوي (1965م)، ومحمد الحبيب الفرقاني (1965م)، وأحمد صبري، ديوان «أهداني خوخة ومات» (1967م)، ومحمد الميموني، ديوان «آخر أيام العقم» (1974م)، وعبدالكريم الطبال، ديوان «الأشياء المنكسرة» (1974م)، وأحمد بن ميمون، ديوان «تخطيطات حديثة في هندسة الفقر» (1974م). ونشرت المجموعات القصصية الأولى لكل من: محمد إبرهيم بوعلو «السقف» (1970م)، وأحمد المديني «العنف في الدماغ» (1971م)، ومحمد زنيبر «الهواء الجديد» (1971م). ونشر الروايات الأولى لكل من: عبدالله العروي «الغربة» (1971م)، ومحمد الحسايني «المغتربون» (1974م)، وخناثة بنونة «الغد والغضب» (1981م)، وعبدالقادر الشاوي «كان وأخواتها» (1986م).

ونشرتْ دار الكتاب بالدار البيضاء، في الوقت نفسه، الأعمال الأولى في القصة لكل من: محمد بيدي «سبع قصص» (1966م)، وخناثة بنونة «ليسقط الصمت» (1967م)، ورفيقة الطبيعة «رجل وامرأة» (1969م). ونشرت الروايات الأولى لكل من: مبارك ربيع «الطيبون» (1971م)، ومحمد البكري السباعي «المخاض» (1972م)، وأحمد زياد «بامو» (1974م)، وأخريات لكل من: محمد زفزاف «الثعلب الذي يظهر ويختفي» (1985م)، والديوان الأول لعبدالله راجع «الهجرة إلى المدن السفلى» (1976م).

وبعد أن ظهرت منشورات دار الستوكي بالفرنسية توجهت إلى النشر بالعربية لكل من: عبدالسلام الشرايبي «الحراز» (1981م)، وعبدالكريم برشيد «امرؤ القيس بباريس» (1982م)، وأحمد العراقي «عروة يحضر زمانه ويأتي» (1982م).

وأطلقت مؤسسة بنشرة بالدار البيضاء أيضًا، مع بداية الثمانينيات، أسماء صار لها وزن مع مرور الوقت مثل: الرواية الأولى ليوسف فاضل «الخنازير» (1982م)، وعبدالفتاح الفاكهاني «البئر» (1984م)، وعبدالإله الحمدوشي «الحالم» (1985م). وواصلت النشر لكتاب راسخين، أمثال: محمد زفزاف «بيضة الديك» (1984م)، ومحمد شكري «السوق الداخلي» (1985م). ونشرت الأشعار الأولى لعبداللطيف اللعبي «وأزهرت شجرة الحديد» (1982م)، وبنسالم حميش «ثورة الشتاء والصيف» (1982م)، وعبدالله زريقة «ضحكات شجرة الكلام» (1982م)، وأحمد بلبداوي «حدثنا مسلوخ الفقروردي» (1982م)، ومحمد الشيخي «عندما يتحول الحزن جمرًا» (1983م).

ونشرت الدار الناشئة نفسها الأعمال القصصية المبكرة لأحمد بوزفور «النظر في الوجه العزيز» (1983م)، والبشير جمكار «غيوم الصباح» (1983م). والمسرحيات الأولى لكل من: فاضل يوسف «سفر سي محمد» (1984م)، والمسكيني الصغير «سرحان» (1990م). وتولت دار توبقال بالدار البيضاء نشر أعمال مؤسسها الشاعر محمد بنيس مثل: «مواسم الشرق» (1985م)، و«المكان الوثني» (1996م)، و«نبيذ» (1999م). وصولًا إلى أعماله الشعرية الكاملة (2002م)، إلى جانب رواية غلاب «شروخ في المرايا» (1994م)، ومجموعة محمد عز الدين التازي «شمس سوداء» (2000م).

ودشنت دار الأمان بالرباط تجربتها بنشر مجموعة إدريس الخوري الأولى «حزن في الرأس والقلب» (1973م)، والرواية الأولى كذلك لحسن أوريد «الحديث والشجن» (1999م). وانصرفت دار البوكيلي بالقنيطرة لنشر المسرح خاصةً عبر نشر مسرحيتي عبدالحق الزروالي «زكروم الأدب» (1993م)، و«انصراف العشاق» (2002م). ونشرت عددًا كبيرًا من مسرحيات الطيب الصديقي، من بينها: «الفيل والسراويل» (1997م)، و«ولو كانت فولة» (1997م)، و«جنان الشيبة» (1998م)، و«مقامات بديع الزمان الهمذاني» (1998م)، و«قفطان الحب» (1999م)، و«أبو حيان التوحيدي» (2000م). وبذلك كان لها قصب السبق في خوض تجربة النشر للمسرح المغربي الذي كان يعيش من دون ناشر تقريبًا لعقود عدة.

واتجهت دار السلايكي بطنجة إلى نشر أعمال لشباب الأدباء، فأخرجت مسرحية الزبير بنبوشتى «القفص» (1996م)، وديوان سعيد كوبريت «الباحات» (2000م)، ورواية عبدالسلام الطويل «مطر المنور» (2001م). ودعمت كبار الكتاب؛ فنشرت ثلاثة أجزاء من رواية محمد عز الدين التازي «زهرة الآس» (2003م). ونشرت دار الفنيك بالدار البيضاء نماذجَ من الشعر الطليعي، ممثلًا في دواوين عبدالله زريقة «سلالم الميتافيزيقا» (2000م)، و«حشرة اللامنتهى» (2005م)، وروايات عبدالقادر الشاوي «دليل المدي» (2003م)، و«من قال أنا؟» (2006م).

ونشرت دار أبي رقراق بالرباط روايات لكتاب جدد، أمثال: عبدالحي المؤذن «خطبة الوداع» (2003م)، و«حرب البسوس» (2006م)، للبشير القمري و«غوروغو» (2007م)، لإسماعيل العثماني و«رطانات ديك خلاسي» (2007م)، لإسماعيل غزالي. أمّا دُور النشر المغربية التي انخرطت في نشر الأعمال المكتوبة بالفرنسية فهي محدودة؛ إذ الأغلب أنها زاوجت بين العربية والفرنسية لأسباب تتعلق بالقدر المحدود، أو الذي كان محدودًا في وقت من الأوقات للكتابات بغير اللغة العربية.

ومن النوع الأول دار أطلنتيس التي تولت منذ أواخر الستينات نشر دواوين الشعراء المعبرين بالفرنسية أمثال عبداللطيف اللعبي (1967م) ومحمد الواكيرة (1972م)، قبل أن تختفي من خريطة دور النشر. ودار إديف التي غيرت اسمها فيما بعد إلى دار ملتقى الطرق، وقد نشرت بالفرنسية روايات لكل من عبدالكبير الخطيبي (1992م)، وإدريس الشرايبي (1994م)، وعبدالفتاح كليطو (1995م)، وبهاء الطرابلسي (1995م)، وهند الطعارجي (1998م)، ويوسف أمين العلمي (1999م)، ومسرحيات عدة للطيب الصديقي بين (1987م) و(1991م)، ونبيل لحلو بين (1997م) و (1998م).

أما الدُّور المزدوجة اللغة فكثيرة. منها: دار الستوكي التي عملت منذ ظهورها على نشر أعمال كثيرة بالفرنسية منها: دواوين لعبدالله بونفور (1980م)، وأحمد البوعناني (1980م)، ومحمد الواكيرة (1980م). ودار عكاظ التي نشرت بالفرنسية دواوين لكل من: محمد عزيز الحبابي (1988م)، وعبدالمجيد بنجلون الشاعر (1991م)، وبنسالم حميش (1992م). ودار الكلام التي نشرت روايات لموحا السواك (1988م)، وأحمد البوعناني (1990م)، ونور الدين الصايل (1990م). ودار الفنيك التي نشرت مسرحيات بالفرنسية لنبيل لحلو (1987م)، وروايات لكل من: محمد عفيفي (1988م)، وماحي بينبين (1994م)، وإدمون عمران المالح (1995م)، وفاطمة المرنيسي (1997م)، قبل أن تعود وتكرس اتجاه النشر بالعربية في بداية الألفية الثالثة. ودار مرسم كانت شبه متخصصة في الأدب المكتوب بالفرنسية في الحقبة الأولى من إنشائها، وقد نشرت لشاعرات مغربيات معبرات بالفرنسية (1996- 1997م)، ونشرت قصصًا لموحا السواك (2001م). لكنها تباطأت بعد ذلك في الاهتمام بالنشر العربي.

ونلاحظ، بالمناسبة، أن دُورًا معربة أصلًا ستعمد في بعض المرات إلى نشر أعمال مكتوبة بالفرنسية، مثل: دار النشر المغربية (1991م)، ودار إفريقيا الشرق (1992م)، ودار السلايكي (2000م)، ودار البوكيلي (2001م).

خلاصة المسار

هكذا تواصلت جهود دُور النشر المغربية انطلاقًا من أواخر الستينيات، وبداية السبعينيات في رحلة فتح الآفاق أمام الإنتاج الأدبي المغربي بطريقة متواترة، أحيانًا بدعم مؤسسي وأخرى من دونه، واستطاعت أن تبلغ به إلى المعارض العربية والدولية، وتتيح مكانًا ظليلًا له تحت شمس الثقافة الإنسانية.

وأشير على سبيل الاختتام إلى أننا اقتصرنا في هذا الجرد على دُور النشر الثقافية من دون المطابع التجارية التي تتعامل مع من يدفع لها، وليس لها لجنة قراءة أو تقويم، وهذا لا يستثني أن كُتابًا مغاربة كبارًا قد نشروا بها أعمالهم التي نالت ترويجًا لائقًا. وكذلك غضضنا الطرف، لأسباب عملية، عن منشورات الجامعات والوزارات والأحزاب السياسية، وكذلك الجمعيات الثقافية، مثل اتحاد كتاب المغرب بمختلف فروعه؛ لأنها جميعها لم تختص في النشر على وجه التحديد.


النشر‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي وغياب‭ ‬الاعتراف‭ ‬به‭ ‬كصناعة

سامر‭ ‬محمد‭ ‬إسماعيل – ‬كاتب‭ ‬سوري

ليست صناعة النشر في الوطن العربي وحدها التي تفتقر إلى قاعدة بيانات ومعلومات موثقة عنها. هناك أيضًا متاحف ومراكز أبحاث ومؤسسات ثقافية عربية تعاني المشكلةَ نفسها؛ غير أن صناعة النشر هي الأكثر بروزًا من ناحية غياب المعطيات الدقيقة حول أعداد الناشرين العرب، والمؤلفين والمطابع والمصممين، وكل من يعمل في هذه الصناعة. هذا الأمر أجبر العديد من الناشرين على تخفيض عدد الإصدارات السنوية، وبالتالي تخفيض عدد العاملين في النشر، أو الخروج مؤقتًا من الصناعة. كما أُلغِيَ أو أُجِّلَ كثير من معارض الكتب العربية التي كانت تُعد متنفسًا مهمًّا لتوزيع إصدارات الناشرين.

هذا ما يشير إليه محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، في تصديره لكتاب «النشر في الوطن العربي (2015- 2019م). وعلى الرغم من أن الدراسة صادرة في عام 2021م، فإنه لا شيء جوهري قد تغير في صناعة النشر العربي منذ ذلك الحين؛ إذ لا تزال ظاهرتا التزوير والقرصنة تُلحِقان بها أضرارًا جسيمة، فضلًا عن إشكالية الكتاب الورقي والرقمي والصوتي، وإشكالية تسويقه، مع تراجع دور المكتبات العامة والجامعية في المنطقة العربية.

الكتاب صناعة غائبة

يضعنا كتاب «النشر في الوطن العربي»، الذي أعده الباحث خالد عزب، أمام أولى التحديات التي تواجه صناعة الكتاب، وهي عدم الاعتراف بالكتاب كصناعة في ظل قوانين تتعامل معها بوصفها منتجًا ملموسًا؛ فهذا المنتج إما أن يكون (غذاءً، ملابس، أدوات مركبات) وغيرها من المنتجات الملموسة. وعلى الرغم من الكتاب مادة ملموسة -كما تشير الدراسة- فإن ما يسمى بخط إنتاج الكتاب (تحرير- تصحيح لغوي- طباعة- تسويق على شبكة الإنترنت) لا يلقى اعتدادًا. وقد شكل ذلك قصورًا في العقود الماضية عن فهم آليات الإنتاج المعرفي، وعن عدّ صناعة الكتاب صناعة ثقيلة ومركبة. ثقيلة؛ لكونها تتطلب فكرًا وعلمًا، وتحتاج لتجهيزات، ومركبة؛ لتباين الاختصاصات التي تسهم في هذه الصناعة.

عدم اعتراف الدول العربية بالكتاب كصناعة معقدة يؤدي إلى غياب أرقام واضحة لإسهام الكتاب في الدخل القومي العربي. فمثلًا، مصر تستحوذ على 30% إلى 40% من صناعة الكتاب العربي، تتداخل لديها صناعة الكتاب مع غيرها من مهن الطباعة والتغليف وغيرها من أدوات صناعة الكتاب. اللافت أن المسؤولين عن الجمارك في الدول العربية ينظرون إلى الأحبار والورق وغيرها من أدوات الإنتاج كسلع تجارية، وليست أدوات إنتاج لصناعة أساسية. ناهيك عن أن احتكار الدول لصناعة الكتاب لسنوات، أدى إلى ترسيخ فكرة في الذهنية العامة، وهي أن الكتاب منتج مدعوم من الدولة، وبالتالي هو ليس له قيمة مضافة للاقتصاد الوطني؛ مع أن مصر ولبنان وسوريا لديها صادرات من الكتب، فيما هناك دول ما زالت تتجه إلى هذا ببطء.

ترى الدراسة أن الأزمة الحقيقية في مدخلات صناعة الكتاب، تأتي من أن الدول العربية مستوردة لهذه المدخلات كافة، والإنتاج العربي من الورق والأحبار لا يغطي الاحتياجات. أضف إلى ذلك أن ماكينات الطباعة تستورد أيضًا. وإذا استبعدنا الطباعة من هذه المدخلات، نجد أن أبرز إشكاليات هذه الصناعة تبدأ بغياب «مدير النشر» الذي يحدد ويقرر سياسات النشر، ويختار العناوين ويناقش المؤلف، ويدخل تعديلات على الكتاب، ويقدر قدرة القارئ على تلقي الكتاب. هذا المدير غير موجود في معظم دور النشر العربية. إضافة لافتقاد هذه الدُّور لدَوْر المحرِّر اللغويّ أو الأدبيّ.

فالعملية التحريرية تهدف إلى فرض أطر تقنية تشمل جوانب العملية الإبداعية كافة. هذه الأسباب الرئيسية تكشف عن ضرورة إعادة هيكلة النشر لدى دور النشر العربية. يقول مؤلف الكتاب: إن الشكل المؤسسي يغيب عن 60 % من دور النشر، ويرجع خالد عزب هذا الواقع إلى ندرة الدورات التدريبية المتخصصة في صناعة النشر، وبالتالي عدم وجود دراسات أكاديمية واضحة تشرح وتوضح طبيعة هذه الصناعة.

ويذكر عزب أن اختيار موضوع كتاب هو فن في حد ذاته، لكن تبقى الإشكالية أن 40% فقط من دور النشر العربية تملك رؤية واضحة لبرامجها، والباقي يعتمد على ما يذهب به المؤلفون لهذه الدور. إن اتجاهات النشر هي إستراتيجية تساعد الناشر والمؤلف والقارئ الذي يتوجه لدار نشر بعينها لطلب ما تشتهر به من تخصصات، وهذا ما يقودنا إلى عقبة التسويق والتوزيع، وهو ما يوضح لنا غياب دراسات جدوى لصناعة النشر.

أحد أبرز عوائق النشر في الوطن العربي -كما يذكرها الكتاب- هي تكلفة إنتاج الكتاب في مراحله المختلفة، وهذا ما يؤثر إيجابًا في حالة كل من لبنان ومصر وسوريا على سبيل المثال. فالترجمة والتصحيح والتحرير والتدقيق أقل كلفة فيها من دول الخليج والمغرب العربي، وهو ما يساعد في انخفاض كلفة الكتاب نسبيًّا في هذه الدول. ثم إن هناك مشاكل فنية تتعلق بإخراج الكتاب وتصميم الأغلفة وتصميم الكتاب من الداخل، فعين القارئ تنجذب إلى الغلاف الجيد. وعملية تصميم الأغلفة ما زالت في حاجة إلى تدريب، فهناك 20 % من دور النشر العربية تختار ألوانًا غير مقبولة، بينما 25 % من دور النشر تجعل غلاف الكتاب مزدحمًا.

رعاية بلا إستراتيجية

كل هذا يطرح أسئلة حول مدى عناية الدول العربية بصناعة النشر؛ صناعة يمكن أن تساهم بنسبة معقولة في الدخل الوطني على غرار بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، التي أولت لصناعة النشر اهتمامات كبيرة. فقد أسست فرنسا المجلس الوطني للكتاب، وكذلك كندا أسست برنامج دعم النشر. ويبرز هنا سؤال عن دعم الشركات والبنوك لصناعة النشر العربية؛ إذ لا يزال هذا الأمر محدودًا، وذلك لأن الوعي بأهمية الثقافة ودورها الاقتصادي لا يزال محدودًا، لكن هناك تجارب تؤخذ في الحسبان على نحو ما قام به البنك الأهلي الأردني، من دعم نشر الأعمال الكاملة لأدباء الأردن، وفي مصر دعم بنك الإسكان والتعمير إصدار العديد من الكتب باللغتين العربية والإنجليزية، ولا سيما في مجال التخطيط العمراني. لكن يظل هذا التشابك محدودًا، وفي حاجة إلى بناء سياسات موازية من الناشرين؛ لكون إعداد ملفات الدعم من الناشرين لا يزال يحتاج إلى تدريب كوادر للقيام بهذا الدور.

بات من المهم صياغة تعريف محدد لصناعة النشر العربية، مع إطار مرجعي وملحق بالتشريعات القانونية الخادمة لهذه الصناعة، وعدم حصر هذا القطاع في وزارات الثقافة العربية؛ إذ تتداخل معها وزارات الصناعة والتجارة والاستثمار والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتعليم والرياضة، وكذلك من المنح بأشكالها المختلفة، فضلًا عن أن هذا يقتضي بلورة صناعة النشر لتتواكب مع المتغيرات المتسارعة عبر إقامة مركز إقليمي للتدريب.

وتلاحظ الدراسة أن عددًا من الدول العربية شهدت نموًّا ملحوظًا في عدد دور النشر، وبالتبعية في عدد الكتب الصادرة، ولا سيما في دول كانت صناعة النشر فيها محدودة، مثل: موريتانيا التي وصل عدد الناشرين فيها إلى 47 ناشرًا، والصومال 49 ناشرًا، والبحرين 128 ناشرًا، والأردن 140 ناشرًا، وتونس 150 ناشرًا. غير أن الدراسة تلفت الانتباه إلى غياب انعكاس حقيقي للنمو السكاني في الوطن العربي على عدد دور النشر وعدد الكتب المنشورة، كما تشير إلى أن الارتفاع الكبير في نسبة المتعلمين لم يقابله نمو موازٍ في حركة النشر؛ إذ تضاعف عدد المتعلمين منذ السبعينيات بما يقارب 500% مقارنة بتلك المدة، من دون أن تشهد حركة النشر الزيادة نفسها، وهو ما يكشف خللًا بنيويًّا في هذا القطاع. وتضيف الدراسة أن نمو حجم الاقتصادات العربية منذ السبعينيات إلى اليوم لم يُترجَم بدوره إلى توسّع متناسب في مجال النشر، وهو ما يُعزى إلى عدم عدّ النشر صناعةً مساهمة في الدخل القومي، فضلًا عن وجود اختلالات في منظومة التعليم العربية فيما يتصل بتشجيع القراءة، وغياب العمل بمفهوم «الحق الثقافي» في الوطن العربي، أي الحق في تلقي المعرفة.

وإذ كان المحتوى يمثل القلب النابض للكتاب، فإن إجراء أي مسح للمحتوى العربي، يكشف عن قصور وصعود في موضوعات محددة؛ إذ لا يوجد صياغة واضحة لطبيعة المحتوى المقدم وماهيته إلا عبر مؤسسات رسمية محددة بإطار عملها وتمويلها. ويلاحظ هنا غلبة الطابع الأدبي الإبداعي على مضمون النشر عند بعض دور النشر أو غلبة النشر الديني عند بعضها الآخر، ولهذا فإن التجديد في حركة النشر العربية لم يحدث فيها اختراق محدد وواضح إلا في حالات محدودة، على نحو ما حدث في مشروع عواصم الثقافة العربية الذي أطلقته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو).

تراجع صناعة كتب الأطفال

لكن يبقى المحور الأهم في صناعة المحتوى هو الطفل، فطفل لا يقرأ كتبًا كُتبت له لن يقرأ كتبًا في المستقبل. وتشير الدراسة إلى تراجع صناعة كتب الأطفال عربيًّا بنسبة 35 % خلال السنوات الأخيرة، وبصورة متصاعدة، وهو ما أصبح يهدد صناعة كتب الطفل التي تعد ركيزة العديد من دور النشر العربية، ولا سيما في لبنان والأردن ومصر وسوريا. ويعود هذا التراجع إلى تفضيل الأطفال لألعاب الفيديو على شبكة الإنترنت والبرامج ثلاثية الأبعاد وأفلام الكارتون، فضلًا عن البرامج التفاعلية الجاذبة، وهي مجالات لا ترهق الأسرة ماديًّا، في الوقت الذي ترتفع فيه كلفة كتاب الطفل، وذلك لحاجته للإخراج الجيد، والألوان الجاذبة، والرسومات المناسبة لكل فئة عمرية.

ويشهد الاتجاه العام للنشر منذ عام 2006م نموًّا متزايدًا نحو إصدار الرواية العربية، التي تبدو اليوم الحافز الأقوى لاستمرارية حركة النشر في بلاد عربية شتى. فالأجيال الجديدة التي اعتادت على الدردشة على شبكة الإنترنت، تعدّ الرواية عالمًا آخر من الحكايات يجذبهم، كما انتقل بعض المتفاعلين على شبكة الإنترنت إلى الكتاب الورقي، وهو ما دفع أجيالًا جديدةً إلى فضاء الكتب المطبوعة. وهذا ما حدث في مطبوعات «بلاتينيوم» في معرض الكتاب الدولي في الكويت، ومعرض الشارقة، ومعرض الرياض. وهذا الاتجاه نراه في مصر أيضًا في عدد من دور النشر التي اتجهت لهذا المنحى. ولكن يبقى السؤال الأصعب: هل لهذا النمط من مستقبل؟ يبدو أن هذا النوع من الأدب هو أدب وقتي يختفي كتابه مع الزمن، وهذا ما يذكرنا بظواهر أدبية صاحبت صعود نجيب محفوظ وأدبه، حيث اختفت هذه الظواهر وبقي أدب صاحب «أفراح القبة».

ومنذ أن نشأت الأندية الأدبية في المملكة العربية السعودية- وهي حاضنة الأدب والثقافة في المملكة- نضجت حركة هذه الأندية بعد عودة المبتعثين من الخارج، واحتراف بعض مهنة النقد الأدبي، وظهرت بالتوازي تيارات أدبية حديثة. فعلى صعيد النشر في المملكة، نجد أن هذه الأندية تولت نشر عدد من الإبداعات الأدبية وكتب النقد وغيرها. الأمر ذاته في البحرين التي شهدت عام 1969م تأسيس أهم نادٍ ثقافي هو «أسرة الأدباء والكتاب» الذي ضم قلة من صفوة أدباء البلاد، ومنهم قاسم حداد وعلي خليفة ومحمد جابر الأنصاري، وهو ما يعكس أهمية دور المجتمع المدني الذي يمكن الربط بين نموه ونمو حركة النشر والمعرفة بالتوازي.

وكل المؤشرات في دور النشر العربي تشير إلى تراجع القصة القصيرة والمسرحيات نشرًا أمام الرواية وأدب السيرة الذاتية. فيما نرى بدايات لازدهار كتالوجات الفنون، وذلك توازيًا مع إقامة معارض الفن التشكيلي التي لها مكانة مميزة في مصر والمغرب ولبنان. لكن في السنوات الأخيرة نجد تناميًا لنشر هذه الكتالوجات في المملكة العربية السعودية، ومن أمثالها «نايلا غاليري» و«غاليري الفن النقي» ودار صفية بن زقر، ومؤسسة «مسك الفنون». كما أن الإمارات العربية المتحدة قاطرة لهذا المجال، خصوصًا في دبي والشارقة وأبوظبي التي تنتج كتالوجات فنية باللغتين العربية والإنجليزية.

الكتاب الرقمي والورقي والتأليف الجماعي

ويحدد اتجاه العديد من الجامعات إلى اعتماد الكتاب الرقمي، وهو ما أودى بالكتاب الجامعي الورقي إلى المقبرة. أما فيما يتعلق بإصدارات العلوم الإنسانية عربيًّا، فيتجه إلى إصدار كتب يشارك فيها أكثر من كاتب، وهي تجربة بدأت في العديد من دُور النشر الدولية، حيث يكلف محرر ذو خبرة في تحرير الكتاب، ويستكتب العديد من الكتّاب، كل في موضوع متخصص فيه.

ومن أمثلة هذا النموذج ما أصدره مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت مترجمًا، مثل كتاب «المدينة في العالم الإسلامي» الذي صدر في مجلدين، وكتاب «الحضارة العربية في الأندلس»، كما ترجم المركز القومي للترجمة في القاهرة موسوعة الأدب العربي التي أصدرتها جامعة كامبريدج في ستة مجلدات، وشارك فيها كثير من الباحثين.

وتحضر الكويت على مستوى المحتوى بوصفها صاحبة أفضل مشاريع نشر المعرفة عربيًّا إلى الآن، فمشروعها الذي بدأ في الستينيات وما زال مستمرًّا، يُعَدُّ من حيث المضمون ممتازًا، وتقف «سلسلة عالم المعرفة» الآن كأفضل سلسلة عربية منتظمة الصدور، كما أن السلسلة من حيث الحفاظ على حقوق المؤلف واضحة وتؤديه بصورة جيدة، ومن حيث الانتشار ممتازة، فهي تطبع من كل عنوان 40 ألف نسخة. في المقابل نستطيع القول: إن دُور النشر الجامعية قد تكون هي أداة لدفع حركة النشر في أي بلد عربي، وذلك على غرار دار نشر جامعة الخرطوم التي تأسست عام 1967م، وآنذاك استكملت سريعًا مقوماتها من محررين وقراء ومدققين لغويين ومصممين، وألحق بها مطبعة بدعم من اليونسكو، وتوسعت الدار، فأسهمت في توفير الكتاب الجامعي، واستحدثت منافذَ لتوزيعه في مجتمعات الجامعة المختلفة، وأنتجت الكتاب الثقافي، وأنتجت الدار حتى عام 2017م أكثر من 600 عنوان لأبرز رموز التيارات الفكرية والإبداعية في السودان.

أما ما يتصل بأبرز معضلات النشر في المنطقة العربية فتبزغ إشكالية النشر باللغات الأجنبية، وما زالت الجامعة الأميركية في القاهرة أفضل من يقدم نشر بلغة أجنبية في الوطن العربي. وتتناثر هنا وهناك جهود نشر، لكن يمكن ملاحظة ظلال الحقبة الاستعمارية باقية في نوعية النشر بلغة أجنبية في كل بلد عربي. فنرى الغلبة للنشر باللغة الإنجليزية في الخليج العربي، في حين نشاهد الغلبة للغة الفرنسية في منطقة المغرب العربي، وإن كنا نرى خليطًا من هذا وذاك في مصر، إلا أن النشر باللغة العربية يصل إلى ما نسبته 75 % من كل ما يصدر عربيًّا، بينما النشر باللغة الإنجليزية يمثل 13 %، والفرنسية 8 %، بينما 4% من حجم النشر يتم بلغات أخرى مثل: الإسبانية والإيطالية والروسية والألمانية.

ويبدو أن إحجام دور النشر العربية الخاصة عن الاهتمام بالنشر باللغات الأجنبية يحرمها فُرصًا لتصدير هذا الكتاب للعديد من مراكز الدراسات والجامعات المعنية بدراسات الشرق الأوسط، في حين مثلت هذه الدراسات ما نسبته 6% من حجم ما يصدر في فرنسا، و8% من حجم ما يصدر في بريطانيا، وهذا يعني أن لدينا سوقًا واعدة عربيًّا إنْ أُنتِجَ ونُشِرَ بهذه اللغات.

واقع الترجمة العربي

تُعَدُّ أرقام الكتب المترجمة في الوطن العربي أرقامًا نسبية، حتى تلك التي تقدمها لنا منظمة اليونسكو، ففي مصر يرصد فهرس ترجمة هذه المنظمة الدولية ترجمة 5399 كتابًا مترجمًا (1979-2019م)، بينما المركز القومي للترجمة في مصر نشر تلك السنوات بمفرده 3700 عنوان؛ إذا أضفنا إليها مشروع الألف كتاب الثاني، وما يصدره العديد من المؤسسات في مصر مثل: مكتبة الإسكندرية والهيئة المصرية العامة للاستعلامات والأهرام ومشروعات الترجمة الممولة من فرنسا في مصر، وما نشرته دُور النشر الخاصة، سنكتشف أن هذا الرقم فيه نقص، ويحتاج إلى تحليلات ومقارنات في الواقع.

كذلك الحال بالنسبة للكويت الذي يرصد مؤشر الترجمة في اليونسكو ترجمة 451 عنوانًا بها (1979-2019م). بينما لدينا سلسلة «إبداعات عالمية» التي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون، صدر عنها في المدة ذاتها فقط ما يقارب 400 عنوان. بينما بلغ ما نُشِرَ في بيروت مترجَمًا (2000-2009م) ما يقارب 3000 كتاب مترجم. وقد شهدت هذه الأرقام تصاعدًا لكن ليس بوتيرة كبيرة. وعلى الرغم من ذلك فإن واقع الترجمة في الوطن العربي دون المستوى المرجو، ودون المقارنة مع بعض الدول وليست المناطق ذات اللغة الواحدة كالمنطقة العربية. وعلى عكس ما يعتقد أن الدول هي التي تضطلع بالعبء الأكبر في المنطقة العربية في مجال الترجمة، فإن التحليلات تكشف أن دور النشر الخاصة تنشر 74 % من حجم الكتب المترجمة إلى العربية.

وتتركز الترجمة في المنطقة العربية بصورة أساسية في كل من القاهرة، دمشق، بيروت، الرياض، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، المغرب، الجزائر على التوالي، بينما تكون الكتب المترجمة في بقية المدن العربية محدودة، ففي دولة مثل المملكة العربية السعودية نجد أنه ترجم فيها 2167 كتابًا في المدة (1979-2019م)، مع وجود 40 جهة تعمل في الترجمة في كل أرجاء المملكة. وبدأت المملكة عددًا من البرامج الطموحة لنشر الأدب السعودي، فترجم مركز البحوث والتواصل المعرفي روايتين سعوديتين للأوزبكية، بالاشتراك مع «دار أوقيتوجي» الأوزبكية، هما: «ثمن الضحية» لحامد الدمنهوري، و«سقيفة الصفا» لحمزة بوقري. والتحول الكبير ستشهده السعودية مع إنشاء هيئة الأدب والنشر والترجمة.

ولا يزال النشر في الوطن العربي بلغات أجنبية يراوح في مكانه، لكنه يأخذ مساحات متزايدة عامًا بعد عام؛ بسبب التعليم بلغات أجنبية في المدارس والجامعات العربية، حتى بدأنا نشاهد اللغة الإنجليزية تأخذ حيزًا في دول ظلت الفرنسية فيها سيدة الموقف، مثل الجزائر والمغرب. وتظل دار النشر التابعة للجامعة الأميركية في القاهرة على رأس دُور النشر العربية المعنية بالنشر بلغة غير العربية، ومعها بعض المراكز والمعاهد الأجنبية كالمعهد الفرنسي للآثار في القاهرة ودمشق. كما أن العديد من المؤسسات تنشر بلغات أجنبية كمكتبة الإسكندرية ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض، ومؤسسة متاحف قطر.

وتشير الدراسة إلى أن ثقافة الكتاب المسموع ما زالت محدودة عربيًّا، لكنها تلقى استجابة كبيرة، وهذا يعني أن حقلًا له جمهور آخذ في التنامي، وبخاصة مع مراعاة شريحة فاقدي البصر. فقد سعى مجموعة من الشباب العرب لإطلاق «الكتاب الصوتي للمكفوفين» وبلغ عدد المتفاعلين على «فيس بوك» 14366 متفاعلًا. وعلى الرغم من جهودهم الفردية القائمة على التطوع، فإن تعاملهم مع المكفوفين والمبصرين كشف عن توجهات مستمعي الكتاب المسموع. وهي نقطة حاسمة في مستقبل هذا النوع من الكتب؛ إذ بينت الدراسات أن توجه المستمعين العرب إلى أدب الخيال العلمي والرعب يحل في قائمة اهتمام هؤلاء، ثم تأتي الرواية بعد ذلك، ويظل الشعر سابقًا على كل هذه الأنواع عربيًّا من حيث جماهيرية الكتاب المسموع.

خلل التزويد المكتبي

أما المكتبات، فترصد الدراسة أن العلاقة بين المكتبات وحراك النشر في العديد من الدول العربية، تُزوِّد مباشرة هذه المكتبات عبر موازنات محددة، وطوال أيام العام من جديد النشر. لكن هذه السياسة فيها خلل كبير في المنطقة العربية؛ إذ لا يتبعها إلا عدد محدود من المؤسسات مثل مركز الإمارات للدراسات السياسية والإستراتيجية (أبوظبي)، والجامعة الأميركية في القاهرة، ومكتبة الملك فهد في الرياض، ومكتبة جامعة الكويت. هذا على سبيل التمثيل لا الحصر، في حين أن معظم المؤسسات العربية تنتظر معارض الكتب للتزويد، وأحيانًا لا تنفق على التزويد من النشر العربي إلا القليل، أو تُحجَب هذه الموازنات من دون أسباب محددة. على الجانب الآخر فإن مكتبات المدارس في معظم الدول العربية لا تتفاعل مع المناهج الدراسية، فضلًا عن أن تزويدها بالجديد من الكتب لا يتم وفقًا لقواعد وبيانات محددة، بل وصل الأمر في بعض الدول إلى إيقاف تزويد المكتبات نهائيًّا منذ عشر سنوات في بعض الدول، ومنذ خمس سنوات في دول أخرى.

وكان إطلاق الفهرس العربي الموحد حدثًا أسس لمرحلة جديدة في التعاون بين المكتبات العربية، وهو مشروع غير ربحي يهدف إلى تطوير البنية التحتية للمكتبات العربية؛ لتمكينها من التبادل الفعال للموارد المعلوماتية، وبخاصةٍ سجلات الفهرسة. إضافة لنشر المعرفة في المجتمعات العربية، وذلك عبر الحصر الآلي للإنتاج العربي المنشور الذي يحتوي وصفًا ببليوغرافيًّا كاملًا لمجموعات الكتب العربية المتاحة لدى المكتبات العربية على شكل قاعدة معلومات قياسية. هذا بدوره ينعكس على توفير في موازنات المكتبات العربية؛ إذ يتيح لها تبادل الفهرسة والتصنيف للكتب. فقد وفر 55 مليون ريال للمكتبات السعودية نتيجة لتكرار الفهرسة للكتاب الواحد، ورفع كفاءة أداء المكتبات، وزيادة الطلب على المنتج المعرفي العربي، حيث أطلق الفهرس مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض، ويضم حاليًّا 5000 مكتبة عربية، و2350000 تسجيل لجميع أشكال وأنواع أوعية المعلومات من كتب ودوريات.

وكان إطلاق تطبيق «أبجد» في عام 2012م في الأردن كمنصة للقراءة وتقديم الكتب أمرًا مثيرًا؛ إذ ازداد المتفاعلون معه من القراء العرب، حتى وصل عددهم إلى مليون متفاعل. ويضم التطبيق حاليًّا أكثر من 30 ألف كتاب عربي، وما يميزه أن القراء يرشحون الكتب ويقدمون مراجعات عنها، ويحتوي معلومات عن بعض المؤلفين. ورغم ذلك يظل النشر الرقمي العربي معضلة كبرى؛ إذ ليس لدينا إيداع وطني للكتاب الرقمي حتى الآن، وهو ما يهدد كثيرًا من حقوق الناشر وقبله المؤلف. لكن تأتي الأزمة الحقيقية من محدودية قدرات حراك النشر في استيعاب الإنتاج المعرفي العربي، وبالتالي يلجأ العديد من المؤلفين -وبخاصة الباحثين الشباب- إلى نشر أعمالهم بصورة رقمية على شبكة الإنترنت. وهذه الظاهرة آخذة في التزايد عامًا بعد عام، ودخلت فيها مجموعات الواتساب، مثل مجموعة المؤرخين العرب. إن متطلبات الاستيعاب كشفت عن قصور في حراك النشر، أو عدم قدرة دُور النشر في دول مثل: العراق، وموريتانيا، والسودان، واليمن… على استيعاب الإنتاج الفكري المتدفق في هذا البلد أو ذاك، وبصورة نسبية أقل بكثير في دول مثل: سوريا، ومصر، والسعودية، والجزائر، وليبيا، وتونس.


النشر‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬العربي

واقع‭ ‬يعكس‭ ‬خللًا‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الحق‭ ‬الثقافي‭ ‬وتلقي‭ ‬المعرفة

الفيصل

يشهد نشر الكتاب الورقي في العالم العربي تحديات كبيرة، على الرغم من تطور التقنيات من الحروف النحاسية التي كانت تصف في قالب يضم كلمات الصفحة الواحدة، إلى وجود لوح الزنك الحساس الذي تنطبع عليه صفحات الملزمة كلها، وصولًا إلى ماكينات الطباعة الرقمية التي تنتج أي رقم من النسخ يحتاجه الناشر. هذا التطور جعل الناشرين لا يفكرون في امتلاك مطابع كبيرة تنتج آلاف النسخ، ولا مخازن عملاقة توضع بها الكتب؛ إذ يطبع للناشر ما يحتاجه للمشاركة في معارض الكتب، أو ما يوضع على أرفف المكتبة للبيع.

هكذا أصبح عالم النشر بسيطًا وسلسًا، لكنه لم ينجُ من الصعاب والمعوقات التي تهدد وجوده. بداية من العشوائية، وعدم الاحترافية، واقتصار عدد كبير من دور النشر على فريق عمل صغير، توفيرًا للنفقات، وهو ما يجعل من عملية إنتاج الكتاب تواجه قصورًا في بعض النواحي، إضافة إلى غياب العمل المؤسسي في غالبية دُور النشر، وعدم وجود شبكة توزيع واسعة، إضافة إلى محدودية الدور الذي يلعبه اتحاد الناشرين العرب. ومن ناحية، بات الكتاب الإلكتروني منافسًا كبيرًا للكتاب الورقي، وبخاصة في ظل ارتفاع أسعار الورق والأحبار وتكاليف الطباعة والشحن، وفي ظل استحواذ السوشال ميديا ومواقع التواصل الاجتماعي على اهتمامات القراء والمتابعين، وهو ما جعل الاهتمام بالكتاب الورقي يتضاءل، وعدد المطبوع منه لا يزيد على أربعين أو خمسين نسخة في كثير من الأحيان.

وراح بعض الناشرين يعوض تكاليف الطباعة والنشر عن طريق مساهمات من الكتاب أنفسهم، وليس بحثًا عن أسواق جديدة للتوزيع، وزيادة المطبوع من الكتاب، مكتفين بوجود مكتبة تخص كل دار في مقرها، توضع على رفوفها ما تنتجه من كتب، وبخاصة أن مكتبات بيع الكتب تحصل على 40 بالمئة من سعر الغلاف، وهو ما رفع أسعار الكتب، وحصر دائرة الإقبال على شرائها في فئة قليلة، وهي في أغلبها فئة غير منتجة للثقافة، وكثير منها يقتني الكتب كنوع من الوجاهة، وليس لرغبة حقيقية في الحصول على المعرفة والثقافة، كما نشأت ظاهرة «البيست سيلر» التي تعتمد على أنواع من الروايات والكتب خفيفة المحتوى.

كل هذه الإشكاليات خلقت فوضى في سوق النشر، كأن يُكلَّف مترجم بترجمة كتاب بعينه ثم لا يجد مقابلًا ولا اهتمامًا بالكتاب، أو أن يدفع الكاتب لنشر عمله ثم يدعو أصدقاءه لشراء كتابه في حفلة التوقيع، أو أن يصبح نشر الكتاب مرتبطًا بدورة معارض الكتب، وهو ما جعل بعضًا يدعو إلى تكاتف جهود وزرات الثقافة العربية لإنشاء شركة توزيع للكتب على مستوى العالم العربي، حيث إن ما يطبع في بلد ما يصل إلى مختلف البلدان الأخرى، وهو ما يرفع من نسب التوزيع ويكسر انحسار الكتاب في دوائر محلية صغيرة مغلقة. من ناحية، يبرز مأزق كبير ومهم في الآونة الأخيرة، ويكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على تأليف وترجمة الكتب، ووضعها في واجهات المكتبات بوصفها أعمال مؤلفين ومترجمين حقيقيين. وهو ما يهدد فعليًّا بزوال مهن النشر والتأليف والترجمة، وتصميم الأغلفة والإخراج الداخلي للكتاب، إضافة إلى المصححين والمراجعين وعمال المطابع وغيرهم. فهل باتت مهنة النشر جزءًا من الماضي؟ وهل ينهي الذكاءُ الاصطناعي مسارَ الكتاب الورقيّ الذي استمر أكثر من مئتي عام في العالم العربي؟ وهل يستسلم الناشرون إلى هذا التغير؟ ولماذا لم يصل النشر في عالمنا العربي إلى مرحلة الاحتراف حتى الآن؟ وكيف يمكن للعرب أن يعيشوا من دون ناشرين ولا كُتاب أو مترجمين؟


صناعة النشر العربي بين الحلم والواقع

جبر أبو فارس – رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين

لا شكّ أن النشر العربي، على الرغم من عراقة التجربة وثراء المضمون، ما زال يواجه تحديات جمة تمنعه من بلوغ مستوى النشر الأورُبي في التنظيم وجودة الصنعة والالتزام المهني. وإذا أردنا قراءة هذه الفجوة، فإننا نجدها متجذرة في عوامل بنيوية وثقافية وتشريعية متشابكة. فصناعة النشر تقوم على منظومة متكاملة تبدأ من المؤلف وتنتهي عند القارئ. وفي أورُبا ترسخت تقاليد مهنية صارمة منذ عقود، تشمل حقوق الملكية الفكرية، ووجود محررين محترفين، والالتزام بالعقود والمواعيد، وتطوير أساليب الطباعة والإخراج الفني، إضافة إلى التسويق الفعّال.

أما في الوطن العربي فهناك قصور في التشريعات وتطبيق قوانين الملكية الفكرية، فلا توجد عقوبات رادعة، وإن وجدت فلا تطبق على المقرصنين. إضافة إلى محدودية الاستثمار في صناعة النشر والتكنولوجيا والبنية التحتية، وغياب التقاليد المهنية المستقرة في التحرير والتوزيع، وضعف الإقبال على القراءة وانكماش السوق المحلي. وتهميش دور المكتبات المدرسية والجامعية، فضلًا عن التعقيدات الرقابية والبيروقراطية التي تعطل حركة الكتاب.

رؤية مستقبلية

ويمكن القول: إن الطموح يتجاوز حدود الواقع ليحمل رؤية مستقبلية تستحق العمل عليها. في مقدمتها بناء منظومة نشر عربية مشتركة ومتكاملة تلتزم أعلى المعايير العالمية، واستعادة المكانة الثقافية للكتاب الورقي بوصفه منتجًا معرفيًّا وجماليًّا، وتعزيز الترجمة المتبادلة، بحيث لا يظل العالم العربي مستهلكًا للمنتج الغربي، بل مصدرًا للمعرفة أيضًا. ومن أجل توسيع آفاق الوصول إلى القارئ العربي والعالمي، نقترح عمل منصة عربية تجمع بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني، إضافة إلى خلق جيل جديد من الناشرين أكثر مهنية وانفتاحًا على التجارب العالمية.

الحلقة الأضعف

لكن يبقى التوزيع هو أضعف حلقة في صناعة الكتاب العربي، وهو ما يفسر غياب شركة عربية كبرى قادرة على حل أزمة الانتشار. ويمكن أن نلخص أسباب ذلك في تفرق الأسواق بفعل القوانين الجمركية والرقابية المختلفة بين الدول العربية، وغياب التنسيق العربي المشترك لإنشاء كيان إقليمي متخصص في توزيع الكتب، والقرصنة التي تقوّض أي جهد لتوزيع رسمي منظم وهو ما يؤثر في توزيع الكتب الأصلية، وغياب الرؤية الإستراتيجية في الدول العربية التي تعدّ الكتاب مشروعًا قوميًّا يستحق الدعم مثل أي صناعة أخرى. فآخر قطاع ينظر له من قبل الدولة هو القطاع الثقافي. فضلًا عن فرض الجمارك والضرائب في الكثير من الدول العربية، وهو ما يعوق ازدهار هذه الصناعة التي يجب أن تكون معفاة من أي ضرائب أو جمارك أو رسوم لتقليل كلفة الإنتاج؛ لكي يكون سعر الكتاب في متناول الجميع.


الناشر المستقلّ بين الحرية والتحديات

سمر حداد – ناشرة سورية ومنسقة الشبكة اللغوية العربية في الرابطة الدولية للنشر المستقل

الاستقلال يمنح الناشر الحرية في تحديد ما ينشره دون أي تدخل من جهات ممولة أو راعية. وفقًا لتعريف الرابطة الدولية للنشر المستقلّ في باريس، فالناشر المستقل يضع سياساته التحريرية بحرية واستقلالية، من دون أن يكون أداة دعاية لحزب سياسي، أو دين، أو مؤسسة، أو مجموعة إعلامية أو شركة.

تؤثر بنية رأس المال وهوية المساهمين أيضًا في الاستقلالية؛ إذ غالبًا ما يؤدي استحواذ الشركات الكبرى غير المتخصصة على دور النشر إلى فقدان الاستقلالية وتغيير التوجهات التحريرية. الناشر المستقل، أو «الناشر المؤسّس» كما تسميه الرابطة، يسهم من خلال خياراته المبتكرة، وحريته في التعبير، في إثراء النقاشات العامة، وتطوير التفكير النقدي لدى القراء، ويعد فاعلًا أساسيًّا في تعزيز التنوع الببليوغرافي.

منظمات تؤمن بالاستقلال

الدعم الذي يتلقاه الناشر المستقل، وإن كان محدودًا، يأتي من منظمات تؤمن بالاستقلالية المهنية، وتشجع المخاطرة المالية لتقديم محتوى مهم للقارئ، وهو ما يثير النقاش ويحفز التفكير النقدي حول مبادئ الخير والحق والجمال. ويشهد عالم النشر مؤخرًا تنظيم معارض ومؤتمرات للناشرين المستقلين خارج الإطار التقليدي في العالم العربي. كما تعمل الشبكات على جمع ناشرين يشتغلون ضمن مجالات مشابهة (كتب أطفال، دراسات، روايات) لتبادل الخبرات وتحسين جودة الكتالوجات.

تنظم الرابطة الدولية للنشر المستقل أيضًا لقاءات دولية وورش عمل متخصصة، مثل النشر الموجَّه للأطفال أو النشر الرقمي؛ لتوفير فضاءات لتبادل الأفكار وإطلاق مبادرات تعاون مشتركة. ويولي التحالف أهمية خاصة لبناء القدرات عبر تبادل الخبرات بين الأقران، بما في ذلك المختبر الرقمي للنشر الرقمي، وتضم الرابطة أكثر من 980 دار نشر مستقلة في 60 بلدًا، وقد تأسست عام 2002م، وتعمل ضمن ست شبكات لغوية هي: العربية، الإنجليزية، الفرنسية، البرتغالية، الإسبانية والفارسية، إضافةً إلى مجموعات عمل متخصصة.

خطة التوزيع

لكل ناشر ضمن الشبكة العربية خطته المستقلة للتوزيع في العالم العربي، رغم أن مناقشة صيغة توزيع مشتركة لجميع الأعضاء طرحت مرات عدة في اجتماعات الرابطة. إلا أن الانشغال بالمهام اليومية يدفع الناشرين للتفكير على نحو منفرد غالبًا. مع ذلك، تنفذ الشبكة مشاريع نشر مشتركة لضمان توزيع الكتب في بلدان مختلفة. من الأمثلة الحديثة، كتاب «رؤية فنية معاصرة للخط العربي»، للخطاط السوري منير الشعراني، الصادر عن خمسة من ناشري الشبكة اللغوية العربية.

يسعى الناشر المستقل لبناء علاقة شفافة وطويلة الأمد مع الكاتب، من خلال نشر أعماله وتوزيعها واحترام حقوقه. ومع ذلك، في بعض الحالات، يخسر الناشر المستقل بعض الكتّاب لصالح دور نشر أكبر وأكثر قدرة مالية.

رسالة الرابطة

في إطار تعزيز هذه العلاقة، أطلق ناشرو الرابطة رسالة مفتوحة للمؤلفين والمثقفين الملتزمين بعالم أكثر إنصافًا تحت عنوان: «ماذا نقول وأين نقول» التي جاء فيها: «نشأت حركة النشر المستقلة، الغنية بتنوعها والمقيدة بضوابطها بما هي حركة معارضة لعمليات تركيز إنتاج الكتب والثقافة وتسليعها؛ لهذا فهي تجسد بوضوح قطب عالم الكتب الثقافي، إن الناشرين المستقلين يتعاملون مع الكتاب بما هو سلعة ثقافية واجتماعية في المقام الأول، بالضد من ممارسات الشركات متعددة الجنسيات، وعمالقة الإنترنت، التي تسعى إلى إبراز البعد التجاري للكتاب، ودفعه بحسب منطق رأس المال الضخم نحو أكثر الحدود تطرفًا. والآن، بعد أن دخلنا القرن الحادي والعشرين، بات من الصعب فصل الغاية عن الوسيلة: ماذا نقول، وأين تقول ذلك؟ إننا نجد في هذا السياق أعمال العديد من المؤلفين، الذين يسعون إلى تعزيز الحوار والإبداع والتفكير النقدي والعدالة والمساواة، قد تم نشرها من قبل مجموعات عملاقة تمتلك دور نشر عديدة، وهو واقع يفرض تساؤلات، منها: ألا تتلاشى نحو العدم طاقة هذه الأعمال على التغيير حين تجعل من نفسها جزءًا من آليات صناعة الترفيه؟ الواقع يؤكد أن الشركات العابرة للأوطان، أيًّا كان مجال عملها، ما هي إلا تمثيل لهذا النظام الذي يسيطر علينا، وبالتالي: ألا نقوم -بطريقة أو بأخرى- بوضع عالم الأفكار التغييرية في أيدي أولئك الذين يرسخون أسس النموذج الذي ننتقده حينما نتحول باختيارنا إلى اعتمادهم كناشرين؟ ثم ألا يساعد ذلك قبضة رأس المال الكبير للتحكم بالكلمة وبحياتنا اليومية؟ وعلاوة على ذلك، كيف يمكننا تجاهل السؤال عن طبيعة استثمارات مجموعات الأعمال العملاقة المالكة لدور النشر حين نرى تلك الاستثمارات ضمن قطاعات صناعية تجارية مختلفة؛ هل هي استثمارات محايدة؟».


النشر الورقي يواجه تحديات رقابية واقتصادية

محمد البعلي – كاتب مصري ومدير دار صفصافة

تتوزع التحديات التي تواجه قطاع النشر في المنطقة العربية بين نوعين أساسين، هما: «التحديات الرقابية» و«التحديات الاقتصادية». وأظن أن الرقابية أعقد، وأثرها أعمق، وربما تؤثر بصورة أكبر في الناشرين والكتاب في كل الدول العربية، ما عدا استثناءات نادرة. وأثر الرقابة متعدد؛ فهي لا تعرقل فقط إصدار العديد من الكتب أو تعوق نشرها أو انتشارها، بل هي في الأساس تشكل -مع الحواجز الجمركية- أزمة حقيقة تمنع تشكل سوق عربي موحد للكتاب يضم 500 مليون فرد، ويفتح آفاقًا اقتصادية هائلة أمام هذه الصناعة. فدخول الكتاب من بلد عربي لبلد آخر تعطله أحيانًا الرقابة على المطبوعات في بلد الإصدار، ثم تعود وتعرقله الرقابة في بلد الوصول -التي قد تصادره- مترافقة مع الجمارك وصعوبات الشحن وارتفاع تكاليفه؛ بسبب الامتداد الواسع للمنطقة العربية. وفي الحقيقة تقوم العديد من الدول العربية بتخفيف قيود الرقابة على الكتاب في السنوات الأخيرة وتقلل من التابوهات المحرم تناولها في الكتب، ولكن في المقابل تظهر تابوهات جديدة، وتزيد سطوة الرقابة الذاتية بين الكتاب والناشرين أنفسهم.

تذبذب أوضاع المكتبات

على صعيد «التحديات الاقتصادية» فإن سوق النشر يواجه تشكيلة من التحديات؛ أهمها تذبذب أوضاع المكتبات العامة والجامعية والمدرسية، ففي أغلبية الدول العربية تتراجع ميزانيات هذه المكتبات، أو تتحكم فيها التوجيهات السياسية والتحولات التكنولوجية، حيث تدفع بعض الأنظمة التعليمية العربية -ومنها مصر- الجامعات للتحول إلى المكتبات الإلكترونية فقط، وهو ما سبّب صدمة نسبية في سوق النشر الجامعي. الأزمات الاقتصادية والموجات التضخمية، التي مرّت على دول عربية عدة في السنوات الأخيرة، أثرت أيضًا بشدة في القدرات الشرائية للقُراء العرب من الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، ودفعتهم إما إلى وضع اقتناء الكتب في ذيل قائمة الأولويات، أو إلى التوجه لسوق الكتب المستعملة أو «المقرصنة».

وتُعَدُّ «قرصنة» الكتب إحدى التحديات الكبرى التي تواجه صناعة النشر في الدول متوسطة النمو. حيث يترافق ضعف آليات تنفيذ القانون مع ارتفاع سعر الكتب، وضعف متوسط الدخل، إضافة إلى اقتصار منافذ توزيع الكتب «المقننة» على مراكز المدن الكبرى فقط، وهو ما يخلق بيئة خصبة لنمو وحركة عصابات طباعة وبيع الكتب «المقرصنة»، التي توسعت من العمل في بلد واحد إلى تشكيل عابر للدول. هؤلاء يختارون الكتاب الناجح في كل بلد عربي فتطبع بأقل التكاليف، وتوزع محليًّا وتسافر شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا تحت أغطية قانونية مختلفة.

المعارض العربية

وينقلنا هذا الحديث إلى موضوع المعارض العربية التي تزيد من دخل دور النشر العربية. من جهة، فإن أعداد المكتبات ومساهمتها في مبيعات الناشرين تتعرض لاهتزازات مع توتر الأوضاع الاقتصادية والسياسية في بعض الدول. ومن جهة أخرى، فإن كثيرًا من المؤسسات توجه ميزانيات اقتناء الكتب للمعارض من دون الدخول في مناقصات وآليات شراء معقدة، وهو ما يجعل هذه المناسبة الثقافية سوقًا كبيرًا لاقتناص الصفقات، أكثر منها مناسبة ثقافية. ويقود ذلك إلى تركيز أنشطة دور النشر على المعارض، وهو ما يؤثر بشدة في بقية أنشطتها المفترضة في الواقع الثقافي.

وعلى هامش بعض المعارض العربية يُعلَن الكثير من الجوائز التي تسهم في تسليط الضوء على بعض الأعمال الجيدة، لكنها للأسف تلعب دورًا في الترويج لأنماط محافظة من الكتابة سواء البحثية أو الإبداعية. وفي بعض الدول تغلب آليات المجاملة وشبكات تبادل المصالح على لجان الجوائز، وهو ما يفقدها مصداقيتها، وفي حالة أو حالتين بارزتين أصبحت الجوائز وسيلة لغسيل السمعة وترويض المثقفين تحت سيف المنع من الوصول للجائزة ولجانها ودعوات السفر، إلخ.

الذكاء الاصطناعي

قبل أشهر عدة شاركت في دورة تدريبية حول الذكاء الاصطناعي في تونس مع عدد من الناشرين من وتونس وإفريقيا جنوب الصحراء والدول العربية، وقد خرجت منها بانطباعين؛ الأول: أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه -حتى اللحظة- أن يستبدل العنصر البشري، وبخاصة أن مستويات تدريبه على اللغة العربية ما زلت متواضعة مقارنة باللغات الأخرى. فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع التدقيق اللغوي ولا التحرير ولا التأليف في اللغة العربية بمستويات تقارب كفاءة البشر. والانطباع الثاني أن الذكاء الاصطناعي له فوائد أخرى عدة ستفيد دور النشر بشدة على أصعدة عدة، سواء في تنظيم عملها وفي تجهيز مواد دعائية وفي تحليل بيانات المبيعات والمخازن، إلخ. وبالتالي فإن استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح مثل قطار إلى المستقبل يجب ألا يفوت من يرغب في البقاء.

وبناء على ذلك قمنا في دار صفصافة بعمل تدريبين -بواسطة أكاديمي متخصص في التقنيات الجديدة- لموظفي صفصافة على استخدامات الذكاء الاصطناعي، وبالفعل بدأنا استخدامه في مهام محدودة لتحليل البيانات، ونأمل أن نتوسع في استخدامه في المهام غير الإبداعية خلال المرحلة المقبلة.

الترجمة

أتفق مع من يقول: إن كثيرًا من الأعمال التي تحصل على دعم للترجمة من المؤسسات المانحة ليست من أفضل المستويات الإبداعية، ولكن هذا يرجع في الأساس إلى اختيارات دور النشر التي تنشر بالعربية. وتفاوت مستويات الأعمال المترجمة أمر متوقع بسبب تفاوت مستويات القراء؛ فهناك جمهور لأدب الرعب، كما أن هناك جمهورًا لروايات باتريك موديانو (نوبل 2014م)، أو آني أرنو (نوبل 2022م)، وهما يعدّان من كتاب النخبة. ولا أظن أن هناك آلية لجعل هذا المجال أكثر احترافية إلا بصحافة نقدية مستقلة، تستطيع انتقاد الأعمال المتواضعة. فعندما تحولت الصحافة الثقافية إلى عروض الكتب، والمقالات الاحتفائية والمجاملة، لم تعد هناك عين كاشفة تستطيع أن تصنف الأعمال المنشورة، أو تسلط الضوء على مشكلاتها، بما يحفز على تطوير الكاتب لإبداعه، وتحسين المترجم لمهاراته، والناشر لمطبوعاته.


لا‭ ‬خيار‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬ينشئ‭ ‬كل‭ ‬كاتب‭ ‬داره‭ ‬الخاصة

أمير‭ ‬تاج‭ ‬السر – كاتب سوداني

بدأت النشر مبكرًا، في وقت كانت توجد صعوبة كبيرة في هذا المجال؛ ذلك أن دور النشر كانت قليلة ومحدودة في مصر، حتى في بيروت. وقد كتبت روايتي الأولى «كرمكول» وأنا لا أزال في مصر، وذلك في السنة الجامعية الأخيرة. أعطيت هذه الرواية الصغيرة -التي تشبه قصيدة شعر، ولكنْ فيها حكي وشخصيات واضحة- لعدد من المثقفين الذين أعرفهم، وكان تعليقهم عليها إيجابيًّا، ومن هنا بدأت الرحلة الوعرة لمحاولة النشر.

كان الناشرون القليلون الموجودون، لا يبحثون عن عمل جيد، بقدر بحثهم عن اسم معروف، يمكن أن يبيع كتابه، وبخاصة أن آليات التوزيع لم تكن كثيرة، وحيل العثور على قارئ محدودة جدًّا. في النهاية عثرت على الراحل كمال عبدالحليم، وكان شاعرًا معروفًا، وسياسيًّا أيضًا، ولديه دار نشر صغيرة اسمها «الغد»، وكان قد نشر في تلك الأيام مجموعة قصصية للسيناريست «أسامة أنور عكاشة». فقرأ الرواية وقال لي: إنها اختراع خاص بك، لكن لا إمكانية لنشرها. ثم فجأة انتبه إلى الساعة التي أرتديها، وكانت من ماركة غالية، وأهديت لي من والدي، فسألني: هل هذه الساعة أصلية؟

قلت: نعم

قال: إن كنت تريد نشر روايتك، عليك رهنها، وحين تنشر الرواية وتوزع ستستردّها. بهذه الطريقة المغامرة، نشرت «كرمكول»، وكنت مزهوًّا بها، لكنها أيضًا أرهقتني. كنت أحمل نسخها داخل حقيبة على ظهري، أوزعها للطلاب في الجامعات المختلفة، حتى استرددت قيمة النشر، واسترددت ساعتي بعد ذلك، وكانت تجربة جيدة عرفتني على محبتي للكتابة وإمكانية تضحيتي من أجلها.

دولارات كثيرة

الأعمال التي تلت «كرمكول» مثل «سماء بلون الياقوت»، «نار الزغاريد»، حتى «مرايا ساحلية» تلك السيرة التي أظهرت اسمي ككاتب، لم تكن أكثر حظًّا، كان عليّ أن أدفع دولارات كثيرة حتى أنشرها. كنت أدفع التكلفة كاملة ولا أسترد منها شيئًا، لكني لم أَيئَس، وواصلت الكتابة والقراءة والسفر والمحاولات، حتى اعتدل الحال. كنت قد أنتجت أعمالًا كثيرة نالت جوائز، وأصبح لي حظ عند الناشرين. والآن لدي ناشرون في بيروت والسعودية والإمارات، وفي بلدان كثيرة بلغات تُرجِمَت إليها أعمالي، وأتلقى مراسلات كثيرة من ناشرين يودون التعامل معي، وبخاصة أن النشر اتسع بصورة مخيفة، مثلما اتسعت رقعة الكتابة نفسها، وأصبحت تجارة الكتابة مربحة للناشرين، والنقود -التي يدفعها الكتاب الجدد المتلهفون لنشر أعمالهم، والواقفون في معارض الكتب، بين الورد والشوكولاتة، لتوقيع تلك الأعمال- أصبحت كثيرة، لكن ذلك كله لم يرتقِ بالكتابة، وأظن أن المواهب الحقيقية ضاعت وسط هذا الرعب الكتابي، ولا أجد وصفًا آخر غير الرعب، وصرنا نحن الذين نكتب منذ زمن طويل، أغرابًا.

طبعًا لا يوجد فكاك من النشر بحالته هذه، ما دام الواحد كاتبًا، ولا يستطيع الفكاك من الكتابة أو يتطلع لأن يصبح كاتبًا رغم كل الإحباطات. لا خيارات أخرى سوى أن ينشئ كل كاتب دارًا خاصة به، ينشر فيها أعماله ويوزعها بطريقته إن كان يستطيع، وهذا أيضًا عمل شاق جدًّا، لمن يعملون في وظائف معينة من أجل لقمة العيش، وليسوا متفرغين لهذا العمل. فالمسألة لا تتوقف عند حدود الكتابة والنشر وتسلُّم الكتب من المطابع، ولكن كيفية التوزيع؟ من الذي يوزع الكتب وإلى أين تصل؟ وهذا كما قلت يحتاج إلى تفرغ، أي أن تتعامل مع شركات توزيع ومكتبات ضخمة متعددة الأفرع مثل جرير والمتنبي، أو تنمية في مصر، وأن نتابع جيدًا مصير الكتب. ولا أعتقد أن كاتبًا فردًا ينجح من دون موظفين مختصين، وهؤلاء يصعب العثور عليهم. وقد تابعت تجارب بعض الكتاب الذين أنشؤوا دور نشر، وتفرغوا جزئيًّا لإدارتها، مثل صديقنا عبدالله البصيص في الكويت، وكان قد حكى لي بالتفصيل فائدة أن تكون ناشرًا لنفسك، ويعتقد أن تجربته نجحت. لكن عبدالله، يتابع بنفسه، ويوجد في كل ما يتعلق بشؤون داره. أيضًا تجربة عبيد بوملحة، في دبي، وهو كاتب متمكن، وأيضًا غير متفرغ، أنشأ داره مؤخرًا، واستقطب إليها كثيرًا من الكتاب، ويتعامل بمهنية عالية وإنصاف كبير، وأعتقد أن تجربته ستنجح.

صنعة الكتابة

أما أن يعيش الكاتب من صنعة الكتابة في الوطن العربي فهذا ممكن، ولكن ليس كل الكتاب، وإنما بعض منهم، والحقيقة أنه لا يعيش من كتبه ولكن من اسمه الذي صنعه عبر سنوات طويلة. هنا يمكن أن تكتب مقالًا في صحيفة ما، أو منصة ما، أو أن تشارك في لجان خاصة بالكتاب، وهكذا. وإذا أكرمتك كتابتك، تعثر على ناشر جيد يعطيك ما تستحق. وبالرغم من ذلك، لا يمكن أن تكون الكتابة هي وسيلة الحياة ولقمة العيش، على الكاتب أن يكون موظفًا في مكان ما، وإنْ تقاعد فلا بد من العيش بهدوء وحذر، في حدود ما يأتيه من دخل.


لا بد من قيام وزارات الثقافة بدور في إنقاذ الكتاب وتوسيع نشره

أحمد شافعي – شاعر ومترجم مصري

باستثناء ترجمة الشعر، يبدو المترجم ترسًا في آلة، أو بلغة أيامنا، حلقة في سلسلة إمداد. ففيما يتعلق بالروايات، وهي بقرة ناشري الأدب الحَلُوب، وكتب السياسة والاقتصاد، ناهيكم بكتب التنمية الذاتية، غالبًا ما يتلقى المترجم عرضًا من الناشر الذي يتولى اختيار العناوين ومراسلة ناشريها الأصليين لشراء حقوقها العربية. فالناشر هو محور هذه العملية كلها، وغالبًا ما تقوم اختياراته للعناوين على اعتبار وحيد هو توقعه لنجاحه في تسويق ترجمتها. وقد ترجمت بهذه الطريقة روايات من قبيل «الجمال جرح» لإيكا كورنياوان، وكتبًا من قبيل سيرة الدكتور مجدي يعقوب.

كتب أعجبتني

لكن أغلب عملي في الترجمة كان يقوم على غير تلك الآلية تمامًا. فكان عملًا ثقافيًّا محضًا؛ إذ كنت أختار روايات، أو كتبًا غير أدبية، أو كتبًا أدبية غير خيالية، وهو ما تمتعني قراءته، وأقترحه على ناشرين. فأغلب ما ترجمته هو ببساطة كتب أعجبتني ورأيت ضرورة ترجمتها، لكن كان لا بد من الاستعانة بالناشرين لكي يباشروا إجراءات شراء حقوقها؛ لأن كبار الناشرين الغربيين لا يقبلون التفاوض إلا مع مؤسسات. وفي ذلك كله يبقى الشعر استثناءً؛ إذ لا تزال ترجمة الشعر في الأغلبية الكاسحة من الحالات هي الأثرة المتخلفة، أو حتى الحفرية الباقية من تاريخ الترجمة الطويل بوصفه عملًا ثقافيًّا خالصًا، وفرديًّا خالصًا، وإنسانيًّا خالصًا.

لا أزال أتذكر، كأنما بالأمس، تلك الليلة التي استغللت فيها خطَّ هاتفٍ دوليًّا كان متاحًا لي أيام عملي في مكتب رئيس هيئة الاستعلامات لأجري اتصالًا بـ«مستر قصيدة النثر الصغير» كما يعرف الشاعر الأميركي راسل إدسن نفسه. عرَّفت الرجل بنفسي، وعرَّفته بالهدف من اتصالي. فسارع يبدي حنانًا أبويًّا تمثل في إشفاقه عليّ من تكلفة الاتصال. سارع يملي عليَّ عنوان بريده الإلكتروني. وبدأنا بعد ذلك نتراسل حول قصائده، ثم بدأت أحصل على موافقاته كلما أردت أن أنشر شيئًا منها في مجلة هنا أو موقع إلكتروني هناك. بل إنني لا أزال أتذكر كم ضقت بحنانه ذلك من دون أن أفهم لذلك سببًا، إلى أن خطر لي أن السبب ربما هو أنني أحسست بذلك الحنان مناقضًا لما يبدو عليه راسل من جنون في قصائده!

مثل ذلك بالضبط حدث مع تشارلز سيميك ومع بيلي كولنز ومع جيمس تيت ومع بيتر جونسن، ومع شعراء أميركيين كثيرين، كانوا جميعًا يملكون حقوق كتبهم، فينتفي الداعي إلى التواصل مع وكلاء أو مع ناشرين. وكانوا جميعًا مرحبين بترجمة أعمالهم إلى العربية، وكرماء بوقتهم في مساعدة مترجمهم على حل ما يواجه من مشكلات في فهم بعض النصوص، أو بعض الإشارات، وكرماء أيضًا بفرحهم كلما أخبرت أحدهم بنشر بعض قصائده هنا أو هناك، وكلهم أهدوني طبعات ورقية من كتبهم، بل من كُتُب رأوا ضرورة أن أطلع عليها لأزداد فهمًا للمشهد الشعري الأميركي، حتى إن لدي كتبًا تحمل آثار قراءة بيتر جونسن مثلًا لعدد من مجلة «قصيدة النثر: جريدة دولية».

يبدو ذلك كله ماضيًا بعيدًا الآن. سيميك وتيت وإدسن ماتوا في غضون سنوات قليلة، وكذلك أغلب الكبار من أبناء هذا الجيل. وقصيدة النثر الأميركية فقدت وهجها، أو ذلك ما يبدو لي، فلم يعد لبيتر جونسن مثل نشاطه المحموم الأول، ويبدو لي وكأنه وضع رمح قصيدة النثر واكتفى بكيبورد ينقره بين الحين والحين. حتى المشهد الشعري العربي الآن، أو المصري خاصة، هجره الجادون، كلهم تقريبًا، فأوشك أن ينفرد به «شعراء» يكتبون نصوصًا متخلفة في كل شيء. والناشرون حالهم لا يخفى على أحد: فهم إما تجار روايات رديئة الترجمة في الغالب، أو تجار كتب تنمية ذاتية ضررها أكبر من نفعها إن كان لها نفع.

قبلة حياة

كل شيء الآن يصرخ طالبًا قبلة حياة من الدول. فلا بديل الآن في تقديري عن قيام وزارات الثقافة العربية بدور حقيقي في إنقاذ الكتاب، وتوسيع نطاق النشر، وتنويع ما ينشر في التأليف والترجمة على السواء، فليس صحيًّا، ولا يمكن أن يبشر بخير، أن يقتصر غالب المعروض في متاجر الكتب على الضحل الذي لا مسوّغ لوجوده سوى التسلية أو بيع الأوهام للناس. وليس صحيًّا أو مبشرًا بخير أن تبقى أسعار الكتب مجاوزة لقدرات أغلب القراء دونما أي دعم من الحكومات. وليس صحيًّا أو مبشرًا بخير أن تبقى الجوائز -المعيبة في أغلبها- هي المعيار الوحيد لاختيار العناوين للترجمة وللنشر. وليس صحيًّا أو مبشرًا بخير ألا يبقى هاديًا للقراء في اختيار الكتب إلا «أراجوزات» مواقع التواصل الاجتماعي، وهم في الغالب مأجورون لترويج أعمال لا تستحق حتى البوار.

وسط ذلك كله، لا أتصور أن يستمر في الترجمة الأدبية، والكتابة الأدبية، وربما في القراءة أصلًا، إلا من حافظ على روح الهواية، ولم يصدق ما يسعى لإيهامه به الآخرون من حيث كونه ترسًا في آلتهم. لا أصدق أن ينجو من الابتذال الحالي إلا من عصمه الأدب دائمًا فلم يجعله وسيلة لتحقيق أي مأرب غير جمالي. ولا أصدق أن ينجو إلا من يتبع المثال المحفوظي العظيم: وظيفة صباحية من أجل لقمة العيش، ثم التنسك ليلًا في رحاب الأدب، سبيلان لا يجب أن يلتقيا أبدًا، ولا أن يفترقا أبدًا، وإنما يتوازيان في حياة المرء ما استطاع إلى هذا سبيلًا، ولا أحسبني استطعته إلا قليلًا.


الكتاب الورقي بين أعباء السوق ومغامرة المستقبل

ريم الكمالي – كاتبة إماراتية

لم يكن الكتاب الورقي يومًا مجرد سلعة، بل هو الذاكرة الأولى للإنسان، رفيق الحضارة منذ ألواح الطين ولفائف البردي حتى المطبعة الحديثة. وما زال القارئ حين يفتح كتابًا جديدًا يلمس تلك الرهبة الأولى: رائحة الورق والحبر، صوت الصفحات وهي تُقلب، إحساس أن الأفكار صارت كائنًا ملموسًا بين اليدين. لكن هذه المتعة البسيطة تواجه اليوم تحديات عاصفة، مع ارتفاع التكاليف وتراجع القرّاء، وزحف العالم الرقمي بخطوات لا تعرف التوقف، لتأتي أعباء النشر الورقي. فأول ما يواجهه الناشرون اليوم هو الارتفاع الكبير في تكلفة الطباعة. أسعار الورق والأحبار تجاوزت حدود المعقول، وهو ما دفع دور نشر كبرى إلى تقليص عدد الإصدارات أو الانتقال إلى الطباعة عند الطلب.

في العالم العربي، صارت بعض الدور تشترط على المؤلف المساهمة المالية المباشرة في الطباعة، وهو ما يسمّى «النشر المشترك»؛ لتخفيف عبء المغامرة. والنتيجة أن المؤلف، بعد رحلة شاقة من البحث والكتابة، يجد نفسه مطالبًا بدفع المال ليُقرأ، بدلًا أن يتلقى الدعم أو المكافأة المستحقة.

شبكات توزيع

أما التوزيع، فهو الحلقة الأكثر هشاشة، ففي أورُبا وأميركا، تمتلك دور النشر الكبرى مثل بينغوين، وهاربر كولينز، شبكات توزيع عالمية، ومنافذ بيع تضمن وصول الكتاب إلى القارئ في قارات عدة. بينما في العالم العربي، يظل الكتاب أسير المعارض السنوية أو مكتبات محدودة في العواصم، ولا يكاد يصل إلى القارئ في مدن الأطراف؛ فكم من كتاب رصين مات في صمت؛ لأنه لم يجد طريقه إلى القارئ، وظل حبيس صناديق المخازن.

في المقابل، يكتسح النشر الرقمي المشهد، والكتاب الإلكتروني والمسموع أصبحا الخيار الأول لجيل يبحث عن السرعة والمرونة وانخفاض السعر. منصات مثل «كيندل بوك» من أمازون، أو «أُودوبيل» فتحت أبوابًا واسعة للقراءة، بلا حدود مكانية، لملايين القراء في العالم، وأصبحوا يحملون مكتبات كاملة في جيوبهم. وليس الأمر مقتصرًا على الغرب؛ فقد دخلت منصات عربية مثل هنداوي وكتاب صوتي… إلى هذا الميدان، مقدمة نصوصًا عربية وعالمية في صيغة رقمية، وهو ما أتاح للقارئ العربي خيارات لم يكن يحلم بها قبل عقد واحد. النشر الرقمي لا يعرف حدودًا ولا جمارك ولا تكاليف شحن، وهو ما جعله منافسًا شرسًا للورقي.

لكن، ورغم هذا الصعود، يظل الورق محتفظًا بمكانته. كثير من القراء ما زالوا يصرون على اقتناء الكتاب الورقي، ويتحدثون بعاطفة لما يمثله من حميمية وذاكرة وملكية مادية للنص. لهذا لم تختفِ دور النشر الورقية، لكنها تسعى إلى التوازن بين الورقي والرقمي، كأنها تحاول أن تجمع بين عبق الماضي وضغط المستقبل.

المؤلف العربي

وكم تزداد المشكلة تعقيدًا عند الحديث عن تجربة المؤلف العربي. فبينما يحصل الكتّاب في الغرب على عقود تضمن لهم نسبة عادلة من المبيعات، وربما سلفيات مالية قبل النشر، يتلقى المؤلف العربي مكافآت زهيدة لا تعكس قيمة الجهد المبذول، وقد يقضي الكاتب سنوات في تأليف كتاب، ثم لا يتجاوز دخله من النشر بضع مئات من الدولارات، وبعض الدور تعطي المؤلف نسبة لا تتعدى 5 أو 10% من سعر النسخة، بينما تُهدر البقية في الطباعة والتوزيع والربح التجاري. النتيجة أن الكاتب يعيش مفارقة مؤلمة: يُحتفى به في المعارض والندوات، لكن حقيبته فارغة، وكأن الثقافة في نظر المؤسسات سلعة ثانوية لا تستحق أن يُكافأ صانعها.

لم ولن

المستقبل لا يبدو في صالح الورق؛ إذا نظرنا إليه بمعايير السوق فقط. لكن التجربة العالمية تثبت أن النشر الورقي لم يَخْتَفِ ولن يختفي. بل هو يُعاد اختراعه باستمرار. في فرنسا مثلًا، لا تزال دور النشر الورقية صامدة، بفضل دعم حكومي قوي يحمي الكتاب من الانهيار، ويضمن بقاء المكتبات حيّة في المدن الصغيرة. وفي اليابان، حيث التقنية في ذروتها، لا يزال الكتاب الورقي يحظى بمبيعات ضخمة؛ لارتباطه بالثقافة الجماعية والعادات اليومية. أما في العالم العربي، فالطريق لا يزال طويلًا. إذا أردنا أن نُنقذ الكتاب الورقي، فلا بد من حلول مبتكرة: شراكات بين الورقي والرقمي، وسياسات حكومية لدعم صناعة النشر، وتطوير إستراتيجيات تسويق حديثة تستفيد من قوة الإعلام الرقمي في الترويج. فالكتاب يجب ألّا يُترك وحيدًا في مواجهة السوق، بل ينبغي أن يُعامل بوصفه جزءًا من الأمن الثقافي للأمة.


لا بد أن يتحول الناشر إلى مؤسسة اقتصادية ثقافية

بشير مفتي – روائي وناشر جزائري

في الراهن العربي يبدو موضوع الكتاب شائكًا للغاية، رغم أننا لم نشعر في أي وقت آخر أن الكتاب قد عرف ازدهارًا كبيرًا في منطقتنا العربية من حيث النشر الكمي على الأقل؛ لأن مسألة النوعية قضية أخرى تحتاج إلى نقاش طويل. لكننا نشعر كما لو أن ذلك كلّه لم يحلّ المشكلة، أو المشكلات، التي يعانيها الكتاب، الذي بقي دائمًا عرضة للتهميش. فالكتاب لا يزال يرمز إلى المعرفة والوعي، ويُعَدّ دليلًا على نهوض الأمم وتفوّقها الثقافي والاقتصادي والسياسي. ومع ذلك، ما زالت أمّتنا العربية تعاني مأزق النهوض والوعي والمعرفة، أي أن الكتاب هو في صلب وجوهر أزمتنا الحقيقية. وما دمنا لم نعرف كيف نحلّ هذه المعضلة، سنظلّ نشعر أن الهوّة واسعة بين مَن عبروا النهر إلى الضفة الأخرى، وبين مَن لا يزالون يحلمون بالعبور.

الأزمة

في رأيي، تكمن أزمة الكتاب العربي، ربما، في أننا لم نخرج بعد من فكرة أن النشر مغامرة فردية يقوم بها ناشرٌ مثقف وكاتبٌ حالم، ولم يتحول الناشر بعد إلى مؤسسة اقتصادية ثقافية قائمة بذاتها، أي إلى مؤسسة فيها مكتب للتحرير، ومكتب للتوزيع، ومكتب للإشهار والعلاقات مع الصحافة، ومكتب للتصميم وغيره. مؤسسة تملك كل ما يميز المؤسسة الاقتصادية الكبيرة من طرق تسيير حديثة، تستطيع أن تستثمر في الكتاب كما يُستثمر في أي مادة تجارية أخرى، فتسوَّق ويكون لها مردود مالي ناجح.

صحيح أن مثل هذا النوع المحترف من النشر لم نصل إليه بعد في العالم العربي، وما زالت التجارب في أغلبها فردية تقوم على الهواية والشغف أكثر مما تقوم على الاحترافية التي تتطلب بنية تحتية صلبة. ولحسن الحظ، لا تزال هذه المغامرات موجودة؛ لأن رجل المال العربي لم يستثمر في الكتاب؛ إذ يعدّ ذلك مشروعًا فاشلًا، على عكس رجل المال الأميركي أو الغربي عامةً. ولا أدري لماذا يستثمر رجل المال العربي في الإعلام والرياضة وغيرها، ولا يستثمر في نشر الكتب. هذه ظاهرة تحتاج إلى تأمل ونقاش؛ لأن المال هو عصب الحرب كما يُقال، وهو أيضًا عصب النشر إذا أردنا أن نقفز بالنشر في العالم العربي إلى أبعد مما هو عليه الآن.

صناعة كاملة

الكتاب، والكاتب نفسه، يحتاجان إلى صناعة كاملة مثلما تُصنع نجوم السينما والفن والرياضة. أي يحتاجان إلى تسويق ودعاية كما نجد هذا الأمر في الغرب، ولهذا تحصد بعض الروايات الغربية نجاحًا مبهرًا وتباع منها ملايين النسخ في المكتبات الكثيرة المنتشرة في كل مكان. صحيح أنه عندما نتحدث عن كاتب عربي، يبيع الملايين من كتابه الأدبي أو الثقافي، يبدو الأمر بعيد المنال، أو حلمًا صعب التحقق، على الأقل في الوقت الراهن، لأسباب كثيرة: عدم وجود شبكات توزيع محلية وعربية واسعة، قلة المكتبات أو انعدامها في مناطق كثيرة، غياب الدعاية والإشهار الذي يسمح للمنتج بالانتشار وطلب القراء له، إلى جانب ضعف الإعلام الثقافي الذي يساهم في الترويج للكتاب. فما الذي يدفع القارئ لشراء كتاب إن لم يسمع به أصلًا كما يسمع بالرياضي أو الفنان الفلاني في مختلف قنوات الإعلام؟

قد يقول بعض: إن الإنسان العربي، المرهق في حياته اليومية، ما زال يرى الكتاب «ترَفًا» وليس ضرورة حياتية أو وجودية. وهو على عكس الإنسان الغربي، الذي يُنهي حياته عند بلوغ التقاعد في قراءة الكتب التي فاتته فترة عمله أو لم يكن لديه وقت كافٍ لقراءتها. ونسبة المتقاعدين كبيرة في عالمنا العربي، ومع ذلك فهم غير معنيين بالقراءة والمعرفة ما داموا يشعرون أن النهاية اقتربت ولا حاجة لها، على عكس ما يحدث مثلًا في فرنسا، حيث تقول الإحصائيات إن أكبر نسبة قراء هم المتقاعدون، ويُعَدّون هدفًا كبيرًا للناشرين كقراء متميزين.

ومع كل هذا، لعبت الجوائز الأدبية، الخليجية خاصةً، دورًا في أن تستعيد الرواية العربية بعض عافيتها، ودَفعت القراء، على قلتهم، إلى الاهتمام بها. وهذا دليل آخر على أن الحافز يستطيع أن يصنع الفارق أو يمد يد العون للكاتب، الذي أصبح يعوّل عليه في الحصول على مردود مالي يقلل من شعوره بالإخفاق المادي الدائم، عندما لا يستطيع أن يبيع ألف نسخة من روايته في طبعته الأولى. لكن هذا لا يعني أنها حلت المشكلة أو وضعت الكتاب على سكة الطريق، فهي ليست إلا نقطة ضوء صغيرة تحتاج إلى أن تُعمم مع عناصر أخرى سبق ذكرها للخروج من هذا النفق الحزين.


مناجل الذكاء الاصطناعي

حسين نهابة – شاعر ومترجم ومدير مؤسسة أبجد للنشر العراقية

الذكاء الاصطناعي عبارة عن نظام برمجي آلي، أو دماغ متطور جدًّا، قادر على صياغة أفكار كتابية، وإنتاج نصوص أو ترجمات أو محتوى لغوي، اعتمادًا على آليات التعلم الآلي. وأعتقد أن تاريخ هذا النظام قديم جدًّا، بدأ به على أيدي الحكائين الذين كانوا يخيطون لنا حكايا وأساطير خيالية تنتج لنا أشخاصًا ذا ذكاء خارق. لكنه تبلور رسميًّا عام 2012م. وفي عام 2017م ظهر «المحوّل» الذي نزل كتطبيق يمكن استخدامه على الأصعدة كافة. والذكاء الاصطناعي ليس له صفة قانونية؛ إذ بإمكان أي شخص أن يستخدمه بمهارة، ويدعي أن ما أنتجه هو من مهاراته الشخصية. مجرد أن يصيغ الفكرة في عقله، ويسطرها على البرنامج بصورة مختصرة، ويوجّه النظام ليحرر له محتوى، دون أن يتحمل هذا النظام أية مسؤولية. أي أنه غير مسؤول عن الانتحال أو الأخطاء المعلوماتية أو التضليل.

تطور متسارع

قد شهد الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة تطورًا متسارعًا جعله حاضرًا في مجالات معرفية وثقافية كانت، حتى وقت قريب، حكرًا على الجهد البشري الخالص، ومن بينها كتابة الكتب وترجمتها. لم يعد استخدامه يقتصر على المهام التقنية أو المساندة، بل أصبح يُستعان به فعليًّا في إنتاج النصوص وصياغة الأفكار وإعادة تركيب المعاني، وهو الأمر الذي أثّر على نحو مباشر في آليات التأليف والنشر التقليدية. هذا التحول أوجد واقعًا جديدًا يفرض إعادة النظر في المفاهيم القانونية المرتبطة بالمؤلف، وحقوق الملكية الفكرية، والمسؤولية عن المحتوى المنشور.

كان يقتصر دور الذكاء الاصطناعي في بداياته على تقديم ملاحظات تحريرية أو اقتراحات لغوية وتحسين الأسلوب. أما اليوم، فيبدو أنه قادر على تأليف نصوص كاملة، وترجمة كتب بأكملها، وإنتاج مقالات، وابتكار محتوى أدبي. وبذلك أصبح من الممكن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في مراحل مختلفة من إعداد الكتب، سواء في الصياغة الأولية للنصوص أو في دعم عمليات الترجمة بين اللغات، من دون إغفال التدخل البشري في المراجعة والتحرير والتدقيق، بالطبع. وقد وفّر هذا التطور فرصًا جديدة للناشرين والمؤلفين من حيث السرعة وتقليل الكلفة، لكنه في الوقت نفسه أثار إشكاليات قانونية وأخلاقية تتعلق بحدود المسؤولية، وحقوق الملكية الفكرية، ومعايير الشفافية في نسب الأعمال المنشورة؛ لذلك انتشر في العالم بين فئات المجتمع بصورة مذهلة لأسباب عدة، منها على سبيل المثال: سرعة إنتاج النصوص، والقدرة على توليد أطر ومنهجيات متعددة، واحتواء سياقات استخدام كلمات ومعانٍ دقيقة، والترجمة المهنية أحيانًا باللغات كافة.

قوانين وتشريعات

لم تعتمد القوانين الدولية ولا تشريعات الملكية الفكرية في معظم الدول، حتى الآن، نصوصًا صريحة تنظم بصورة مباشرة مساهمة الذكاء الاصطناعي في تأليف الأعمال الأدبية. فالإطار القانوني السائد لا يزال قائمًا على افتراض أن الإبداع فعل إنساني في الدرجة الأولى، وبناءً على ذلك، تُمنح حقوق المؤلف عادةً للأشخاص الطبيعيين فقط؛ إذ يُشترط أن يكون العمل هو نتاج جهد بشري خلّاق يمكن نسبه إلى مؤلف محدد، ويُسجَّل باسمه في مؤسسات حقوق التأليف المعتمدة. في المقابل، لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي في أغلب الأنظمة القانونية بوصفه هيئة قانونية مستقلة، وبالتالي لا يمكنها امتلاك حقوق ملكية فكرية، ولا توقيع عقود، ولا المطالبة بحقوق ناتجة عن الأعمال التي يسهم في إنتاجها. ويُتعامل معها قانونيًّا بوصفها أداة تقنية متقدمة، مهما بلغت درجة تعقيدها أو استقلاليتها الظاهرية. ونتيجة لذلك، تُسند حقوق التأليف في العادة إلى المستخدم البشري، سواء كان هو من أدخل التعليمات الأولية للنظام، أو من راجع النصوص الناتجة وحرَّرها وأشرَف على شكلها النهائي قبل النشر. غير أن هذا الحل العملي لا يخلو من إشكاليات؛ إذ إن تزايد النصوص التي تُنتج بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي يطرح وضعًا قانونيًّا غير مسبوق، لم يكن حاضرًا عند صياغة القوانين الحالية.

التحدي القانوني

لقد غيّر الذكاء الاصطناعي من مشهد التأليف والترجمة في زمن قياسي، وبالتالي لم يعد من الممكن أن تستمر قوانين الملكية الفكرية القديمة دون تطوير. إن التحدي القانوني اليوم هو جعل الإبداع البشري والذكاء الاصطناعي يتعاونان ضمن إطار قانوني منصف وواضح، يعترف بمساهمات كل منهما، ويضمن الشفافية والعدالة في عالم النشر التقليدي والرقمي على حدٍّ سواء. وعليه، لا بد من وضع أيقونات قانونية تؤطر ما يحدث الآن فيما يخص تأليف الكتب الورقية في الذكاء الاصطناعي، ومنها: وضع قانون يحدد نسب المساهمة البشرية ومساهمة الذكاء الاصطناعي، فيما يخص البحوث، لا بد من وضع هامش يُذكر فيه مساهمة الذكاء الاصطناعي، فرض ضوابط على مؤسسة الذكاء الاصطناعي، ليكون مصدرًا رسميًّا مثل غوغل، سواء باشتراك رسمي من الأشخاص أو أن يكون مفتوحًا من دون مبالغ، واعتماد قانون يؤكد شفافيةَ التصريح باستخدام الذكاء الاصطناعي سواء في الكتب أو البحوث.


صناعة النشر العربية والحاجة إلى قانون

هيثم الحاج علي – ناقد وأكاديمي ورئيس سابق للهيئة المصرية العامة للكتاب

لا يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه الوعاء الأساسي للمعرفة فقط، فقد تطورت الأمور في العقود الأخيرة وأصبح الكتاب واحدًا من الأدوات المهمة للتطور، واستدامة التنمية في المجتمعات كافة. وظهرت في الوقت نفسه الأهمية الإستراتيجية لصناعة النشر. وربما يكون التطور الكبير الذي طرأ على معارض الكتب هو أنها تحولت من فعاليات خاصة بالمثقفين والمهتمين إلى فعاليات مجتمعية نبعت من وعي الأسر بالحاجة إلى القراءة بوصفها رافدًا تربويًّا وتنمويًّا للأبناء. ربما يجعلنا كل ذلك ننظر إلى صناعة النشر العربية بوصفها الصناعة التي تحتاج اليوم -في مفترق طرقها- إلى اهتمام ودعم الحكومات العربية؛ لتنقذها من عثراتها الناتجة عن أوضاع اقتصادية عالمية استثنائية، من ناحية، ولكي يُتعامَل مع صناعة النشر بوصفها صناعة ثقيلة بعيدة المدى، وتحتاج إلى القوانين المنظمة لها في ظل تغيرات متسارعة في التقنية ووسائل الإنتاج.

نقص المعلومات

وإذا كنا نعاني في الوطن العربي عامةً نقصًا حادًّا في المعلومات الخاصة بالنشر والكتب ومعدلات القراءة، فإن التعاون بين البلدان العربية المختلفة قد صار ضرورة لها أولوية كبرى، وذلك في ظل التسارع في عجلة التطور الثقافية، وبخاصة مع دخول وسائط جديدة مثل الكتاب الإلكتروني والكتاب المسموع، اللذين يُتعامَل معهما بوصفهما منافسين للكتاب الورقي. في حين أنه من الممكن تعديل القوانين وخطوات الإنتاج؛ لتصبح هذه الوسائط الحديثة عاملًا مساعدًا في الترويج والانتشار لثقافة القراءة عامةً، والقراءة الورقية خاصةً؛ إذا يُتعامَل معها بصورة رشيدة.

من هنا، فإن إعادة النظر في محددات الصناعة، وتدقيق الأرقام الخاصة بمعدلات البيع والقراءة في الوطن العربي، وعمل تصنيفات واضحة ومحددة لقوائم الكتب والناشرين والقراء؛ تقوم على إحصاء علمي دقيق ومنهجي، والعمل على قياس كل ذلك من دون إغفال الأوضاع المصاحبة، كل ذلك يبدو من المتطلبات الأساسية لتطوير وإنقاذ واحدة من الصناعات المهمة، ليس فقط على المستوى الثقافي، بل على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

حالة خاصة

صناعة النشر في العالم العربي حالة خاصة تنبع من نشأة المؤسسات الثقافية الحكومية، استنادًا إلى الدساتير العربية التي في معظمها ترى أن الثقافة خدمة تقدمها الحكومات إلى المواطنين. هذا المفهوم يغلف نفسه بهدف نبيل، لكنه يصبح ثقلًا على كثير من تلك الحكومات.

كثير من المؤسسات الحكومية قامت على أساس أنها تسد فجوة ما لا يستطيع الناشر الخاص القيام به، ومن هنا صارت شريكة في هذا المشهد وفي تلك الصناعة، وهو ما يجعل لزامًا عليها أن تقوم بدور الداعم لصناعة النشر عامةً، وليست منافسًا في هذا المجال. الأمر يتوقف على رؤية من يدير هذه المؤسسات، فإن آمن بذلك فهو داعم، وإن لم يؤمن فهو منافس، وهي الحالة التي صرنا نراها تتكرر كثيرًا بأشكال مختلفة.

منافسة شديدة

منظومة صناعة النشر، التي يجب أن تقوم على التعاون، صارت تتسم بمنافسة شديدة تحولت إلى عائق، في ظل النقص الحاد في اللوجستيات التوزيعية، بما يؤدي إلى نقص فرص التوزيع العادل والفعال. هذا الأمر لا يمكن الفكاك منه إلا بالتعاون الإيجابي بين المؤسسات بأنواعها، وبين معارض الكتب واتحادات الناشرين. والأهم من كل هذا أن يُعترَف بالنشر بوصفه صناعة متكاملة تحتاج إلى الدعم الصناعي من الحكومات العربية جميعها، وليس على أساس أن النشر نشاط ثقافي. وهذا الأمر يستلزم تعديلًا جذريًّا في المفاهيم القانونية الحاكمة لهذا المجال، وبخاصةٍ بعد دخول روافد جديدة مثل النشر الرقمي والنشر الصوتي، اللذين لا نزال نتعامل معهما بوصفها عاملين للقضاء على الكتاب الورقي. في حين أن الداعم الأهم للنشر الورقي يبدو في دعم هذين الرافدين عن طريق التعاون العربي لإنشاء مظلة نشر عربية كبرى تكون الملاذ الوحيد لإنقاذ الصناعة والثقافة والهوية العربية، وتحميها من الانزلاق في أتون ثقافات أخرى تحاول الهيمنة.


كنت محظوظًا بالنشر في دُور إسبانية

الدكتور رضا مامي – شاعر ومترجم وأكاديمي تونسي

الكتابة فعل إبداعيّ يصدر عن المبدع للمتلقي القارئ، ويكون الناشر وسيطًا بينهما، وشريكًا في الحالة الإبداعيّة التواصليّة. هذا الثلاثي: كاتب، وناشر، وقارئ يشكّلون عوالم الكتاب، وفعل الكتابة واجب معرفيّ يتأسّس على تلك الشراكة الثلاثيّة. ولا قيمة للفعل الإبداعي من دون نشره وتوزيعه بما يليق بالكاتب والقارئ، وبما يليق بالناشر بصفته مؤسّسة ثقافيّة ربحيّة. لأكثر من ربع قرن كانت لي مساهمة في هذا الثالوث المعرفي عبر أعمالي الشعريّة والأكاديميّة والأدبيّة: تأليفًا وترجمة. وبصفتي أستاذ اللغة والآداب الإسبانية، كان هاجسي تسفير الآداب العربيّة للثقافة الإسبانيّة ولغتها التي تتجاوز في حضورها الجغرافيا الإيبيريّة نحو أميركا اللاتينيّة في عدد الناطقين بها لأكثر من أربعة مئة مليون فرد، في منزلة وصيفة للغات العالم بعد الإنجليزيّة.

لا اختيار

لم يكن لديّ الاختيار في نشر مؤلفاتي الأولى مع دُور نشر إسبانيّة؛ لأنّني كتبت بلسان إسبانيّ لشعوب لديها الحنين وحب الاطلاع على ما يكتبه العرب عن الإسبان وعن أنفسهم، فكانت شراكاتي في النشر في العالم الإسباني مع دار Sial Pigmalion، ودارSial Contrapunto، ودار Ramon Menendez Pidal، تثمينًا لأعمالي الشعريّة والأكاديميّة وترجماتي الشعريّة لأهم الشعراء العرب. وطوال مسيرتي في النشر لم أفكّر في تغيير هذه الدُّور الثلاثة التي دأبت على النشر فيها، رغم المغريات من دُور نشر تجاريّة؛ بسبب وضوح التعامل والاحترام الذي ألقاه من الناشرين الثلاثة، والأهم من كل هذا هو قدرتها على المنافسة والانتشار العالمي والمشاركة في كل المعارض الدوليّة للكتاب وشراكاتها مع المؤسسات العلميّة والأكاديميّة والجامعات، دون أن ننسى حضور هذه الدور في المسابقات الدوليّة للكتاب والكتّاب وترشيحي لكثير من الجوائز الفخريّة التي نلت بعضها.

في العموم لا يحقّق الكاتب مكاسب ماديّة كبيرة، بقدر ما يكون طموحه الانتشار وتحصيل الاعتراف الأدبي والعلمي. كما أنّ الناشر معذور في عجزه عن تثمين مجهود الكاتب العلمي والأدبي؛ فالناشر يعاني تكاليف الطباعة والتوزيع ويعاني نسبيًّا غياب الدعم الكافي. ومع ذلك توفّر دور النشر الأجنبيّة الحد الأدنى المحترم في التعامل المادي بشفافية مطلقة، ورغم صبغتها التجاريّة، فإنّها تحافظ على قيمتها العلميّة لتحافظ على هيبة الكاتب ومكانته الاعتباريّة، على عكس دور النشر العربيّة التي تتعامل في أغلبها بصيغة تجاريّة مطلقة، فتهتم بحجم المبيعات قبل قيمة الكتاب ومحتواه. ولذلك فضّلت النشر في دور النشر الإسبانية لكل أعمالي الأكاديميّة والأدبيّة؛ لأن الأعمال الأكاديميّة تشكل مغامرة للناشر بسبب محدوديّة القراءة الأكاديميّة ومبيعاتها. ومحنة العالم العربي مرتبطة بغياب الشراكات بين دور النشر والمؤسّسات الأكاديميّة والجامعيّة لتقاسم أعباء النشر وتكاليفه وتوزيعه، خلافًا للمؤسسات الأكاديميّة الأجنبيّة التي تحظى بمصادر تمويل متنوعة من الدولة والمؤسسات الخاصة ومن الهبات.

وجدت نفسي

في تجربتي مع دور النشر الإسبانيّة وجدت نفسي وكتاباتي، وحظيت بالتكريم والتشريف ضيفا مبجّلا على مختلف معارض الكتاب الدوليّة في إسبانيا وأميركا اللاتينيّة، وذاك الانتشار حقّق لي مكاسب معنويّة وعلميّة كبيرة، ليس أقلها من تردّدي أستاذا زائرا على الجامعات الإسبانيّة وفي أميركا اللاتينيّة لتقديم محاضرات أكاديميّة وإحياء أمسيات شعريّة، وبفضلها ترشحت عضوا في المجالس العلميّة لبعض المؤسسات الأكاديميّة، ووصلت كتبي إلى أميركا الجنوبيّة لتكون دروسًا جامعيّة، وقد منحتني شرفًا أكبر باختياري أخيرًا عضوًا في «الأكاديميّة المكسيكيّة للتاريخ والجغرافيا»، كأوّل عربي يحظى بهذا التشريف والتكليف.

مقارنة

عندما أقارن بين الكاتب في العالم العربي والكاتب في العالم الغربي في علاقتهما بالنشر، أجد فروقًا جوهريّة في كيفيّة التعامل بين الكاتب والناشر، والأهم هي المكاسب الماديّة والعلميّة التي يحقّقها الكاتب في العالمين. فقد بلغ الكاتب الغربي مرحلة الاحتراف في أن يعيش على عائدات كتبه بما يحقّقه من توزيع وحقوق النشر، لكن في العالم العربي هناك انتهاك لحقوق المؤلّف يساهم الناشر فيه بقسط كبير، ولذلك أجد نفسي محظوظًا في تعاملي مع دور النشر الإسبانية التي منحتني إشعاعًا عالميًّا، مستغلًّا شغفهم بالشعر العربي والآداب العربيّة التي أترجمها لهم؛ لتكون علامة للتثاقف وهمزة وصل بين الثقافات والحضارات.

ليس الكتاب عمليّة رقن وطبع، بل الكتاب عالم من الإبداع والتجارة، وهو مجهود يبذله المؤلف شغفًا وينتظره القارئ لهفة، وبينهما ناشر يتردّد بين الهاجس الثقافي والهاجس التجاري. ولعلّ التوفيق بين هذين الهاجسين يتطلّب مدوّنة قانونيّة وأخلاقية تضبط العلاقة بين مكوّنات عالم الكتابة والنشر. وفي ظلّ تطوّر أساليب النشر والتوزيع من الورقي إلى الإلكتروني تزداد مأساة الكاتب العربي أمام كارثة التحايل وفقدان حقوق التأليف. ويبقى الرهان على مصادر التمويل من القطاع الخاص للكاتب والكتاب والمؤسسات العلميّة دافعًا رئيسيًّا للحفاظ على الحقل الثقافي والعلمي، حتى يبقى صامدًا في وجه الكتاب التجاري والثقافة التجاريّة.


رومانسية الكتاب الورقي

محمد العامري – شاعر أردني ومدير دار خطوط وظلال

في ظل المنافسة القوية التي بات يبديها النشر الإلكتروني، علينا الاعتراف بأن المسار الإلكتروني يتسارع ليأخذ مكانته القوية في شتى المجالات، من ضمنها مسار النشر وصولًا إلى طرائق توزيع المجلات والكتب. لكننا لا نزال ماكثين في رومانسية الكتاب الورقي الذي يحتفظ بعلاقة عاطفية مع القارئ بدءًا من رائحة الورق وصولًا إلى ملمسه وما يحبّر على صفحاته من هوامش وملاحظات. ولا يمكن إغفال التسارع الرهيب الذي يناله الكتاب الإلكتروني، الذي يغزونا عبر أجهزة عديدة ترافقنا حتى في غرفة النوم. وأرى أن غلبة الكتاب الإلكتروني ناجم عن طبيعة الأجيال الجديدة التي تعتمد حياتها على الإلكترونيات، وصولًا إلى التأليف عبر الذكاء الاصطناعي.

العلاقة اليوم بين الكتاب الورقي والكتاب الرقمي علاقة شائكة، وتحتاج إلى تحليل واختبار دقيق لمسارات المستقبل القريب. فتقدُّم التقنية، واتساع رقعة النشر الإلكتروني التي تتيح للكاتب النشر الذاتي دون رقابة، جعلت من الكتاب الإلكتروني غواية جديدة للعصر.

مسار متعب

إن الصورة المقدمة عنا، في دور النشر، تتمثل في نشر المعرفة والوعي على حد سواء، لكن مواجهة قلة القراء، حسب إحصائيات اليونسكو، تصبح المهمة متعبة. الكتاب سلعة غير رائجة ودور النشر لا تتلقى دعمًا وتشجيعًا من المؤسسات الرسمية والخاصة، في مقابل دعم هائل لقطاع الرياضة. ويخضع النشر إلى مسار معقد: يمر بالتحرير والتصميم والنشر والتوزيع؛ وهي مغامرة خاسرة في الغالب، وإن كانت دور النشر لا تزال تُعلّق آمالًا كبيرة على الربح، وتعتمد معظمها على سد الرمق عبر معارض الكتب الدولية.

إذا كانت دار النشر محترفة فلا بد من توافر العناصر التي ذكرتها: من محرر ومصمم للنص الداخلي ومصمم للأغلفة. كل ذلك ضرورة لإغراء القارئ لتناول الكتاب والتعرف إليه. فغلاف الكتاب، على سبيل المثال، هو عنصر بصري يغري الناظر إلى جمالياته، بغض النظر عن المحتوى. فالغلاف هو العتبة الأولى للكتاب، أو البوابة الإغرائية للدخول إلى النص.

مساران

وفي هذا السياق نجدنا أمام مسارين: المسار التجاري الذي يبحث عن الربح، عبر نصوص هابطة، يقبل عليها قطاع عريض من المراهقين. والمسار الآخر هو الكتب الجادة التي تُصنع بحرفية عالية من الغلاف إلى المحتوى، وفي غالب الأمر الغلبة للمنطق التجاري الهابط. وما ينقذ الكتاب الجاد هي المؤسسات الجامعية التي تقتني المراجع الخاصة بالطلبة والباحثين إلى جانب قلة من القراء.

إن مفاهيم النشر لم تزل ملتبسة في العالم العربي فهناك الكثير من التقصير تجاه صيرورة النشر الرقمية وحقوق الكاتب والملكية الفكرية. نحن نحتاج إلى إعادة النظر في كل ما سبق للخروج من الأزمة التي تسوّق لها الميديا الرخيصة من خلال الإعلانات المغرية بصريًّا.


أزمة النشر منذ ما قبل نشوء الدولة العربية الحديثة

جهاد الرنتيسي – كاتب فلسطيني

الحديث عن النشر في الوطن العربي أقرب إلى محاولة تفكيك كرة من الخيوط، عُقد تقود إلى تشعبات، وخيوط تنتهي بعُقد. لكن إلحاح الأزمة وانعكاساتها الممتدة والمفتوحة يفرضان التوقف عندها بين الوقت والآخر، ومحاولة معاينة التطورات التي طرأت عليها، وإمكانية الحد من آثارها السلبية.

أزمة النشر ليست وليدة البارحة، أظنها موجودة منذ ما قبل نشوء الدولة العربية الحديثة، وأرى فيها تعبيرًا عن عمق الأزمة البنيوية التي تعيشها هذه الدول، والتعبيرات عديدة ومتناسلة، ومحل اجتهادات من حيث خطورتها. وفي جميع الأحوال يصعب التوقف عند هذا التعبير دون إشارة إلى الرقابة على الكتاب، والعراقيل التي تقف أمام وصوله، ونسب الأمية، وتراجع الاهتمام بالقراءة.

مربع الحرب

تشتبك هذه المظاهر والظواهر مع أخرى، أبرزها أن منطقتنا لم تغادر مربع الحروب منذ ظهور دول ما بعد الحرب العالمية الثانية. قد يقلل بعضٌ من هذا العامل، مشيرًا إلى الحياة الثقافية في الغرب في أثناء سنوات اشتباك الحرب العالمية الثانية. وفي حال دفاعي عن وجهة نظري يمكنني الإشارة إلى مشروع النهوض الذي كان يمتلكه المثقف الغربي المشتبك، سواء كان مناهضًا أو مؤيدًا للنازية؛ لأصلَ إلى هشاشة المشروع العربي الذي تعرض لانتكاسات أدت إلى تلاشيه وانطفاء بؤره.

حدد كل من الشرق والغرب وجهته نحو التنمية الثقافيةـ بما في ذلك النشر -بعد تلك الحرب، وبقي الوطن العربي حائرًا بين تجربتين، غربية تمثلها الولايات المتحدة وأورُبا، وشرقية يعبر عنها الاتحاد السوفييتي. لم تبتعد بلادنا في أحسن أحوالها من التقليد، وبقيت دون ما حققته التجربتان الشرقية والغربية.

أزال الفضاء الإلكتروني الذي شكل دعامة للعولمة القشة التي أخفت حقيقة تدني نسب القراءة، وعبثية الحديث عن حركة النشر في البلاد العربية؛ لنعيد اجترار الأسئلة القديمة بصيغ جديدة تترك انطباعًا زائفًا بحداثة الأزمة.

توحي أدوات مواجهة الأزمة بخسارة شبه مؤكدة، فدور النشر العربية أقرب إلى الدكاكين اللاهثة وراء مقومات البقاء، لا تجد هذه المقومات في القارئ غير الموجود، وفي حال وجوده يعاني عدمَ القدرة على شراء الكتاب بفعل أزماته المعيشية، وهو ما يعني أنها تعمل في عزلة عن العنصر المستهدف بعملها.

تعجز هذه الدور، في معظم الأحيان، عن حماية كتبها من القرصنة الإلكترونية، وتحاول تعويض خساراتها المتلاحقة على حساب المؤلف، سواء من خلال تحميله كلف الطباعة أو الاحتيال على نسبته من مبيعات كتابه إذا حقق رواجًا.

حيل أخرى

لا يخلو الأمر من حيل أخرى لالتقاط الأنفاس مثل بيع الكتب للحكومات المضيفة للمعارض، ولا تبدو هذه المحاولات مجدية للنهوض بحركة نشر في ظل عدم قدرة العديد من الدور على المشاركة؛ بسبب ضيق المساحات المخصصة، علاوة على الأزمات الاقتصادية التي تعيشها دول المنطقة، وتدفعها إلى تجاهل دعم الناشرين بشراء كتب ينتهي بها الحال إلى المخازن.

لا يخلو الأمر من عبث، وهو ما يثير السخرية حين تظهر أزمة النشر في الإعلام الثقافي الذي يعكس بؤس الحياة شبه الثقافية، كأن نرى صورة لناشر ومؤلف تحت عنوان «طبعة ثانية» وربما ثالثة، رغم معرفتنا بسوق الكتاب ومدى رواجه، أو استخدام الدعاية الأقرب إلى الديماغوجيا؛ لإقناع القارئ باقتناء كتاب. ولمثل هذه الممارسة نتيجة واحدة تتمثل في تراجع الثقة في الكتاب، وربما جدوى القراءة.

ظهر النشر الإلكتروني في هذه المناخات؛ ليتيح إيصال الكتاب إلى أماكن يصعب وصوله إليها، سواء بفعل الرقابة أو كلف النقل، لكنه ما زال دون سد الفراغات لأسباب عدة؛ أبرزها تعوّد القارئ، في حال توفره، على القراءة من كتاب ورقي، وولع أجيال المعرفة الإلكترونية بأشكال أخرى من القراءة، وأعني هنا الأخبار السريعة والمقالات التي لا تحتاج إلى كثير من التركيز، بمعنى مساهمة النشر الإلكتروني على نحو أو بآخر في إعادة إنتاج الأمية الثقافية.

متطلبات الخروج

تتجاوز متطلبات الخروج من المأزق البحث عن أشكال جديدة لإيصال الكتاب إلى قارئ مفترض؛ لأن القارئ غير موجود بالضرورة، ومناخات القراءة غير متوافرة، يقابل هذه الوضعية إمكانية الحصول على المتعة المعرفية بسهولة من خلال الشاشات، من دون بذل مجهود يذكر، ولا أظن أن الغرب في منأى عن رياح التصحر التي اعتدنا عليها في المشرق العربي مع تفاقم أزماته الاقتصادية.

جرت العادة على البحث عن حلول لأزماتنا في الغرب بوصفه النموذج، ولا سيما أنه المُرسَّخ في وعينا بفعل الإرث الاستعماري، وتجاهل الشرق الذي يشبهنا إلى حد كبير، ويعيش ظروفًا أفضل من ظروفنا، حين يتعلق الأمر بالقراءة وحضور الكتاب، ويمتلك ما يكفي من مفاتيح النمو والتطور على مختلف الأصعدة، بما في ذلك نشر الكتاب، ولا أرى في ذلك ما يصلح وصفة لتجاوز الأزمة التي نحن بصدد الحديث عنها.

يتعامل صانع الثقافة العربي، أو منتج المعرفة، أو المبدع، مع أزمات ثقافية مستعصية منذ الزمن العثماني. إحدى تجلياتها أزمة انتشار الكتاب، التي أخذت أشكالًا مختلفة، ولم تستطع الدولة العربية الحديثة تجاوزها، يواجهها جيلنا كما واجهتها الأجيال السابقة، ولا يوجد في الأفق ما يوحي بمغادرة ذلك المربع. معظم المؤشرات تتجه نحو زيادة تفاقم الحالة مع أي تحول قد يطرأ على الخرائط الراهنة، وهو ما يتطلب قدرًا من التصالح مع الذات الشرقية قبل التفكير في المخارج.


سوق النشر كارثي للمترجم والمؤلف

عبدالمقصود عبدالكريم – شاعر ومترجم مصري

نشر الكتاب الورقي في العالم العربي عنوان ضخم في مجال مترامي الأطراف. ولو أننا قيّدنا الحديث بحدود دولة معيّنة، أو بنوع محدد من الكتب، أو على الأقل ميّزنا بين الكتاب المؤلَّف والكتاب المترجَم، لأصبح الكلام أكثر تحديدًا ودقة. لكنني سأترك كل ذلك، وأتوقف فقط أمام شكوى كثير من دور النشر من عدم تحقيق أرباح، أو على الأقل ندرة هذه الأرباح، في الوقت الذي نرى فيه دُورًا جديدةً تُفتَح باستمرار، وتوسعات لدى كثير من الدور القائمة. والغالبية الساحقة من هذه الدور لا تدفع للمؤلف، وتحتجّ بارتفاع تكاليف الطباعة. لكنها تتناسى أن أسعار الكتب نفسها تضاعفت في السنوات الأخيرة أكثر من عشر مرات، على الأقل في مصر، حسب ما أتابع. ولم ترتفع هذه الأسعار في دور النشر الخاصة وحدها، بل في دور النشر الحكومية أيضًا، حتى في المشاريع التي يُفترض أنها غير ربحية، مثل المركز القومي للترجمة والهيئة المصرية العامة للكتاب. وبالتالي، فإن هذه الدور تحقق أرباحًا، وأظن أن معظم هذه الأرباح يأتي على حساب المؤلف أولًا، والمترجم ثانيًا.

مقابل حقوق الملكية

نأتي إلى مسألة حقوق الملكية الفكرية، ولنبدأ بالكتاب المؤلَّف. لا يخفى على أحد أن كثيرًا من دور النشر تأخذ التكلفة من المؤلف نفسه، ولا سيما المؤلفين المبتدئين الذين يسعون فقط إلى رؤية أسمائهم مطبوعة على غلاف كتاب. فيدفع المؤلف بضعة آلاف من الجنيهات مقابل عدد من النسخ. أما أغلب دور النشر، سواء كانت خاصة أو حكومية، فلا تدفع للمؤلف شيئًا يُذكر، أو تدفع النزر اليسير.

لنفصل الأمر، ونبدأ بالكتاب المؤلف، بصرف النظر عن طبيعة دار النشر؛ لأن الأمر لا يختلف كثيرًا، باستثناء بعض المشاريع التي تمولها الحكومات أو الهيئات الحكومية، مثل المشاريع التي تمولها هيئة الترفيه في السعودية، ومشروع «كلمة» في الإمارات، والمشاريع التي كانت تمولها قطر بالتعاون مع دار بلومزبري في إنجلترا، ويمكن تقسيم الكتاب المؤلف إلى نوعين رئيسيين:

الدراسات بكل أنواعها، سواء أدبية أو تنتمي لأحد فروع المعرفة الإنسانية أو الطبيعية. وهنا يمكن القول: إن المؤلف لا يحصل على أي مقابل يُذكر، وفي أفضل الأحوال لا يغطي ما أنفقه على إعداد الدراسة، ناهيك عن المجهود الذي بذله فيها. وكأن دار النشر تقول للمؤلف: احمدْ ربنا أننا وافقنا على نشر كتابك.

الأعمال الإبداعية: وهنا تكمن مأساة أخرى، مأساة المبدع أمام التقييم المادي لعمله، وإن اختلف المشهد قليلًا بين الأعمال القصصية (خاصة الرواية) وبين الشعر. فمع الأعمال القصصية يجد المؤلف من ينشر له وقد يدفع له مبلغًا زهيدًا، والناشر في هذه الحالة يرحب بنشر هذه الأعمال. وهذا الترحيب مصدره أن توزيع الأعمال القصصية أفضل من توزيع الشعر بكثير.

وهناك بُعد آخر هو الجوائز المخصصة للرواية في العالم العربي، التي يتقاسمها الناشر مع المؤلف في معظم الحالات، إضافة إلى احتمال إنتاج فِلْم أو مسلسل عن الرواية. أي أن الترحيب هنا يرتبط بالربحية. وربما لم يعد من المستغرب أن تفاجأ بشاعر عربي يكتب رواية، أو يترك عالم الشعر وينخرط تمامًا في عالم الرواية. أما في حالة الشعر، فالدور الحكومية تدفع بضعة جنيهات حال نشر الديوان. أما الدور الخاصة فهي تعدّ نشر ديوان شعر مجاملة كبرى منها للشاعر، وقد بلغ الأمر بالشعر أن كثيرًا من المكتبات ترفض عرضه بحجة أنه لا أحد يشتري الشعر.

الترجمة

أما في مجال الترجمة، فبعض الدور الخاصة تعرض على المترجم أقل من عُشر المقابل المتعارف عليه عالميًّا، وبعضها لا يخجل من عرض ما يساوي نصف سنت للكلمة. ولا يختلف الوضع كثيرًا بين الناشر المصري والناشر في بقية الدول العربية؛ إذ تبدأ بعض الدور العربية المساومة من سنت واحد للكلمة تقريبًا، وربما انتهت هذه المساومة بموافقة بعض المترجمين، لأسباب لا يعلمها إلا الله.

الاستثناء الوحيد هنا هو المشاريع الممولة من الحكومات. ومع ذلك فإن هذه المشاريع نفسها بدأت تراجع المقابل المادي. على سبيل المثال، كانت ترجمة الكلمة في مؤسسة قطر وبلومزبري 7 سنتات للكلمة، وفي آخر تعامل لي معها في 2019م فوجئت بأنها 5 سنتات. ولا يختلف الأمر كثيرًا في المركز القومي للترجمة، فقد انخفض المعدل من نحو 5 سنتات (30 قرشًا حين كان الدولار بستة جنيهات) للكلمة، إلى سنت واحد (50 قرشًا وسعر الدولار بخمسين جنيها تقريبًا).

باختصار الوضع كارثي للمؤلف وللمترجم، ولا بد لكل منهما من مهنة أخرى يعيش منها. وكثيرًا ما أتذكر عبارة كانت تتكرر في سير الكُتَّاب «وقد أدركته حرفة الأدب»، وكأنها صياغة مهذبة لعبارة «وقد حلت به مصيبة أو كارثة».