بواسطة الفيصل | مارس 1, 2026 | شخصيات
تُعدُّ تجربة الدكتور سعيد السريحي (1953- 2026م) واحدة من أبرز التجارب النقدية والفكرية في المشهد الثقافي السعودي والعربي المعاصر؛ فقد دعا، خلال عدد من الكتب المهمة، إلى إعادة النظر في علاقة اللغة بالوجود الإنساني، وإلى كشف المضمرات الكامنة خلف الخطابات الثقافية والتاريخية والاجتماعية، متجاوزًا حدود النقد الأدبي التقليدي إلى فضاء تحليل ثقافي أعمق، لتصبح اللغة- إضافة إلى كونها وسيلة للتعبير- أداة كشف وتأويل للخطاب، ومنهجًا يقظًا يحرّر المعرفة من السبات، ويُعيد تشكيل الوعي بماهية النص وثقافته وعلاقته بالإنسان والواقع.
والسريحي لم يكن ناقدًا فحسب، إنما أيضًا كان شاعرًا وكاتب سيرة متفردة، وكل هذا أعطى تجربته زخمًا وحيوية خاصة. مارس السريحي حضوره النقدي والأدبي والإبداعي والإنساني طوال عقود من الزمن، عاصر واشتبك مع لحظات مفصلية وشديدة الحساسية في تاريخ المشهد الثقافي السعودي. وهو ليس ناقدًا وأديبًا ومبدعًا، إنما كان شاهدًا على مرحلة ثقافية هي من أهم المراحل في تاريخ الثقافة العربية.
سعيد السريحي توأم الروح والذاكرة
صلوح السريحي – ناقدة وأكاديمية
لن أتحدث عن سعيد بوصفه المثقف والناقد والشاعر والأديب والكاتب، ولن أتحدث عن مؤلفاته ودراساته التي تشهد له بالثراء وعمق الفكر، وإنما سأتحدث عن سعيد أخي وأستاذي ومعلمي، عن سندي وعضدي، عن سعيد توأم رحلة العمر والفكر، عن سعيد الذي شاركني مسيرة الحياة والعلم والتعلم. أتحدث عن ذاكرتي التي تختزن ما فات وما تحمله من آمال وذكريات، عن سعيد الذي يمثل جذوري التي أنتمى إليها، وامتدادي الذي أسير عليه. فبعد وفاة أمّنا ثم أبينا ثم أختينا، ازددنا قربًا؛ وكأنما يفرغ كل منّا على الآخر ما فقدناه بفقدهم. فكنت أرى فيه روح أبي وريحه وملامحه وحبه لي، وكان يرى فيّ جزءًا من أمّنا وأختينا اللاتي فقدناهن وافتقدناهن. كان كل منّا يرى في الآخر امتدادًا يربطنا بجذورنا ويعيدنا إلى ذواتنا ويصحح مسيرة تربطنا معًا. وكلما مر بنا العمر وسارت بنا سنواته ازداد أخي شبهًا بأبي حتى غدا أبي ذاته بملامحه وروحه وحبه وحنانه، أخي الذي كان أبي بعد وفاة أبي، ثم كان أبًا لأبنائي بعد وفاة أبيهم -رحمه الله- فكان نعم الأخ الأب والخال.
الآن وأنا أتحدث عن أخي يقف الألم والخوف وخشية الفقد بيني وبين استرجاع سنين العمر. يقف الألم بيني وبين استرجاع طفولة وذكريات لم تكن إلا معه، وحياة لم أعشها إلا برفقته، ووجود لم يكن إلا به، وذات لم تكتمل ملامحها إلا بصنيعه وصياغته، ومرآة لا تنعكس عليها صور حياتي إلا هو فيها. أسترجع حياة أرقب فيها أخي شريك بداياتي، وذاكرتي الأولى، ومرآة ذاتي، أخي الذي تتبعت خطاه وسرت على دربه. أخي الذي زرع فيَّ ذاتي، وكوّن شخصي، وأشعل في داخلي هاجس حب الكتب والقراءة والكتابة، حين جعل من القراءة متطلبًا رئيسًا في حياتنا. كنت أتّبعه مقلدة له راضخة لأوامره حينًا، ومحبة لها حينًا آخر؛ حتى استقام أمامي الطريق، واستوى الدرب، واتضحت أمامي الرؤية. علَّمَني أهمية تتبع الحلم والتشبث به وتحقيقه، كان، ولا يزال، ساعدي الذي أستند عليه، وعصاي التي أتوكأ عليها وأهش بها على أفكاري وأحرفي وكلماتي وسائر أمور حياتي. أخي سعيد كان، ولا يزال، وطني وكهفي الذي آوي إليه إذا تاهت بي السبل، وغمت عليّ الطرق، واستعصى عليّ الدرب والفكر.
عندما أتحدث عن سعيد أخي، توأم روحي وذاكرتي، وتوأم حياتي، أترك مساحة تحضر فيها العائلة؛ فقد كان سعيد بالنسبة لها المركز وقطب الرحى. كان قِبْلة المجلس وجوهره، كان نعم الجليس؛ إذا تحدث أنصت له الجميع، وإذا صمت التفت له الجميع، بحضوره يكتمل اللقاء، وينعقد بقدومه المجلس. وكانت إمكانية حضوره الأسبوعي حالة ترقب كبار العائلة وصغارها محط سؤال يتردد: هل سيحضر سعيد؟ متى يأتي خالي؟ جدي سعيد تأخر اليوم. بحضوره يكتمل عقد العائلة وإذا خلا منه الحضور وتعذر عليه اللقاء -ونادرًا ما يتعذر- ينحل عقد المجلس ويصبح ناقصًا ومبتورًا؛ وإن كنّا مجتمعين، فلا يطيب مجلس إلا به، ولا يحلو الحديث إلا بوجوده، ولا يطيب لقاء العائلة إلا بحضرته. كان ولا يزال مؤثرًا في العائلة بكل المقاييس. كان مؤثرًا بالحب والاهتمام، ومؤثرًا بالتفقد والرعاية للصغير والكبير. تحسبه بعيدًا مشغولًا بكتبه وكتاباته ورحلاته وأسفاره وتتفاجأ بمتابعته وحنانه ورفقه وأحيانًا لصلابته؛ إذا احتاج الأمر.
سعيد السريحي واليقظة من السبات اللغوي الدوغمائي
عبدالله الخطيب – ناقد وأكاديمي
في تمهيده لكتابه المُتفرِّد «تحرير المجاز.. هامش على جهود لطفي عبدالبديع اللغوية» يقول الدكتور سعيد السريحي: «حظيتُ بالتلْمَذة على يدي لطفي عبدالبديع وجلست إليه طوال اثني عشر عامًا جلوس المُريد إلى شيخه». لقاء سعيد السريحي بأستاذه لطفي عبدالبديع عامل أساسي لفك شفرة مسيرته المعرفية والفكرية. أثبت الزمن -رغم ما تعرَّض له من ألوان الأذى والتفتيش المتلبِّس بالأكاديمي- أن هذا اللقاء، وما نتج عنه من تشييد مفكِّر نوعي استوعب مبكرًا أخطار السير في الطرق المُعبَّدة مسبقًا، شكَّل المنعطف الأهم في تجربته الفكرية. انتقل إلى الاشتغال على اللغة انطلاقًا من قدرتها الفائقة على الكشف عن وجود الإنسان، وأنها مشيَّدة بطبيعتها على الرموز أكثر من تعبيرها عن الأشياء صراحةً.
غرس لطفي عبدالبديع في سلوك السريحي المعرفي مُفارقة الكليات والجزئيات التي تطرَّق لها القدماء. تحوَّل -عبر استبطان الحدود الفاصلة بينها- من مُتلقٍّ (تقليدي) إلى حامل لـ (منخل) معرفي لا يعتد ولا يعترف إلا بما يتَّسق مع قيم المعرفة الحقة (التجرد، والعقلانية، والتحقق). الجزئيات وظروف إنتاجها وتأويلاتها المحتملة هي التي جعلت سعيد السريحي بارعًا في اختراق العبارات «الحمْليَّة التي تخفي خلفها قضايا وجودية».
منعطف لطفي عبدالبديع، قبل كل شيء، منعطف (المنهج) الذي حمله معه على إثر سنوات إقامته في (تشيلي) وتمازج معه، ومع ما استجدَّ في فضاء الدرس النقدي هناك. بطرحه للمنهج النقدي (المخالف) للمؤالف الذي اقترحه دون أن يفرضه في جامعة أم القرى آنذاك، أيقظ سعيد السريحي من سُباته اللغوي الدوغمائي (إذا جاز لنا استعارة هذه العبارة من كانط). يقظةٌ طوَّرت وحوَّلت رؤيتَه لعلاقة اللغة بالشعر وبالخطاب الشعري من متلقٍّ (مقيَّد) إلى كاشف لـ «كينونته» وانفتاحه على فضاء اللامنتهي من المعاني والدلالات. غدت مقارباته العميقة للغة الشعر أحد أنجع أدواته لتقريب الإنسان من حقيقته وسرِّ وجوده. أصبحت اللغة وسيلتَه الأسمى لتفكيك تجربة الإستطيقا وعلاقتها في فهمنا للواقع. يقظةُ المنهج وتجاوُز السُّبات اللغوي (التقليدي) حوَّله إلى فاعل مسكون بإيجاد التوازن بين كُنه العقل وعاطفة القلب.
هل توقف السريحي عند رؤية لطفي عبدالبديع من إعادة «اللغة إلى الشعر» و«الشعر إلى اللغة» كما كان جُلُّ همِّ لطفي عبدالبديع؟ من يتأمل نصوصهم ومؤلفاتهم، يلحظ -دون عناء كبير- أنه تجاوز إلى حدٍّ ما أستاذه في الانخراط في زحزحة النصوص نحو فضاءات تأويلية؛ مستدعيةً ظروف إنتاج هذه النصوص التاريخية، والاجتماعية، والثقافية؛ كما فعل في كثير من مقالاته، وبخاصة كتاب «ما لم يقله الشاهد» الذي يعد مرجعًا في تكثيف الحسابات التأويلية التي لا تنمو إلا في فضاء الجزئيات واللامُتوقَّع.
سألت سعيد السريحي، في اللقاء المفتوح الذي عُقد معه في جمعية الثقافة والفنون قبل سنوات، عن المقدس في قلبه تماهيًا مع مقولة أمبيرتو إيكو: «لا يخلو قلب إنسان من مقدَّسٍ ما»؛ فأجابني: «إن كان ثمة ما هو مقدس في قلبي (دون المقدس الديني) فهي اللغة». علاقة السريحي باللغة علاقة من نوع خاص: بصمته الخاصة التي يستدرج بها الآخرين حتى أولئك الذين ليس لهم اهتمامات فكرية أو معرفية بما يطرح (يحبونه للغته ومن أجل لغته)، هي فتنته، وهي سلطته التي يقمع بها عند الحاجة إلى إعادة بعضٍ إلى أماكنهم الطبيعية. كما أن اللغة هي نواتُه الصلبة للاستفزاز، انطلاقًا من أن للاستفزاز جماليات، غالبًا ما تأخذنا في فضاءٍ ثريٍّ من اللامُتوقَّع.
سعيد السريحي القارئ النهم والنصوح الذي لم يغرر بنا!
محمد حبيبي – شاعر وأكاديمي
تستحق تجربة الدكتور سعيد السريحي الأدبية وأطروحاته النقدية تسليط الضوء عليها لما تنطوي عليه من تميّز وثراء، بدءًا من جهوده في تأصيل جذور التحديث في الشعر العربي منذ بداياته الأولى، عبر أطروحتيه عن أبي تمام، وأشعار المحدثين وريادته في «النقد الثقافي» حيث كان له السبق في الحفر الثقافي فيما وراء جماليات النص الشعري، وما يدور حوله وينتج عنه من أنساق ثقافية واجتماعية، بداية من كتابه «أركيولوجيا الكرم». ويضاف إلى ذلك رصيدٌ من المؤلفات الجديرة بالقراءة وإعادة النظر، بما يجعل مشروعه النقدي ثروة معرفية مفتوحة على قراءات متعددة ومن زوايا مختلفة.
لكنّ ثمة جوانبَ وأبعادًا سيرية لم يثبتها الدكتور سعيد في كتاباته ولقاءاته! يعرفها فحسب من جمعتهم به علاقة في مرحلة ما من مراحل رحلته العلمية والأدبية الثرية. وهنا سأتحدث عما عرفته وشهدته بنفسي من بدايات تعرفي على «سعيد السريحي» و«سعيد مصلح السريحي»!
حينما بدأنا الدراسة الجامعية، في عام 1407هـ بجامعة أم القرى بمرحلة البكالوريوس، كان «سعيد السريحي» عضو هيئة تدريس بكلية اللغة العربية. وعلى الرغم من أني لم ألتقه مباشرة في قاعات الدرس بالكلية، فإني كنت أعرف اسمه منذ السنة الأولى من خلال ترديد معظم الزملاء لاسمه وامتداح تدريسه؛ إذ كانت تلك الطريقة «السؤال عن أستاذ المقرر» هي المتبعة في المفاضلة بين أساتذة المقررات والتسجيل في شعبها؛ لكن لماذا هذا الأستاذ، الذي يمتدحه الطلاب، لا يدرس المقررات التخصصية في الأدب والنقد؟!
في السنوات الثلاث الأخيرة من مرحلة الدراسة تلك، ومع انفتاحنا على قراءة الصفحات الثقافية والملاحق الأدبية أخذ اسم سعيد السريحي «الناقد» يتكرس ويتبلور في أذهاننا أكثر فأكثر، وزاد ذلك من خلال حضورنا، ونحن طلبة بمرحلة البكالوريوس، فعاليات نادي جدة الأدبي، التي كانت تقام آنذاك في فندق العطاس. وكان بعضنا قد بدأ النشر لكتاباته، وبدأت أسماؤنا تظهر في بعض الصحف.
في سنتنا الأخيرة 1410هـ، حدث أول لقاء مباشر بيننا -وهنا أتحدث عن نفسي خاصة؛ إذ ربما بعض الأصدقاء من زملائنا قد تسنى له الالتقاء بالدكتور سعيد في قاعات الدرس، أو على هامش بعض الفعاليات- غير أن هذا اللقاء الذي تم على طاولة ورشة نادي جدة الأدبي في تلك السنة، كان أول لقاء مباشر يجمعني بالدكتور سعيد السريحي، وما زال سؤاله في بداية ذلك اللقاء يصدع في ذهني إلى الآن: «ما الذي يدفعكم للانخراط في هذا التيار برغم كل ما ترون وتسمعون من هجوم عليه؟!».

أجاب كل منا عن السؤال بطريقته، ثم تحدث هو بكل شفافية، عن أن من سبقونا لم يواكب بداياتهم مثل هذا الهجوم، وأن فرص الحضور والمشاركة في الفعاليات لم يعد لها ذلك الوهج، والانتشار! وأننا قد نعاني كثيرًا التبعاتِ والصعوباتِ والعراقيلَ والمضايقاتِ! ثم ختم حديثه المتعلق بهذا السؤال بكلمات مشجعة جدًّا لنا؛ إذا قُدِّر لنا الاستمرار في هذا المشوار! كانت تلك الحقبة تشكل ذروة «الصراع حول الحداثة». عقب ذلك اللقاء تيقنت من إجابة السؤال: «لماذا لم تكن تسند لسعيد السريحي مواد تخصصية؟» إنهم يخشون أن يؤثر هذا الحداثي في فكر الطلبة من خلال التصور السائد بأن الحداثة قطيعة مع التراث!
ما سبق هو المرحلة الأولى من معرفتي بالدكتور سعيد السريحي، أما المرحلة الثانية فكانت مع بداية التحاقي بالدراسات العليا ببرنامج الماجستير بكلية اللغة العربية بجامعة أم القرى، بداية من عام 1411هـ. وهنا بدأت علاقتي بمكتبة الجامعة المركزية تتوثق أكثر، فقد كانت نادرة في مرحلة البكالوريوس؛ وأصبحت مختلفة تمامًا. كنت أقضي أوقاتًا مطولة في المكتبة، متنقلًا بين كتب الأدب والنقد والبلاغة ودواوين الشعراء القدامى، وبدأت أستعير العديد من الكتب لقراءتها خارج المكتبة.
لفت نظري تكرر اسم «سعيد مصلح السريحي» بهذه الصيغة الثلاثية؛ بينما المكرس في ذهني الاسم بصيغته الثنائية «سعيد السريحي». فهل هو «سعيد مصلح السريحي» الذي يتكرر معي في بطاقات استعارات الكتب التي تكون ملصقة في ظهر جلد الغلاف الأخير من كل كتاب، وفيها تجد أسماء من استعاروا الكتاب من قبل، بخط أيديهم؟! ظننت للوهلة الأولى أن الاسم ربما مختلف! أو أنها مصادفة في كتابين أو ثلاثة. في البداية كان تركيزي على ما أحتاج إليه من كتب متعلقة بطبيعة الموضوع الذي سأبحث فيه -كنتُ في مرحلة الاختيار والمفاضلة بين أكثر من موضوع لأطروحة الماجستير- لكن عندما تكرر الأمر في المرتين الثانية والثالثة، حيث أجد في جلّ الكتب التي استعرتها من المكتبة اسم «سعيد مصلح السريحي»!
وهنا استبدّ بي الفضول أكثر، لأتأكد أولًا من أن صيغتي الاسمين كلاهما تشيران للدكتور سعيد السريحي. وتأكدت أنه هو نفسه! بعدها زاد بي الفضول أكثر؛ فلم أعد أدقق في الكتب التي سأستعيرها فحسب، وإنما صار فضولي مع كل كتاب أراه في رف ويقع في يدي أن أستبق النظر إلى الغلاف الأخير حيث ملصق بطاقات الاستعارة! لعلي أجد كتابًا لم يستعره قبلي «سعيد مصلح السريحي»!
وهنا شهادة حق أني طيلة أربع سنوات، لم يحدث أن احتجت كتابًا لأستعيره من مكتبة جامعة أم القرى المركزية، ولم يستعره قبلي «سعيد مصلح السريحي»! باستثناء كتب قليلة جدًّا؛ وباستثناء الكتب التي عليها عبارة «للمطالعة فقط، ممنوع الاستعارة».
أي سعة اطلاع وطاقة قرائية كانت لدى ذلك الرجل المدعو «سعيد مصلح السريحي»! وهل كان يدرك من حجروا تدريسه على المقررات «العامة» أنه من أكثر من اطلعوا على كتب التراث الذي يتهمونه بمقاطعته لتوجّهه «الحداثي»!
أما المرحلة الثالثة من علاقتي بالدكتور سعيد السريحي فكانت في أثناء كتابتي لرسالتي العلمية! وكان قد بات يعرفني شاعرًا وباحثًا؛ ويتفضل عليّ بالمعاملة بصفتي زميلًا وصديقًا -وهو بمنزلة أستاذ لي- وفي هذه المرحلة كنت مدينًا له بالنصح والتوجيه؛ حيث كان وقتها قد ناقش رسالته للدكتوراه، ومُنِح درجة الدكتوراه «علنًا»، ولكنه أصر على ألا يرضخ لمقترحات المناقشين. وهنا بدأت شرارة الإجراءات المتعاقبة التي انتهت بتراجع إدارة الجامعة عن قرار استكماله إجراءات منح الدرجة. ولذلك كان ينصحني بألا أكرر ما ألزم نفسه به! بأن أتحاشى قدر الإمكان في الرسالة كل ما يبدو فيه بحسب «آراء أساتذة القسم» توجهات حداثية من مصطلحات ومراجع وأسماء مؤلفين! وأن أتحلى بالمرونة في التعامل مع مقترحات مشرفي ومقترحات المناقشين، فيما أثبته من آراء تحليلية! «والرضوخ» والتسليم إن اقتضى الأمر بما يرون تغييره واستبعاده من مقاطع في الرسالة. وهمس لي ببيت الشعر: ودارهم ما دمت في ديارهم.. وجارهم ما دمت في جوارهم!
وبالفعل، كان لنصائحه أثر كبير في مستهل مشواري العلمي الأكاديمي.
النقد بوصفه ضرورة حضارية
مستورة العرابي – شاعرة وأكاديمية
الدكتور سعيد السريحي ليس ناقدًا عابرًا في المشهد الثقافي، بل هو مشروع معرفي، تزخر سيرته العلمية والفكرية بالنبل والعطاء والحصافة، ويتميّز بحضور مهيب، وفكر عميق، وطرح رصين، ولغة آسرة، وانزياحات أسلوبية متفرّدة جعلت من كتابته فعلًا معرفيًّا وجماليًّا في آنٍ معًا. لقد قدّم للوطن وللثقافة رصيدًا معرفيًّا متنوعًا، أسهم في توسيعِ أفقِ النقدِ الأدبيِّ، وفي إعادةِ مساءلةِ المسلَّماتِ، وفتحِ أبوابٍ جديدةٍ للتفكير والتأويل.
بدأ السريحي مشروعه النقدي مبكرًا بكتابٍ تأسيسي مهم هو «شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الحديث»، كشف فيه عن وعي منهجي حاد، وقدرة لافتة على الموازنة بين التراث النقدي العربي ومناهج النقد الحديث، بعيدًا من القطيعة أو التبسيط. ثم توالت أعماله الفكرية والنقدية التي اتسمت بالجرأة المعرفية والاشتباك العميق مع الأسئلة الثقافية، كما في «غواية الاسم: القهوة وخطاب التحريم»، حيث تتقاطع الثقافة بالأنساق الاجتماعية والدينية، ويتحوّل اليومي إلى نص قابل للتفكيك والتحليل.
وفي كتبه الأخرى مثل «الرويس»، و«عتاب التهجي»، و«العشق والجنون»، و«الكتابة خارج الأقواس»، تتجلّى ملامح ناقد لا يكتفي بالتحليل الأكاديمي الصارم، بل ينفتح على الكتابة بوصفها تجربة فكرية ووجدانية، تتقاطع فيها الذات مع النص، ويصبح النقد ممارسة ثقافية تتجاوز حدود التصنيف التقليدي. وقد بلغ هذا المنحى ذروته في كتابه «الحياة خارج الأقواس»، الذي يقدّم فيه نموذجًا مميزًا لكتابة التخييل الذاتي، حيث تمتزج السيرة بالفكر، والنقد بالحياة، في نصٍّ مفتوح على التأويل والأسئلة.
ولم تقتصر إسهامات الدكتور سعيد السريحي على نتاجه العلمي والنقدي الغزير، بل سبقته وصاحبته مشاركة فاعلة ومؤثرة في الحراك الثقافي والفكري العربي والمحلي، من خلال حضوره في المؤتمرات والملتقيات، ومشاركته في المنابر الأدبية والثقافية، فضلًا عن كتاباته الصحفية المتميزة التي تناولت الشأن الثقافي والاجتماعي برؤية نقدية واعية، ولغة مسؤولة، وموقف فكري واضح.
لقد كان الدكتور سعيد السريحي أحد روّاد التحديث الأدبي والثقافي، ممن آمنوا بأن النقد ليس ترفًا معرفيًّا، بل ضرورة حضارية، وبأن الثقافة الحية هي تلك التي تطرح الأسئلة، وتراجع ذاتها، وتنفتح على التحوّل. ولا تزال إسهاماته سارية في تشكيل الوعي الأدبي والثقافي والفكري في بلادنا.
سعيد السريحي، الفنان لا الناقد!
علي زعلة – ناقد
في مطلع عام 1989م، وفي إثنينية الراحل عبدالمقصود خوجة، اجتمع أشياخ الأدب ورواده من رؤساء الأندية الأدبية وغيرهم. ليلتها دعا مضيفهم عبدالفتاح أبو مدين الشعراء منهم ليلقوا قصائدهم في نهاية النقاش، وكان أن ألقى جملة من الشعراء قصائدهم، مثل: الأساتذة عبدالله بن إدريس، ومحمد هاشم رشيد، ومحمد العيد الخطراوي، وسعيد السريحي، ومحمد زايد الألمعي، وعبد المحسن حليت. ألقى الدكتور سعيد السريحي قصيدة عمودية وأخرى من شعر التفعيلة، ولم يبدُ أنه أُقحِم في غير مكانه شاعرًا بين الشعراء، أي لم يكن ناقدًا يتعاطى الشعر أو يقرضه أو يجرب قدراته الإبداعية من خلاله. وكان مما ألقى الدكتور سعيد ذاك المساء قصيدة عمودية، مما جاء فيها:
إني رأيت ملاك الشعر محتضرًا وقد تسرب في أوصاله الخدرُ
ونحن نجلس في المركاز، شاعرنا كهلٌ تجمّع فيه الكِبْرُ والكِبَرُ
لا يحسب العِلم إلا أنه نتفٌ من الأحاديث، يُستحلى بها السمرُ
وفتيةٍ عن سبيل العلم قد نشزوا: فما يبالون ما قالوا وما سطَروا
لم يعرفوا الضاد حرفًا عزّ مطلبه فليس يدرون ما المفعول والخبرُ
تسوّروا الشعر لما عزّ ناصرُه فأين؟ لا أين، ما خطّوا وما نشروا
انظر صحائفهم، يُنبيك ظاهرُها بموسم القحط؛ لا زهرٌ ولا ثمرُ
ما أريد قوله هنا: إن سعيد السريحي الشاعر/ الفنان توارى وانزوى عن الباب والشرفة إلى حوافّ التجربة لا صدرها، إلى هوامش الناقد والمثقف الذي استبدت بمتونه شعرية أبي تمام وبنيوية شعراء بني العباس والنقد الجديد. انتظم خلال ذلك كله أكاديميًّا وصحافيًّا وإذاعيًّا، محسوبًا على رموز الحداثة، غير مدّعٍ لمزية النضال أو صفة الريادة أو التضحية الثقافية أو الفكرية ضد المحافظة أو التشدد الفكري. وبرغم ما لاقاه من أشكال العنف الثقافي والاجتماعي في الجامعة والمجتمع والفضاء المحافظ، فإنه لم ينسب لنفسه ريادةً ما، وظلّ يصرح بتواضع الكبار أنه ليس ذلك المناضل الذي أراد زعزعة شيء أو التمرد على آخر.
كل ما هنالك أنه أراد أن يقول ما يهجس به، ويجرّب من الأمر ما يعتقد أنه يتقنه، مُحاذِرًا تكرار ما قد قيل سلفًا، أو أن يُثقل المكتبة العربية بمحتوى مكرور أو مستنسخ عن سابقه. وكان في ذلك يستحضر وصية أستاذه الناقد الراحل الدكتور لطفي عبدالبديع، في الابتعاد من الطرح المستعاد والقول المألوف.
التقيت السريحي في حلقة من برنامجي «المتن والهامش» على الثقافية السعودية عام 2014م، كان سعيد قد جاوز الستين من عمره يومها. سألته: أما زلت تكتب الشعر؟ فأجاب: يكتبني الشعر أحيانًا، لكنني لا أستطيع أن أجيب أما زلت أم لا، أنا لا أعرف.
سألته: لم تصدر أي مجموعة شعرية؟ فقال: ولن أصدر.
قلت: لماذا؟ أجاب: هناك عدم رضا؛ أتذكر لأبي تمام بيتًا من الشعر:
ويسيء بالإحسان ظنًّا لا كمَن هو بابنه وبشعره مفتونُ!
ثم أضاف: ترعبني فكرة أن أكون مفتونًا بما أكتب. وأن أجمعه في ديوان هو غاية الفتنة. إذا كان فيما نشر لي -داخل المملكة أو خارجها- خيرٌ فسيجد متثوّبًا يجمعه، أمّا أنا فحسبي أن ارتكبتُ إثمَ أن نشرته مفرّقًا هنا وهناك!».
قال لي سعيد أيضًا: «يشغلني أنني حين أستعيد ما يتجاوز الثلاثين عامًا لا أجد فيما أنجزت ما يمكن أن يشكّل رضا عن نفسي. أحاول جهدي أن أنتهز ما تبقى من العمر -ولستُ أعرف ما الذي تبقى منه- في أن أنجز مجموعة من الأعمال التي ما زالت معلقة».
في السنوات التي تلت حوارنا ذاك، أغدق سعيد بعطاءات فنية إبداعية ونقدية مختلفة تمامًا، أرى أنها أقرب إلى روحه البدوية الحرة، ومواقفه الذاتية والمعرفية من العالم، ونبله الحفي بالإنسان والمكان والتقاليد الجمالية العليا، من كل طروحاته النقدية المميزة السابقة، أعني تلك الكتب الصادرة منذ عام 2013م: «الرويس» والهوية المنشطرة، «عتبات التهجي»، تلك القراءة التأويلية الحرة المذهلة في تجربة محمد الثبيتي، السيرة الطباقية المشغولة بمتعة وألم كبيرين في «الحياة خارج الأقواس»، وصولًا إلى روايته (جدة 915هـ) آخر أعماله الصادرة قبل أن يفجعنا به المرض رده الله من مخالبه!
حين أتيح للفنان أن يتحرر من كماليّته، وللمفكر أن يتخفف من صرامته ويصطنع منهجيته الخاصة، عرفنا من أبي إقبال صوتًا متفرّدًا؛ قدّم مقاربات نقدية أقرب إلى النص وإلى المجتمع، وأنتج سردًا ممتعًا حكيمًا محكَمًا، في أكثر من كتاب. ويمكن النظر إلى هذا المنجز بوصفه فصلًا جديدًا ومستقلًّا تمامًا، يوازي ما سبق من نتاجه، إن لم يتفوق عليه، فصلًا يضاف إلى تجربة الدكتور سعيد السريحي ومشروعه المعرفي الممتد على مدى نصف قرن؛ ذلك لأن نسغ الفن أصيل بداخله؛ لأنه في الأساس روحُ فنّانٍ اغتنت بالفكر النقدي، وليس ناقدًا قرّر أن يجرّب حظّه في الفنون!
سعيد السريحي: من المطابقة إلى الاختلاف
فخري صالح – ناقد ومترجم فلسطيني
الصديق الناقد والباحث سعيد السريحي كان، وما زال، أحد أعلام التحديث الثقافي والنقدي، على صعيد الفكر والنظرية والرؤية، في المملكة العربية السعودية. فعندما تحضر الأسماء التي ساهمت في تحويل المشهد النقدي، في المملكة، فإن السريحي يكون في مقدمة هذه الأسماء، إلى جانب ثلَّة قليلة سعت إلى تحديث النص وتحديث الرؤية. لقد كانت تجربته النقدية، وكتاباته، في صحيفة عكاظ، وكذلك في مجلة «علامات»، علامةً على الانتقال بالنقد الأدبي، وكذلك بالفكر النقدي، الذي يوجه هذا النقد، من التقليد إلى الحداثة، ومن المطابقة إلى الاختلاف، ومن استعادة فكر الماضي، وترداد أقوال السابقين، دون إضافة أو فحص لهذا الفكر، وقابليته للكشف عن تجارب الحاضر، إلى البحث عن أشكال جديدة من النظر، وقراءة التجارب والنصوص الأدبية الجديدة استنادًا إلى كشوف النظرية المعاصرة.
بهذا المعنى، فإن اشتغال سعيد السريحي على النصوص القديمة، أو النصوص الجديدة، تأسس على فكرة الاختلاف في الأساس، وعلى قدرة الناقد المعاصر على الكشف عما تنطوي عليه النصوص من إمكانات التأويل وثراء المادة النصيَّة، التي تعرض نفسها أمام عين القارئ المعاصر، الذي يعثر في النصوص القديمة على ما لم يعثر عليه أسلافه من النقاد العرب. وهو ما يجعل النص الأدبي قابلًا للكشف بصورة مستمرة عن طبقاته الخافية: الدلالية والنصيَّة والثقافية، من خلال استخدام أدوات لسانية وتحليلية، نصيَّة وثقافية، جديدة لم تتوافر للناقد العربي القديم. ولعل هذه الرؤية، التي ترى في النص بنيةً غيرَ قارة، وعملًا ما يفتأ يكشف عن معانيه، وتعدديته، هي التي تجعل عمل سعيد السريحي، وعددٍ قليل من مجايليه وأقرانه، من النقاد ودارسي الأدب في السعودية، ينفتحون على النظريات اللسانية والنصيَّة الحديثة في العالم، عبر الاتصال بتلك النظريات، من خلال الاطلاع عليها في لغات إنتاجها، أو عبر الترجمات؛ ليعيدوا النظر في النص العربي القديم، ويسلطوا ضوء تلك النظريات على النصوص الجديدة، كذلك.
من التقليد إلى الحداثة
يتمثَّل فضل السريحي، وثلَّة قليلة من أقرانه، ومن ضمنهم عبدالله الغذامي وسعد البازعي وميجان الرويلي ومحمد العباس، وغيرهم، في أنهم استطاعوا أن ينتقلوا بالنقد والبحث الأدبي في المملكة العربية السعودية من التقليد إلى الحداثة، ومن نظرية المحاكاة إلى أفق الاختلاف والتعدد. وهو ما جعل النصَّ الأدبي السعودي، شعرًا ورواية وقصة قصيرة، يتحوَّل هو نفسه، ويدخل زمان الحداثة، في شكلٍ من أشكال التلازم، والتطور المتبادل، بين النص الحديث والنقد الحديث. وقد كان سعيد السريحي واحدًا ممن قاتلوا بضراوة على صفحات الصحف والمجلات، كما في مؤلفاته، التي تناولت الأدب العربي القديم، والنص الجديد؛ لكي يحدث هذا الانتقال بالرؤية النقدية، وأشكال الاشتغال على النصوص الأدبية، من القدم إلى الحداثة، ومن النسقية إلى الخروج على الأنساق؛ أي من المطابقة، التي تحكم الفكر النقدي غير الحديث، إلى الاختلاف، الذي يسم النصَّ والنقدَ والنظريةَ في زمن الحداثة.
السريحي مشروع ثقافي مفتوح
فوزي عمر الحداد – ناقد وأكاديمي ليبي
بدت لي تجربة الشاعر والناقد الدكتور سعيد السريحي منذ تعرّفي المبكر إلى منجزها، واحدة من أكثر التجارب العربية إثارة للأسئلة، وأشدّها وعيًا بإشكاليات الكتابة والقراءة في آنٍ معًا. إن الحديث عن السريحي هو حديث عن مشروع ثقافي يتجاوز حدود الشعر أو النقد ليقارب سؤال الثقافة بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا يهدأ. ففي تجربته الشعرية الطويلة لم أجد قصيدة تسعى إلى إرضاء الذائقة السائدة أو تكرار أنماط مألوفة، بل وجدت كتابة قلقة متأملة تراهن على المعنى العميق أكثر من الرنين البلاغي. قصيدة السريحي لا تُقرأ على عجل، إنها تطلب قارئًا شريكًا، قادرًا على الإصغاء إلى ما تقوله اللغة وما تواريه في آنٍ واحد. وقد شدّني في هذه القصيدة ذلك التوازن الدقيق بين التكثيف والغموض المنتج، حيث لا يتحول الغموض إلى إبهام ولا تنزلق المباشرة إلى تقرير.
ولعل من أهم ما يلفت النظر هو حضور التراث في شعر السريحي بوصفه ذاكرة حيّة لا مخزونًا جامدًا. فالمرجعيات التراثية لا تظهر عنده كعلامات ثقافية جاهزة، بل تدخل في نسيج النص لتؤدي دورًا دلاليًّا يفتح أفق التأويل بدل أن يغلقه. وهنا تتجلى علاقة الشاعر بالتراث بوصفها علاقة سؤال وحوار، لا علاقة تبعية أو قطيعة. غير أن فهم هذه التجربة الشعرية يظل ناقصًا إذا لم يُقرأ في ضوء المنجز النقدي للسريحي. فمن خلال كتبه يتضح أن ما يكتبه في الشعر يجد جذوره العميقة في وعي نقدي حاد، منشغل بإعادة النظر في مفاهيم الحداثة، وإشكالية التراث وحدود القراءة والتأويل.
لقد وجدتُ في هذه الكتب خطابًا نقديًّا لا يكتفي بالوصف، بل يسعى إلى التفكيك والمساءلة بلغة تجمع بين الدقة والقدرة على الإقناع. ومع ذلك، فإن ما يحسب للسريحي هو قدرته على عدم جعل وعيه النقدي سلطة تضغط على تجربته الشعرية، فالناقد لا يطغى على الشاعر، كما أن الشاعر لا يميع صرامة النقد. هذا التوازن في تقديري، هو أحد أهم أسرار فرادة مشروعه، وهو ما يجعل نصوصه عصية على التصنيف السهل. لقد ارتبط اسم سعيد السريحي بعدد من السجالات الثقافية التي أثارتها مواقفه الجريئة من قضايا الحداثة والتأويل ونقد الخطاب التقليدي، على مثال كتابيه: «العشق والجنون: دولة العقل وسلطان الهوى في الثقافة العربية»، و«كي لا نصحو ثانية: تفكيك خطاب الصحوة وآليات الهيمنة على المجتمع». ومن زاوية متابعتي لهذه السجالات، لم أجد فيها نزوعًا إلى الصدام من أجل الصدام، بقدر ما وجدت إصرارًا على قول ما يراه ضروريًّا، مهما كانت كلفته الثقافية وهذا ما يمنح تجربته بعدًا أخلاقيًّا إلى جانب بعدها الجمالي والمعرفي.
إن شهادتي هذه لا تدّعي الإحاطة بتجربة الدكتور سعيد السريحي، لكنها تؤكد قناعتي بأننا أمام مثقف عربي كتب الشعر بوصفه معرفة، وكتب النقد بوصفه فعلًا إبداعيًّا، وجعل من العلاقة مع التراث سؤالًا مفتوحًا لا يقينًا مغلقًا. وهي تجربة أراها جديرة بقراءة متأنية، وبحضور دائم في النقاش الثقافي العربي المعاصر.
سعيد السريحي: الناقد المتعدد
شعيب حليفي – ناقد وأكاديمي مغربي
تحتاج الثقافات الوطنية دائمًا إلى مثقفين متعددي المهام، يحملون قضايا الثقافة على كاهلهم، من خلال تجديد الأسئلة الثقافية ووصلها بما يمنحها القدرة على العبور بين الأجناس بحثًا عن أسئلة متجددة تروم الدفاع عن الإنسان والمجتمع.
وتختزل سرديات سعيد السريحي صورة المثقف والناقد والأديب الذي ينهض بتجربة تستحق الانتباه في قدرته على عدم الارتكان إلى المكرور من الأسئلة، واختياره الزوايا الصعبة والمقلقة التي تعكس تعدده المعرفي الذي يقارب به أسئلته النقدية في مجالات نقد النص الأدبي، شعرًا ونثرًا، بين الرؤية الأكاديمية الرصينة وبين الانفتاح على النقاش الهادئ مكسرًا الحواجز بين النقد والفكر والسرد، مع لغة تجمع الصرامة المفهومية والحسّ الأدبي.
كما منح المقال الثقافي شرعية معرفية، وحوّل الناقد من مجرد شارح إلى فاعل ثقافي يشتبك مع القيم والمجتمع.
تعرية المسكوت عنه
وتكمن الجِدّة في كتابات السريحي في قدرته على التحوّل من النقد الوصفي إلى النقد الإشكالي وطريقة الاشتغال التي قارب فيها النصوص بأدوات التفكيك والحفريات وكسر الحدود بين الأجناس، وبنقل النقد من النخبوية الأكاديمية إلى المجال العمومي دون تسطيح. كما تتمثل حداثته في تعرية المسكوت عنه، القيمي والأخلاقي، داخل الخطاب، وفي تعامله مع التراث بوصفه خطابًا تاريخيًّا قابلًا للتأويل لا مخزونًا مقدسًا، وهو ما جعل مواقفه تميل إلى مساءلة القيم السائدة: سلطة التراث، أخلاق الامتثال، وخطاب الهوية المغلق، من دون السقوط في عداء لهذا التراث أو افتتان بالغرب. كتاباته الصحافية تمثل امتدادًا لهذا الوعي، فقد نقل النقاش الحداثي من الحقل الأكاديمي إلى المجال العمومي، رابطًا الفكر بالسؤال الاجتماعي، ومؤكدًا أن الحداثة ممارسة نقدية مستمرة.

الوجه الأكثر وضوحًا واكتمالًا للخطاب الفكري الليبرالي
عادل ضرغام – ناقد مصري
يمثل سعيد السريحي، الناقد والمفكر السعودي، مرحلة مهمة من مراحل تطوّر الخطاب الثقافي عامةً، والخطاب النقدي خاصةً، في المملكة العربية السعودية. ويعد مع الغذامي ومعجب الزهراني ومحمد العبّاس، وآخرين بالضرورة، المرايا العاكسة لحالة التناحر التي كانت موجودة وساخنة في حقبة سابقة، والتي سادت بين خطاب الليبرالية والصحوة الإسلامية، وبخاصة حين كان خطاب الصحوة مهيمنًا في ظل سطوته وتأثيره الكبير، لدرجة أن كثيرين كانوا يداهنون هذا الخطاب. فهؤلاء المفكرون -وإن كانوا ينتمون إلى أجيال مختلفة، ويتبعون أساليب ومنطلقات مختلفة في إسدال الفكر الليبرالي أو الحداثي في مواجهة الخطاب الآخر- لهم التأثير الكبير في زحزحة الأصولية من عرينها، في مقارباتهم للشأن الثقافي العام، بل كان لهم تأثير، بنسب متفاوتة، في التأسيس للخطاب الفكري الليبرالي، فأصبحت له هوية ووجود ملموس على أيديهم، في ظلّ منجزهم الكتابي.
الوجه الرائق
يمثل سعيد السريحي الوجه الرائق لهذا الخطاب، أو الوجه الأكثر وضوحًا واكتمالًا، ومنجزه هو الأكثر حضورًا لفكرة الحداثة في المملكة العربية السعودية، وربما يكون أكثر المفكّرين تضررًا؛ لأنه دفع ثمنًا غاليًا، لإيمانه بأفكاره، وتمسكه بها دون شبهة التخلي عنها أو التنصل منها، بالرغم من المحاولات العديدة التي بذلت في هذا السياق.
لكن مشروعه الفكري أو النقدي، بالرغم من كونه مشروعًا، لم يترك له المجال للتأثير بسهولة في عقول الأجيال اللاحقة؛ لأن أصحاب الاتجاه الأصولي كانوا يمارسون نوعًا من التعتيم والتشويه المتعمّدين لهذا الخطاب، وقد حكى لي كثير من طلابه، الذين ارتبطوا به وبمنهجه في التفكير، في مرحلة الجامعة، كيف كانوا يجلّونه، ويحترمونه، وينظرون لأفكاره بكثير من القداسة، وبخاصة هؤلاء الطلاب الذين كان لديهم ميل إلى الكتابة الإبداعية؛ لأنهم يعرفون قيمة الحرية، وينفرون من القيود،؛ فقد عوّدهم على أن يقاربوا الجديد ويعاينوه دون خوف من سلطة المحو أو الانسحاق. وبوسع أي باحث لتاريخ حركة الحداثة في المملكة أن يتوقف عند هؤلاء الطلاب ودورهم المغاير في مقاربة الأمور.
في أثناء حديثي مع طلابه، الذين صاروا أساتذة، أدركت كثيرًا من الأمور الغريبة، وعرفت بعضًا من أسماء الأعلام المتورطين في هذه المشكلة التي لا يدفع ثمنها، من جهده وعقله وراحته، إلا كل مغاير، أو كلّ صاحب نظرة أو توجه مختلفين عن السائد. فمنهجه في كل ما كتب جاء محمّلًا بالرغبة في نفض الغبار عن كل الخطابات الأصولية المتكلّسة، وموجّهًا نحو مقاربة كل الأمور في سياق وجهة نظر تحتمي بالعقل والمنطق، بعيدًا من المعاد والمكرّر غير القادر على تحريك الساكن، أو غير القادر على بثّ الحياة في الأجزاء التالفة أو الميّتة. فقد كشفت نظرته للتراث عن عين انتقائية في البحث عن الأشياء المهمة؛ لينقلها إلى منزلة مغايرة داخل خطابه الذي يعيد تخصيبها مرّة أخرى وفق توجّه جديد يتساوق مع اللحظة الراهنة.
بواسطة الفيصل | مارس 1, 2026 | الملف
صناعة الكتاب مهمة صعبة ومظلومة في الوطن العربي

محمد رشاد – ناشر مصري ورئيس اتحاد الناشرين العرب
دخلت صناعة النشر إلى العالم العربي بعد نحو أربع مئة سنة من اختراع يوهان غوتنبرغ المطبعة عام 1442م. ومن ثم هناك فارق زمني كبير تأسست فيه قواعد المهنة في الغرب، وترسخت فيه العلاقة بين الناشر والمؤلف والقارئ، حيث أصبح كل منهم على معرفة بحقوقه. أما لدينا فلا توجد حتى الآن محددات واضحة لحقوق كل طرف. فالناشر هو شخص يدير عملية النشر بين المؤلف والموزع والمطبعة، والثلاثة كل منهم منفصل عن الآخر. وأنا بصفتي مسؤولًا في صناعة الكتاب أرى أن صناعة النشر في العالم العربي ضعيفة، وتتأرجح ما بين الصعود والهبوط لأسباب كثيرة.
كان هناك رواج في صناعة النشر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وبخاصة في مصر. فمع إنشاء محمد علي مطبعة بولاق، وبعد البعثات التي أرسلت إلى أورُبا صار هناك صناعة قوية. وكان هناك ازدهار للصناعة طوال السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات أيضًا، فكنا نطبع من الكتاب الواحد خمسة آلاف نسخة أو سبعة آلاف، وكنا نطبع من كتب الأطفال عشرين ألف نسخة، لكننا الآن لا نطبع من كتب الأطفال سوى ألفي نسخة؛ وذلك لتكاليف الألوان، أما الكتاب العادي فيطبع في أفضل الحالات ألف نسخة، وهناك بعض دور النشر تطبع خمسين نسخة.
على الرغم من زيادة عدد المدارس والجامعات والسكان على مستوى الوطن العربي، فإن عدد المطبوع من الكتاب في تراجع. وكل الحجج التي تسوِّغ ذلك هي حجج ضعيفة، من قبيل أن الجيل الجديد يفضل الكتب الإلكترونية. وهذه حجة باطلة؛ لأن الإحصائيات تقول: إن عدد المطبوع من الكتاب الورقي في أورُبا وأميركا يزيد من ثمانية بالمئة إلى عشرة بالمئة، فرغم أنهم صناع التكنولوجيا الحديثة، فإنهم رسّخوا عادة القراءة منذ الصغر فقد ارتبطوا بالكتاب. الأمر لدينا على النقيض، فلا يوجد اهتمام بالقراءة. ومن ثم فأبرز التحديات اللي تواجهها صناعة النشر في الوطن العربي هي ضعف الاهتمام بالقراءة منذ الصغر.
طبعات وهمية
هناك مشكلة أخرى تتمثل في ارتفاع نسبة الأمية. فإذا كانت نسبة الأمية في بعض البلدان تصل إلى خمسة وعشرين أو ثلاثين بالمئة، فهذا الرقم أيضًا يقلل من كمية المطبوع من الكتاب. المتعلمون أيضًا عازفون عن القراءة، فكثيرون يعتقدون أن القراءة تنتهي بتخرجهم من الجامعة. كل ذلك يؤثر في صناعة النشر ويجعل بعض الناشرين يطبعون خمسين نسخة، ويكتبون عليها الطبعة الأولى والطبعة الثانية. ولأنهم لا يملكون منافذ توزيع يرتفع سعر الكتاب؛ لأن الكمية المطبوعة محدودة. هناك أيضًا مشكلة أجهزة الرقابة، فهذا الكتاب مسموح به هنا وممنوع هناك. إضافة إلى مشكلة القراءة المتخصصة، بمعنى أن كل مثقف يقرأ حسب التوجه السياسي أو الفكري الخاص به.
هناك أيضًا ظاهرة تزوير الكتب أو الاعتداء على الملكية الفكرية. في البدء كان التزوير بطباعة نسخ ورقية، الآن هناك أيضًا التزوير الإلكتروني على شبكة الإنترنت. فكل من يقرأ كتابا ويعجبه يرفعه على موقع من فور خروجه من المطبعة. نحو تسعين بالمئة من كتب الناشرين، التي تلقى رواجًا، مقرصنة على شبكة الإنترنت. ورغم أن القانون يمنع ذلك، فإن تنفيذ القانون ليس بالمستوى المطلوب. فضلًا عن زيادة معدلات الضرائب على الكتب، فبعض البلدان العربية تفرض ضريبة القيمة المضافة على الكتاب، وتصل بعض بلدان الخليج إلى 15 بالمئة، وفي بعض الدول 5 بالمئة. هؤلاء يرون أن النشر نشاط تجاري مثله مثل السيارات أو العقارات.
مكتبات عامة
أما أخطر نقطة -لأنها من الأسباب الرئيسة في ازدهار صناعة النشر في الدول المتقدمة- فهي المكتبات العامة، فعلى الدولة أن توفر للمواطن مكتبة عامة في كل حي، بحيث يدفع الراغب في القراءة رسم نشاط بسيط، بينما تقوم الجهة الرسمية بتحمل باقي الميزانية. فالناشر الأورُبي قبل أن يصدر الكتاب يرسل ملخصًا عنه إلى المكتبات؛ ليكون على معرفة بعدد النسخ التي سيطبعها. ومن المفترض في المجتمعات الأكثر رفاهية أن تكون هناك مكتبة عامة لكل عشرة آلاف نسمة، تضم كل منها عشرة آلاف عنوان، أما في البلدان الأقل رفاهية فإن كل خمسين ألف نسمة يكون لهم مكتبة عامة. ولو حسبنا عدد المكتبات العامة على مستوى الوطن العربي فلن نجدها تتناسب مطلقًا مع عدد السكان.
في السنوات الأخيرة كلما حدثت أزمة اقتصادية في أي دولة فإن الميزانيات المخصصة للكتب سواء في المكتبات المدرسية أو الجامعية أو المراكز الثقافية، تتراجع من فورها. هناك أمر آخر يسهم في ازدهار صناعة النشر في الدول المتقدمة، وهو أن الناشر يشارك في تأليف وطباعة وتوزيع الكتاب المدرسي، وهذا يوفر عوائد له، وبالتالي يستطيع أن يغامر وينشر لوجوه جديدة. إضافة إلى أن الأجهزة المنوط بها تنفيذ قوانين الملكية الفكرية ليس لديها دراية كاملة بأهمية حماية واحترام الملكية الفكرية. كما أن ثورات الربيع العربي أخرجت بلدانًا مثل ليبيا وسوريا واليمن من خريطة المعارض والتوزيع.
نشاط خدمي
لا تعترف الدول العربية بأن النشر صناعة، وتعدّه نشاطًا خدميًّا، على نقيض الدول المتقدمة التي تعدّه نشاطا صناعيًّا، أي أنه يأخذ كل الدعم، ويهتم به في عمليات التصدير. فمثلًا في وقت كورونا، خصصت مصر نحو مئة مليار لدعم الصناعات، لم يستفد منها الناشرون المصريون. لكن في بعض الدول، مثل الإمارات والمغرب، خصصوا مبلغًا للناشرين. فضلًا عن أن مفهوم التنمية الثقافية ليس موجودًا في معظم الدول العربية. حيث ترى الحكومات أن الأهم هو التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فالتنمية الثقافية بالنسبة لها هي آخر ما تهتم به، رغم أنه من المفترض أن يكون الاهتمام بالتنمية الثقافية في المقام الأول كي أخلق مواطنًا واعيًا يتقبل السياسات الموجودة.
مهنة النشر في العالم العربي مربحة إذا كان الناشر لديه أدواته، لكن في العموم لا يساوي العائد من النشر في العالم العربي لا الجهد ولا الوقت ولا المال الذي ينفق عليه؛ لأنه لا يبيع إلا قدرًا محدودًا. في العالم الغربي يُعَدّ الناشرون في مرتبة عالية من ناحية النمو الاقتصادي. يكفي أن نعرف أن تجارة الكتاب تأتي في أميركا بعد صناعة السلاح، وقبل تجارة المخدرات؛ لأن معدل مبيعات الكتب يصل إلى ثمانية وعشرين مليار دولار في العام. لكن في عالمنا العربي لو كان الناشر ملتزمًا، ولديه المهنية الكاملة ويحافظ على حقوق المؤلفين فبالكاد يغطي مصروفاته.
هناك قاعدة تقول: إن الجيل الأول أو المؤسس الأول يعيش على نحو مقبول من المهنة، أما الجيل الثاني فيصبح حاله أفضل؛ بفضل الخبرة والمعرفة، أما الجيل الثالث فيتمتع بفضل جهود الجيل الأول والثاني. أما دُور الناشر الجديدة عامةً، فبعضها تحقق أرباحًا بالفعل؛ إذ يأخذ أموالًا من المؤلفين على أساس أنه سيطبع ألفًا أو ألف وخمس مئة نسخة من العمل، ثم لا يطبع غير خمسين نسخة أو ستين نسخة. والناشر الجاد الذي يحافظ على اسمه وسمعته لا يفعل ذلك، ولا يذهب إلى كتابة أرقام طبعات وهمية على كتبه بدعوى أنها أكثر مبيعًا، ولا يجاري بعض المؤلفين الراغبين في كتابة أرقام طبعات وهمية على كتبهم.

الرقابة
بصفتي ناشرًا، فأنا ضد الرقابة بكل أشكالها وأنواعها، وأرى أن الرأي يرد عليه بالرأي، مهما كان، حتى لو كان في التابوهات الثلاثة المعروفة: الدين والجنس والسياسة. لكني مقتنع بضرورة أن تكون هناك رقابة ذاتية من الناشر والمؤلف. بمعنى أن نراعي تقاليد المجتمع من دون أن نجور على حق المؤلف في كتابة إبداعه. لا بد من نوع من التفاهم بين الناشر والمؤلف، ومراعاة القيم الموجودة على نحو لا يقتل حرية الإبداع، وألا يكون فيه صدام مع الرأي العام في المجتمع. بمعنى أن نصل إلى المجتمع بالشكل الذي أريد أن أصل إليه من دون صدام معه.
الحقيقة أن أدوات الرقابة في العالم العربي ما زالت موجودة على نحو تقليدي، وقد آن الأوان -مع ظهور التكنولوجيا بمستحدثاتها، وظهور النشر الإلكتروني والصوتي والتفاعلي- أن تتغير قواعد ومفاهيم الرقابة، وأن نتفق جميعًا، كُتّاب وناشرون، على عدم نشر كتب تدعو إلى الإرهاب والتطرف، أو إلى تفكيك المجتمع من الناحية الإباحية، أو التشكيك في القيم والعادات الأساسية للمجتمع. الرقابة بشكلها التقليدي بلا قواعد واضحة ولا محددة، فلا أحد -حتى إدارات الرقابة- تخبرنا لِمَ مُنِعَ هذا الكتاب، وكأن فكر الرقيب، الموظف في إدارة إعلام أو ثقافة، أعلى من فكر المؤلف أو الناشر.
علينا أن نعترف أن المقولة القديمة: إن «مصر تكتب، وبيروت تطبع، والعراق يقرأ» قد تغيرت على نحو كبير، وبخاصة أن نسبة ما كانت تنتجه مصر من كتب، حتى ستينيات القرن الماضي، تصل إلى نحو 65 بالمئة وهو ما ينتجه العالم العربي، وأن هذه النسبة تراجعت الآن لنحو النصف، نظرًا لدخول صناعات النشر في كثير من الدول العربية، وبخاصة منطقة الخليج؛ تلك التي بدأت حكوماتها تنتبه إلى أن الثقافة أمر أساسي. وحين يكون لديها كوادر في القوة الناعمة فإن ذلك يساعدها على الوجود على نحو حضاري أفضل، فضلًا عن العائد المادي الكبير للمواطن في منطقة الخليج، وهو ما يجعل الناشر يحرص على أن يكون موجودًا في معارض الخليج. وهناك ظاهرة أخرى الآن وهي أن دول الخليج أصبحت في مرحلة جذب لدور النشر، وبخاصة المصرية، التي بدأت توجد في دول مثل الإمارات والسعودية. هناك ما يقرب من مئة وتسعين ناشرًا مصريًّا فتحوا فروعًا لهم في المنطقة الحرة في مدينة الشارقة. فالخليج سوق جاذب والمملكة العربية السعودية تعد من أهم الأسواق في العالم العربي.
عوائد التأليف
في النهاية، إن تُغُلِّبَ على نصف هذه المعوّقات، فإن الكاتب سيعيش من عوائد كُتبه، مثلما كان حال عدد قليل من الكتاب مثل: محمد حسنين هيكل. وربما استفاد ورثة طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ من طباعة أعمال آبائهم أكثر منهم؛ لأن العائد كان لهم بسيطًا. فمثلًا طه حسين كان يأخذ مئة جنيه في الكتاب من دار المعارف. وعلى الرغم من أنه كان مبلغًا له قيمته في ذلك الوقت فإن العائد كان ضئيلًا؛ لأن الكميات المطبوعة كانت قليلة. فإذا أردنا أن تكون هناك عوائد للمؤلف من كتبه فلا بد أن يكون هناك توزيع جيد، وناشر يحافظ على حقوق المؤلف، ويطور من أدواته بحيث يأتي بعوائد للمؤلف سواء من النشر الورقي أو الإلكتروني أو الصوتي، حتى من وسائل الإعلام. فأن تقوم جريدة بنشر كتاب على صفحاتها بدعوى أنها تقوم بعمل دعاية للكتاب فهذا مرفوض، ولا بد أن تدفع الجريدة مقابلًا للناشر الذي يقتسم العائد مع المؤلف وفقًا لبنود العقد، كذلك الأمر مع الأحاديث الإذاعية والبرامج التلفزيونية.
الحاجة إلى شركة توزيع عربية

بشار شبارو – ناشر لبناني وأمين عام اتحاد الناشرين العرب
في بداية الألفية الجديدة كنا نقول: إن الرقم الذهبي في الطباعة هو ألف نسخة، وأحيانًا ثلاثة آلاف أو خمسة آلاف نسخة. اليوم مع تطور الماكينات الحديثة أصبح الرقم الذهبي هو مئتي نسخة، وهو ما رفع من تكلفة الطباعة. فمن المعروف أن طباعة أي كتاب تمر بمراحل مثل الجمع والتصحيح والتحرير والإخراج الفني والغلاف وغيرها، وتكاليف هذه المراحل توزع على كل النسخ إلى جانب سعر الورق. وكلما زاد عدد المطبوع قلّت تكاليف هذه المراحل، حتى تصبح مع الأرقام الكبيرة، مليون نسخة مثلًا، إلى صفر تكاليف. ولا يكون هناك سوى سعر الورق المستخدم فقط. لكن مع الماكينات الرقمية أصبح عدد المطبوع قليل، فارتفع سعر النسخ، فضلًا عن ارتفاع سعر الدولار في مختلف البلدان، وبالتالي ارتفاع أسعار الورق والأحبار وأجر العاملين في الطباعة ومكافآت المصممين والمحررين وغيرهم.
للأسف، لا يملك اتحاد الناشرين العرب، ولا حتى الاتحادات المحلية، سلطة فعلية على الناشر؛ إذ لا يوجد ما يُلزمه بطباعة عدد معين من النسخ. فالاتحاد ينظم أمورًا مهنية، لكنه لا يملك سلطة تحديد سعر معين للكتاب؛ فإذا رفع الناشر سعر الكتاب فذلك شأنه الخاص. ومن هنا يفضّل كثير من الناشرين العمل على الكتب الأكثر مبيعًا أو انتشارًا، وهذا حقهم؛ لأن النشر في النهاية مهنة واستثمار، وصاحب رأس المال يسعى إلى تحقيق الربح.
شركة توزيع
أكبر المشكلات التي تواجه الناشرين هي غياب شركة توزيع على مستوى البلدان العربية. المتاح هو شركات توزيع الصحف، وهي توزع الكتب الصغيرة والخفيفة، وبذلك فالكتاب هو السلعة الوحيدة التي من دون شركة توزيع، لهذا يتجه الجميع إلى معارض الكتب بوصفها حلًّا مؤقتًا، لكنه لا يمكن أن يكون حلًّا دائمًا أو كافيًا. وقد أخفقت الدول حتى الآن في حل مشكلة غياب شركة توزيع عربية؛ بسبب تعقيدات تختلف من بلد إلى آخر، مثل الرقابة، وتحويل الأموال، وسعر الصرف، وغيرها. أما محاولات إنشاء شركة توزيع على مستوى العالم العربي فقد بدأت منذ نحو عشر سنوات، بمبادرات خليجية، وبخاصة من أبوظبي، حيث جرى التواصل مع كبرى شركات التوزيع الألمانية، وأُنجزت دراسات، وعُقدت لقاءات لمسؤولي تلك الشركات في القاهرة والإمارات وغيرها، لكن المشروع لم يصل إلى نتيجة، وبقي الحلم مؤجّلًا بسبب تلك الصعوبات.
من هنا، يصبح من الضروري أن يتخذ وزراء الثقافة العرب قرارًا بإنشاء شركة توزيع للكتاب على مستوى العالم العربي، حتى تعمّ الثقافة ويصل الكتاب إلى الجميع، ويصبح سعره في متناول القارئ العادي؛ لأن زيادة عدد النسخ المطبوعة تؤدي، بطبيعة الحال، إلى انخفاض سعر النسخة الواحدة. وإلى أن يتحقق هذا المشروع، يمكن اقتراح حلول انتقالية. من بينها أن يتجه الناشرون إلى النشر المشترك؛ فالعالم العربي مقسّم، عمليًّا، إلى ثلاثة فضاءات: المشرق والمغرب والخليج. فلماذا لا يتعاون ناشر من المشرق مع آخر من المغرب وثالث من الخليج في طباعة الكتب؟ على هذا النحو يصل الكتاب الخليجي إلى المشرق، ويصل الكاتب المغربي إلى الخليج، ويزداد عدد النسخ المطبوعة من ألف إلى ثلاثة آلاف مثلًا.
وهناك فكرة أخرى لتجاوز عقبات التوزيع، تقوم على إنشاء مكاتب في المدن الكبرى مزوّدة بماكينات طباعة رقمية، تتبع شركة لها موقع إلكتروني تشارك فيه دور النشر بأعمالها. يختار القارئ الكتاب ويدفع ثمنه عبر الإنترنت، وتصله النسخة خلال ساعتين أو ثلاث ساعات من أقرب مكتب إليه.
وفي النهاية، يمكن القول: إن التحديات التي تواجه الناشرين كثيرة، من الرقابة والجمارك إلى ضريبة القيمة المضافة وغيرها؛ إذ يُتعامل مع الكتاب بوصفه سلعة استهلاكية تُفرض عليها الرسوم والضرائب. ومع ذلك، لا تتعامل كل الدول بالطريقة نفسها مع الكتاب وصناعته؛ فهناك دول مثل المملكة العربية السعودية تُعدّ من أكبر أسواق الكتاب، وهناك دول تقدّم دعمًا مهمًّا للناشرين، كما في الإمارات، سواء للناشرين المحليين أو العرب والأجانب، عبر الجوائز والترجمة ودعم النشر.
صناعة الكتاب في السعودية: تحديات وفرص نحو المستقبل

هدى الدغفق – صحافية سعودية
يشهد عالم النشر السعودي حراكًا متسارعًا يعكس شغفًا وطموحًا لدى الناشرين والمؤلفين الشباب خاصة، مع تزايد ملحوظ في دور النشر السعودية وتنوع إصداراتها. لكن تواجه هذا الحراك تحديات جوهرية تتعلق بالاحتراف المؤسسي، وجودة المحتوى، وشبكات التوزيع، والاستدامة المالية. نناقش في هذا التقرير واقع صناعة النشر الحديثة في المملكة، مؤكدين أهمية الاستثمار في المحتوى، وبناء هوية ثقافية للدار، وتطوير قدرات فرق العمل، واستثمار الدعم الحكومي بشكل ذكي لتعزيز النمو المستديم. في هذا التقرير مع بعض الناشرين السعوديين، يتضح أن مستقبل النشر السعودي يرتبط بقدرة الدُّور على الانتقال من العمل الفردي إلى الاحتراف المؤسسي، ومن الطباعة إلى صناعة ثقافية متكاملة، تجمع بين الابتكار والجودة والاستمرارية.
حراك النشر المستمر
الناشرة السعودية ابتسام التويجري، صاحبة دار مضامين، ترى أن الحراك المتسارع في عدد دور النشر السعودية -الذي ارتفع من 374 دارًا في عام 2014م إلى 522 دارًا في عام 2019م، وفق إحصاءات مكتبة الملك فهد الوطنية- يعكس شغف وطموح الناشرين والمؤلفين، ورغبتهم الجادة في إثراء المكتبة العربية والمحلية. وترى التويجري أن هذا التوسع لا يخلو من عشوائية في بعض الجوانب؛ فمع صعود دُور جديدة وشابة، يلاحظ انحسار دُور أخرى كانت فاعلة في السابق. ويُعَدّ هذا الصعود والانحسار ظاهرة طبيعية في أي سوق تنافسي، لكنه يعكس تحديات أعمق تتعلق بنماذج العمل، وغياب الدراسات السوقية الدقيقة، والاعتماد على الجهود الفردية أكثر من العمل المؤسسي المستديم. وتؤكد أن الاستمرارية في عالم النشر تتطلب رؤية إستراتيجية، وقدرة على التكيف، وبناء علامة تجارية ثقافية راسخة.
وتشير التويجري إلى أن قطاع النشر يواجه تحديات جوهرية، أولها: ضعف شبكات التوزيع؛ فالكتاب السعودي لا يزال يعاني صعوبة الوصول إلى القارئ محليًّا وعربيًّا. ثانيها: محدودية الدراسات السوقية والبيانات الدقيقة، التي تساعد الناشرين على اتخاذ قرارات مستنيرة بشأن ما ينشرونه ولمن. ثالثها: التحدي المالي؛ إذ إن النشر صناعة رأسمالية تتطلب استثمارات كبيرة في الطباعة والتسويق والتوزيع، وهو ما يشكل عبئًا على دور النشر الناشئة. وتؤكد أن الانتقال من الهواية إلى الاحترافية الكاملة يتطلب تعزيز البنية التحتية لصناعة النشر، بما يشمل المطابع والتوزيع والقدرات البشرية وبرامج التدريب المتخصصة.
أمّا دُور النشر الرسمية، فترى التويجري أن غيابها له وجهان؛ فمن جهة يمثل فرصة إيجابية لقطاع النشر الخاص ليتطور وينافس بحرية، وهو ما يحفز على التنوع والإبداع ويمنع احتكار الصوت الواحد. ومن جهة أخرى، يمثل غياب جهة نشر رسمية قصورًا؛ إذ تلعب هذه الدور -في كثير من دول العالم- دورًا حيويًّا في نشر الأعمال التراثية والكتب الأكاديمية والمشاريع الثقافية الكبرى التي قد لا تكون ذات جدوى تجارية للقطاع الخاص. وترى أن الدار الرسمية يمكن أن تكون رافدًا ومكملًا لجهود القطاع الخاص، مع دعم المشاريع طويلة الأمد وتقديم أعمال ذات قيمة معرفية عالية، مشيرة إلى أن وزارة الثقافة أسست فعليًّا في 2019م دار نشر سعودية بمعايير عالمية لرفع جودة المحتوى الأدبي ونشر الثقافة السعودية.
وتثمن التويجري دعم الدولة المقدم من هيئة الأدب والنشر والترجمة والصندوق الثقافي، الذي شكل نقطة تحول في تمكين الناشرين والمؤلفين. وتوضح أن الدعم لا يقتصر على التمويل المباشر، بل يمتد إلى بناء بيئة متكاملة وحافزة، مثل مبادرات «ترجم» وبرامج تمكين مهنة «الوكيل الأدبي» وتطوير بيئة المطابع وتقديم برامج تدريبية متخصصة، بما يعزز الاحترافية في القطاع. وتشير إلى أهمية التحول الرقمي، مع إطلاق برنامج النشر الرقمي في 2021م، الذي يقدم الدعم الفني والتقني لتحويل الأعمال إلى كتب رقمية وصوتية، بما يوسع وصول الكتاب السعودي للمستفيدين ويثري المحتوى العربي الرقمي، مع الحفاظ على مكانة الكتاب الورقي.
وترى التويجري أن الصندوق الثقافي يقدم حلولًا تمويلية مبتكرة تساعد دور النشر على الاستمرارية والنمو، وتخفف الأعباء المالية، بما يمنح الناشرين القدرة على التخطيط طويل المدى والمغامرة المحسوبة في اكتشاف المواهب الجديدة. وتؤكد التويجري في الختام أن عالم النشر في السعودية يقف على أعتاب مرحلة جديدة، مدفوعًا برؤية طموحة ودعم حكومي غير مسبوق، وأن روح المبادرة والشغف لدى الناشرين مقترنة بسياسات ومبادرات داعمة تبشر بمستقبل واعد لصناعة نشر سعودية قوية ومؤثرة، تليق بتاريخ المملكة الثقافي العريق، وتطلعاتها نحو المستقبل.
فرص النشر والاستدامة
أما الناشر السعودي صالح الحماد، صاحب (دار رشم)، فيلفت إلى أن عالم النشر في السعودية يمر بمرحلة انتقالية مهمة، ليست مرحلة تأسيس بعد، ولا نضج كامل، بل منطقة وسطى مليئة بالفرص والتحديات. ويلاحظ حراكًا ثقافيًّا واضحًا، مع ارتفاع عدد الإصدارات والفعاليات واهتمام متزايد بالكتاب. ويؤكد أن دار رشم، منذ تأسيسها عام 2019م، شهدت هذا الحراك مباشرة، حيث شاركت إصداراتها في القوائم الطويلة والقصيرة للجوائز العالمية، وفازت روايتان بالجائزة العالمية للرواية العربية لعامين متتاليين، إضافة إلى الفوز بالمركز الأول في الجوائز الكبرى لجائزة القلم الذهبي، وهو ما يعكس جودة المحتوى الذي تختاره الدار.
يرى الحماد أن هذا الحراك لا يزال غير منظم بالقدر الكافي ليُنتج صناعة نشر متماسكة ومستديمة، موضحًا أن أبرز التحديات تشمل غياب المعايير المهنية الواضحة لدى بعض الدور، ضعف سلاسل التوزيع، غياب البيانات الدقيقة عن السوق، ومحدودية التحرير العميق والتطوير الحقيقي للنصوص. ويشدد على أن النشر لا ينبغي أن يُختزل في الطباعة فقط، دون رؤية تحريرية، أو مشروع ثقافي، أو استثمار طويل الأمد في الكاتب والكتاب.
ويشير إلى أن دار رشم تتبنى نهجًا مختلفًا، فهي تبني هوية معرفية لكل سلسلة من سلاسلها، وتضع معايير محددة لاختيار الكتب وآليات تقويمها، مع التركيز على ثقافة «الاختلاف» التي تكشف عن تجارب إنسانية متنوعة، وتفتح آفاقًا جديدة لدى القارئ، بعيدًا من المعايير المغلقة والمفاهيم الثابتة.
ويحدد الحماد ثلاثة عناصر أساسية يفتقدها قطاع النشر السعودي لتطوره: أولًا، الاحتراف المؤسسي، حيث يجب أن تُدار دُور النشر بعقلية صناعة لا اجتهاد فردي. وثانيًا، الاستثمار في المحتوى نفسه، من تحرير واختيار وبناء هوية معرفية لكل كتاب، مع مراحل متعددة من القراءة والتحرير الإبداعي مع الحفاظ على استقلالية النص. وثالثًا، منظومة توزيع وتسويق فعّالة، تضمن وصول الكتاب إلى قارئه الطبيعي، مع المشاركة في المعارض والفعاليات الثقافية المختلفة.

ويعلق على صعود بعض دور النشر الجديدة وانحسار أخرى، موضحًا أن هذا أمر طبيعي وصحي لأي سوق حي، وأن البقاء في السوق يتطلب تطورًا مستمرًا، استثمارًا في الترجمة عالية الجودة، التحرير الإبداعي، الوكالة الأدبية، والتسويق المتخصص، إضافة إلى توسيع النشاطات لتشمل المعرفة السينمائية والأدب الناشئ وقصص الشعوب. ويُعَدّ الحماد أن عدم وجود دار نشر رسمية له وجهان؛ من جهة إيجابية لأنه يحافظ على استقلالية النشر ويتيح تنوعًا حقيقيًّا. ومن جهة أخرى يحتاج السوق إلى جهات مؤسسية داعمة للمشاريع الكبرى، بما في ذلك ترجمة الأعمال المهمة وتمثيل الكتاب السعودي خارجيًّا بشكل منظم. ويشير إلى أن دار رشم تسعى لسد هذه الفجوة من خلال شراكات إستراتيجية مع هيئة الأدب والنشر والترجمة، صندوق الثقافة، ومركز الملك عبدالعزيز للثقافة (إثراء).
يشير الحماد أيضًا إلى أن الدعم المقدم من هيئة الأدب والنشر وصندوق الثقافة هو خطوة مهمة، وقد ساعد في تحريك السوق وإتاحة مساحة للتجربة والتوسع، مع التأكيد أن المرحلة المقبلة تتطلب دعمًا أكثر تخصصًا وذكاءً، ويركز على جودة المحتوى واستمرارية الدور والابتكار وبناء القدرات المؤسسية للناشرين، بحيث يكون الدعم شريكًا إستراتيجيًّا لا مجرد ممول. ويخلص الحماد إلى أن السعودية أمام فرصة تاريخية لبناء صناعة نشر قوية، مرهونة بالقدرة على الانتقال من «كمّ الكتب» إلى «قيمة الكتاب»، ومن الجهد الفردي إلى العمل المؤسسي، ومن اللحظة الآنية إلى رؤية طويلة المدى. ويؤكد أن دار رشم ملتزمة بهذا التحول، بهدف بناء صناعة نشر تحترم الكاتب والقارئ والكتاب نفسه، وتستند إلى الاحتراف المؤسسي والرؤية الثقافية والاستثمار الحقيقي في المحتوى.
تحديات النشر
في حين يراهن الناشر إبراهيم السنان، الناشر والمستشار الثقافي، إلى أن النشر في السعودية، بشكله الحديث، بدأ فعليًّا في العقدين الماضيين، ويتميز من النشر التقليدي الذي كان يركز على الكتب الأكاديمية والمتخصصة، وكتب التراث الإسلامي والعربي. ويُعرِّف النشر الحديث بأنه النشر العام، الذي يشمل جميع أنواع الكتب، سواء كانت أدبية أو تعليمية وثقافية وتنموية وفلسفية وغيرها. ويؤكد السنان أن الناشرين السعوديين حققوا مستوى مرتفعًا من الاحترافية والتنافسية مقارنة بالدور العربية التي سبقتهم بما يزيد على نصف قرن، مع طفرة إضافية تأتي عبر ما تقدمه هيئة الأدب والنشر والترجمة.
ويؤكد أن قطاع النشر لا يعاني عشوائية مطلقة، إنما غياب الفهم المؤسسي والمهني لدى بعض المبادرين والمتحمسين لممارسة النشر. ويشير إلى أن مجرد حب القراءة أو القدرة على التأليف لا يكفي؛ إذ إن النشر مهنة تتطلب أدوات مهنية وإدارية ومالية وإستراتيجية، إضافة إلى القدرة على إدارة المشاريع، والفهم الفني للطباعة والتسويق والتوزيع. ويضيف أن انخفاض ربحية قطاع النشر يجعل من الضروري للناشر امتلاك هذه الأدوات، فغالبًا ما تقتصر بعض الدُّور المهمة على ثلاثة أو أربعة موظفين فقط، وهو ما يجعل العشوائية نتيجة غياب العمل المؤسسي الجاد والمحترف.
ويصف السنان عملية النشر الحديثة بأنها تتطلب ما لا يقل عن 19 مرحلة إدارية وفنية وتشغيلية من تسلُّم الكتاب كمسودة حتى وصوله لسوق الكتب، لكن العديد من دور النشر تختصرها إلى ثلاث مراحل أو أربع؛ بسبب نقص الكوادر أو ارتفاع التكاليف، وهو ما ينعكس على سعر الكتاب وربحية الدار. ويشير إلى أن هذا الواقع يفسر صعود دور نشر سعودية جديدة، وانحسار أخرى؛ إذ إن استمرار أي دار يعتمد على قدرتها على التكيف مع السوق وضمان الاستدامة.
أما فيما يتعلق بالدور الحكومية أو الرسمية، فيرى السنان أن فكرة وجود دار نشر حكومية يمكن أن تكون مفيدة لإعادة نشر الكتب التي تتجنبها الدور التجارية بسبب ارتفاع التكاليف أو انخفاض الربحية، مع مراعاة عدم خلق منافسة غير عادلة. ويضيف أن هذه الدور يمكن أن تركز على الكتب ذات المنفعة العامة، بما يضمن وصولها لجميع فئات المجتمع بأسعار مناسبة، مستشهدًا بتجارب مماثلة في مصر والكويت.
ويشير السنان إلى أن هيئة الأدب والنشر والترجمة تقدم دعمًا متنوعًا للقطاع، يشمل التدريب الفني والإداري، بهدف رفع مهنية الناشرين وتأسيس صناعة احترافية مقارنة بأفضل الممارسات الدولية. كما يقدم صندوق الثقافة دعمًا موازيًا في التمويل والتدريب والاستشارات، وهو ما يرفع من قيمة القطاع ويعزز استدامته المالية. ويؤكد السنان أن الاستدامة المالية هي أكبر تحدٍّ للقطاع الثقافي، وأن أي دور نشر لا تحقق ربحية مستديمة ستواجه صعوبة في البقاء، وهو ما يؤدي إلى بدء دُور جديدة ثم توقفها بسرعة.
بعض مظاهر أزمة النشر في المغرب

حسن بحراوي – ناقد مغربي
تزامن ظهور دور النشر العربية الأولى، مع حلول القرن التاسع عشر، عبر انطلاق بعض المؤسسات المختصة في كبريات مدن الشرق العربي – مثل القاهرة وبيروت وبغداد- التي سارعت إلى الانخراط في عمليات تعميم المعرفة والثقافة. وكانت في مقدمتها مطبعة بولاق التي أنشأها، في القاهرة محمد علي عام 1820م، ومطبعة بيروت التي أطلقها الآباء اليسوعيون في عام 1840م، ومطبعة البستاني التي دشنها بطرس البستاني في عام 1850م.
وفي المغرب تأخر ظهور المطبعة الحجرية إلى عهد السلطان المولى الحسن (ت: 1894م) التي وصلته هدية من القاضي محمد الطيب الروداني، أحد الحجاج المغاربة، وقد اشتراها من تركيا. وكانت فرنسا التي احتلت الجزائر منذ 1830م قد جلبت لإدارتها مطابع عصرية بالحرف الفرنسي لأغراض إدارية ودعائية تهمها.
من الرفض إلى البناء المؤسساتي
وإذا كانت نيتنا الاقتصار على التأريخ لظاهرة الطباعة في المغرب سيكون علينا أن ننظر في الأطروحة التي أنجزها العراقي الدكتور فوزي عبدالرزاق في جامعة هارفارد الأميركية، ونشرها تحت عنوان: «مملكة الكتاب: تاريخ الطباعة في المغرب» (1990م)، وهو الكتاب الذي رصد فيه موقف المغاربة من التكنولوجيا الآتية من الغرب المسيحي ورفضهم استخدام الطباعة العصرية خشية مما قد يمكن أن يصيب القرآن الكريم من تصحيف وتحريف لمضمونه ومساس بقدسيته، علمًا أنهم قد تعرفوا إلى أهمية الطباعة منذ القرن السادس عشر عندما بلغتهم منجزاتها عبر الرحلات والسفارات.
على أن هذا الموقف المبدئي لم يمنعهم من التعاطي مع منجزات المطبعة قراءة وتداولًا، بل وممارسة مهنية كانت تدرُّ عليهم بعض الأموال. بل كانت بداية القرن العشرين سبيلهم إلى نشر جريدة في مدينة طنجة بعنوان: «لسان المغرب»، كانت لسانهم للرد على «جريدة السعادة» التي أطلقتها المفوضية الفرنسية لمناهضة سياسة السلطان المغربي. وسوف يجري استعمال الطباعة في أعقاب ذلك لتجاوز البنية التقليدية لنظام التعليم المغربي العتيق عبر استعمالها في نشر الكتاب المدرسي وتطوير طرائق التلقي البيداغوجي، واتخاذها أساسًا في سبيل إشاعة الأفكار الإصلاحية وتقوية ممكنات الوعي الوطني.
وفي أعقاب حصول المغرب على الاستقلال (1956م) عاشت حركة النشر ركودًا متواصلًا؛ بسبب غياب البنيات التحتية من مطابع ووسائل النشر وآليات التوزيع، وهو ما أثَّر سلبًا في القدرة الإنتاجية وفي جودة المطبوعات. كما أن غياب الكفاءات المهنية، من محررين ومصممين، كان له دور حاسم في هذه الوضعية. ثم هناك أيضًا محدودية سوق الكتاب الناتجة عن ضآلة أعداد القراء وانتشار الأمية ومحدودية التعليم. وأخيرًا قلة المكتبات التي من المفترض أن تساهم في ترويج الكِتاب عندما يجد طريقه إلى النشر.
لكن في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي ستظهر جملة من دُور النشر المغربية التي على قلة عددها وتواضع إسهاماتها ستحاول النهوض بدورها في تأثيث المشهد الثقافي والأدبي والحفاظ على الهوية الوطنية. ومع أن المعلومات بصدد إصداراتها ضئيلة وغير متواترة؛ بسبب غياب التوثيق الرقمي الشامل وقلة الوجود على الإنترنت، فإننا يمكن أن نذكر أولى تلك الدور، وهي: دار الثقافة، بالدار البيضاء، التي أنشأها اللبناني نزار فاضل مع بداية الاستقلال، ودار الكتاب، التي أقامها وطنيون مغاربة في الحقبة نفسها تقريبًا، متبوعتان بدار النشر المغربية، التي أسسها الإعلامي المغربي محمد برادة، أواسط الستينيات، وعُدَّت من أنشط دور الطباعة والنشر وأطولها عمرًا. وذلك قبل أن تهلّ سنوات الثمانينيات التي ستشهد انطلاقة جملة من الدُّور الوطنية ذات الحضور اللافت في تاريخ النشر بالمغرب. نذكر من بينها: منشورات عكاظ (1981م)، ومؤسسة بنشرة (1982م)، ودار إفريقيا الشرق (1983م)، ودار توبقال (1985م)، ودار الفنيك (1987م). وصولًا إلى التسعينيات التي توجت بظهور دُور لامعة قدرًا وكيفًا، مثل: دار الأمان (1991م)، دار البوكيلي (1993م) ودار السلايكي (1994م).
على أن هذا التكاثر المتزايد لدُور النشر في الساحة المغربية لم يكن مصحوبًا بسلاسة وسهولة في عمليات الطبع والتوزيع لأسباب موضوعية متعددة كانت ناجمة في معظمها عن حداثة التجربة ونقصان الوسائل المادية والمهارات التقنية. ولذلك احتاج ميدان النشر إلى تكاثف الجهود الفردية والمؤسساتية التي مهَّدت أمامه الطريق ومنعت استفحال المصاعب الميدانية من كل نوع.

أزمة النشر من القارئ إلى المؤلف
ومن بين مظاهر أزمة النشر بالمغرب، التي لا يزال بعضها قائمًا إلى اليوم، يمكننا أن نقف عند طاقم متعدد الأطراف؛ يبدأ بالمؤلف، ويتواصل بالناشر والموزع، وينتهي بالقارئ الذي يشكل آخر حلقة وأضعفها في هذه السلسلة المترابطة. ولعل الحكمة تقتضي منا أن نبدأ بهذا العنصر الأخير؛ لأنه يمثل في رأينا نقطة حاسمة في عملية النشر.
إن انخفاض ثقافة القراءة، بين مختلف الفئات العمرية، يعود لسبب أساسي أول هو انخفاض القدرة الشرائية الذي جعل الكتاب بعيدًا من متناول القارئ من الفئات المستضعفة، بل الطبقة المتوسطة كذلك. يضاف إلى ذلك تراجع الإعلام الثقافي في مجال الدعاية للكتاب خلافًا لما كان عليه الأمر في السابق، وهو ما جعله يشكل عقبة أمام تنشيط دورة الكتاب من طبع ونشر وتوزيع وقراءة.
ومن جملة الأشياء، أن القارئ المغربي لا يصرف سنويًّا أكثر من 35 درهمًا على اقتناء الكتاب الثقافي، وهو الشيء الذي يجعل المغرب تُصنف في رتبة متأخرة عالميًّا (33) في مجال القراءة بحسب إحصائيات البرنامج الدولي لتقويم المتعلمين (2022م). وهو ما يؤكد ما سبق أن ذكرناه بصدد ضعف التنشئة القرائية التي تقف وراءها في المقام الأول الحالة المتردية للمدرسة العمومية.
وأما المؤلف نفسه فيعيش عزلة متزايدة ويشتكي من قلة الإقبال على إنتاجاته التي تراجعت قيمتها الربحية وتضاءل، مقارنة بالإقبال الذي كان في الماضي. فبعد أن كان يحصل من الناشر على ربع سعر الغلاف، في أعقاب عملية النشر والتوزيع، أصبح مطلوبًا منه اليوم أن يساهم في تكلفة الطبع، ولا ينال سوى نسخ معدودة برسم المكافأة (العمولة).
ونتيجة هذا الوضع أن المؤلف صار يلجأ إلى عملية النشر الذاتي التي تفرض عليه دفع كامل تكلفة الطبعة، وهي في الوقت الراهن تتجاوز 3000 د، مقابل 100 نسخة من الكتاب الواحد، على ألا يتوقع في أفضل الأحوال ربحًا يقع بين 15% و20% وليس أكثر من ذلك؛ بسبب ضآلة فرص التسويق الناجمة عن احتكار التوزيع. وكل ذلك يجعله مضطرًّا إلى خيارات أخرى.
فهناك من يجازف في عملية التوزيع الفردي للمنشور الذاتي، حيث يقع المؤلف ضحية التوزيع المجحف للشركات (أكثر من 50% من سعر الغلاف) أو المتقشف للمكتبات والأكشاك (25%). وفي الحالتين يلاحظ تدهور حالة المرتجعات، بحيث لا تعود صالحة في الأغلب للتداول أو القراءة. وهناك من يلجأ إلى طريقة البيع قبل الطبع حيث يعتمد المؤلف على المتطوعين من أصدقائه ومعارفه الذين يقبلون على اقتناء الكتاب قبل صدوره مساهمة منهم في حل مشكلة المؤلف مع المطبعة والموزع؛ على أن يضمن لهم الحصول على النسخة عند صدورها؛ وهو أمر ليس فيه أي شيء مؤكد. وهناك من يلجأ إلى دور النشر العربية، فيواجه مشكلات أخرى، مثل: عدم تحديد مدة زمنية لعمليات الطبع والتوزيع، وعدم الحصول على تعويض مهما قلَّتْ قيمتُه.
وزارة الثقافة وسياسة دعم الكتاب
سيبدو لأول وهلة أن المؤسسة الرسمية في المغرب، المعنية بأمر النشر، وهي وزارة الثقافة، لا تولي اهتمامًا كافيًا بدعم هذا القطاع. غير أن الواقع العياني يحيلنا إلى جملة من الحقائق الدامغة التي في مقدمتها أن وزارة الثقافة المغربية تواصل ممارسة سياستها المرسومة منذ عقود عدة لمواكبة عمليات النشر عبر مجموعة من المبادرات التي ترمي إلى تشجيع التأليف والنشر وتوفير دعم مالي سنوي للمشاريع الثقافية وجعل الكتاب متاحًا لأوسع شريحة من المواطنين وبأنسب الأسعار.
وتتسع لائحة المستفيدين من هذه المبادرة الرسمية لتشمل القطاعات التالية: دعم الناشرين في المجال الثقافي والتربوي بمنحة سنوية جاوزت في هذه السنة مبلغ مئتي مليون درهم (أكثر من 22 مليون دولار). دعم الموزعين للمشاركة في حضور المعارض العربية والدولية بهدف الترويج للكتاب المغربي بمبلغ يجاوز أربعة ملايين درهم. ودعم المجلات الثقافية بمبلغ قارب المليون درهم. وتضاف إلى ذلك مبالغ مهمة أخرى لدعم النشر الخاص بالأشخاص غير المبصرين، ودعم مكتبات البيع، وتأمين مشاركة الكتاب المغاربة في إقامة المؤلفين، والمساهمة في إطلاق وتحديث المجلات الثقافية الإلكترونية… إلخ
غير أن هذه الجهود التي تبذلها الوزارة المعنية لم تسلم من النقد والمساءلة الموضوعيين، وفي مقدمة ذلك أن صرف هذه المبالغ يتم لصالح الناشرين تحديدًا، وليس للمؤلفين ذوي المصلحة الأولى في الدعم. وكان من نتائج هذا الدعم أن دور النشر المغربية لم تعد تطبع على نفقتها الخاصة، كما هو متوقع من شركات ربحية، بل صارت تنتظر الحصول على الدعم السنوي قبل أن تباشر عملها. وتسوّغ الوزارة هذا الاختيار بكون القانون هو الذي يفرض عليها التعامل حصرًا مع المؤسسات الاقتصادية (الناشرين) وليس مع المؤلفين لصعوبة أو استحالة محاسبتهم ومتابعتهم في حالة الإخلال بالتعاقد.
بينما ينتقد المؤلفون الوزارة لأنها لا تتوفر على جهاز لمراقبة الناشرين، من حيث الأسعار التي يقررونها للكتب والتي تكون في العادة مرتفعة ولا تتناسب مع القدرة الشرائية للقراء، وكذلك غياب رقابة على عدد نسخ الكتاب الواحد التي قد لا تكون متناسبة مع مبلغ الدعم الممنوح لدار النشر. وفي غياب هذه الرقابة يبقى الباب مشرعًا أمام حصول التجاوزات من كل نوع، ويكون الخاسر الأول والأخير هو القارئ.
ومن جهتهم يشكو الناشرون من جملة من العوائق التي تقلص في رأيهم من نتائج جهودهم وتعرقل سبل تواصلهم مع القراء، وفي مقدمتها: ارتفاع تكاليف الطبع، التي تشمل غلاء الورق والمواد الأولية، وكذلك مصاريف التصميم والطباعة. وينعكس كل ذلك على ثمن بيع الكتاب للعموم وطغيان الطابع التجاري الصرف على معاملات دور النشر المغربية التي صارت تكرس العمل على الكتاب المدرسي في المقام الأول.
كما يشكو الناشرون من ضعف شبكة توزيع الكتاب في المغرب بسبب هيمنة شركة أو شركتين على سوق التوزيع، وهو ما أدى إلى الاحتكار ورفع التكلفة إلى نحو 50% من سعر النسخة الواحدة، وصعوبة استقطاب المكتبات النظامية لقطع الطريق أمام تدخلات الأكشاك ونقط البيع العشوائي. ونتيجة لذلك يضطر بعض الناشرين إلى اللجوء للتعامل المباشر مع المكتبات في المدن الكبرى، مع ما يفرضه ذلك من مصاعب التواصل والمحاسبة واستحالة أن يشمل توزيع الكتاب جميع مناطق التراب الوطني.
كما يشكو الناشرون من تأخر مواعيد صرف مبالغ الدعم التي تقررها الوزارة نتيجة التعقيدات الإدارية وهيمنة النزعة البيروقراطية، وهو ما يؤثر سلبًا في مواعيد النشر والتوزيع. وهناك أيضًا مشكلة القرصنة التي صارت عملة رائجة في تجارة الكتاب مع ما تعنيه من ضياع حقوق المؤلفين والطابعين والناشرين.
حصاد النشر المغربي
يمكن تلخيص جميع هذه المشكلات في ضعف المهنية وسيادة الارتجال، وهو ما أسفر عن تدهور العلاقة بين مختلف الفاعلين: من مؤلفين وناشرين وموزعين. غير أن النظر الموضوعي في هذه المسألة يقودنا إلى تأكيد أن معظم اختلالات النشر في المغرب كان يجري، على الدوام، تجاوزها بفضل النوايا الحسنة للعاملين في هذا القطاع؛ إذ كانوا يحرصون على تخطي منطق الربح الخالص والانخراط في مجهود وطني لنشر الثقافة، عبر طبع ونشر وتوزيع الإنتاجات الأدبية والفكرية، وطرحها في السوق بأسعار مقبولة لا ترهق القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود.

تركة معرفية وثقافية
والخلاصة التي نقف عليها اليوم -بعد كل هذه العقود- تدلنا على النجاح، النسبي بالتأكيد، لهذا المسعى وتضعنا أمام تركة معرفية وثقافية لا ينكرها سوى جاحد. وسنقوم فيما يلي برسم صورة تقريبية لهذه الجهود الحثيثة عبر استقصاء بياني لما أنجزته دور النشر المغربية في العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين التي نجم عنها ظهور أدب مغربي حديث كان في حكم الغائب قبل هذا التاريخ، فإذا به صار له حضور لافت في النطاق العربي والإفريقي، ونال اعترافًا مستحقًّا في جميع الأوساط.
ومن جملة الأدوار الطليعية التي نهضت بها دار النشر المغربية، في الدار البيضاء، ابتداءً من أوائل الستينيات: نشرت دواوين الشعر الحديث الأولى للشعراء الرواد أمثال مصطفى المعداوي «ديوان المعداوي» (1963م)، ومحمد الحلوي (1965م)، ومحمد الحبيب الفرقاني (1965م)، وأحمد صبري، ديوان «أهداني خوخة ومات» (1967م)، ومحمد الميموني، ديوان «آخر أيام العقم» (1974م)، وعبدالكريم الطبال، ديوان «الأشياء المنكسرة» (1974م)، وأحمد بن ميمون، ديوان «تخطيطات حديثة في هندسة الفقر» (1974م). ونشرت المجموعات القصصية الأولى لكل من: محمد إبرهيم بوعلو «السقف» (1970م)، وأحمد المديني «العنف في الدماغ» (1971م)، ومحمد زنيبر «الهواء الجديد» (1971م). ونشر الروايات الأولى لكل من: عبدالله العروي «الغربة» (1971م)، ومحمد الحسايني «المغتربون» (1974م)، وخناثة بنونة «الغد والغضب» (1981م)، وعبدالقادر الشاوي «كان وأخواتها» (1986م).
ونشرتْ دار الكتاب بالدار البيضاء، في الوقت نفسه، الأعمال الأولى في القصة لكل من: محمد بيدي «سبع قصص» (1966م)، وخناثة بنونة «ليسقط الصمت» (1967م)، ورفيقة الطبيعة «رجل وامرأة» (1969م). ونشرت الروايات الأولى لكل من: مبارك ربيع «الطيبون» (1971م)، ومحمد البكري السباعي «المخاض» (1972م)، وأحمد زياد «بامو» (1974م)، وأخريات لكل من: محمد زفزاف «الثعلب الذي يظهر ويختفي» (1985م)، والديوان الأول لعبدالله راجع «الهجرة إلى المدن السفلى» (1976م).
وبعد أن ظهرت منشورات دار الستوكي بالفرنسية توجهت إلى النشر بالعربية لكل من: عبدالسلام الشرايبي «الحراز» (1981م)، وعبدالكريم برشيد «امرؤ القيس بباريس» (1982م)، وأحمد العراقي «عروة يحضر زمانه ويأتي» (1982م).
وأطلقت مؤسسة بنشرة بالدار البيضاء أيضًا، مع بداية الثمانينيات، أسماء صار لها وزن مع مرور الوقت مثل: الرواية الأولى ليوسف فاضل «الخنازير» (1982م)، وعبدالفتاح الفاكهاني «البئر» (1984م)، وعبدالإله الحمدوشي «الحالم» (1985م). وواصلت النشر لكتاب راسخين، أمثال: محمد زفزاف «بيضة الديك» (1984م)، ومحمد شكري «السوق الداخلي» (1985م). ونشرت الأشعار الأولى لعبداللطيف اللعبي «وأزهرت شجرة الحديد» (1982م)، وبنسالم حميش «ثورة الشتاء والصيف» (1982م)، وعبدالله زريقة «ضحكات شجرة الكلام» (1982م)، وأحمد بلبداوي «حدثنا مسلوخ الفقروردي» (1982م)، ومحمد الشيخي «عندما يتحول الحزن جمرًا» (1983م).
ونشرت الدار الناشئة نفسها الأعمال القصصية المبكرة لأحمد بوزفور «النظر في الوجه العزيز» (1983م)، والبشير جمكار «غيوم الصباح» (1983م). والمسرحيات الأولى لكل من: فاضل يوسف «سفر سي محمد» (1984م)، والمسكيني الصغير «سرحان» (1990م). وتولت دار توبقال بالدار البيضاء نشر أعمال مؤسسها الشاعر محمد بنيس مثل: «مواسم الشرق» (1985م)، و«المكان الوثني» (1996م)، و«نبيذ» (1999م). وصولًا إلى أعماله الشعرية الكاملة (2002م)، إلى جانب رواية غلاب «شروخ في المرايا» (1994م)، ومجموعة محمد عز الدين التازي «شمس سوداء» (2000م).
ودشنت دار الأمان بالرباط تجربتها بنشر مجموعة إدريس الخوري الأولى «حزن في الرأس والقلب» (1973م)، والرواية الأولى كذلك لحسن أوريد «الحديث والشجن» (1999م). وانصرفت دار البوكيلي بالقنيطرة لنشر المسرح خاصةً عبر نشر مسرحيتي عبدالحق الزروالي «زكروم الأدب» (1993م)، و«انصراف العشاق» (2002م). ونشرت عددًا كبيرًا من مسرحيات الطيب الصديقي، من بينها: «الفيل والسراويل» (1997م)، و«ولو كانت فولة» (1997م)، و«جنان الشيبة» (1998م)، و«مقامات بديع الزمان الهمذاني» (1998م)، و«قفطان الحب» (1999م)، و«أبو حيان التوحيدي» (2000م). وبذلك كان لها قصب السبق في خوض تجربة النشر للمسرح المغربي الذي كان يعيش من دون ناشر تقريبًا لعقود عدة.
واتجهت دار السلايكي بطنجة إلى نشر أعمال لشباب الأدباء، فأخرجت مسرحية الزبير بنبوشتى «القفص» (1996م)، وديوان سعيد كوبريت «الباحات» (2000م)، ورواية عبدالسلام الطويل «مطر المنور» (2001م). ودعمت كبار الكتاب؛ فنشرت ثلاثة أجزاء من رواية محمد عز الدين التازي «زهرة الآس» (2003م). ونشرت دار الفنيك بالدار البيضاء نماذجَ من الشعر الطليعي، ممثلًا في دواوين عبدالله زريقة «سلالم الميتافيزيقا» (2000م)، و«حشرة اللامنتهى» (2005م)، وروايات عبدالقادر الشاوي «دليل المدي» (2003م)، و«من قال أنا؟» (2006م).
ونشرت دار أبي رقراق بالرباط روايات لكتاب جدد، أمثال: عبدالحي المؤذن «خطبة الوداع» (2003م)، و«حرب البسوس» (2006م)، للبشير القمري و«غوروغو» (2007م)، لإسماعيل العثماني و«رطانات ديك خلاسي» (2007م)، لإسماعيل غزالي. أمّا دُور النشر المغربية التي انخرطت في نشر الأعمال المكتوبة بالفرنسية فهي محدودة؛ إذ الأغلب أنها زاوجت بين العربية والفرنسية لأسباب تتعلق بالقدر المحدود، أو الذي كان محدودًا في وقت من الأوقات للكتابات بغير اللغة العربية.
ومن النوع الأول دار أطلنتيس التي تولت منذ أواخر الستينات نشر دواوين الشعراء المعبرين بالفرنسية أمثال عبداللطيف اللعبي (1967م) ومحمد الواكيرة (1972م)، قبل أن تختفي من خريطة دور النشر. ودار إديف التي غيرت اسمها فيما بعد إلى دار ملتقى الطرق، وقد نشرت بالفرنسية روايات لكل من عبدالكبير الخطيبي (1992م)، وإدريس الشرايبي (1994م)، وعبدالفتاح كليطو (1995م)، وبهاء الطرابلسي (1995م)، وهند الطعارجي (1998م)، ويوسف أمين العلمي (1999م)، ومسرحيات عدة للطيب الصديقي بين (1987م) و(1991م)، ونبيل لحلو بين (1997م) و (1998م).
أما الدُّور المزدوجة اللغة فكثيرة. منها: دار الستوكي التي عملت منذ ظهورها على نشر أعمال كثيرة بالفرنسية منها: دواوين لعبدالله بونفور (1980م)، وأحمد البوعناني (1980م)، ومحمد الواكيرة (1980م). ودار عكاظ التي نشرت بالفرنسية دواوين لكل من: محمد عزيز الحبابي (1988م)، وعبدالمجيد بنجلون الشاعر (1991م)، وبنسالم حميش (1992م). ودار الكلام التي نشرت روايات لموحا السواك (1988م)، وأحمد البوعناني (1990م)، ونور الدين الصايل (1990م). ودار الفنيك التي نشرت مسرحيات بالفرنسية لنبيل لحلو (1987م)، وروايات لكل من: محمد عفيفي (1988م)، وماحي بينبين (1994م)، وإدمون عمران المالح (1995م)، وفاطمة المرنيسي (1997م)، قبل أن تعود وتكرس اتجاه النشر بالعربية في بداية الألفية الثالثة. ودار مرسم كانت شبه متخصصة في الأدب المكتوب بالفرنسية في الحقبة الأولى من إنشائها، وقد نشرت لشاعرات مغربيات معبرات بالفرنسية (1996- 1997م)، ونشرت قصصًا لموحا السواك (2001م). لكنها تباطأت بعد ذلك في الاهتمام بالنشر العربي.
ونلاحظ، بالمناسبة، أن دُورًا معربة أصلًا ستعمد في بعض المرات إلى نشر أعمال مكتوبة بالفرنسية، مثل: دار النشر المغربية (1991م)، ودار إفريقيا الشرق (1992م)، ودار السلايكي (2000م)، ودار البوكيلي (2001م).
خلاصة المسار
هكذا تواصلت جهود دُور النشر المغربية انطلاقًا من أواخر الستينيات، وبداية السبعينيات في رحلة فتح الآفاق أمام الإنتاج الأدبي المغربي بطريقة متواترة، أحيانًا بدعم مؤسسي وأخرى من دونه، واستطاعت أن تبلغ به إلى المعارض العربية والدولية، وتتيح مكانًا ظليلًا له تحت شمس الثقافة الإنسانية.
وأشير على سبيل الاختتام إلى أننا اقتصرنا في هذا الجرد على دُور النشر الثقافية من دون المطابع التجارية التي تتعامل مع من يدفع لها، وليس لها لجنة قراءة أو تقويم، وهذا لا يستثني أن كُتابًا مغاربة كبارًا قد نشروا بها أعمالهم التي نالت ترويجًا لائقًا. وكذلك غضضنا الطرف، لأسباب عملية، عن منشورات الجامعات والوزارات والأحزاب السياسية، وكذلك الجمعيات الثقافية، مثل اتحاد كتاب المغرب بمختلف فروعه؛ لأنها جميعها لم تختص في النشر على وجه التحديد.
النشر في الوطن العربي وغياب الاعتراف به كصناعة

سامر محمد إسماعيل – كاتب سوري
ليست صناعة النشر في الوطن العربي وحدها التي تفتقر إلى قاعدة بيانات ومعلومات موثقة عنها. هناك أيضًا متاحف ومراكز أبحاث ومؤسسات ثقافية عربية تعاني المشكلةَ نفسها؛ غير أن صناعة النشر هي الأكثر بروزًا من ناحية غياب المعطيات الدقيقة حول أعداد الناشرين العرب، والمؤلفين والمطابع والمصممين، وكل من يعمل في هذه الصناعة. هذا الأمر أجبر العديد من الناشرين على تخفيض عدد الإصدارات السنوية، وبالتالي تخفيض عدد العاملين في النشر، أو الخروج مؤقتًا من الصناعة. كما أُلغِيَ أو أُجِّلَ كثير من معارض الكتب العربية التي كانت تُعد متنفسًا مهمًّا لتوزيع إصدارات الناشرين.
هذا ما يشير إليه محمد رشاد، رئيس اتحاد الناشرين العرب، في تصديره لكتاب «النشر في الوطن العربي (2015- 2019م). وعلى الرغم من أن الدراسة صادرة في عام 2021م، فإنه لا شيء جوهري قد تغير في صناعة النشر العربي منذ ذلك الحين؛ إذ لا تزال ظاهرتا التزوير والقرصنة تُلحِقان بها أضرارًا جسيمة، فضلًا عن إشكالية الكتاب الورقي والرقمي والصوتي، وإشكالية تسويقه، مع تراجع دور المكتبات العامة والجامعية في المنطقة العربية.
الكتاب صناعة غائبة
يضعنا كتاب «النشر في الوطن العربي»، الذي أعده الباحث خالد عزب، أمام أولى التحديات التي تواجه صناعة الكتاب، وهي عدم الاعتراف بالكتاب كصناعة في ظل قوانين تتعامل معها بوصفها منتجًا ملموسًا؛ فهذا المنتج إما أن يكون (غذاءً، ملابس، أدوات مركبات) وغيرها من المنتجات الملموسة. وعلى الرغم من الكتاب مادة ملموسة -كما تشير الدراسة- فإن ما يسمى بخط إنتاج الكتاب (تحرير- تصحيح لغوي- طباعة- تسويق على شبكة الإنترنت) لا يلقى اعتدادًا. وقد شكل ذلك قصورًا في العقود الماضية عن فهم آليات الإنتاج المعرفي، وعن عدّ صناعة الكتاب صناعة ثقيلة ومركبة. ثقيلة؛ لكونها تتطلب فكرًا وعلمًا، وتحتاج لتجهيزات، ومركبة؛ لتباين الاختصاصات التي تسهم في هذه الصناعة.
عدم اعتراف الدول العربية بالكتاب كصناعة معقدة يؤدي إلى غياب أرقام واضحة لإسهام الكتاب في الدخل القومي العربي. فمثلًا، مصر تستحوذ على 30% إلى 40% من صناعة الكتاب العربي، تتداخل لديها صناعة الكتاب مع غيرها من مهن الطباعة والتغليف وغيرها من أدوات صناعة الكتاب. اللافت أن المسؤولين عن الجمارك في الدول العربية ينظرون إلى الأحبار والورق وغيرها من أدوات الإنتاج كسلع تجارية، وليست أدوات إنتاج لصناعة أساسية. ناهيك عن أن احتكار الدول لصناعة الكتاب لسنوات، أدى إلى ترسيخ فكرة في الذهنية العامة، وهي أن الكتاب منتج مدعوم من الدولة، وبالتالي هو ليس له قيمة مضافة للاقتصاد الوطني؛ مع أن مصر ولبنان وسوريا لديها صادرات من الكتب، فيما هناك دول ما زالت تتجه إلى هذا ببطء.
ترى الدراسة أن الأزمة الحقيقية في مدخلات صناعة الكتاب، تأتي من أن الدول العربية مستوردة لهذه المدخلات كافة، والإنتاج العربي من الورق والأحبار لا يغطي الاحتياجات. أضف إلى ذلك أن ماكينات الطباعة تستورد أيضًا. وإذا استبعدنا الطباعة من هذه المدخلات، نجد أن أبرز إشكاليات هذه الصناعة تبدأ بغياب «مدير النشر» الذي يحدد ويقرر سياسات النشر، ويختار العناوين ويناقش المؤلف، ويدخل تعديلات على الكتاب، ويقدر قدرة القارئ على تلقي الكتاب. هذا المدير غير موجود في معظم دور النشر العربية. إضافة لافتقاد هذه الدُّور لدَوْر المحرِّر اللغويّ أو الأدبيّ.
فالعملية التحريرية تهدف إلى فرض أطر تقنية تشمل جوانب العملية الإبداعية كافة. هذه الأسباب الرئيسية تكشف عن ضرورة إعادة هيكلة النشر لدى دور النشر العربية. يقول مؤلف الكتاب: إن الشكل المؤسسي يغيب عن 60 % من دور النشر، ويرجع خالد عزب هذا الواقع إلى ندرة الدورات التدريبية المتخصصة في صناعة النشر، وبالتالي عدم وجود دراسات أكاديمية واضحة تشرح وتوضح طبيعة هذه الصناعة.
ويذكر عزب أن اختيار موضوع كتاب هو فن في حد ذاته، لكن تبقى الإشكالية أن 40% فقط من دور النشر العربية تملك رؤية واضحة لبرامجها، والباقي يعتمد على ما يذهب به المؤلفون لهذه الدور. إن اتجاهات النشر هي إستراتيجية تساعد الناشر والمؤلف والقارئ الذي يتوجه لدار نشر بعينها لطلب ما تشتهر به من تخصصات، وهذا ما يقودنا إلى عقبة التسويق والتوزيع، وهو ما يوضح لنا غياب دراسات جدوى لصناعة النشر.
أحد أبرز عوائق النشر في الوطن العربي -كما يذكرها الكتاب- هي تكلفة إنتاج الكتاب في مراحله المختلفة، وهذا ما يؤثر إيجابًا في حالة كل من لبنان ومصر وسوريا على سبيل المثال. فالترجمة والتصحيح والتحرير والتدقيق أقل كلفة فيها من دول الخليج والمغرب العربي، وهو ما يساعد في انخفاض كلفة الكتاب نسبيًّا في هذه الدول. ثم إن هناك مشاكل فنية تتعلق بإخراج الكتاب وتصميم الأغلفة وتصميم الكتاب من الداخل، فعين القارئ تنجذب إلى الغلاف الجيد. وعملية تصميم الأغلفة ما زالت في حاجة إلى تدريب، فهناك 20 % من دور النشر العربية تختار ألوانًا غير مقبولة، بينما 25 % من دور النشر تجعل غلاف الكتاب مزدحمًا.

رعاية بلا إستراتيجية
كل هذا يطرح أسئلة حول مدى عناية الدول العربية بصناعة النشر؛ صناعة يمكن أن تساهم بنسبة معقولة في الدخل الوطني على غرار بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، التي أولت لصناعة النشر اهتمامات كبيرة. فقد أسست فرنسا المجلس الوطني للكتاب، وكذلك كندا أسست برنامج دعم النشر. ويبرز هنا سؤال عن دعم الشركات والبنوك لصناعة النشر العربية؛ إذ لا يزال هذا الأمر محدودًا، وذلك لأن الوعي بأهمية الثقافة ودورها الاقتصادي لا يزال محدودًا، لكن هناك تجارب تؤخذ في الحسبان على نحو ما قام به البنك الأهلي الأردني، من دعم نشر الأعمال الكاملة لأدباء الأردن، وفي مصر دعم بنك الإسكان والتعمير إصدار العديد من الكتب باللغتين العربية والإنجليزية، ولا سيما في مجال التخطيط العمراني. لكن يظل هذا التشابك محدودًا، وفي حاجة إلى بناء سياسات موازية من الناشرين؛ لكون إعداد ملفات الدعم من الناشرين لا يزال يحتاج إلى تدريب كوادر للقيام بهذا الدور.
بات من المهم صياغة تعريف محدد لصناعة النشر العربية، مع إطار مرجعي وملحق بالتشريعات القانونية الخادمة لهذه الصناعة، وعدم حصر هذا القطاع في وزارات الثقافة العربية؛ إذ تتداخل معها وزارات الصناعة والتجارة والاستثمار والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والتعليم والرياضة، وكذلك من المنح بأشكالها المختلفة، فضلًا عن أن هذا يقتضي بلورة صناعة النشر لتتواكب مع المتغيرات المتسارعة عبر إقامة مركز إقليمي للتدريب.
وتلاحظ الدراسة أن عددًا من الدول العربية شهدت نموًّا ملحوظًا في عدد دور النشر، وبالتبعية في عدد الكتب الصادرة، ولا سيما في دول كانت صناعة النشر فيها محدودة، مثل: موريتانيا التي وصل عدد الناشرين فيها إلى 47 ناشرًا، والصومال 49 ناشرًا، والبحرين 128 ناشرًا، والأردن 140 ناشرًا، وتونس 150 ناشرًا. غير أن الدراسة تلفت الانتباه إلى غياب انعكاس حقيقي للنمو السكاني في الوطن العربي على عدد دور النشر وعدد الكتب المنشورة، كما تشير إلى أن الارتفاع الكبير في نسبة المتعلمين لم يقابله نمو موازٍ في حركة النشر؛ إذ تضاعف عدد المتعلمين منذ السبعينيات بما يقارب 500% مقارنة بتلك المدة، من دون أن تشهد حركة النشر الزيادة نفسها، وهو ما يكشف خللًا بنيويًّا في هذا القطاع. وتضيف الدراسة أن نمو حجم الاقتصادات العربية منذ السبعينيات إلى اليوم لم يُترجَم بدوره إلى توسّع متناسب في مجال النشر، وهو ما يُعزى إلى عدم عدّ النشر صناعةً مساهمة في الدخل القومي، فضلًا عن وجود اختلالات في منظومة التعليم العربية فيما يتصل بتشجيع القراءة، وغياب العمل بمفهوم «الحق الثقافي» في الوطن العربي، أي الحق في تلقي المعرفة.
وإذ كان المحتوى يمثل القلب النابض للكتاب، فإن إجراء أي مسح للمحتوى العربي، يكشف عن قصور وصعود في موضوعات محددة؛ إذ لا يوجد صياغة واضحة لطبيعة المحتوى المقدم وماهيته إلا عبر مؤسسات رسمية محددة بإطار عملها وتمويلها. ويلاحظ هنا غلبة الطابع الأدبي الإبداعي على مضمون النشر عند بعض دور النشر أو غلبة النشر الديني عند بعضها الآخر، ولهذا فإن التجديد في حركة النشر العربية لم يحدث فيها اختراق محدد وواضح إلا في حالات محدودة، على نحو ما حدث في مشروع عواصم الثقافة العربية الذي أطلقته المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو).
تراجع صناعة كتب الأطفال
لكن يبقى المحور الأهم في صناعة المحتوى هو الطفل، فطفل لا يقرأ كتبًا كُتبت له لن يقرأ كتبًا في المستقبل. وتشير الدراسة إلى تراجع صناعة كتب الأطفال عربيًّا بنسبة 35 % خلال السنوات الأخيرة، وبصورة متصاعدة، وهو ما أصبح يهدد صناعة كتب الطفل التي تعد ركيزة العديد من دور النشر العربية، ولا سيما في لبنان والأردن ومصر وسوريا. ويعود هذا التراجع إلى تفضيل الأطفال لألعاب الفيديو على شبكة الإنترنت والبرامج ثلاثية الأبعاد وأفلام الكارتون، فضلًا عن البرامج التفاعلية الجاذبة، وهي مجالات لا ترهق الأسرة ماديًّا، في الوقت الذي ترتفع فيه كلفة كتاب الطفل، وذلك لحاجته للإخراج الجيد، والألوان الجاذبة، والرسومات المناسبة لكل فئة عمرية.
ويشهد الاتجاه العام للنشر منذ عام 2006م نموًّا متزايدًا نحو إصدار الرواية العربية، التي تبدو اليوم الحافز الأقوى لاستمرارية حركة النشر في بلاد عربية شتى. فالأجيال الجديدة التي اعتادت على الدردشة على شبكة الإنترنت، تعدّ الرواية عالمًا آخر من الحكايات يجذبهم، كما انتقل بعض المتفاعلين على شبكة الإنترنت إلى الكتاب الورقي، وهو ما دفع أجيالًا جديدةً إلى فضاء الكتب المطبوعة. وهذا ما حدث في مطبوعات «بلاتينيوم» في معرض الكتاب الدولي في الكويت، ومعرض الشارقة، ومعرض الرياض. وهذا الاتجاه نراه في مصر أيضًا في عدد من دور النشر التي اتجهت لهذا المنحى. ولكن يبقى السؤال الأصعب: هل لهذا النمط من مستقبل؟ يبدو أن هذا النوع من الأدب هو أدب وقتي يختفي كتابه مع الزمن، وهذا ما يذكرنا بظواهر أدبية صاحبت صعود نجيب محفوظ وأدبه، حيث اختفت هذه الظواهر وبقي أدب صاحب «أفراح القبة».
ومنذ أن نشأت الأندية الأدبية في المملكة العربية السعودية- وهي حاضنة الأدب والثقافة في المملكة- نضجت حركة هذه الأندية بعد عودة المبتعثين من الخارج، واحتراف بعض مهنة النقد الأدبي، وظهرت بالتوازي تيارات أدبية حديثة. فعلى صعيد النشر في المملكة، نجد أن هذه الأندية تولت نشر عدد من الإبداعات الأدبية وكتب النقد وغيرها. الأمر ذاته في البحرين التي شهدت عام 1969م تأسيس أهم نادٍ ثقافي هو «أسرة الأدباء والكتاب» الذي ضم قلة من صفوة أدباء البلاد، ومنهم قاسم حداد وعلي خليفة ومحمد جابر الأنصاري، وهو ما يعكس أهمية دور المجتمع المدني الذي يمكن الربط بين نموه ونمو حركة النشر والمعرفة بالتوازي.
وكل المؤشرات في دور النشر العربي تشير إلى تراجع القصة القصيرة والمسرحيات نشرًا أمام الرواية وأدب السيرة الذاتية. فيما نرى بدايات لازدهار كتالوجات الفنون، وذلك توازيًا مع إقامة معارض الفن التشكيلي التي لها مكانة مميزة في مصر والمغرب ولبنان. لكن في السنوات الأخيرة نجد تناميًا لنشر هذه الكتالوجات في المملكة العربية السعودية، ومن أمثالها «نايلا غاليري» و«غاليري الفن النقي» ودار صفية بن زقر، ومؤسسة «مسك الفنون». كما أن الإمارات العربية المتحدة قاطرة لهذا المجال، خصوصًا في دبي والشارقة وأبوظبي التي تنتج كتالوجات فنية باللغتين العربية والإنجليزية.

الكتاب الرقمي والورقي والتأليف الجماعي
ويحدد اتجاه العديد من الجامعات إلى اعتماد الكتاب الرقمي، وهو ما أودى بالكتاب الجامعي الورقي إلى المقبرة. أما فيما يتعلق بإصدارات العلوم الإنسانية عربيًّا، فيتجه إلى إصدار كتب يشارك فيها أكثر من كاتب، وهي تجربة بدأت في العديد من دُور النشر الدولية، حيث يكلف محرر ذو خبرة في تحرير الكتاب، ويستكتب العديد من الكتّاب، كل في موضوع متخصص فيه.
ومن أمثلة هذا النموذج ما أصدره مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت مترجمًا، مثل كتاب «المدينة في العالم الإسلامي» الذي صدر في مجلدين، وكتاب «الحضارة العربية في الأندلس»، كما ترجم المركز القومي للترجمة في القاهرة موسوعة الأدب العربي التي أصدرتها جامعة كامبريدج في ستة مجلدات، وشارك فيها كثير من الباحثين.
وتحضر الكويت على مستوى المحتوى بوصفها صاحبة أفضل مشاريع نشر المعرفة عربيًّا إلى الآن، فمشروعها الذي بدأ في الستينيات وما زال مستمرًّا، يُعَدُّ من حيث المضمون ممتازًا، وتقف «سلسلة عالم المعرفة» الآن كأفضل سلسلة عربية منتظمة الصدور، كما أن السلسلة من حيث الحفاظ على حقوق المؤلف واضحة وتؤديه بصورة جيدة، ومن حيث الانتشار ممتازة، فهي تطبع من كل عنوان 40 ألف نسخة. في المقابل نستطيع القول: إن دُور النشر الجامعية قد تكون هي أداة لدفع حركة النشر في أي بلد عربي، وذلك على غرار دار نشر جامعة الخرطوم التي تأسست عام 1967م، وآنذاك استكملت سريعًا مقوماتها من محررين وقراء ومدققين لغويين ومصممين، وألحق بها مطبعة بدعم من اليونسكو، وتوسعت الدار، فأسهمت في توفير الكتاب الجامعي، واستحدثت منافذَ لتوزيعه في مجتمعات الجامعة المختلفة، وأنتجت الكتاب الثقافي، وأنتجت الدار حتى عام 2017م أكثر من 600 عنوان لأبرز رموز التيارات الفكرية والإبداعية في السودان.
أما ما يتصل بأبرز معضلات النشر في المنطقة العربية فتبزغ إشكالية النشر باللغات الأجنبية، وما زالت الجامعة الأميركية في القاهرة أفضل من يقدم نشر بلغة أجنبية في الوطن العربي. وتتناثر هنا وهناك جهود نشر، لكن يمكن ملاحظة ظلال الحقبة الاستعمارية باقية في نوعية النشر بلغة أجنبية في كل بلد عربي. فنرى الغلبة للنشر باللغة الإنجليزية في الخليج العربي، في حين نشاهد الغلبة للغة الفرنسية في منطقة المغرب العربي، وإن كنا نرى خليطًا من هذا وذاك في مصر، إلا أن النشر باللغة العربية يصل إلى ما نسبته 75 % من كل ما يصدر عربيًّا، بينما النشر باللغة الإنجليزية يمثل 13 %، والفرنسية 8 %، بينما 4% من حجم النشر يتم بلغات أخرى مثل: الإسبانية والإيطالية والروسية والألمانية.
ويبدو أن إحجام دور النشر العربية الخاصة عن الاهتمام بالنشر باللغات الأجنبية يحرمها فُرصًا لتصدير هذا الكتاب للعديد من مراكز الدراسات والجامعات المعنية بدراسات الشرق الأوسط، في حين مثلت هذه الدراسات ما نسبته 6% من حجم ما يصدر في فرنسا، و8% من حجم ما يصدر في بريطانيا، وهذا يعني أن لدينا سوقًا واعدة عربيًّا إنْ أُنتِجَ ونُشِرَ بهذه اللغات.

واقع الترجمة العربي
تُعَدُّ أرقام الكتب المترجمة في الوطن العربي أرقامًا نسبية، حتى تلك التي تقدمها لنا منظمة اليونسكو، ففي مصر يرصد فهرس ترجمة هذه المنظمة الدولية ترجمة 5399 كتابًا مترجمًا (1979-2019م)، بينما المركز القومي للترجمة في مصر نشر تلك السنوات بمفرده 3700 عنوان؛ إذا أضفنا إليها مشروع الألف كتاب الثاني، وما يصدره العديد من المؤسسات في مصر مثل: مكتبة الإسكندرية والهيئة المصرية العامة للاستعلامات والأهرام ومشروعات الترجمة الممولة من فرنسا في مصر، وما نشرته دُور النشر الخاصة، سنكتشف أن هذا الرقم فيه نقص، ويحتاج إلى تحليلات ومقارنات في الواقع.
كذلك الحال بالنسبة للكويت الذي يرصد مؤشر الترجمة في اليونسكو ترجمة 451 عنوانًا بها (1979-2019م). بينما لدينا سلسلة «إبداعات عالمية» التي تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون، صدر عنها في المدة ذاتها فقط ما يقارب 400 عنوان. بينما بلغ ما نُشِرَ في بيروت مترجَمًا (2000-2009م) ما يقارب 3000 كتاب مترجم. وقد شهدت هذه الأرقام تصاعدًا لكن ليس بوتيرة كبيرة. وعلى الرغم من ذلك فإن واقع الترجمة في الوطن العربي دون المستوى المرجو، ودون المقارنة مع بعض الدول وليست المناطق ذات اللغة الواحدة كالمنطقة العربية. وعلى عكس ما يعتقد أن الدول هي التي تضطلع بالعبء الأكبر في المنطقة العربية في مجال الترجمة، فإن التحليلات تكشف أن دور النشر الخاصة تنشر 74 % من حجم الكتب المترجمة إلى العربية.
وتتركز الترجمة في المنطقة العربية بصورة أساسية في كل من القاهرة، دمشق، بيروت، الرياض، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، المغرب، الجزائر على التوالي، بينما تكون الكتب المترجمة في بقية المدن العربية محدودة، ففي دولة مثل المملكة العربية السعودية نجد أنه ترجم فيها 2167 كتابًا في المدة (1979-2019م)، مع وجود 40 جهة تعمل في الترجمة في كل أرجاء المملكة. وبدأت المملكة عددًا من البرامج الطموحة لنشر الأدب السعودي، فترجم مركز البحوث والتواصل المعرفي روايتين سعوديتين للأوزبكية، بالاشتراك مع «دار أوقيتوجي» الأوزبكية، هما: «ثمن الضحية» لحامد الدمنهوري، و«سقيفة الصفا» لحمزة بوقري. والتحول الكبير ستشهده السعودية مع إنشاء هيئة الأدب والنشر والترجمة.
ولا يزال النشر في الوطن العربي بلغات أجنبية يراوح في مكانه، لكنه يأخذ مساحات متزايدة عامًا بعد عام؛ بسبب التعليم بلغات أجنبية في المدارس والجامعات العربية، حتى بدأنا نشاهد اللغة الإنجليزية تأخذ حيزًا في دول ظلت الفرنسية فيها سيدة الموقف، مثل الجزائر والمغرب. وتظل دار النشر التابعة للجامعة الأميركية في القاهرة على رأس دُور النشر العربية المعنية بالنشر بلغة غير العربية، ومعها بعض المراكز والمعاهد الأجنبية كالمعهد الفرنسي للآثار في القاهرة ودمشق. كما أن العديد من المؤسسات تنشر بلغات أجنبية كمكتبة الإسكندرية ومركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض، ومؤسسة متاحف قطر.
وتشير الدراسة إلى أن ثقافة الكتاب المسموع ما زالت محدودة عربيًّا، لكنها تلقى استجابة كبيرة، وهذا يعني أن حقلًا له جمهور آخذ في التنامي، وبخاصة مع مراعاة شريحة فاقدي البصر. فقد سعى مجموعة من الشباب العرب لإطلاق «الكتاب الصوتي للمكفوفين» وبلغ عدد المتفاعلين على «فيس بوك» 14366 متفاعلًا. وعلى الرغم من جهودهم الفردية القائمة على التطوع، فإن تعاملهم مع المكفوفين والمبصرين كشف عن توجهات مستمعي الكتاب المسموع. وهي نقطة حاسمة في مستقبل هذا النوع من الكتب؛ إذ بينت الدراسات أن توجه المستمعين العرب إلى أدب الخيال العلمي والرعب يحل في قائمة اهتمام هؤلاء، ثم تأتي الرواية بعد ذلك، ويظل الشعر سابقًا على كل هذه الأنواع عربيًّا من حيث جماهيرية الكتاب المسموع.
خلل التزويد المكتبي
أما المكتبات، فترصد الدراسة أن العلاقة بين المكتبات وحراك النشر في العديد من الدول العربية، تُزوِّد مباشرة هذه المكتبات عبر موازنات محددة، وطوال أيام العام من جديد النشر. لكن هذه السياسة فيها خلل كبير في المنطقة العربية؛ إذ لا يتبعها إلا عدد محدود من المؤسسات مثل مركز الإمارات للدراسات السياسية والإستراتيجية (أبوظبي)، والجامعة الأميركية في القاهرة، ومكتبة الملك فهد في الرياض، ومكتبة جامعة الكويت. هذا على سبيل التمثيل لا الحصر، في حين أن معظم المؤسسات العربية تنتظر معارض الكتب للتزويد، وأحيانًا لا تنفق على التزويد من النشر العربي إلا القليل، أو تُحجَب هذه الموازنات من دون أسباب محددة. على الجانب الآخر فإن مكتبات المدارس في معظم الدول العربية لا تتفاعل مع المناهج الدراسية، فضلًا عن أن تزويدها بالجديد من الكتب لا يتم وفقًا لقواعد وبيانات محددة، بل وصل الأمر في بعض الدول إلى إيقاف تزويد المكتبات نهائيًّا منذ عشر سنوات في بعض الدول، ومنذ خمس سنوات في دول أخرى.
وكان إطلاق الفهرس العربي الموحد حدثًا أسس لمرحلة جديدة في التعاون بين المكتبات العربية، وهو مشروع غير ربحي يهدف إلى تطوير البنية التحتية للمكتبات العربية؛ لتمكينها من التبادل الفعال للموارد المعلوماتية، وبخاصةٍ سجلات الفهرسة. إضافة لنشر المعرفة في المجتمعات العربية، وذلك عبر الحصر الآلي للإنتاج العربي المنشور الذي يحتوي وصفًا ببليوغرافيًّا كاملًا لمجموعات الكتب العربية المتاحة لدى المكتبات العربية على شكل قاعدة معلومات قياسية. هذا بدوره ينعكس على توفير في موازنات المكتبات العربية؛ إذ يتيح لها تبادل الفهرسة والتصنيف للكتب. فقد وفر 55 مليون ريال للمكتبات السعودية نتيجة لتكرار الفهرسة للكتاب الواحد، ورفع كفاءة أداء المكتبات، وزيادة الطلب على المنتج المعرفي العربي، حيث أطلق الفهرس مكتبة الملك عبدالعزيز العامة في الرياض، ويضم حاليًّا 5000 مكتبة عربية، و2350000 تسجيل لجميع أشكال وأنواع أوعية المعلومات من كتب ودوريات.
وكان إطلاق تطبيق «أبجد» في عام 2012م في الأردن كمنصة للقراءة وتقديم الكتب أمرًا مثيرًا؛ إذ ازداد المتفاعلون معه من القراء العرب، حتى وصل عددهم إلى مليون متفاعل. ويضم التطبيق حاليًّا أكثر من 30 ألف كتاب عربي، وما يميزه أن القراء يرشحون الكتب ويقدمون مراجعات عنها، ويحتوي معلومات عن بعض المؤلفين. ورغم ذلك يظل النشر الرقمي العربي معضلة كبرى؛ إذ ليس لدينا إيداع وطني للكتاب الرقمي حتى الآن، وهو ما يهدد كثيرًا من حقوق الناشر وقبله المؤلف. لكن تأتي الأزمة الحقيقية من محدودية قدرات حراك النشر في استيعاب الإنتاج المعرفي العربي، وبالتالي يلجأ العديد من المؤلفين -وبخاصة الباحثين الشباب- إلى نشر أعمالهم بصورة رقمية على شبكة الإنترنت. وهذه الظاهرة آخذة في التزايد عامًا بعد عام، ودخلت فيها مجموعات الواتساب، مثل مجموعة المؤرخين العرب. إن متطلبات الاستيعاب كشفت عن قصور في حراك النشر، أو عدم قدرة دُور النشر في دول مثل: العراق، وموريتانيا، والسودان، واليمن… على استيعاب الإنتاج الفكري المتدفق في هذا البلد أو ذاك، وبصورة نسبية أقل بكثير في دول مثل: سوريا، ومصر، والسعودية، والجزائر، وليبيا، وتونس.
النشر في الوطن العربي
واقع يعكس خللًا في مفهوم الحق الثقافي وتلقي المعرفة

الفيصل
يشهد نشر الكتاب الورقي في العالم العربي تحديات كبيرة، على الرغم من تطور التقنيات من الحروف النحاسية التي كانت تصف في قالب يضم كلمات الصفحة الواحدة، إلى وجود لوح الزنك الحساس الذي تنطبع عليه صفحات الملزمة كلها، وصولًا إلى ماكينات الطباعة الرقمية التي تنتج أي رقم من النسخ يحتاجه الناشر. هذا التطور جعل الناشرين لا يفكرون في امتلاك مطابع كبيرة تنتج آلاف النسخ، ولا مخازن عملاقة توضع بها الكتب؛ إذ يطبع للناشر ما يحتاجه للمشاركة في معارض الكتب، أو ما يوضع على أرفف المكتبة للبيع.
هكذا أصبح عالم النشر بسيطًا وسلسًا، لكنه لم ينجُ من الصعاب والمعوقات التي تهدد وجوده. بداية من العشوائية، وعدم الاحترافية، واقتصار عدد كبير من دور النشر على فريق عمل صغير، توفيرًا للنفقات، وهو ما يجعل من عملية إنتاج الكتاب تواجه قصورًا في بعض النواحي، إضافة إلى غياب العمل المؤسسي في غالبية دُور النشر، وعدم وجود شبكة توزيع واسعة، إضافة إلى محدودية الدور الذي يلعبه اتحاد الناشرين العرب. ومن ناحية، بات الكتاب الإلكتروني منافسًا كبيرًا للكتاب الورقي، وبخاصة في ظل ارتفاع أسعار الورق والأحبار وتكاليف الطباعة والشحن، وفي ظل استحواذ السوشال ميديا ومواقع التواصل الاجتماعي على اهتمامات القراء والمتابعين، وهو ما جعل الاهتمام بالكتاب الورقي يتضاءل، وعدد المطبوع منه لا يزيد على أربعين أو خمسين نسخة في كثير من الأحيان.
وراح بعض الناشرين يعوض تكاليف الطباعة والنشر عن طريق مساهمات من الكتاب أنفسهم، وليس بحثًا عن أسواق جديدة للتوزيع، وزيادة المطبوع من الكتاب، مكتفين بوجود مكتبة تخص كل دار في مقرها، توضع على رفوفها ما تنتجه من كتب، وبخاصة أن مكتبات بيع الكتب تحصل على 40 بالمئة من سعر الغلاف، وهو ما رفع أسعار الكتب، وحصر دائرة الإقبال على شرائها في فئة قليلة، وهي في أغلبها فئة غير منتجة للثقافة، وكثير منها يقتني الكتب كنوع من الوجاهة، وليس لرغبة حقيقية في الحصول على المعرفة والثقافة، كما نشأت ظاهرة «البيست سيلر» التي تعتمد على أنواع من الروايات والكتب خفيفة المحتوى.
كل هذه الإشكاليات خلقت فوضى في سوق النشر، كأن يُكلَّف مترجم بترجمة كتاب بعينه ثم لا يجد مقابلًا ولا اهتمامًا بالكتاب، أو أن يدفع الكاتب لنشر عمله ثم يدعو أصدقاءه لشراء كتابه في حفلة التوقيع، أو أن يصبح نشر الكتاب مرتبطًا بدورة معارض الكتب، وهو ما جعل بعضًا يدعو إلى تكاتف جهود وزرات الثقافة العربية لإنشاء شركة توزيع للكتب على مستوى العالم العربي، حيث إن ما يطبع في بلد ما يصل إلى مختلف البلدان الأخرى، وهو ما يرفع من نسب التوزيع ويكسر انحسار الكتاب في دوائر محلية صغيرة مغلقة. من ناحية، يبرز مأزق كبير ومهم في الآونة الأخيرة، ويكمن في قدرة الذكاء الاصطناعي على تأليف وترجمة الكتب، ووضعها في واجهات المكتبات بوصفها أعمال مؤلفين ومترجمين حقيقيين. وهو ما يهدد فعليًّا بزوال مهن النشر والتأليف والترجمة، وتصميم الأغلفة والإخراج الداخلي للكتاب، إضافة إلى المصححين والمراجعين وعمال المطابع وغيرهم. فهل باتت مهنة النشر جزءًا من الماضي؟ وهل ينهي الذكاءُ الاصطناعي مسارَ الكتاب الورقيّ الذي استمر أكثر من مئتي عام في العالم العربي؟ وهل يستسلم الناشرون إلى هذا التغير؟ ولماذا لم يصل النشر في عالمنا العربي إلى مرحلة الاحتراف حتى الآن؟ وكيف يمكن للعرب أن يعيشوا من دون ناشرين ولا كُتاب أو مترجمين؟
صناعة النشر العربي بين الحلم والواقع

جبر أبو فارس – رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين
لا شكّ أن النشر العربي، على الرغم من عراقة التجربة وثراء المضمون، ما زال يواجه تحديات جمة تمنعه من بلوغ مستوى النشر الأورُبي في التنظيم وجودة الصنعة والالتزام المهني. وإذا أردنا قراءة هذه الفجوة، فإننا نجدها متجذرة في عوامل بنيوية وثقافية وتشريعية متشابكة. فصناعة النشر تقوم على منظومة متكاملة تبدأ من المؤلف وتنتهي عند القارئ. وفي أورُبا ترسخت تقاليد مهنية صارمة منذ عقود، تشمل حقوق الملكية الفكرية، ووجود محررين محترفين، والالتزام بالعقود والمواعيد، وتطوير أساليب الطباعة والإخراج الفني، إضافة إلى التسويق الفعّال.
أما في الوطن العربي فهناك قصور في التشريعات وتطبيق قوانين الملكية الفكرية، فلا توجد عقوبات رادعة، وإن وجدت فلا تطبق على المقرصنين. إضافة إلى محدودية الاستثمار في صناعة النشر والتكنولوجيا والبنية التحتية، وغياب التقاليد المهنية المستقرة في التحرير والتوزيع، وضعف الإقبال على القراءة وانكماش السوق المحلي. وتهميش دور المكتبات المدرسية والجامعية، فضلًا عن التعقيدات الرقابية والبيروقراطية التي تعطل حركة الكتاب.
رؤية مستقبلية
ويمكن القول: إن الطموح يتجاوز حدود الواقع ليحمل رؤية مستقبلية تستحق العمل عليها. في مقدمتها بناء منظومة نشر عربية مشتركة ومتكاملة تلتزم أعلى المعايير العالمية، واستعادة المكانة الثقافية للكتاب الورقي بوصفه منتجًا معرفيًّا وجماليًّا، وتعزيز الترجمة المتبادلة، بحيث لا يظل العالم العربي مستهلكًا للمنتج الغربي، بل مصدرًا للمعرفة أيضًا. ومن أجل توسيع آفاق الوصول إلى القارئ العربي والعالمي، نقترح عمل منصة عربية تجمع بين الكتاب الورقي والكتاب الإلكتروني، إضافة إلى خلق جيل جديد من الناشرين أكثر مهنية وانفتاحًا على التجارب العالمية.
الحلقة الأضعف
لكن يبقى التوزيع هو أضعف حلقة في صناعة الكتاب العربي، وهو ما يفسر غياب شركة عربية كبرى قادرة على حل أزمة الانتشار. ويمكن أن نلخص أسباب ذلك في تفرق الأسواق بفعل القوانين الجمركية والرقابية المختلفة بين الدول العربية، وغياب التنسيق العربي المشترك لإنشاء كيان إقليمي متخصص في توزيع الكتب، والقرصنة التي تقوّض أي جهد لتوزيع رسمي منظم وهو ما يؤثر في توزيع الكتب الأصلية، وغياب الرؤية الإستراتيجية في الدول العربية التي تعدّ الكتاب مشروعًا قوميًّا يستحق الدعم مثل أي صناعة أخرى. فآخر قطاع ينظر له من قبل الدولة هو القطاع الثقافي. فضلًا عن فرض الجمارك والضرائب في الكثير من الدول العربية، وهو ما يعوق ازدهار هذه الصناعة التي يجب أن تكون معفاة من أي ضرائب أو جمارك أو رسوم لتقليل كلفة الإنتاج؛ لكي يكون سعر الكتاب في متناول الجميع.
الناشر المستقلّ بين الحرية والتحديات

سمر حداد – ناشرة سورية ومنسقة الشبكة اللغوية العربية في الرابطة الدولية للنشر المستقل
الاستقلال يمنح الناشر الحرية في تحديد ما ينشره دون أي تدخل من جهات ممولة أو راعية. وفقًا لتعريف الرابطة الدولية للنشر المستقلّ في باريس، فالناشر المستقل يضع سياساته التحريرية بحرية واستقلالية، من دون أن يكون أداة دعاية لحزب سياسي، أو دين، أو مؤسسة، أو مجموعة إعلامية أو شركة.
تؤثر بنية رأس المال وهوية المساهمين أيضًا في الاستقلالية؛ إذ غالبًا ما يؤدي استحواذ الشركات الكبرى غير المتخصصة على دور النشر إلى فقدان الاستقلالية وتغيير التوجهات التحريرية. الناشر المستقل، أو «الناشر المؤسّس» كما تسميه الرابطة، يسهم من خلال خياراته المبتكرة، وحريته في التعبير، في إثراء النقاشات العامة، وتطوير التفكير النقدي لدى القراء، ويعد فاعلًا أساسيًّا في تعزيز التنوع الببليوغرافي.
منظمات تؤمن بالاستقلال
الدعم الذي يتلقاه الناشر المستقل، وإن كان محدودًا، يأتي من منظمات تؤمن بالاستقلالية المهنية، وتشجع المخاطرة المالية لتقديم محتوى مهم للقارئ، وهو ما يثير النقاش ويحفز التفكير النقدي حول مبادئ الخير والحق والجمال. ويشهد عالم النشر مؤخرًا تنظيم معارض ومؤتمرات للناشرين المستقلين خارج الإطار التقليدي في العالم العربي. كما تعمل الشبكات على جمع ناشرين يشتغلون ضمن مجالات مشابهة (كتب أطفال، دراسات، روايات) لتبادل الخبرات وتحسين جودة الكتالوجات.
تنظم الرابطة الدولية للنشر المستقل أيضًا لقاءات دولية وورش عمل متخصصة، مثل النشر الموجَّه للأطفال أو النشر الرقمي؛ لتوفير فضاءات لتبادل الأفكار وإطلاق مبادرات تعاون مشتركة. ويولي التحالف أهمية خاصة لبناء القدرات عبر تبادل الخبرات بين الأقران، بما في ذلك المختبر الرقمي للنشر الرقمي، وتضم الرابطة أكثر من 980 دار نشر مستقلة في 60 بلدًا، وقد تأسست عام 2002م، وتعمل ضمن ست شبكات لغوية هي: العربية، الإنجليزية، الفرنسية، البرتغالية، الإسبانية والفارسية، إضافةً إلى مجموعات عمل متخصصة.
خطة التوزيع
لكل ناشر ضمن الشبكة العربية خطته المستقلة للتوزيع في العالم العربي، رغم أن مناقشة صيغة توزيع مشتركة لجميع الأعضاء طرحت مرات عدة في اجتماعات الرابطة. إلا أن الانشغال بالمهام اليومية يدفع الناشرين للتفكير على نحو منفرد غالبًا. مع ذلك، تنفذ الشبكة مشاريع نشر مشتركة لضمان توزيع الكتب في بلدان مختلفة. من الأمثلة الحديثة، كتاب «رؤية فنية معاصرة للخط العربي»، للخطاط السوري منير الشعراني، الصادر عن خمسة من ناشري الشبكة اللغوية العربية.
يسعى الناشر المستقل لبناء علاقة شفافة وطويلة الأمد مع الكاتب، من خلال نشر أعماله وتوزيعها واحترام حقوقه. ومع ذلك، في بعض الحالات، يخسر الناشر المستقل بعض الكتّاب لصالح دور نشر أكبر وأكثر قدرة مالية.
رسالة الرابطة
في إطار تعزيز هذه العلاقة، أطلق ناشرو الرابطة رسالة مفتوحة للمؤلفين والمثقفين الملتزمين بعالم أكثر إنصافًا تحت عنوان: «ماذا نقول وأين نقول» التي جاء فيها: «نشأت حركة النشر المستقلة، الغنية بتنوعها والمقيدة بضوابطها بما هي حركة معارضة لعمليات تركيز إنتاج الكتب والثقافة وتسليعها؛ لهذا فهي تجسد بوضوح قطب عالم الكتب الثقافي، إن الناشرين المستقلين يتعاملون مع الكتاب بما هو سلعة ثقافية واجتماعية في المقام الأول، بالضد من ممارسات الشركات متعددة الجنسيات، وعمالقة الإنترنت، التي تسعى إلى إبراز البعد التجاري للكتاب، ودفعه بحسب منطق رأس المال الضخم نحو أكثر الحدود تطرفًا. والآن، بعد أن دخلنا القرن الحادي والعشرين، بات من الصعب فصل الغاية عن الوسيلة: ماذا نقول، وأين تقول ذلك؟ إننا نجد في هذا السياق أعمال العديد من المؤلفين، الذين يسعون إلى تعزيز الحوار والإبداع والتفكير النقدي والعدالة والمساواة، قد تم نشرها من قبل مجموعات عملاقة تمتلك دور نشر عديدة، وهو واقع يفرض تساؤلات، منها: ألا تتلاشى نحو العدم طاقة هذه الأعمال على التغيير حين تجعل من نفسها جزءًا من آليات صناعة الترفيه؟ الواقع يؤكد أن الشركات العابرة للأوطان، أيًّا كان مجال عملها، ما هي إلا تمثيل لهذا النظام الذي يسيطر علينا، وبالتالي: ألا نقوم -بطريقة أو بأخرى- بوضع عالم الأفكار التغييرية في أيدي أولئك الذين يرسخون أسس النموذج الذي ننتقده حينما نتحول باختيارنا إلى اعتمادهم كناشرين؟ ثم ألا يساعد ذلك قبضة رأس المال الكبير للتحكم بالكلمة وبحياتنا اليومية؟ وعلاوة على ذلك، كيف يمكننا تجاهل السؤال عن طبيعة استثمارات مجموعات الأعمال العملاقة المالكة لدور النشر حين نرى تلك الاستثمارات ضمن قطاعات صناعية تجارية مختلفة؛ هل هي استثمارات محايدة؟».
النشر الورقي يواجه تحديات رقابية واقتصادية

محمد البعلي – كاتب مصري ومدير دار صفصافة
تتوزع التحديات التي تواجه قطاع النشر في المنطقة العربية بين نوعين أساسين، هما: «التحديات الرقابية» و«التحديات الاقتصادية». وأظن أن الرقابية أعقد، وأثرها أعمق، وربما تؤثر بصورة أكبر في الناشرين والكتاب في كل الدول العربية، ما عدا استثناءات نادرة. وأثر الرقابة متعدد؛ فهي لا تعرقل فقط إصدار العديد من الكتب أو تعوق نشرها أو انتشارها، بل هي في الأساس تشكل -مع الحواجز الجمركية- أزمة حقيقة تمنع تشكل سوق عربي موحد للكتاب يضم 500 مليون فرد، ويفتح آفاقًا اقتصادية هائلة أمام هذه الصناعة. فدخول الكتاب من بلد عربي لبلد آخر تعطله أحيانًا الرقابة على المطبوعات في بلد الإصدار، ثم تعود وتعرقله الرقابة في بلد الوصول -التي قد تصادره- مترافقة مع الجمارك وصعوبات الشحن وارتفاع تكاليفه؛ بسبب الامتداد الواسع للمنطقة العربية. وفي الحقيقة تقوم العديد من الدول العربية بتخفيف قيود الرقابة على الكتاب في السنوات الأخيرة وتقلل من التابوهات المحرم تناولها في الكتب، ولكن في المقابل تظهر تابوهات جديدة، وتزيد سطوة الرقابة الذاتية بين الكتاب والناشرين أنفسهم.
تذبذب أوضاع المكتبات
على صعيد «التحديات الاقتصادية» فإن سوق النشر يواجه تشكيلة من التحديات؛ أهمها تذبذب أوضاع المكتبات العامة والجامعية والمدرسية، ففي أغلبية الدول العربية تتراجع ميزانيات هذه المكتبات، أو تتحكم فيها التوجيهات السياسية والتحولات التكنولوجية، حيث تدفع بعض الأنظمة التعليمية العربية -ومنها مصر- الجامعات للتحول إلى المكتبات الإلكترونية فقط، وهو ما سبّب صدمة نسبية في سوق النشر الجامعي. الأزمات الاقتصادية والموجات التضخمية، التي مرّت على دول عربية عدة في السنوات الأخيرة، أثرت أيضًا بشدة في القدرات الشرائية للقُراء العرب من الدول متوسطة ومنخفضة الدخل، ودفعتهم إما إلى وضع اقتناء الكتب في ذيل قائمة الأولويات، أو إلى التوجه لسوق الكتب المستعملة أو «المقرصنة».
وتُعَدُّ «قرصنة» الكتب إحدى التحديات الكبرى التي تواجه صناعة النشر في الدول متوسطة النمو. حيث يترافق ضعف آليات تنفيذ القانون مع ارتفاع سعر الكتب، وضعف متوسط الدخل، إضافة إلى اقتصار منافذ توزيع الكتب «المقننة» على مراكز المدن الكبرى فقط، وهو ما يخلق بيئة خصبة لنمو وحركة عصابات طباعة وبيع الكتب «المقرصنة»، التي توسعت من العمل في بلد واحد إلى تشكيل عابر للدول. هؤلاء يختارون الكتاب الناجح في كل بلد عربي فتطبع بأقل التكاليف، وتوزع محليًّا وتسافر شرقًا وغربًا وشمالًا وجنوبًا تحت أغطية قانونية مختلفة.
المعارض العربية
وينقلنا هذا الحديث إلى موضوع المعارض العربية التي تزيد من دخل دور النشر العربية. من جهة، فإن أعداد المكتبات ومساهمتها في مبيعات الناشرين تتعرض لاهتزازات مع توتر الأوضاع الاقتصادية والسياسية في بعض الدول. ومن جهة أخرى، فإن كثيرًا من المؤسسات توجه ميزانيات اقتناء الكتب للمعارض من دون الدخول في مناقصات وآليات شراء معقدة، وهو ما يجعل هذه المناسبة الثقافية سوقًا كبيرًا لاقتناص الصفقات، أكثر منها مناسبة ثقافية. ويقود ذلك إلى تركيز أنشطة دور النشر على المعارض، وهو ما يؤثر بشدة في بقية أنشطتها المفترضة في الواقع الثقافي.
وعلى هامش بعض المعارض العربية يُعلَن الكثير من الجوائز التي تسهم في تسليط الضوء على بعض الأعمال الجيدة، لكنها للأسف تلعب دورًا في الترويج لأنماط محافظة من الكتابة سواء البحثية أو الإبداعية. وفي بعض الدول تغلب آليات المجاملة وشبكات تبادل المصالح على لجان الجوائز، وهو ما يفقدها مصداقيتها، وفي حالة أو حالتين بارزتين أصبحت الجوائز وسيلة لغسيل السمعة وترويض المثقفين تحت سيف المنع من الوصول للجائزة ولجانها ودعوات السفر، إلخ.
الذكاء الاصطناعي
قبل أشهر عدة شاركت في دورة تدريبية حول الذكاء الاصطناعي في تونس مع عدد من الناشرين من وتونس وإفريقيا جنوب الصحراء والدول العربية، وقد خرجت منها بانطباعين؛ الأول: أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه -حتى اللحظة- أن يستبدل العنصر البشري، وبخاصة أن مستويات تدريبه على اللغة العربية ما زلت متواضعة مقارنة باللغات الأخرى. فالذكاء الاصطناعي لا يستطيع التدقيق اللغوي ولا التحرير ولا التأليف في اللغة العربية بمستويات تقارب كفاءة البشر. والانطباع الثاني أن الذكاء الاصطناعي له فوائد أخرى عدة ستفيد دور النشر بشدة على أصعدة عدة، سواء في تنظيم عملها وفي تجهيز مواد دعائية وفي تحليل بيانات المبيعات والمخازن، إلخ. وبالتالي فإن استخدام الذكاء الاصطناعي أصبح مثل قطار إلى المستقبل يجب ألا يفوت من يرغب في البقاء.
وبناء على ذلك قمنا في دار صفصافة بعمل تدريبين -بواسطة أكاديمي متخصص في التقنيات الجديدة- لموظفي صفصافة على استخدامات الذكاء الاصطناعي، وبالفعل بدأنا استخدامه في مهام محدودة لتحليل البيانات، ونأمل أن نتوسع في استخدامه في المهام غير الإبداعية خلال المرحلة المقبلة.
الترجمة
أتفق مع من يقول: إن كثيرًا من الأعمال التي تحصل على دعم للترجمة من المؤسسات المانحة ليست من أفضل المستويات الإبداعية، ولكن هذا يرجع في الأساس إلى اختيارات دور النشر التي تنشر بالعربية. وتفاوت مستويات الأعمال المترجمة أمر متوقع بسبب تفاوت مستويات القراء؛ فهناك جمهور لأدب الرعب، كما أن هناك جمهورًا لروايات باتريك موديانو (نوبل 2014م)، أو آني أرنو (نوبل 2022م)، وهما يعدّان من كتاب النخبة. ولا أظن أن هناك آلية لجعل هذا المجال أكثر احترافية إلا بصحافة نقدية مستقلة، تستطيع انتقاد الأعمال المتواضعة. فعندما تحولت الصحافة الثقافية إلى عروض الكتب، والمقالات الاحتفائية والمجاملة، لم تعد هناك عين كاشفة تستطيع أن تصنف الأعمال المنشورة، أو تسلط الضوء على مشكلاتها، بما يحفز على تطوير الكاتب لإبداعه، وتحسين المترجم لمهاراته، والناشر لمطبوعاته.
لا خيار سوى أن ينشئ كل كاتب داره الخاصة

أمير تاج السر – كاتب سوداني
بدأت النشر مبكرًا، في وقت كانت توجد صعوبة كبيرة في هذا المجال؛ ذلك أن دور النشر كانت قليلة ومحدودة في مصر، حتى في بيروت. وقد كتبت روايتي الأولى «كرمكول» وأنا لا أزال في مصر، وذلك في السنة الجامعية الأخيرة. أعطيت هذه الرواية الصغيرة -التي تشبه قصيدة شعر، ولكنْ فيها حكي وشخصيات واضحة- لعدد من المثقفين الذين أعرفهم، وكان تعليقهم عليها إيجابيًّا، ومن هنا بدأت الرحلة الوعرة لمحاولة النشر.
كان الناشرون القليلون الموجودون، لا يبحثون عن عمل جيد، بقدر بحثهم عن اسم معروف، يمكن أن يبيع كتابه، وبخاصة أن آليات التوزيع لم تكن كثيرة، وحيل العثور على قارئ محدودة جدًّا. في النهاية عثرت على الراحل كمال عبدالحليم، وكان شاعرًا معروفًا، وسياسيًّا أيضًا، ولديه دار نشر صغيرة اسمها «الغد»، وكان قد نشر في تلك الأيام مجموعة قصصية للسيناريست «أسامة أنور عكاشة». فقرأ الرواية وقال لي: إنها اختراع خاص بك، لكن لا إمكانية لنشرها. ثم فجأة انتبه إلى الساعة التي أرتديها، وكانت من ماركة غالية، وأهديت لي من والدي، فسألني: هل هذه الساعة أصلية؟
قلت: نعم
قال: إن كنت تريد نشر روايتك، عليك رهنها، وحين تنشر الرواية وتوزع ستستردّها. بهذه الطريقة المغامرة، نشرت «كرمكول»، وكنت مزهوًّا بها، لكنها أيضًا أرهقتني. كنت أحمل نسخها داخل حقيبة على ظهري، أوزعها للطلاب في الجامعات المختلفة، حتى استرددت قيمة النشر، واسترددت ساعتي بعد ذلك، وكانت تجربة جيدة عرفتني على محبتي للكتابة وإمكانية تضحيتي من أجلها.
دولارات كثيرة
الأعمال التي تلت «كرمكول» مثل «سماء بلون الياقوت»، «نار الزغاريد»، حتى «مرايا ساحلية» تلك السيرة التي أظهرت اسمي ككاتب، لم تكن أكثر حظًّا، كان عليّ أن أدفع دولارات كثيرة حتى أنشرها. كنت أدفع التكلفة كاملة ولا أسترد منها شيئًا، لكني لم أَيئَس، وواصلت الكتابة والقراءة والسفر والمحاولات، حتى اعتدل الحال. كنت قد أنتجت أعمالًا كثيرة نالت جوائز، وأصبح لي حظ عند الناشرين. والآن لدي ناشرون في بيروت والسعودية والإمارات، وفي بلدان كثيرة بلغات تُرجِمَت إليها أعمالي، وأتلقى مراسلات كثيرة من ناشرين يودون التعامل معي، وبخاصة أن النشر اتسع بصورة مخيفة، مثلما اتسعت رقعة الكتابة نفسها، وأصبحت تجارة الكتابة مربحة للناشرين، والنقود -التي يدفعها الكتاب الجدد المتلهفون لنشر أعمالهم، والواقفون في معارض الكتب، بين الورد والشوكولاتة، لتوقيع تلك الأعمال- أصبحت كثيرة، لكن ذلك كله لم يرتقِ بالكتابة، وأظن أن المواهب الحقيقية ضاعت وسط هذا الرعب الكتابي، ولا أجد وصفًا آخر غير الرعب، وصرنا نحن الذين نكتب منذ زمن طويل، أغرابًا.
طبعًا لا يوجد فكاك من النشر بحالته هذه، ما دام الواحد كاتبًا، ولا يستطيع الفكاك من الكتابة أو يتطلع لأن يصبح كاتبًا رغم كل الإحباطات. لا خيارات أخرى سوى أن ينشئ كل كاتب دارًا خاصة به، ينشر فيها أعماله ويوزعها بطريقته إن كان يستطيع، وهذا أيضًا عمل شاق جدًّا، لمن يعملون في وظائف معينة من أجل لقمة العيش، وليسوا متفرغين لهذا العمل. فالمسألة لا تتوقف عند حدود الكتابة والنشر وتسلُّم الكتب من المطابع، ولكن كيفية التوزيع؟ من الذي يوزع الكتب وإلى أين تصل؟ وهذا كما قلت يحتاج إلى تفرغ، أي أن تتعامل مع شركات توزيع ومكتبات ضخمة متعددة الأفرع مثل جرير والمتنبي، أو تنمية في مصر، وأن نتابع جيدًا مصير الكتب. ولا أعتقد أن كاتبًا فردًا ينجح من دون موظفين مختصين، وهؤلاء يصعب العثور عليهم. وقد تابعت تجارب بعض الكتاب الذين أنشؤوا دور نشر، وتفرغوا جزئيًّا لإدارتها، مثل صديقنا عبدالله البصيص في الكويت، وكان قد حكى لي بالتفصيل فائدة أن تكون ناشرًا لنفسك، ويعتقد أن تجربته نجحت. لكن عبدالله، يتابع بنفسه، ويوجد في كل ما يتعلق بشؤون داره. أيضًا تجربة عبيد بوملحة، في دبي، وهو كاتب متمكن، وأيضًا غير متفرغ، أنشأ داره مؤخرًا، واستقطب إليها كثيرًا من الكتاب، ويتعامل بمهنية عالية وإنصاف كبير، وأعتقد أن تجربته ستنجح.
صنعة الكتابة
أما أن يعيش الكاتب من صنعة الكتابة في الوطن العربي فهذا ممكن، ولكن ليس كل الكتاب، وإنما بعض منهم، والحقيقة أنه لا يعيش من كتبه ولكن من اسمه الذي صنعه عبر سنوات طويلة. هنا يمكن أن تكتب مقالًا في صحيفة ما، أو منصة ما، أو أن تشارك في لجان خاصة بالكتاب، وهكذا. وإذا أكرمتك كتابتك، تعثر على ناشر جيد يعطيك ما تستحق. وبالرغم من ذلك، لا يمكن أن تكون الكتابة هي وسيلة الحياة ولقمة العيش، على الكاتب أن يكون موظفًا في مكان ما، وإنْ تقاعد فلا بد من العيش بهدوء وحذر، في حدود ما يأتيه من دخل.
لا بد من قيام وزارات الثقافة بدور في إنقاذ الكتاب وتوسيع نشره

أحمد شافعي – شاعر ومترجم مصري
باستثناء ترجمة الشعر، يبدو المترجم ترسًا في آلة، أو بلغة أيامنا، حلقة في سلسلة إمداد. ففيما يتعلق بالروايات، وهي بقرة ناشري الأدب الحَلُوب، وكتب السياسة والاقتصاد، ناهيكم بكتب التنمية الذاتية، غالبًا ما يتلقى المترجم عرضًا من الناشر الذي يتولى اختيار العناوين ومراسلة ناشريها الأصليين لشراء حقوقها العربية. فالناشر هو محور هذه العملية كلها، وغالبًا ما تقوم اختياراته للعناوين على اعتبار وحيد هو توقعه لنجاحه في تسويق ترجمتها. وقد ترجمت بهذه الطريقة روايات من قبيل «الجمال جرح» لإيكا كورنياوان، وكتبًا من قبيل سيرة الدكتور مجدي يعقوب.
كتب أعجبتني
لكن أغلب عملي في الترجمة كان يقوم على غير تلك الآلية تمامًا. فكان عملًا ثقافيًّا محضًا؛ إذ كنت أختار روايات، أو كتبًا غير أدبية، أو كتبًا أدبية غير خيالية، وهو ما تمتعني قراءته، وأقترحه على ناشرين. فأغلب ما ترجمته هو ببساطة كتب أعجبتني ورأيت ضرورة ترجمتها، لكن كان لا بد من الاستعانة بالناشرين لكي يباشروا إجراءات شراء حقوقها؛ لأن كبار الناشرين الغربيين لا يقبلون التفاوض إلا مع مؤسسات. وفي ذلك كله يبقى الشعر استثناءً؛ إذ لا تزال ترجمة الشعر في الأغلبية الكاسحة من الحالات هي الأثرة المتخلفة، أو حتى الحفرية الباقية من تاريخ الترجمة الطويل بوصفه عملًا ثقافيًّا خالصًا، وفرديًّا خالصًا، وإنسانيًّا خالصًا.
لا أزال أتذكر، كأنما بالأمس، تلك الليلة التي استغللت فيها خطَّ هاتفٍ دوليًّا كان متاحًا لي أيام عملي في مكتب رئيس هيئة الاستعلامات لأجري اتصالًا بـ«مستر قصيدة النثر الصغير» كما يعرف الشاعر الأميركي راسل إدسن نفسه. عرَّفت الرجل بنفسي، وعرَّفته بالهدف من اتصالي. فسارع يبدي حنانًا أبويًّا تمثل في إشفاقه عليّ من تكلفة الاتصال. سارع يملي عليَّ عنوان بريده الإلكتروني. وبدأنا بعد ذلك نتراسل حول قصائده، ثم بدأت أحصل على موافقاته كلما أردت أن أنشر شيئًا منها في مجلة هنا أو موقع إلكتروني هناك. بل إنني لا أزال أتذكر كم ضقت بحنانه ذلك من دون أن أفهم لذلك سببًا، إلى أن خطر لي أن السبب ربما هو أنني أحسست بذلك الحنان مناقضًا لما يبدو عليه راسل من جنون في قصائده!
مثل ذلك بالضبط حدث مع تشارلز سيميك ومع بيلي كولنز ومع جيمس تيت ومع بيتر جونسن، ومع شعراء أميركيين كثيرين، كانوا جميعًا يملكون حقوق كتبهم، فينتفي الداعي إلى التواصل مع وكلاء أو مع ناشرين. وكانوا جميعًا مرحبين بترجمة أعمالهم إلى العربية، وكرماء بوقتهم في مساعدة مترجمهم على حل ما يواجه من مشكلات في فهم بعض النصوص، أو بعض الإشارات، وكرماء أيضًا بفرحهم كلما أخبرت أحدهم بنشر بعض قصائده هنا أو هناك، وكلهم أهدوني طبعات ورقية من كتبهم، بل من كُتُب رأوا ضرورة أن أطلع عليها لأزداد فهمًا للمشهد الشعري الأميركي، حتى إن لدي كتبًا تحمل آثار قراءة بيتر جونسن مثلًا لعدد من مجلة «قصيدة النثر: جريدة دولية».
يبدو ذلك كله ماضيًا بعيدًا الآن. سيميك وتيت وإدسن ماتوا في غضون سنوات قليلة، وكذلك أغلب الكبار من أبناء هذا الجيل. وقصيدة النثر الأميركية فقدت وهجها، أو ذلك ما يبدو لي، فلم يعد لبيتر جونسن مثل نشاطه المحموم الأول، ويبدو لي وكأنه وضع رمح قصيدة النثر واكتفى بكيبورد ينقره بين الحين والحين. حتى المشهد الشعري العربي الآن، أو المصري خاصة، هجره الجادون، كلهم تقريبًا، فأوشك أن ينفرد به «شعراء» يكتبون نصوصًا متخلفة في كل شيء. والناشرون حالهم لا يخفى على أحد: فهم إما تجار روايات رديئة الترجمة في الغالب، أو تجار كتب تنمية ذاتية ضررها أكبر من نفعها إن كان لها نفع.
قبلة حياة
كل شيء الآن يصرخ طالبًا قبلة حياة من الدول. فلا بديل الآن في تقديري عن قيام وزارات الثقافة العربية بدور حقيقي في إنقاذ الكتاب، وتوسيع نطاق النشر، وتنويع ما ينشر في التأليف والترجمة على السواء، فليس صحيًّا، ولا يمكن أن يبشر بخير، أن يقتصر غالب المعروض في متاجر الكتب على الضحل الذي لا مسوّغ لوجوده سوى التسلية أو بيع الأوهام للناس. وليس صحيًّا أو مبشرًا بخير أن تبقى أسعار الكتب مجاوزة لقدرات أغلب القراء دونما أي دعم من الحكومات. وليس صحيًّا أو مبشرًا بخير أن تبقى الجوائز -المعيبة في أغلبها- هي المعيار الوحيد لاختيار العناوين للترجمة وللنشر. وليس صحيًّا أو مبشرًا بخير ألا يبقى هاديًا للقراء في اختيار الكتب إلا «أراجوزات» مواقع التواصل الاجتماعي، وهم في الغالب مأجورون لترويج أعمال لا تستحق حتى البوار.
وسط ذلك كله، لا أتصور أن يستمر في الترجمة الأدبية، والكتابة الأدبية، وربما في القراءة أصلًا، إلا من حافظ على روح الهواية، ولم يصدق ما يسعى لإيهامه به الآخرون من حيث كونه ترسًا في آلتهم. لا أصدق أن ينجو من الابتذال الحالي إلا من عصمه الأدب دائمًا فلم يجعله وسيلة لتحقيق أي مأرب غير جمالي. ولا أصدق أن ينجو إلا من يتبع المثال المحفوظي العظيم: وظيفة صباحية من أجل لقمة العيش، ثم التنسك ليلًا في رحاب الأدب، سبيلان لا يجب أن يلتقيا أبدًا، ولا أن يفترقا أبدًا، وإنما يتوازيان في حياة المرء ما استطاع إلى هذا سبيلًا، ولا أحسبني استطعته إلا قليلًا.
الكتاب الورقي بين أعباء السوق ومغامرة المستقبل
ريم الكمالي – كاتبة إماراتية
لم يكن الكتاب الورقي يومًا مجرد سلعة، بل هو الذاكرة الأولى للإنسان، رفيق الحضارة منذ ألواح الطين ولفائف البردي حتى المطبعة الحديثة. وما زال القارئ حين يفتح كتابًا جديدًا يلمس تلك الرهبة الأولى: رائحة الورق والحبر، صوت الصفحات وهي تُقلب، إحساس أن الأفكار صارت كائنًا ملموسًا بين اليدين. لكن هذه المتعة البسيطة تواجه اليوم تحديات عاصفة، مع ارتفاع التكاليف وتراجع القرّاء، وزحف العالم الرقمي بخطوات لا تعرف التوقف، لتأتي أعباء النشر الورقي. فأول ما يواجهه الناشرون اليوم هو الارتفاع الكبير في تكلفة الطباعة. أسعار الورق والأحبار تجاوزت حدود المعقول، وهو ما دفع دور نشر كبرى إلى تقليص عدد الإصدارات أو الانتقال إلى الطباعة عند الطلب.
في العالم العربي، صارت بعض الدور تشترط على المؤلف المساهمة المالية المباشرة في الطباعة، وهو ما يسمّى «النشر المشترك»؛ لتخفيف عبء المغامرة. والنتيجة أن المؤلف، بعد رحلة شاقة من البحث والكتابة، يجد نفسه مطالبًا بدفع المال ليُقرأ، بدلًا أن يتلقى الدعم أو المكافأة المستحقة.
شبكات توزيع
أما التوزيع، فهو الحلقة الأكثر هشاشة، ففي أورُبا وأميركا، تمتلك دور النشر الكبرى مثل بينغوين، وهاربر كولينز، شبكات توزيع عالمية، ومنافذ بيع تضمن وصول الكتاب إلى القارئ في قارات عدة. بينما في العالم العربي، يظل الكتاب أسير المعارض السنوية أو مكتبات محدودة في العواصم، ولا يكاد يصل إلى القارئ في مدن الأطراف؛ فكم من كتاب رصين مات في صمت؛ لأنه لم يجد طريقه إلى القارئ، وظل حبيس صناديق المخازن.
في المقابل، يكتسح النشر الرقمي المشهد، والكتاب الإلكتروني والمسموع أصبحا الخيار الأول لجيل يبحث عن السرعة والمرونة وانخفاض السعر. منصات مثل «كيندل بوك» من أمازون، أو «أُودوبيل» فتحت أبوابًا واسعة للقراءة، بلا حدود مكانية، لملايين القراء في العالم، وأصبحوا يحملون مكتبات كاملة في جيوبهم. وليس الأمر مقتصرًا على الغرب؛ فقد دخلت منصات عربية مثل هنداوي وكتاب صوتي… إلى هذا الميدان، مقدمة نصوصًا عربية وعالمية في صيغة رقمية، وهو ما أتاح للقارئ العربي خيارات لم يكن يحلم بها قبل عقد واحد. النشر الرقمي لا يعرف حدودًا ولا جمارك ولا تكاليف شحن، وهو ما جعله منافسًا شرسًا للورقي.
لكن، ورغم هذا الصعود، يظل الورق محتفظًا بمكانته. كثير من القراء ما زالوا يصرون على اقتناء الكتاب الورقي، ويتحدثون بعاطفة لما يمثله من حميمية وذاكرة وملكية مادية للنص. لهذا لم تختفِ دور النشر الورقية، لكنها تسعى إلى التوازن بين الورقي والرقمي، كأنها تحاول أن تجمع بين عبق الماضي وضغط المستقبل.
المؤلف العربي
وكم تزداد المشكلة تعقيدًا عند الحديث عن تجربة المؤلف العربي. فبينما يحصل الكتّاب في الغرب على عقود تضمن لهم نسبة عادلة من المبيعات، وربما سلفيات مالية قبل النشر، يتلقى المؤلف العربي مكافآت زهيدة لا تعكس قيمة الجهد المبذول، وقد يقضي الكاتب سنوات في تأليف كتاب، ثم لا يتجاوز دخله من النشر بضع مئات من الدولارات، وبعض الدور تعطي المؤلف نسبة لا تتعدى 5 أو 10% من سعر النسخة، بينما تُهدر البقية في الطباعة والتوزيع والربح التجاري. النتيجة أن الكاتب يعيش مفارقة مؤلمة: يُحتفى به في المعارض والندوات، لكن حقيبته فارغة، وكأن الثقافة في نظر المؤسسات سلعة ثانوية لا تستحق أن يُكافأ صانعها.
لم ولن
المستقبل لا يبدو في صالح الورق؛ إذا نظرنا إليه بمعايير السوق فقط. لكن التجربة العالمية تثبت أن النشر الورقي لم يَخْتَفِ ولن يختفي. بل هو يُعاد اختراعه باستمرار. في فرنسا مثلًا، لا تزال دور النشر الورقية صامدة، بفضل دعم حكومي قوي يحمي الكتاب من الانهيار، ويضمن بقاء المكتبات حيّة في المدن الصغيرة. وفي اليابان، حيث التقنية في ذروتها، لا يزال الكتاب الورقي يحظى بمبيعات ضخمة؛ لارتباطه بالثقافة الجماعية والعادات اليومية. أما في العالم العربي، فالطريق لا يزال طويلًا. إذا أردنا أن نُنقذ الكتاب الورقي، فلا بد من حلول مبتكرة: شراكات بين الورقي والرقمي، وسياسات حكومية لدعم صناعة النشر، وتطوير إستراتيجيات تسويق حديثة تستفيد من قوة الإعلام الرقمي في الترويج. فالكتاب يجب ألّا يُترك وحيدًا في مواجهة السوق، بل ينبغي أن يُعامل بوصفه جزءًا من الأمن الثقافي للأمة.
لا بد أن يتحول الناشر إلى مؤسسة اقتصادية ثقافية
بشير مفتي – روائي وناشر جزائري
في الراهن العربي يبدو موضوع الكتاب شائكًا للغاية، رغم أننا لم نشعر في أي وقت آخر أن الكتاب قد عرف ازدهارًا كبيرًا في منطقتنا العربية من حيث النشر الكمي على الأقل؛ لأن مسألة النوعية قضية أخرى تحتاج إلى نقاش طويل. لكننا نشعر كما لو أن ذلك كلّه لم يحلّ المشكلة، أو المشكلات، التي يعانيها الكتاب، الذي بقي دائمًا عرضة للتهميش. فالكتاب لا يزال يرمز إلى المعرفة والوعي، ويُعَدّ دليلًا على نهوض الأمم وتفوّقها الثقافي والاقتصادي والسياسي. ومع ذلك، ما زالت أمّتنا العربية تعاني مأزق النهوض والوعي والمعرفة، أي أن الكتاب هو في صلب وجوهر أزمتنا الحقيقية. وما دمنا لم نعرف كيف نحلّ هذه المعضلة، سنظلّ نشعر أن الهوّة واسعة بين مَن عبروا النهر إلى الضفة الأخرى، وبين مَن لا يزالون يحلمون بالعبور.
الأزمة
في رأيي، تكمن أزمة الكتاب العربي، ربما، في أننا لم نخرج بعد من فكرة أن النشر مغامرة فردية يقوم بها ناشرٌ مثقف وكاتبٌ حالم، ولم يتحول الناشر بعد إلى مؤسسة اقتصادية ثقافية قائمة بذاتها، أي إلى مؤسسة فيها مكتب للتحرير، ومكتب للتوزيع، ومكتب للإشهار والعلاقات مع الصحافة، ومكتب للتصميم وغيره. مؤسسة تملك كل ما يميز المؤسسة الاقتصادية الكبيرة من طرق تسيير حديثة، تستطيع أن تستثمر في الكتاب كما يُستثمر في أي مادة تجارية أخرى، فتسوَّق ويكون لها مردود مالي ناجح.
صحيح أن مثل هذا النوع المحترف من النشر لم نصل إليه بعد في العالم العربي، وما زالت التجارب في أغلبها فردية تقوم على الهواية والشغف أكثر مما تقوم على الاحترافية التي تتطلب بنية تحتية صلبة. ولحسن الحظ، لا تزال هذه المغامرات موجودة؛ لأن رجل المال العربي لم يستثمر في الكتاب؛ إذ يعدّ ذلك مشروعًا فاشلًا، على عكس رجل المال الأميركي أو الغربي عامةً. ولا أدري لماذا يستثمر رجل المال العربي في الإعلام والرياضة وغيرها، ولا يستثمر في نشر الكتب. هذه ظاهرة تحتاج إلى تأمل ونقاش؛ لأن المال هو عصب الحرب كما يُقال، وهو أيضًا عصب النشر إذا أردنا أن نقفز بالنشر في العالم العربي إلى أبعد مما هو عليه الآن.
صناعة كاملة
الكتاب، والكاتب نفسه، يحتاجان إلى صناعة كاملة مثلما تُصنع نجوم السينما والفن والرياضة. أي يحتاجان إلى تسويق ودعاية كما نجد هذا الأمر في الغرب، ولهذا تحصد بعض الروايات الغربية نجاحًا مبهرًا وتباع منها ملايين النسخ في المكتبات الكثيرة المنتشرة في كل مكان. صحيح أنه عندما نتحدث عن كاتب عربي، يبيع الملايين من كتابه الأدبي أو الثقافي، يبدو الأمر بعيد المنال، أو حلمًا صعب التحقق، على الأقل في الوقت الراهن، لأسباب كثيرة: عدم وجود شبكات توزيع محلية وعربية واسعة، قلة المكتبات أو انعدامها في مناطق كثيرة، غياب الدعاية والإشهار الذي يسمح للمنتج بالانتشار وطلب القراء له، إلى جانب ضعف الإعلام الثقافي الذي يساهم في الترويج للكتاب. فما الذي يدفع القارئ لشراء كتاب إن لم يسمع به أصلًا كما يسمع بالرياضي أو الفنان الفلاني في مختلف قنوات الإعلام؟
قد يقول بعض: إن الإنسان العربي، المرهق في حياته اليومية، ما زال يرى الكتاب «ترَفًا» وليس ضرورة حياتية أو وجودية. وهو على عكس الإنسان الغربي، الذي يُنهي حياته عند بلوغ التقاعد في قراءة الكتب التي فاتته فترة عمله أو لم يكن لديه وقت كافٍ لقراءتها. ونسبة المتقاعدين كبيرة في عالمنا العربي، ومع ذلك فهم غير معنيين بالقراءة والمعرفة ما داموا يشعرون أن النهاية اقتربت ولا حاجة لها، على عكس ما يحدث مثلًا في فرنسا، حيث تقول الإحصائيات إن أكبر نسبة قراء هم المتقاعدون، ويُعَدّون هدفًا كبيرًا للناشرين كقراء متميزين.
ومع كل هذا، لعبت الجوائز الأدبية، الخليجية خاصةً، دورًا في أن تستعيد الرواية العربية بعض عافيتها، ودَفعت القراء، على قلتهم، إلى الاهتمام بها. وهذا دليل آخر على أن الحافز يستطيع أن يصنع الفارق أو يمد يد العون للكاتب، الذي أصبح يعوّل عليه في الحصول على مردود مالي يقلل من شعوره بالإخفاق المادي الدائم، عندما لا يستطيع أن يبيع ألف نسخة من روايته في طبعته الأولى. لكن هذا لا يعني أنها حلت المشكلة أو وضعت الكتاب على سكة الطريق، فهي ليست إلا نقطة ضوء صغيرة تحتاج إلى أن تُعمم مع عناصر أخرى سبق ذكرها للخروج من هذا النفق الحزين.
مناجل الذكاء الاصطناعي
حسين نهابة – شاعر ومترجم ومدير مؤسسة أبجد للنشر العراقية
الذكاء الاصطناعي عبارة عن نظام برمجي آلي، أو دماغ متطور جدًّا، قادر على صياغة أفكار كتابية، وإنتاج نصوص أو ترجمات أو محتوى لغوي، اعتمادًا على آليات التعلم الآلي. وأعتقد أن تاريخ هذا النظام قديم جدًّا، بدأ به على أيدي الحكائين الذين كانوا يخيطون لنا حكايا وأساطير خيالية تنتج لنا أشخاصًا ذا ذكاء خارق. لكنه تبلور رسميًّا عام 2012م. وفي عام 2017م ظهر «المحوّل» الذي نزل كتطبيق يمكن استخدامه على الأصعدة كافة. والذكاء الاصطناعي ليس له صفة قانونية؛ إذ بإمكان أي شخص أن يستخدمه بمهارة، ويدعي أن ما أنتجه هو من مهاراته الشخصية. مجرد أن يصيغ الفكرة في عقله، ويسطرها على البرنامج بصورة مختصرة، ويوجّه النظام ليحرر له محتوى، دون أن يتحمل هذا النظام أية مسؤولية. أي أنه غير مسؤول عن الانتحال أو الأخطاء المعلوماتية أو التضليل.
تطور متسارع
قد شهد الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة تطورًا متسارعًا جعله حاضرًا في مجالات معرفية وثقافية كانت، حتى وقت قريب، حكرًا على الجهد البشري الخالص، ومن بينها كتابة الكتب وترجمتها. لم يعد استخدامه يقتصر على المهام التقنية أو المساندة، بل أصبح يُستعان به فعليًّا في إنتاج النصوص وصياغة الأفكار وإعادة تركيب المعاني، وهو الأمر الذي أثّر على نحو مباشر في آليات التأليف والنشر التقليدية. هذا التحول أوجد واقعًا جديدًا يفرض إعادة النظر في المفاهيم القانونية المرتبطة بالمؤلف، وحقوق الملكية الفكرية، والمسؤولية عن المحتوى المنشور.
كان يقتصر دور الذكاء الاصطناعي في بداياته على تقديم ملاحظات تحريرية أو اقتراحات لغوية وتحسين الأسلوب. أما اليوم، فيبدو أنه قادر على تأليف نصوص كاملة، وترجمة كتب بأكملها، وإنتاج مقالات، وابتكار محتوى أدبي. وبذلك أصبح من الممكن الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في مراحل مختلفة من إعداد الكتب، سواء في الصياغة الأولية للنصوص أو في دعم عمليات الترجمة بين اللغات، من دون إغفال التدخل البشري في المراجعة والتحرير والتدقيق، بالطبع. وقد وفّر هذا التطور فرصًا جديدة للناشرين والمؤلفين من حيث السرعة وتقليل الكلفة، لكنه في الوقت نفسه أثار إشكاليات قانونية وأخلاقية تتعلق بحدود المسؤولية، وحقوق الملكية الفكرية، ومعايير الشفافية في نسب الأعمال المنشورة؛ لذلك انتشر في العالم بين فئات المجتمع بصورة مذهلة لأسباب عدة، منها على سبيل المثال: سرعة إنتاج النصوص، والقدرة على توليد أطر ومنهجيات متعددة، واحتواء سياقات استخدام كلمات ومعانٍ دقيقة، والترجمة المهنية أحيانًا باللغات كافة.
قوانين وتشريعات
لم تعتمد القوانين الدولية ولا تشريعات الملكية الفكرية في معظم الدول، حتى الآن، نصوصًا صريحة تنظم بصورة مباشرة مساهمة الذكاء الاصطناعي في تأليف الأعمال الأدبية. فالإطار القانوني السائد لا يزال قائمًا على افتراض أن الإبداع فعل إنساني في الدرجة الأولى، وبناءً على ذلك، تُمنح حقوق المؤلف عادةً للأشخاص الطبيعيين فقط؛ إذ يُشترط أن يكون العمل هو نتاج جهد بشري خلّاق يمكن نسبه إلى مؤلف محدد، ويُسجَّل باسمه في مؤسسات حقوق التأليف المعتمدة. في المقابل، لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي في أغلب الأنظمة القانونية بوصفه هيئة قانونية مستقلة، وبالتالي لا يمكنها امتلاك حقوق ملكية فكرية، ولا توقيع عقود، ولا المطالبة بحقوق ناتجة عن الأعمال التي يسهم في إنتاجها. ويُتعامل معها قانونيًّا بوصفها أداة تقنية متقدمة، مهما بلغت درجة تعقيدها أو استقلاليتها الظاهرية. ونتيجة لذلك، تُسند حقوق التأليف في العادة إلى المستخدم البشري، سواء كان هو من أدخل التعليمات الأولية للنظام، أو من راجع النصوص الناتجة وحرَّرها وأشرَف على شكلها النهائي قبل النشر. غير أن هذا الحل العملي لا يخلو من إشكاليات؛ إذ إن تزايد النصوص التي تُنتج بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي يطرح وضعًا قانونيًّا غير مسبوق، لم يكن حاضرًا عند صياغة القوانين الحالية.
التحدي القانوني
لقد غيّر الذكاء الاصطناعي من مشهد التأليف والترجمة في زمن قياسي، وبالتالي لم يعد من الممكن أن تستمر قوانين الملكية الفكرية القديمة دون تطوير. إن التحدي القانوني اليوم هو جعل الإبداع البشري والذكاء الاصطناعي يتعاونان ضمن إطار قانوني منصف وواضح، يعترف بمساهمات كل منهما، ويضمن الشفافية والعدالة في عالم النشر التقليدي والرقمي على حدٍّ سواء. وعليه، لا بد من وضع أيقونات قانونية تؤطر ما يحدث الآن فيما يخص تأليف الكتب الورقية في الذكاء الاصطناعي، ومنها: وضع قانون يحدد نسب المساهمة البشرية ومساهمة الذكاء الاصطناعي، فيما يخص البحوث، لا بد من وضع هامش يُذكر فيه مساهمة الذكاء الاصطناعي، فرض ضوابط على مؤسسة الذكاء الاصطناعي، ليكون مصدرًا رسميًّا مثل غوغل، سواء باشتراك رسمي من الأشخاص أو أن يكون مفتوحًا من دون مبالغ، واعتماد قانون يؤكد شفافيةَ التصريح باستخدام الذكاء الاصطناعي سواء في الكتب أو البحوث.
صناعة النشر العربية والحاجة إلى قانون

هيثم الحاج علي – ناقد وأكاديمي ورئيس سابق للهيئة المصرية العامة للكتاب
لا يمكن النظر إلى الكتاب بوصفه الوعاء الأساسي للمعرفة فقط، فقد تطورت الأمور في العقود الأخيرة وأصبح الكتاب واحدًا من الأدوات المهمة للتطور، واستدامة التنمية في المجتمعات كافة. وظهرت في الوقت نفسه الأهمية الإستراتيجية لصناعة النشر. وربما يكون التطور الكبير الذي طرأ على معارض الكتب هو أنها تحولت من فعاليات خاصة بالمثقفين والمهتمين إلى فعاليات مجتمعية نبعت من وعي الأسر بالحاجة إلى القراءة بوصفها رافدًا تربويًّا وتنمويًّا للأبناء. ربما يجعلنا كل ذلك ننظر إلى صناعة النشر العربية بوصفها الصناعة التي تحتاج اليوم -في مفترق طرقها- إلى اهتمام ودعم الحكومات العربية؛ لتنقذها من عثراتها الناتجة عن أوضاع اقتصادية عالمية استثنائية، من ناحية، ولكي يُتعامَل مع صناعة النشر بوصفها صناعة ثقيلة بعيدة المدى، وتحتاج إلى القوانين المنظمة لها في ظل تغيرات متسارعة في التقنية ووسائل الإنتاج.
نقص المعلومات
وإذا كنا نعاني في الوطن العربي عامةً نقصًا حادًّا في المعلومات الخاصة بالنشر والكتب ومعدلات القراءة، فإن التعاون بين البلدان العربية المختلفة قد صار ضرورة لها أولوية كبرى، وذلك في ظل التسارع في عجلة التطور الثقافية، وبخاصة مع دخول وسائط جديدة مثل الكتاب الإلكتروني والكتاب المسموع، اللذين يُتعامَل معهما بوصفهما منافسين للكتاب الورقي. في حين أنه من الممكن تعديل القوانين وخطوات الإنتاج؛ لتصبح هذه الوسائط الحديثة عاملًا مساعدًا في الترويج والانتشار لثقافة القراءة عامةً، والقراءة الورقية خاصةً؛ إذا يُتعامَل معها بصورة رشيدة.
من هنا، فإن إعادة النظر في محددات الصناعة، وتدقيق الأرقام الخاصة بمعدلات البيع والقراءة في الوطن العربي، وعمل تصنيفات واضحة ومحددة لقوائم الكتب والناشرين والقراء؛ تقوم على إحصاء علمي دقيق ومنهجي، والعمل على قياس كل ذلك من دون إغفال الأوضاع المصاحبة، كل ذلك يبدو من المتطلبات الأساسية لتطوير وإنقاذ واحدة من الصناعات المهمة، ليس فقط على المستوى الثقافي، بل على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
حالة خاصة
صناعة النشر في العالم العربي حالة خاصة تنبع من نشأة المؤسسات الثقافية الحكومية، استنادًا إلى الدساتير العربية التي في معظمها ترى أن الثقافة خدمة تقدمها الحكومات إلى المواطنين. هذا المفهوم يغلف نفسه بهدف نبيل، لكنه يصبح ثقلًا على كثير من تلك الحكومات.
كثير من المؤسسات الحكومية قامت على أساس أنها تسد فجوة ما لا يستطيع الناشر الخاص القيام به، ومن هنا صارت شريكة في هذا المشهد وفي تلك الصناعة، وهو ما يجعل لزامًا عليها أن تقوم بدور الداعم لصناعة النشر عامةً، وليست منافسًا في هذا المجال. الأمر يتوقف على رؤية من يدير هذه المؤسسات، فإن آمن بذلك فهو داعم، وإن لم يؤمن فهو منافس، وهي الحالة التي صرنا نراها تتكرر كثيرًا بأشكال مختلفة.
منافسة شديدة
منظومة صناعة النشر، التي يجب أن تقوم على التعاون، صارت تتسم بمنافسة شديدة تحولت إلى عائق، في ظل النقص الحاد في اللوجستيات التوزيعية، بما يؤدي إلى نقص فرص التوزيع العادل والفعال. هذا الأمر لا يمكن الفكاك منه إلا بالتعاون الإيجابي بين المؤسسات بأنواعها، وبين معارض الكتب واتحادات الناشرين. والأهم من كل هذا أن يُعترَف بالنشر بوصفه صناعة متكاملة تحتاج إلى الدعم الصناعي من الحكومات العربية جميعها، وليس على أساس أن النشر نشاط ثقافي. وهذا الأمر يستلزم تعديلًا جذريًّا في المفاهيم القانونية الحاكمة لهذا المجال، وبخاصةٍ بعد دخول روافد جديدة مثل النشر الرقمي والنشر الصوتي، اللذين لا نزال نتعامل معهما بوصفها عاملين للقضاء على الكتاب الورقي. في حين أن الداعم الأهم للنشر الورقي يبدو في دعم هذين الرافدين عن طريق التعاون العربي لإنشاء مظلة نشر عربية كبرى تكون الملاذ الوحيد لإنقاذ الصناعة والثقافة والهوية العربية، وتحميها من الانزلاق في أتون ثقافات أخرى تحاول الهيمنة.
كنت محظوظًا بالنشر في دُور إسبانية
الدكتور رضا مامي – شاعر ومترجم وأكاديمي تونسي
الكتابة فعل إبداعيّ يصدر عن المبدع للمتلقي القارئ، ويكون الناشر وسيطًا بينهما، وشريكًا في الحالة الإبداعيّة التواصليّة. هذا الثلاثي: كاتب، وناشر، وقارئ يشكّلون عوالم الكتاب، وفعل الكتابة واجب معرفيّ يتأسّس على تلك الشراكة الثلاثيّة. ولا قيمة للفعل الإبداعي من دون نشره وتوزيعه بما يليق بالكاتب والقارئ، وبما يليق بالناشر بصفته مؤسّسة ثقافيّة ربحيّة. لأكثر من ربع قرن كانت لي مساهمة في هذا الثالوث المعرفي عبر أعمالي الشعريّة والأكاديميّة والأدبيّة: تأليفًا وترجمة. وبصفتي أستاذ اللغة والآداب الإسبانية، كان هاجسي تسفير الآداب العربيّة للثقافة الإسبانيّة ولغتها التي تتجاوز في حضورها الجغرافيا الإيبيريّة نحو أميركا اللاتينيّة في عدد الناطقين بها لأكثر من أربعة مئة مليون فرد، في منزلة وصيفة للغات العالم بعد الإنجليزيّة.
لا اختيار
لم يكن لديّ الاختيار في نشر مؤلفاتي الأولى مع دُور نشر إسبانيّة؛ لأنّني كتبت بلسان إسبانيّ لشعوب لديها الحنين وحب الاطلاع على ما يكتبه العرب عن الإسبان وعن أنفسهم، فكانت شراكاتي في النشر في العالم الإسباني مع دار Sial Pigmalion، ودارSial Contrapunto، ودار Ramon Menendez Pidal، تثمينًا لأعمالي الشعريّة والأكاديميّة وترجماتي الشعريّة لأهم الشعراء العرب. وطوال مسيرتي في النشر لم أفكّر في تغيير هذه الدُّور الثلاثة التي دأبت على النشر فيها، رغم المغريات من دُور نشر تجاريّة؛ بسبب وضوح التعامل والاحترام الذي ألقاه من الناشرين الثلاثة، والأهم من كل هذا هو قدرتها على المنافسة والانتشار العالمي والمشاركة في كل المعارض الدوليّة للكتاب وشراكاتها مع المؤسسات العلميّة والأكاديميّة والجامعات، دون أن ننسى حضور هذه الدور في المسابقات الدوليّة للكتاب والكتّاب وترشيحي لكثير من الجوائز الفخريّة التي نلت بعضها.
في العموم لا يحقّق الكاتب مكاسب ماديّة كبيرة، بقدر ما يكون طموحه الانتشار وتحصيل الاعتراف الأدبي والعلمي. كما أنّ الناشر معذور في عجزه عن تثمين مجهود الكاتب العلمي والأدبي؛ فالناشر يعاني تكاليف الطباعة والتوزيع ويعاني نسبيًّا غياب الدعم الكافي. ومع ذلك توفّر دور النشر الأجنبيّة الحد الأدنى المحترم في التعامل المادي بشفافية مطلقة، ورغم صبغتها التجاريّة، فإنّها تحافظ على قيمتها العلميّة لتحافظ على هيبة الكاتب ومكانته الاعتباريّة، على عكس دور النشر العربيّة التي تتعامل في أغلبها بصيغة تجاريّة مطلقة، فتهتم بحجم المبيعات قبل قيمة الكتاب ومحتواه. ولذلك فضّلت النشر في دور النشر الإسبانية لكل أعمالي الأكاديميّة والأدبيّة؛ لأن الأعمال الأكاديميّة تشكل مغامرة للناشر بسبب محدوديّة القراءة الأكاديميّة ومبيعاتها. ومحنة العالم العربي مرتبطة بغياب الشراكات بين دور النشر والمؤسّسات الأكاديميّة والجامعيّة لتقاسم أعباء النشر وتكاليفه وتوزيعه، خلافًا للمؤسسات الأكاديميّة الأجنبيّة التي تحظى بمصادر تمويل متنوعة من الدولة والمؤسسات الخاصة ومن الهبات.
وجدت نفسي
في تجربتي مع دور النشر الإسبانيّة وجدت نفسي وكتاباتي، وحظيت بالتكريم والتشريف ضيفا مبجّلا على مختلف معارض الكتاب الدوليّة في إسبانيا وأميركا اللاتينيّة، وذاك الانتشار حقّق لي مكاسب معنويّة وعلميّة كبيرة، ليس أقلها من تردّدي أستاذا زائرا على الجامعات الإسبانيّة وفي أميركا اللاتينيّة لتقديم محاضرات أكاديميّة وإحياء أمسيات شعريّة، وبفضلها ترشحت عضوا في المجالس العلميّة لبعض المؤسسات الأكاديميّة، ووصلت كتبي إلى أميركا الجنوبيّة لتكون دروسًا جامعيّة، وقد منحتني شرفًا أكبر باختياري أخيرًا عضوًا في «الأكاديميّة المكسيكيّة للتاريخ والجغرافيا»، كأوّل عربي يحظى بهذا التشريف والتكليف.
مقارنة
عندما أقارن بين الكاتب في العالم العربي والكاتب في العالم الغربي في علاقتهما بالنشر، أجد فروقًا جوهريّة في كيفيّة التعامل بين الكاتب والناشر، والأهم هي المكاسب الماديّة والعلميّة التي يحقّقها الكاتب في العالمين. فقد بلغ الكاتب الغربي مرحلة الاحتراف في أن يعيش على عائدات كتبه بما يحقّقه من توزيع وحقوق النشر، لكن في العالم العربي هناك انتهاك لحقوق المؤلّف يساهم الناشر فيه بقسط كبير، ولذلك أجد نفسي محظوظًا في تعاملي مع دور النشر الإسبانية التي منحتني إشعاعًا عالميًّا، مستغلًّا شغفهم بالشعر العربي والآداب العربيّة التي أترجمها لهم؛ لتكون علامة للتثاقف وهمزة وصل بين الثقافات والحضارات.
ليس الكتاب عمليّة رقن وطبع، بل الكتاب عالم من الإبداع والتجارة، وهو مجهود يبذله المؤلف شغفًا وينتظره القارئ لهفة، وبينهما ناشر يتردّد بين الهاجس الثقافي والهاجس التجاري. ولعلّ التوفيق بين هذين الهاجسين يتطلّب مدوّنة قانونيّة وأخلاقية تضبط العلاقة بين مكوّنات عالم الكتابة والنشر. وفي ظلّ تطوّر أساليب النشر والتوزيع من الورقي إلى الإلكتروني تزداد مأساة الكاتب العربي أمام كارثة التحايل وفقدان حقوق التأليف. ويبقى الرهان على مصادر التمويل من القطاع الخاص للكاتب والكتاب والمؤسسات العلميّة دافعًا رئيسيًّا للحفاظ على الحقل الثقافي والعلمي، حتى يبقى صامدًا في وجه الكتاب التجاري والثقافة التجاريّة.
رومانسية الكتاب الورقي
محمد العامري – شاعر أردني ومدير دار خطوط وظلال
في ظل المنافسة القوية التي بات يبديها النشر الإلكتروني، علينا الاعتراف بأن المسار الإلكتروني يتسارع ليأخذ مكانته القوية في شتى المجالات، من ضمنها مسار النشر وصولًا إلى طرائق توزيع المجلات والكتب. لكننا لا نزال ماكثين في رومانسية الكتاب الورقي الذي يحتفظ بعلاقة عاطفية مع القارئ بدءًا من رائحة الورق وصولًا إلى ملمسه وما يحبّر على صفحاته من هوامش وملاحظات. ولا يمكن إغفال التسارع الرهيب الذي يناله الكتاب الإلكتروني، الذي يغزونا عبر أجهزة عديدة ترافقنا حتى في غرفة النوم. وأرى أن غلبة الكتاب الإلكتروني ناجم عن طبيعة الأجيال الجديدة التي تعتمد حياتها على الإلكترونيات، وصولًا إلى التأليف عبر الذكاء الاصطناعي.
العلاقة اليوم بين الكتاب الورقي والكتاب الرقمي علاقة شائكة، وتحتاج إلى تحليل واختبار دقيق لمسارات المستقبل القريب. فتقدُّم التقنية، واتساع رقعة النشر الإلكتروني التي تتيح للكاتب النشر الذاتي دون رقابة، جعلت من الكتاب الإلكتروني غواية جديدة للعصر.
مسار متعب
إن الصورة المقدمة عنا، في دور النشر، تتمثل في نشر المعرفة والوعي على حد سواء، لكن مواجهة قلة القراء، حسب إحصائيات اليونسكو، تصبح المهمة متعبة. الكتاب سلعة غير رائجة ودور النشر لا تتلقى دعمًا وتشجيعًا من المؤسسات الرسمية والخاصة، في مقابل دعم هائل لقطاع الرياضة. ويخضع النشر إلى مسار معقد: يمر بالتحرير والتصميم والنشر والتوزيع؛ وهي مغامرة خاسرة في الغالب، وإن كانت دور النشر لا تزال تُعلّق آمالًا كبيرة على الربح، وتعتمد معظمها على سد الرمق عبر معارض الكتب الدولية.
إذا كانت دار النشر محترفة فلا بد من توافر العناصر التي ذكرتها: من محرر ومصمم للنص الداخلي ومصمم للأغلفة. كل ذلك ضرورة لإغراء القارئ لتناول الكتاب والتعرف إليه. فغلاف الكتاب، على سبيل المثال، هو عنصر بصري يغري الناظر إلى جمالياته، بغض النظر عن المحتوى. فالغلاف هو العتبة الأولى للكتاب، أو البوابة الإغرائية للدخول إلى النص.
مساران
وفي هذا السياق نجدنا أمام مسارين: المسار التجاري الذي يبحث عن الربح، عبر نصوص هابطة، يقبل عليها قطاع عريض من المراهقين. والمسار الآخر هو الكتب الجادة التي تُصنع بحرفية عالية من الغلاف إلى المحتوى، وفي غالب الأمر الغلبة للمنطق التجاري الهابط. وما ينقذ الكتاب الجاد هي المؤسسات الجامعية التي تقتني المراجع الخاصة بالطلبة والباحثين إلى جانب قلة من القراء.
إن مفاهيم النشر لم تزل ملتبسة في العالم العربي فهناك الكثير من التقصير تجاه صيرورة النشر الرقمية وحقوق الكاتب والملكية الفكرية. نحن نحتاج إلى إعادة النظر في كل ما سبق للخروج من الأزمة التي تسوّق لها الميديا الرخيصة من خلال الإعلانات المغرية بصريًّا.
أزمة النشر منذ ما قبل نشوء الدولة العربية الحديثة
جهاد الرنتيسي – كاتب فلسطيني
الحديث عن النشر في الوطن العربي أقرب إلى محاولة تفكيك كرة من الخيوط، عُقد تقود إلى تشعبات، وخيوط تنتهي بعُقد. لكن إلحاح الأزمة وانعكاساتها الممتدة والمفتوحة يفرضان التوقف عندها بين الوقت والآخر، ومحاولة معاينة التطورات التي طرأت عليها، وإمكانية الحد من آثارها السلبية.
أزمة النشر ليست وليدة البارحة، أظنها موجودة منذ ما قبل نشوء الدولة العربية الحديثة، وأرى فيها تعبيرًا عن عمق الأزمة البنيوية التي تعيشها هذه الدول، والتعبيرات عديدة ومتناسلة، ومحل اجتهادات من حيث خطورتها. وفي جميع الأحوال يصعب التوقف عند هذا التعبير دون إشارة إلى الرقابة على الكتاب، والعراقيل التي تقف أمام وصوله، ونسب الأمية، وتراجع الاهتمام بالقراءة.
مربع الحرب
تشتبك هذه المظاهر والظواهر مع أخرى، أبرزها أن منطقتنا لم تغادر مربع الحروب منذ ظهور دول ما بعد الحرب العالمية الثانية. قد يقلل بعضٌ من هذا العامل، مشيرًا إلى الحياة الثقافية في الغرب في أثناء سنوات اشتباك الحرب العالمية الثانية. وفي حال دفاعي عن وجهة نظري يمكنني الإشارة إلى مشروع النهوض الذي كان يمتلكه المثقف الغربي المشتبك، سواء كان مناهضًا أو مؤيدًا للنازية؛ لأصلَ إلى هشاشة المشروع العربي الذي تعرض لانتكاسات أدت إلى تلاشيه وانطفاء بؤره.
حدد كل من الشرق والغرب وجهته نحو التنمية الثقافيةـ بما في ذلك النشر -بعد تلك الحرب، وبقي الوطن العربي حائرًا بين تجربتين، غربية تمثلها الولايات المتحدة وأورُبا، وشرقية يعبر عنها الاتحاد السوفييتي. لم تبتعد بلادنا في أحسن أحوالها من التقليد، وبقيت دون ما حققته التجربتان الشرقية والغربية.
أزال الفضاء الإلكتروني الذي شكل دعامة للعولمة القشة التي أخفت حقيقة تدني نسب القراءة، وعبثية الحديث عن حركة النشر في البلاد العربية؛ لنعيد اجترار الأسئلة القديمة بصيغ جديدة تترك انطباعًا زائفًا بحداثة الأزمة.
توحي أدوات مواجهة الأزمة بخسارة شبه مؤكدة، فدور النشر العربية أقرب إلى الدكاكين اللاهثة وراء مقومات البقاء، لا تجد هذه المقومات في القارئ غير الموجود، وفي حال وجوده يعاني عدمَ القدرة على شراء الكتاب بفعل أزماته المعيشية، وهو ما يعني أنها تعمل في عزلة عن العنصر المستهدف بعملها.
تعجز هذه الدور، في معظم الأحيان، عن حماية كتبها من القرصنة الإلكترونية، وتحاول تعويض خساراتها المتلاحقة على حساب المؤلف، سواء من خلال تحميله كلف الطباعة أو الاحتيال على نسبته من مبيعات كتابه إذا حقق رواجًا.
حيل أخرى
لا يخلو الأمر من حيل أخرى لالتقاط الأنفاس مثل بيع الكتب للحكومات المضيفة للمعارض، ولا تبدو هذه المحاولات مجدية للنهوض بحركة نشر في ظل عدم قدرة العديد من الدور على المشاركة؛ بسبب ضيق المساحات المخصصة، علاوة على الأزمات الاقتصادية التي تعيشها دول المنطقة، وتدفعها إلى تجاهل دعم الناشرين بشراء كتب ينتهي بها الحال إلى المخازن.
لا يخلو الأمر من عبث، وهو ما يثير السخرية حين تظهر أزمة النشر في الإعلام الثقافي الذي يعكس بؤس الحياة شبه الثقافية، كأن نرى صورة لناشر ومؤلف تحت عنوان «طبعة ثانية» وربما ثالثة، رغم معرفتنا بسوق الكتاب ومدى رواجه، أو استخدام الدعاية الأقرب إلى الديماغوجيا؛ لإقناع القارئ باقتناء كتاب. ولمثل هذه الممارسة نتيجة واحدة تتمثل في تراجع الثقة في الكتاب، وربما جدوى القراءة.
ظهر النشر الإلكتروني في هذه المناخات؛ ليتيح إيصال الكتاب إلى أماكن يصعب وصوله إليها، سواء بفعل الرقابة أو كلف النقل، لكنه ما زال دون سد الفراغات لأسباب عدة؛ أبرزها تعوّد القارئ، في حال توفره، على القراءة من كتاب ورقي، وولع أجيال المعرفة الإلكترونية بأشكال أخرى من القراءة، وأعني هنا الأخبار السريعة والمقالات التي لا تحتاج إلى كثير من التركيز، بمعنى مساهمة النشر الإلكتروني على نحو أو بآخر في إعادة إنتاج الأمية الثقافية.
متطلبات الخروج
تتجاوز متطلبات الخروج من المأزق البحث عن أشكال جديدة لإيصال الكتاب إلى قارئ مفترض؛ لأن القارئ غير موجود بالضرورة، ومناخات القراءة غير متوافرة، يقابل هذه الوضعية إمكانية الحصول على المتعة المعرفية بسهولة من خلال الشاشات، من دون بذل مجهود يذكر، ولا أظن أن الغرب في منأى عن رياح التصحر التي اعتدنا عليها في المشرق العربي مع تفاقم أزماته الاقتصادية.
جرت العادة على البحث عن حلول لأزماتنا في الغرب بوصفه النموذج، ولا سيما أنه المُرسَّخ في وعينا بفعل الإرث الاستعماري، وتجاهل الشرق الذي يشبهنا إلى حد كبير، ويعيش ظروفًا أفضل من ظروفنا، حين يتعلق الأمر بالقراءة وحضور الكتاب، ويمتلك ما يكفي من مفاتيح النمو والتطور على مختلف الأصعدة، بما في ذلك نشر الكتاب، ولا أرى في ذلك ما يصلح وصفة لتجاوز الأزمة التي نحن بصدد الحديث عنها.
يتعامل صانع الثقافة العربي، أو منتج المعرفة، أو المبدع، مع أزمات ثقافية مستعصية منذ الزمن العثماني. إحدى تجلياتها أزمة انتشار الكتاب، التي أخذت أشكالًا مختلفة، ولم تستطع الدولة العربية الحديثة تجاوزها، يواجهها جيلنا كما واجهتها الأجيال السابقة، ولا يوجد في الأفق ما يوحي بمغادرة ذلك المربع. معظم المؤشرات تتجه نحو زيادة تفاقم الحالة مع أي تحول قد يطرأ على الخرائط الراهنة، وهو ما يتطلب قدرًا من التصالح مع الذات الشرقية قبل التفكير في المخارج.
سوق النشر كارثي للمترجم والمؤلف
عبدالمقصود عبدالكريم – شاعر ومترجم مصري
نشر الكتاب الورقي في العالم العربي عنوان ضخم في مجال مترامي الأطراف. ولو أننا قيّدنا الحديث بحدود دولة معيّنة، أو بنوع محدد من الكتب، أو على الأقل ميّزنا بين الكتاب المؤلَّف والكتاب المترجَم، لأصبح الكلام أكثر تحديدًا ودقة. لكنني سأترك كل ذلك، وأتوقف فقط أمام شكوى كثير من دور النشر من عدم تحقيق أرباح، أو على الأقل ندرة هذه الأرباح، في الوقت الذي نرى فيه دُورًا جديدةً تُفتَح باستمرار، وتوسعات لدى كثير من الدور القائمة. والغالبية الساحقة من هذه الدور لا تدفع للمؤلف، وتحتجّ بارتفاع تكاليف الطباعة. لكنها تتناسى أن أسعار الكتب نفسها تضاعفت في السنوات الأخيرة أكثر من عشر مرات، على الأقل في مصر، حسب ما أتابع. ولم ترتفع هذه الأسعار في دور النشر الخاصة وحدها، بل في دور النشر الحكومية أيضًا، حتى في المشاريع التي يُفترض أنها غير ربحية، مثل المركز القومي للترجمة والهيئة المصرية العامة للكتاب. وبالتالي، فإن هذه الدور تحقق أرباحًا، وأظن أن معظم هذه الأرباح يأتي على حساب المؤلف أولًا، والمترجم ثانيًا.
مقابل حقوق الملكية
نأتي إلى مسألة حقوق الملكية الفكرية، ولنبدأ بالكتاب المؤلَّف. لا يخفى على أحد أن كثيرًا من دور النشر تأخذ التكلفة من المؤلف نفسه، ولا سيما المؤلفين المبتدئين الذين يسعون فقط إلى رؤية أسمائهم مطبوعة على غلاف كتاب. فيدفع المؤلف بضعة آلاف من الجنيهات مقابل عدد من النسخ. أما أغلب دور النشر، سواء كانت خاصة أو حكومية، فلا تدفع للمؤلف شيئًا يُذكر، أو تدفع النزر اليسير.
لنفصل الأمر، ونبدأ بالكتاب المؤلف، بصرف النظر عن طبيعة دار النشر؛ لأن الأمر لا يختلف كثيرًا، باستثناء بعض المشاريع التي تمولها الحكومات أو الهيئات الحكومية، مثل المشاريع التي تمولها هيئة الترفيه في السعودية، ومشروع «كلمة» في الإمارات، والمشاريع التي كانت تمولها قطر بالتعاون مع دار بلومزبري في إنجلترا، ويمكن تقسيم الكتاب المؤلف إلى نوعين رئيسيين:
الدراسات بكل أنواعها، سواء أدبية أو تنتمي لأحد فروع المعرفة الإنسانية أو الطبيعية. وهنا يمكن القول: إن المؤلف لا يحصل على أي مقابل يُذكر، وفي أفضل الأحوال لا يغطي ما أنفقه على إعداد الدراسة، ناهيك عن المجهود الذي بذله فيها. وكأن دار النشر تقول للمؤلف: احمدْ ربنا أننا وافقنا على نشر كتابك.
الأعمال الإبداعية: وهنا تكمن مأساة أخرى، مأساة المبدع أمام التقييم المادي لعمله، وإن اختلف المشهد قليلًا بين الأعمال القصصية (خاصة الرواية) وبين الشعر. فمع الأعمال القصصية يجد المؤلف من ينشر له وقد يدفع له مبلغًا زهيدًا، والناشر في هذه الحالة يرحب بنشر هذه الأعمال. وهذا الترحيب مصدره أن توزيع الأعمال القصصية أفضل من توزيع الشعر بكثير.
وهناك بُعد آخر هو الجوائز المخصصة للرواية في العالم العربي، التي يتقاسمها الناشر مع المؤلف في معظم الحالات، إضافة إلى احتمال إنتاج فِلْم أو مسلسل عن الرواية. أي أن الترحيب هنا يرتبط بالربحية. وربما لم يعد من المستغرب أن تفاجأ بشاعر عربي يكتب رواية، أو يترك عالم الشعر وينخرط تمامًا في عالم الرواية. أما في حالة الشعر، فالدور الحكومية تدفع بضعة جنيهات حال نشر الديوان. أما الدور الخاصة فهي تعدّ نشر ديوان شعر مجاملة كبرى منها للشاعر، وقد بلغ الأمر بالشعر أن كثيرًا من المكتبات ترفض عرضه بحجة أنه لا أحد يشتري الشعر.
الترجمة
أما في مجال الترجمة، فبعض الدور الخاصة تعرض على المترجم أقل من عُشر المقابل المتعارف عليه عالميًّا، وبعضها لا يخجل من عرض ما يساوي نصف سنت للكلمة. ولا يختلف الوضع كثيرًا بين الناشر المصري والناشر في بقية الدول العربية؛ إذ تبدأ بعض الدور العربية المساومة من سنت واحد للكلمة تقريبًا، وربما انتهت هذه المساومة بموافقة بعض المترجمين، لأسباب لا يعلمها إلا الله.
الاستثناء الوحيد هنا هو المشاريع الممولة من الحكومات. ومع ذلك فإن هذه المشاريع نفسها بدأت تراجع المقابل المادي. على سبيل المثال، كانت ترجمة الكلمة في مؤسسة قطر وبلومزبري 7 سنتات للكلمة، وفي آخر تعامل لي معها في 2019م فوجئت بأنها 5 سنتات. ولا يختلف الأمر كثيرًا في المركز القومي للترجمة، فقد انخفض المعدل من نحو 5 سنتات (30 قرشًا حين كان الدولار بستة جنيهات) للكلمة، إلى سنت واحد (50 قرشًا وسعر الدولار بخمسين جنيها تقريبًا).
باختصار الوضع كارثي للمؤلف وللمترجم، ولا بد لكل منهما من مهنة أخرى يعيش منها. وكثيرًا ما أتذكر عبارة كانت تتكرر في سير الكُتَّاب «وقد أدركته حرفة الأدب»، وكأنها صياغة مهذبة لعبارة «وقد حلت به مصيبة أو كارثة».
بواسطة الفيصل | مارس 1, 2026 | كاريكاتير
بواسطة الفيصل | يناير 1, 2026 | الملف
حسن حنفي – مفكر مصري | أغسطس 31, 2017 | الملف
انتقل إلينا هذا الموضوع «الدين والعلمانية» من الثقافة الغربية بعد انتشارها في الثقافة العربية وكمصدر ثانٍ للفكر الإسلامي المعاصر. فالموضوع غربي. نشأ في سياق الثقافة الغربية الحديثة، نشأة وتطورًا. فقد تسلطت الكنيسة على الفكر الغربي. واضطهدت المفكرين الأحرار منذ مارتن لوثر وحركة الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر حتى إسبينوزا وفولتير في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وكان الدين كما تعرضه الكنيسة دينًا عقائديًّا. يصعب فهمه بالعقل الصريح الذي اعتمد عليه الغرب في بداية عصوره الحديثة منذ ديكارت في القرن السابع عشر.
فماذا يعنى التثليث والتجسد، وابن الله، وأم الإله؟ وهل يجوز صلب الأنبياء في التوراة والإنجيل؟ وماذا تعني الطقوس الكنسية السبعة من أول طقس العماد حتى طقس الزواج؟ ولماذا سلطة الكنيسة والمعبد وهما مؤسستان تاريخيتان من صنع البشر بحثا عن السلطة الدينية في مقابل السلطة السياسية، سلطة الأباطرة والملوك، وكلاهما يتسلط على رقاب الناس، ويتحكم في عقولهم، ويدخل في قلوبهم لتحديد من المؤمن ومن الكافر وكأنهما قد شقّا قلوب الناس؟ وهي معصومة من الخطأ. وهو الدين الغيبي الأسطوري، دين الخطيئة والخلاص، وحصار الإنسان العاقل الحر بين ذنب لم يرتكبه؛ خطيئة آدم، وخلاص لم يسع إليه، والإيمان بالمسيح أو بشعب الله المختار. فاليهود هم أبناء الله وأحباؤه، والعودة إلى أرض الميعاد.
حركة المفكرين الأحرار
فكان من الطبيعي أن تنشأ حركة المفكرين الأحرار في كل مكان في فرنسا وألمانيا وإنجلترا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وأميركا دفاعًا عن العقل والبرهان وعن مركزية الإنسان في الكون. فنشأ الصراع بين الدين والعلمانية. وتعني العلمانية، الاتجاه نحو العالم Mundus وليس الاتجاه إلى خارج العالم في الغيبيات والأساطير والخرافات التي مثّلتها المسيحية واليهودية في العصور الوسطى الكنسية. هذا هو السياق التاريخي الغربي الذي نشأت فيه العلمانية في صراعها ضد الدين. ثم أسقط المتغربون، أنصار الثقافة الغربية، هذا السياق على التاريخ الإسلامي وقرؤوه من منظور السياق الغربي. فأخفقوا مرتين: الأولى، إخراج الموضوع من سياقه الغربي. والثانية، إسقاط السياق الغربي على السياق الإسلامي المختلف تمامًا عن السياق الغربي.
أما الإسلام فإنه منذ البداية وكما عبّر عن ذلك القرآن الكريم مرات عدة فإنه دين العقل الذي دافعت عنه العلمانية ضد الخرافة والجهل. وهو ما عبّر عنه القرآن صراحة في مئات من الآيات مثل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وهو ما ظهر في التراث الإسلامي وبخاصة عند المعتزلة وبعض الفقهاء في صيغة العقل أساس النقل. ومن قدح في العقل فقد قدح في النقل. وهو ما ظهر أيضًا عند الفقهاء، وبخاصة عند ابن تيمية في «موافقة صريح المنقول لصريح المعقول»، ووضع مبادئ للمنطق الإسلامي الذي يعتمد على العقل والبرهان مثل «ما لا دليل عليه يجب نفيه». والدليل العقلي هو الذي يجعل الإيمان راسخًا في القلوب كما سأل الله تعالى إبراهيم عليه السلام: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. بل إن الفلاسفة أطلقوا على الله اسم «العقل والعاقل والمعقول». والاجتهاد وهو المصدر الرابع من مصادر التشريع يقوم على العقل الذي يقوم باستنباط العِلّة من الأصل قبل أن يجدها في الفرع. والعقل هو مناط التكليف. فالمجنون لا يُكلف.
والإسلام دين العلم. يقوم على النظر والمشاهدة والتجربة؛ لذلك تتكرر آيات النظر في الأرض مثل: ﴿فَانْظُرُوا﴾، ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾. ولما طلب إبراهيم عليه السلام الدليل على قدرة الله أعطاه الله دليلًا تجريبيًّا وهو قطع الطير أربع قطع. ونثر كل قطعة في اتجاه ثم يأتينه ويعدن طيرًا بإذن الله. ولما أراد أن يعطي إبراهيم عليه السلام قومه دليلًا على أن الأصنام ليست آلهة قام بتكسيرها، وعلق الفأس في رقبة كبير الأصنام. ولما سأله قومه ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُون﴾. يعتمد الإسلام على النظر في ظواهر الطبيعة مثل: الشمس والقمر والنجوم والكواكب بل يُقسم بها. ولا يعتمد على المعجزات بمعنى خرق قوانين الطبيعة مثل قلب العصا ثعبانًا أو إنزال مائدة من السماء كما طلبت بنو إسرائيل من عيسى. فالمعجزة للإبهار والدهشة.
والإسلام دين العقل والتجربة ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾. ويعتمد المصدر الرابع في أصول الفقه على التعليل. وهو وجود العلة من الأصل في الفرع، ومعرفة علة الفرع بالتجربة. فالخمر مسكر في الأصل. ومعرفة هذا الشراب مسكر أم لا يتم بالتجربة. فإذا ثبتت علة السكر في الفرع أخذت حكم الأصل. وعندما ادعت امرأة أن رجلًا ضاجعها بدليل وجود منيه على ثوبها فركه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيديه واكتشف أنه زلال بيض. لذلك ازدهر العلم التجريبي في التراث القديم مثل: الطب والصيدلة والنبات والحيوان، والرياضيّ مثل: الهندسة والجبر، والموسيقا والفلك. فإذا كانت العلمانية تقوم على العلم كما قامت على العقل فإن الإسلام كذلك. والعلماء ورثة الأنبياء.
مركز الإنسان في الكون
وإذا كانت العلمانية تعني مركزية الإنسان في الكون والدفاع عن حرية إرادته، وتأسيس المجتمع الديمقراطي الاشتراكي الحر، فإن هذه الأهداف تنبع من الإسلام. فالإنسان هو خليفة الله في الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾. وقد ذُكر الإنسان خمسًا وستين مرة في القرآن الكريم مما يدل على أهميته. كما يركز القرآن على مجتمع المساواة والعدالة ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ. وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين﴾، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. وفي الحديث «ليس منا من بات شبعان وجاره طاوٍ». وهذه هي دلالة الصيام والزكاة، الإحساس بالآخر.
وقد نادى الصحابي أبو ذر الغفاري بمجتمع المساواة عندما رأى البون الشاسع بدأ يظهر بين الأغنياء والفقراء. وعند الأصوليين لقد وضعت الشريعة ابتداءً حفاظًا على الحياة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾٭، ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ والحفاظ على العقل بالرغم من النسبة العالية للأمية في بلادنا، والحفاظ على الدين أي الحقيقة المطلقة ضد الحقائق النسبية والأهواء البشرية والمصالح الشخصية، والحفاظ على العرض أي على الشرف والكرامة والحياء، والحفاظ على المال ضد تبديد الثروات وبخاصة تلك التي في باطن الأرض في مظاهر الاستهلاك الذي لا يفيد، وليس في بناء المستشفيات والمدارس. والمجتمع الإسلامي مجتمع ديمقراطي حر. الأمر شورى بين المسلمين ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾. وهو مجتمع حر يقبل المعارضة والرقابة على الحكام طبقًا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المبدأ الخامس من مبادئ التوحيد عند المعتزلة مثل العدل، والاستحقاق، والحسن والقبح العقليين. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فوق المنبر: «رحم الله من أرشدني إلى عيوبي»، فأجاب أحد المصلين: «والله لو رأينا فيك عيبًا لقومناه بسيوفنا». ونذكر ذلك دائمًا والمعارضة ضعيفة عندنا، في السجون والمعتقلات أو هاربة إلى الخارج.
لذلك لما كان الإسلام آخر الأديان فقد احتوى كل القيم العلمانية فيه: العقل، والعلم، وحقوق الإنسان، وديمقراطية الحكم. المصلحة مصدر للتشريع طبقًا لمبدأ «لا ضرر ولا ضرار»، «وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن». والكافر العادل خير عند الله من المسلم الظالم. والإنسان بعمله. هكذا نادى الفقهاء القدماء والمصلحون المحدثون. فأي إيهام بتعارض الدين والعلمانية هو نسيان لجذور العلمانية في التراث القديم وأسسها في القرآن الكريم أو التبعية للثقافة الغربية وإخراجها من سياقها، وإسقاطها على سياق آخر طبقًا لعقلية التعارض بين الصوري والمادي، العقلي والتجريبي، الأنا والآخر، الدنيا والآخرة، من دون الجمع بين الحسنيين.
المرأة والنساء في ضوء دراسات الجندر

فتحي المسكيني – كاتب تونسي | نوفمبر 1, 2017 | الملف
إذا كانت اللغة منزل الوجود كما قال هيدغر ذات مرة، فهذا يعني أنّ اللغة تكون قد سبقتنا دومًا إلى ما نعتزم التفكير فيه، ولا سيّما إذا كان مشكلًا ليس فقط يتعلّق في نواته العميقة بهويّة أنفسنا، بل على الخصوص بذلك الجزء المسكوت عنه من الإشارة عندنا إلى «الإنسان» بعامة بقولنا: «هو» وليس «هي». فنحن نتكلّم لغة(1) هي قد تعوّدت من دهرها أن تعتبر أنّ «الذكر» هو أصل «التجنيس» في التعبير عن صيغة الجمع: إنّ أنثى أو أكثر إذا دخلت على جماعة من الذكور لا تغيّر من جنسهم (النساء والرجال قائمون)؛ في حين أنّ ذكرًا واحدًا يمكنه أن يذكّر جماعة من الإناث (الفتيات والولد قدموا). إنّ الإناث لا تكون إناثًا صرفة إلّا في غياب الذكر. أمّا الذكور فإنّهم لا يُجمعون جمع المؤنّث أو يُفردون إفراد المؤنّث إلّا إذا كانوا ذكورًا «غير عاقلة». وتعريف «غير العاقل» هو كلّ ما ليس إنسانًا. وهكذا تبدو اللغة العربية وقد حسمت أمرها «نحويًّا» فيما يتعلق بمعنى «الفرق بين الجنسين» بحيث تصبح مساحة التفكير الأخلاقي في المسألة ضيّقة جدًّا أو هكذا يبدو.
ثمّة أطروحة أولى علينا بسطها: لا تكون الأنثى أنثى صرفة نحويًّا إلّا في غياب أيّ مخالطة لها مع الذكر. وفي المقابل لا يمكن تأنيث الذكور نحويًّا إلّا إذا كانوا غير عاقلين أي لم يكونوا بشرًا. إنّ النحو قد بلغ شوطًا مربكًا في رسم خطّ هوويّ بين الذكور والإناث بحيث لم يبق أمام الفقه بعد ذلك سوى استنباط القيم التي تتساوق مع هذه الحدوس اللغوية الصامتة أو البدائيّة، المعطاة سلفًا للمخاطبين والمتكلّمين. كأنّ النحو قد أمرنا سلفًا بحصر الإناث في دائرة هووية مغلقة في حين أنّه سمح للذكور بإمكانية الولوج إلى هذه الدائرة بل بإمكانية «تذكيرها» من دون خوف يُذكر على هويته. وعلى الباحث أن يحلم عندئذ بأنّه قد يمكن يومًا بناء لغة محايدة إزاء التأنيث والتذكير(2). وعلينا أن نسأل: هل يمكن فعلًا تحرير اللغة العربية من طابعها الذكوري؟ وماذا لو أنّ هذا الطابع هو سمة أنثروبولوجية لا تخلو منها اللغات السامية بعامة؟ أو اللغات القديمة جميعًا؟ قد لا نعثر لأوّل وهلة على تعريف «نحوي» صلب لدلالة المذكّر أو المؤنّث أكثر من اسم الإشارة إذْ يُعرّف المذكّر بأنّه «ما يصحّ أن تشير إليه بقولك: «هذا»، مثل رجل، كتاب»؛ كما يُعرّف المؤنّث بأنّه «كل اسم دلّ على مؤنث، ويُشار إليه بــ«هذه»، نحو: هذه الشجرة»(3). وهذا اصطناع نحويّ لا يوحي بأيّ تأسيس أخلاقي.
أمّا من ناحية لغوية فإنّ فقهاء اللغة يؤسّسون تأويلات أخلاقية يقدّمونها على أنّها طبائع لغوية للذكور والإناث ومن ثَمّ للرجال والنساء، وأخيرًا للمجتمع برمّته. إنّ لسان العرب مثلًا، لا يثبت من المعاني المحايدة في تعريف الجنسين سوى مجرّد التناسب: فتعريف الذكر ليس سوى هذا: «الذكر خلاف الأنثى»؛ وفي المقابل فإنّ تعريف الأنثى ليس سوى هذا: « الأنثى خلاف الذكر من كل شيء»؛ أمّا بقيّة التعريفات في الحالتين فهي تحمل أحكامًا أخلاقية مربكة في التذكير والتأنيث تبلغ حدًّا مزعجًا بحيث تهدّد بتدمير هويّة الأنثى وتؤسس لعلاقة ذكورية متسلطة لا غبار عليها. فيُقال «يوم مذكّر» إذا وُصف بالشدة والصعوبة وكثرة القتل؛ و«طريق مذكّر» أي مخوف صعب، في حين يُقال: «سيف أنيث» أي الذي ليس بقاطع، و«الأنيث من الرجال» المخنّث، بل إنّه يُقال للموات الذي هو خلاف الحيوان: «الإناث». لكنّ ذلك لا يعني أيّة دعوة للمرأة قد تتشبّه بالذكر، فإنّ العرب تلعن «المرأة الذَّكِرة والمذكَّرة والمتذكِّرة». ذلك أنّ الذكورة هي شأن خاص يحتكره الذكور، ويُمنع على المرأة المزاحمة أو الطمع فيه. ليس ذلك من باب عداوة المرأة أو الأنثى بل من باب أنّ العرب قد خصّصوا لكلّ جنس مزايا من نوعه لا يخرج عنها: إنّ الذكر يُمنع من أن «يتأنّث» بنفس الحدّة التي تُمنع فيها الأنثى من أن «تتذكّر». بالطبع لا يجدر بنا أن ننكر أنّ سلّم القيم السائد كان يحثّ على أوليّة الذكر على الأنثى صراحةً. نقرأ في لسان العرب: «وفي حديث الميراث: لأَوْلى رجلٍ ذكرٍ؛ قيل: قاله احترازًا من الخنثى؛ وقيل: تنبيهًا على اختصاص الرجال بالتعصيب للذكورية». لكنّ التعصّب للذكورية هو أمر يدخل في سياسة الهوية ولا يتناقض بالضرورة مع أفق الانتظار الذي يقع رسمه تلقاء الأنثى: إنّ «الأنوثة» ليست سبّة أو تهمة، بل يمكن أن تُعامل باعتبارها نوعًا من الكمال الخاص بالمرأة. إذْ «يُقال: هذه امرأة أنثى إذا مُدحت بأنها كاملة من النساء، كما يُقال: رجل ذكر إذا وُصف بالكمال». وفي هذا الصدد يُقال: «بلدٌ أنيثٌ أي ليّن سهل». بل إنّ علماء اللغة قد بذلوا وسعهم في تأسيس هذا المعنى التأويلي لتحديد دلالة المرأة. إذْ جاء في لسان العرب: «وزعم ابن الأعرابي أن المرأة إنما سمّيت أنثى، من البلد الأنيث، قال: لأن المرأة ألينُ من الرجل، وسُمّيت أنثى للينها». والعرب تؤنّث العطور وتذكّرها حسب التصنيف الهووي بين الجنسين، وليس حسب خصائصها أو استعمالاتها.
مفهوم النساء
في ضوء هذه الإشارات النحوية واللغوية علينا أن نواجه أسئلة تأويلية معاصرة (لا سيّما بعد ظهور المذاهب النسوية وبخاصة بعد انبثاقة الدراسات الجندرية) من قبيل: هل فعلًا نستطيع أن نتحدّث عن خطاب عن «المرأة» عند العرب القدامى؟ أم أنّهم لم يعرفوا سوى مفهوم «النساء»، كما هو مثبت في سور القرآن وفي كتب الفقه؟ ثمّ ما الفرق في آخر المطاف بين خطاب المرأة وخطاب النساء؟ هل يتعلق الأمر بمجرد فرق بين المفرد والجمع؟ أم أنّنا أمام نواة إشكالية أو جندريّة ما زالت تستعصي على الامتحان النظري والتاريخي.
علينا أوّلًا التمييز بشكل واضح بين تقاليد الحركات النسوية المعاصرة، والنظرة الجندرية للــ«مرأة» كنوع اجتماعي.
تقول جوديث بتلر في تصدير الطبعة الثانية (1999م) لكتابها مشكلة الجندر: النزعة النسويّة وتقويض الهويّة: «منذ عشر سنوات، أنهيت مخطوط كتابي مشكلة الجندر وأرسلت به إلى دار راوتليدج بغرض النشر. لم أكن أعلم أنّ النصّ سيكون له جمهور بهذا القدر الواسع الذي كان له، ولا كنت أعلم أنّه سيشكّل «تدخّلًا» استفزازيًّا في النظرية النسوية أو سيتمّ الاستشهاد به باعتباره واحدًا من النصوص التأسيسية لنظرية الكوير أو الشذوذية»(4).
يبدو أنّ مخاطبة المرأة في المفرد يختلف اختلافًا مربكًا عن مخاطبة النساء في الجمع. لنلاحظ بشكل مؤقت فيما يخصّ ثقافتنا أن الأفكار النسوية العربية، التي تمتدّ جذورها «الرجالية» إلى قرن ونيف(5)، هي في صميمها أجيال أو موجات «سياسية» أو حقوقية من الاحتجاج على وضع النساء في المجتمع التقليدي. وهي تنخرط في تقاليد النسوية الحديثة منذ إعلان وثيقة الثورة الفرنسية عن الحقوق المدنية للإنسان والمواطن، وعلى مدى القرنين التاسع عشر والعشرين؛ إنّها تناضل من أجل طيف من «الحقوق» المدنية ما لبث يتوسع حسب محطّات الحياة الحديثة (من حرية ومساواة وتعليم وشغل وانتخاب…). وهي في الأغلب تحثّ «النساء» على التحرّر من سلطة «الرجال» في الجماعة التقليدية باسم تصوّر فردانيّ وليبرالي لشخص «المرأة» بوصفها «إنسانة» من حقّها المساواة مع «الرجل»، وكأنّ الرجل هو كائن معياريّ مستقرّ ونموذجي يجب على المرأة أن تفتكّ منه الاعتراف الحقوقي بها. وهو تاريخ نسويّ من نوع تنويري صاحب العرب المعاصرين سواء في حقبة النضال ضد الاستعمار أو حقبة معارك الاستقلال ما بعد الكولونيالي عنه(6). وما لبث أن تطوّر في كل مهجة، وبخاصة منذ التسعينيات من القرن الماضي، وصار لدينا كتابات حول «الأدب النسوي» و«النقد النسوي» و«الشعر النسوي» و«الرواية النسوية»، … إلخ(7) في خلط غير متفكَّر فيه بين مسائل «النساء» و«المرأة» و«الأنثى»، والحال أنّها مساحات معيارية وهوويّة مختلفة إلى حدّ مزعج. إلّا أنّه علينا أن ننبّه إلى أنّه ليست كلّ كتابة عن «المرأة» هي كتابة نسويّة. إنّ كتابات «الرجال» عن المرأة ليست «نسويّة»، بل تتنزّل في إطار نقدي وتنويري أوسع (ولا ضرّ إن كان علمانيًّا أو إسلاميًّا) قد لا تؤدّي فيه النساء أيّ دور تأسيسي، إذْ يردّ «المرأة» إلى «الإنسان» من أجل جعلها قابلة للنقاش في علاقة بنيوية مع «الرجل» ولكن دون أن تشارك فيه. إنّ مؤلّفات الطاهر الحداد(8) والشعراوي(9) أو بوعلي ياسين(10) أو نصر حامد أبو زيد(11) أو عبدالوهاب المسيري(12)، وغيرهم هي لا تدافع عن حقوق «المرأة» إلا «بقدر ما تقبل الردّ الماهويّ إلى مفهوم «الإنسان» وبالتالي بقدر ما يمّحي الفاصل الجندري الذي يفصلها عن «الرجل» في معنى محو الفرق بين «الأنثى» و«الذكر» باسم «جنس» الإنسان الذي يشملهما.
أسئلة غير مسبوقة
أمّا الدراسات الجندرية فهي تطرح أسئلة غير مسبوقة حول جنوسة «المرأة» يقع تصنيفها عادة على أنّها تمثّل الجيل الرابع من الحركة النسوية العالمية التي اشتدّ عودها في التسعينيات من القرن الماضي في أميركا. لم يعد يتعلق الأمر بالدفاع الحقوقي عن «المرأة» بالمعنى النسوي (والذي ظلّ على ما يبدو يفهم الجندر في إطار المطالبة النسوية بإزالة التمييز بين الجنسين(13)) بل بتفكيك تداولي لمفهوم «المرأة» ومفهوم «النساء» نفسه وذلك باعتباره مجرّد «بناء اجتماعيّ» يجدر بنا أن نبحث عن بناه ومفاعيله في كل الميادين، من النحو إلى التاريخ، ومن الاقتصاد إلى الدين، ومن القانون إلى الأخلاق، ومن أنظمة القرابة إلى الأدب. بذلك التفكيك فقط يمكن إعطاء المرأة فرصة التعبير عن هويتها الخاصة بوصفها قادرة وتملك الحق في رسم هويتها الجندرية. لم يعد المشكل «حقوقيًّا» أو «مدنيًّا» (رغم أنّ بعض البحوث النسويّة المطعّمة بالدراسات الجندرية قد وجدت نفسها مضطرّة لمواصلة التنوير النسوي، وتحت وطأة نقد أنظمة التمييز ضد المرأة ظلّ التأصيل الجندري محدودًا) بل صار متعلقًا بضرب غير مسبوق من «سياسة الهويات» (اختيار النوع الاجتماعي، تكسير التقابل البيولوجي بين الذكر والأنثى، بلورة هوية جندرية حرّة، التحوّل من جنس بيولوجي إلى آخر… إلخ).
ما يهمّنا في هذا المبحث هو مدى إمكانية مراجعة الفرق بين المرأة والنساء في ضوء الدراسات الجندرية. لا يتعلق الأمر بالدفاع النسوي التنويري عن حقوق المرأة، بقدر ما يتعلق بالعمل النقدي على بلورة سياق مناسب لفهم تجربة هوية الأنوثة في ثقافتنا العميقة. وهو أمر يستوجب إرساء تقاليد بحث جندرية طويلة النفس تحفر في تاريخ تقنيات الذات وأشكال الذاتية منذ ما قبل الإسلام إلى اليوم(14). لكنّ الدراسات الجندرية ليست نزعة نسوية بالضرورة. إنّها موقف نظري وإشكالي أوسع نطاقًا من التنوير النسوي. إلّا أنّنا قد نلاحظ أنّه لم يتحقّق الكثير على هذه الطريق اللّهم إلّا بعض تجارب النقد السردي الرشيق(15) أو بعض الوثائق التأسيسية حول النوع الاجتماعي للمرأة(16) أو ترجمة بعض الكتب التأسيسية حول المرأة(17).
– وبعامة لا تزال أبحاثنا الراهنة بالعربية تميل إلى مواصلة الدفاع النسوي عن الأنثى بواسطة الدراسات الجندرية عن المرأة(18). والحقّ أنّ ذلك قد يؤدّي إلى تأمين استعمال أداتي وخارجي للمكاسب المعيارية التي تحقّقت بفضل الدراسات الجندرية، لكنّ صعوبات نظريّة عميقة ما زالت تعسّر الذهاب قدمًا وبلا قيد أو شرط أخلاقوي أو ديني في تبنّي أو احتمال الوعود الأخلاقية لفيلسوفات الجندر، من قبيل جوديث بتلر، وهي وعود تقويضية وتفكيكية من طراز رفيع. وفي صيغة فلسفية مزعجة يمكننا أن نتساءل: إلى أيّ حدّ يمكن للدراسات النسوية العربية أن تحرّر النساء (ضدّ تاريخ التفاوت الحقوقي بين الجنسين) من دون تحرير الأنثى داخل المرأة (باسم حقّها في سياسة هوية خاصة «ما- بعد- أنثوية») من تاريخها النسوي؟ ذلك بأنّ تحرير النساء هو معركة حقوقية وسياسية مع مجتمع الرجال وسلالم أخلاقهم وتاريخهم الاستبدادي،… إلخ، في حين أنّ تحرّر جندر المرأة (النوع الاجتماعي أو الجندر) أو جندر الأنثى (الكائن الهووي المفرد والمستقل) هو مشكل ذاتي وما- بعد- نسويّ تمامًا. إنّه يخص طبيعة الجندر بما هي كذلك، كما هي مختفية في حُرمة الجسد ما- بعد-النسوي واستعمالات الرغبة الخاصة وحرية التعبير الفردي واختيار الشخصية الجندرية وسياسات الهوية،… إلخ. طبعًا، للغة رأي آخر علينا استحضاره والتعامل معه. إنّ العربية لا تفرّق كثيرًا بين «المرأة» و«النساء» فليست الثانية غير صيغة الجمع للأولى كما أنّ الأولى هي صيغة المفرد للثانية. والجواب الشائع هو أنّ النساء أو النسوة هو جمع المرأة من غير لفظه. ومن الجدير بالباحث أن يتساءل: هل ثمّة معنى لأن تكون «النساء» جمع امرأة «من غير لفظها»؟ من غير لفظه يعني لا مفرد له من لفظه.
هشاشة التسمية
علينا أن نلاحظ هنا هشاشة التسمية: إنّ «امرأة» هي مؤنّث «امرئ»؛ كما أنّ «النساء» هي جمع المرأة من غير لفظها. كما نرى، إنّ الأصل هنا هو الذكر. تأنيث «المرء» (ومعناه الإنسان) هو الذي أعطانا لفظ «المرأة». إنّ السلسلة الاصطلاحية هشّة لأنّها لا تملك منطلقها: لا «امرأة» من دون «امرئ»؛ ولا «نساء» من دون «امرأة وامرأتين وأكثر». قد يعني ذلك أنّ المعالجة النحوية للقرابة المعنوية بين المرأة والنساء هي تعمية اصطلاحية على مشكل معياريّ عميق لا نراه. فقد قيل: إن دلّ الاسم على جمع ولا واحد له من لفظه سمّوه «اسم جمع». هذا يعني أنّ تسمية النساء هي قرار لغوي خطير نابع من سياسة هووية واعية بنفسها، لم يفهمها النحاة ولذلك اضطرّوا إلى تبريرها بالحيل الاصطلاحية المتاحة.
إنّ العرب يؤنّثون ويذكّرون كلّ شيء حتى الجمادات. ومن ثمّ هم «يجندرون» العاقل وغير العاقل. لا نعني التأنيث والتذكير النحوي، فلا معنى لأن يكون البحرُ مذكّرًا والشمس مؤنثة، بل نعني التأنيث والتذكير الذي من شأنه سحب الصفات الاجتماعية لنوعيِ «المرأة» و«الرجل» (الصفات الجندرية) على الصفات البيولوجية لجنسيِ الأنثى والذكر (الصفات ما قبل الجندرية) ليس فقط لدى البشر والحيوانات بل حتى لدى الجمادات أيضًا. بلا ريب، ليس كلّ تأنيث وتذكير «جندرة»، فالنحو لا «يجندر» أحدًا، بل فقط ذلك التأنيث والتذكير الذي ينقل «النوع الاجتماعي» (الجندر: المرأة / الرجل؛ النساء/ الرجال) إلى مناطق كينونة أو عوالم حياة، لئن كانت تؤنَّث وتذكَّر (بيولوجيا: مثل الحيوانات)، فهي لا تتضمّن أيّة تصنيفات «جندريّة» معطاة سلفًا (حسب النوع الاجتماعي: رجل/ مرأة، نساء/ رجال). الحيوان لا «يجندر»: ثمة في عالم الحيوانات أنثى وذكر فقط، لكن ليس ثمّة مرأة/ رجل، أو نساء/ رجال. إنّ المشكل الجندري ينبع من الخلط المتعمّد بين معجم حيواني (أنثى/ ذكر) ومعجم اجتماعي (مرأة/ رجل، نساء/ رجال). وهو خلط لا علاقة له بالطبيعة، بل هو موقف إنجازي لنوع من السلطة. وبالتالي فإنّ المشكل الجندري لا يمكن طرحه بشكل مناسب إذا بقينا في حدود الدفاع المدني عن حقوق «المرأة» ضدّ سلطة «الرجل»؛ لأنّ ذلك يفترض أنّنا قبلنا بالتقسيم الجندري السائد، حيث لا تخرج «المرأة» عن مفهوم المرأة ولا يخرج «الرجل» عن مفهوم الرجل إلّا حقوقيًّا فقط. الجندر ليس مشكلًا حقوقيًّا إلّا عرضًا، بل هو مشكل هوويّ.
ربما نعثر هنا على بعض إجابة عن هكذا سؤال: بأيّ وجه يجدر بنا أن نفهم أنّ القرآن المدني قد تضمّن «سورة النساء» وليس سورة «المرأة»؟ حتى لغة القرآن المكّي هي لم تذكر «المرأة» بالتعريف بل جعلتها في أغلب المواضع القصصية مضافة إلى «زوجــ»ها (امرأتي، امرأة فرعون، امرأة نوح…). وما بقي من المواضع هي «امرأة» (أو امرأتان) في صيغة التنكير، وليس «المرأة» ككائن مخاطَب لذاته. قد يُقال: إنّ هذا المفهوم حديثٌ وقد تشكّل في نطاق ثقافة «الفرد» التي ندين بها إلى أفكار التنوير والحداثة. في حين أنّ النساء هو مصطلح قديم ينتمي إلى الثقافات التقليدية للجماعة. ومع ذلك فهذا التبرير ليس مقنعًا.
إنّ مدوّنة الحديث لا تخلو من استعمال لفظة «المرأة» هكذا بالتعريف وذلك في تقابل جندريٍّ صريح مع «الرجل» بالتعريف، حيث ورد الحديث عن «شهادة المرأة» كيف هي «نصف شهادة الرجل»، وذلك بالتوازي مع التقابل الذي يفصل بين «النساء» و«الرجال». وهذا يعني أنّ المفهوم كان متاحًا، لكنّ قرارًا من نوع أكثر خطورة هو الذي وجّه أفق الأنثى نحو مفهوم «النساء» وليس مفهوم «المرأة». ومع ذلك فإنّ تعليل ذلك من الداخل ليس يسيرًا.
ثمّة –مثلًا- في لسان العرب ضعف مربك في المادة اللغوية الخاصة بفعل «نسا» التي اشتُقّت منها كلمة «نساء»، حيث لا نعثر إلّا على معانٍ متنافرة من قبيل عرق النّسا، والنسيان بمعنى الترك، والنّسي في معنى الشيء المطروح الذي لا يُذكر،… إلخ. وهي عناصر دلالية لا تصلح لبلورة معنى إيجابي لمفهوم «النساء». نحن لا نملك فقهًا للمرأة بل فقط فقهًا للنساء. وعلينا أن نتساءل: لماذا فضّلت حضارتنا مخاطبة النساء في الجمع؟ هل كان هناك تعمّد في تحاشي مخاطبة المرأة في المفرد؟ باعتبارها جندرًا مستقلًّا معياريًّا عن منزلة «الرجل»؟ وكيف يجدر بنا أن نفهم جهود الإسلاميين المعاصرين من أجل كتابة كتب عن «فقه المرأة» (كما فعل الشعراوي مثلًا في كتابه «فقه المرأة المسلمة» حيث لا نعثر إلّا على فقه النساء وليس على فقه المرأة)؟ هل يحقّ لنا أخلاقيًّا أصلًا أن نخاطب المرأة خارج أفق النساء؟ وكيف يمكننا أن نستفيد اليوم في إيضاح عناصر هذا النقاش من الدراسات الجندرية التي ثوّرت الخطابات النسوية حول العالم؟
ما نلاحظه هو أنّ المساهمات النسوية العربية قويّة وعريقة. لكنّ توتُّرًا خفيًّا صاحبها منذ بداياتها: إنّه التوتّر بين مواصلة فقه النساء (الذي تعجّ به المكتبة الإسلامية التقليدية) وبين بلورة خطاب تحرّري أو جديد أو حداثيّ أو ما بعد تقليدي عن «المرأة». وكانت نتيجة هذا التوتّر الخفيّ هي إنتاج خطابات نسويّة شبه- «رجالية» في مقابل خطابات جندريّة للمرأة، وهو تقابل حادّ وإشكالي خفيّ بين مواقف نسويّة حقوقية قابلة للتطعيم بمصادر أخلاقية أو فقهية غير حداثيّة (تتحدّث عن النساء في صيغة الجمع دون التخلص من هواجس عدائيّة ضدّ سيطرة الرجال) ومواقف أنوثيّة ما-بعد-نسوية(19) أو جندريّة راديكالية (تنطق باسم اختلاف مفتوح للمرأة في المفرد، غير مغلق على هوية الأنثى البيولوجية ودونما إحالة ضرورية على دور الرجل كبؤرة سلطوية بعينها، بل على مساحات هوويّة مغايرة ومتنافرة مثل «التقاليد الجنسية» و«تقنيات السلطة» و«أشكال الذاتية» و«المعايير الاجتماعية»،…).
إنّ تعويل الحركات النسوية على التشريعات المدنية وحتى الفقهية التي تساعد على تحسين الوضع الحقوقي للمرأة، كما في مسألة الإرث في تونس راهنًا، وتحصينها ضدّ العنف بجميع أشكاله (ولا يغرّنّك ما ترى من التنوير فإنّ الغرب نفسه لا يزال مدرسة كبيرة في تعنيف النساء وحتّى قتلهن تحت اسم «العنف الزوجي»، مثلًا ثلث النساء في أميركا تعرّضن للاغتصاب والعنف والتحرّش)،- هو يضعها على حافة مشكلة الجندر لكنّه لا يسمح لها بالدخول إلى إشكاليته العميقة. لا ندخل منطقة الجندر إلّا عندما نطرح السؤال غير المسبوق عن هوية الجندر؛ وعندما نميّز بشكل جذري بين «الجنس» البيولوجي و«الجندر» أو النوع الاجتماعي، وألّا نؤسّس «الجنسانية» (في معنى الميول الجنسية بحيث ينقلب الجندر إلى دفاع عن الاستعمال الإباحي للأجساد(20)) على «الجنس» (في معنى الوضع البيولوجي). والحال أنّ هذا التوجّه لا بدّ أن يؤدّي إلى مشاكل تفكيكية من طراز غير مسبوق. مثلًا: الزعم بأنّ المرأة ليست أنثى إلّا بالعرض وليس بالذات؛ وبشكل موازٍ، أنّ الرجل ليس ذكرًا إلّا بالعرض وليس بالذات، وأنّ المرأة ليست قدرًا أخلاقيًّا على الأنثى؛ وأنّ الأنثى ليست قدرًا بيولوجيا على المرأة. وبشكل موازٍ، أنّ الرجل ليس قدرًا أخلاقيًّا على الذكر؛ وأنّ الذكر ليس قدرًا بيولوجيًّا على الرجل. إنّ الجندر (أي النوع الاجتماعي: رجل، امرأة،..) يمكن بل يجب أن يكون اختيارًا حرًّا وليس نوعًا اجتماعيًّا معطى نهائيًّا؛ لأنّه محتوم بوضع بيولوجي لا يمكن تغييره. وأخيرًا، إنّ التحوّل من جندر إلى آخر هو ليس فقط ممكنًا طبّيًّا بالنسبة إلى كلّ جسم عضوي (تحوّل الأنثى إلى ذكر أو العكس، أو تحوّل هوويّ يُحدّد لاحقًا…)، بل هو حقّ أخلاقي أو إمكان معياريّ مفتوح أمام أيّ نوع اجتماعي تقليدي (من امرأة إلى رجل، أو من رجال إلى نساء، أو إلى أنواع اجتماعية أخرى…).
تخريب مذهب الفرق بين الجنسين
نحن نشهد انتقالًا غامضًا من دعوى «المساواة بين الجنسين» (وهو لبّ المعجم النسوي) إلى دعوى «المساواة في الجنادر» أو الأنواع الاجتماعية (وهو محور المعجم الجندري). ولو أخذنا مسألة الإرث في الإسلام مثالًا، لوجدنا النسويّة المعاصرة تطالب بالمساواة في الإرث «بين الجنسين»، وذلك في نطاق النضال الحداثي ضدّ هيمنة ثقافة الرجال/ الذكور، ورثة عقيدة الإله الواحد والزعيم الهووي وسلطة الأب،… إلخ. في حين أنّ دراسات الجندر إنّما تصبو أصلًا إلى «تخريب» مذهب الفرق بين الجنسين، ومن ثمّ فتح الباب أمام «تعدّد الجنادر» لأكثر من «اثنين»، وذلك في إطار النضال نحو «دمقرطة» أشكال الهوية الحميمة، وفصلها ليس فقط عن التقسيم الجندري الاجتماعي الثنائي التقليدي (رجال/ نساء) بل حتى عن التحديد البيولوجي الوراثي (ذكور/ إناث).
ولو أخذنا بجدّية ما يسمّى «نسبة الجنس» (sex ratio)، أي نسبة الذكور والإناث في تعداد السكان في العالم راهنًا، ووضعنا في الحسبان وجهًا من الشذوذ في نسبة الذكور، مثلًا في الدول الغنيّة حيث قلّت بشكل طفيف عن نسبة الإناث، فإنّه يمكن عندئذ أن تفاجئنا مشاكل غير مسبوقة: سوف تظهر دعوات «بيو- سياسية» للمساواة «في الرجال» وليس دعوات «هووية» للمساواة «مع الرجال»، كشرط مزعج للصمود على مستوى «سياسة حفظ النوع». كأنّ المشكل الديمغرافي سوف يصبح أكثر حسمًا في رسم ملامح الهوية المستقبلية للنوع البشري من المشكل الأخلاقي- القانوني- الديني، حيث سوف يفرض إعادة صياغة المسألة النسوية: سوف ينقلها من المطالبة بـــــ«المساواة» بين الجنسين إلى المطالبة بتوفير «حماية» ديمغرافية لأحد الجنسين دون الآخر. لكنّ دراسات الجندر سوف تجد نفسها معفاة من هذا الضرب من النقاش؛ إذْ بالاستغناء عن الفرق التقليدي بين الجنسين، هي سوف تستغني أيضًا عن مؤسسة الزواج التقليدية، وبالتالي لن يكون ثمّة اختلال في نسبة الجنس بين الذكور والإناث، حيث ستتعدّد «الجنادر» إلى ما لا نهاية. ومع ذلك، علينا أن نسأل: ألا تواصل النسويّة لدينا هيمنة الرجل؟(21) إنّ بعض النسوية ليس لها من هدف أقصى سوى تحرير «العذراء من القفص»(22). إلّا أنّ هذه معارك أخلاقية لا علاقة لها بمشكلة الجندر. بل: هل النسوية أمر مفيد بالنسبة إلى المرأة العربية؟(23) أم أنّ النسوية نزعة لا تخلو من سوء فهم لجندر المرأة؟
ثمّ: كيف نحرّر المرأة من العلاقة المزعجة بين النسوية الإسلامية والإسلام الأصولي؟(24) قد يجد البعض أنّ عبارة «النسوية الإسلامية» مجرد «تناقض في الألفاظ» (!)(25) كيف نقطع المسافة الأخلاقية داخل نفس الثقافة بين «نسوية الحجاب» و«نسوية الفيمن» (الحركة النسوية الأكرانية) التي طالت بعض مدننا؟ تقع «النسوية المسلمة» غالب الأحيان في موقف دفاع هوويّ عن النفس، ضدّ خطاب «استشراقي» عن «المرأة المسلمة». لكنّ من يكتفي بالدفاع عن نفسه لا «يؤسّس» لأيّ تجاوز عميق لجندر المرأة التقليدي(26). وحين تتحوّل النسوية الإسلامية إلى دفاع «ما بعد حديث» عن فقه المرأة المسلمة دفاعًا عن النظرة الاستشراقية للجسد «المشرقن» بوصفه جندر المتعة الذكورية، هي تؤدّي فقط إلى انبعاث «نسوية محافظة- جديدة» لا تحرّر شيئًا من جندر المرأة التراثي(27). يبدو أنّ تأصيل الجندر في ثقافتنا -نعني قطع المسافة المشكلة والمركّبة من «الجنس الآخر» (سيمون دي بوفوار) إلى «حلّ الجندر(28)» (جوديت بتلر)(29)– هو عندنا معركة فلسفيّة يبدو أنّها لم تبدأ بعد.
هوامش:
1) عن هذا النوع من الاستشكال قارن: ناصر حامد أبو زيد، دوائر الخوف- قراءة في خطاب المرأة (بيروت: مؤمنون بلا حدو، 2014م)، الفصل الأول «أنثروبولوجية اللغة وانجراح الهوية»، ص 30 وما بعدها.
2) قارن: زليخة أبو ريشة، اللغة الغائبة: نحو لغة غير جنوسية (عمان: مركز دراسات المرأة، 1996م).
3) د. محمد التونجي، معجم علوم العربية (بيروت: دار الجيل، 2003م) ص ص 386 و 405.
4) Judith Butler, Gender Trouble : Feminism and the Subversion of Identity (New York: Routledge Press, 1999), p. VII.
5) قارن: رفاعة الطهطاوي، المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين (1872م)؛ قاسم أمين، تحرير المرأة (1899م)؛ والمرأة الجديدة (1900م)؛ الطاهر الحداد، امرأتنا في الشريعة والمجتمع (1930م).
6) قارن: نوال السعداوي، المرأة والجنس (القاهرة: دار ومطابع المستقبل، 1990م)؛ دراسات عن المرأة والرجل في المجتمع العربي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط. 2، 1990م)؛ المرأة والدين والأخلاق (دمشق: دار الفكر، 2000م).
7) مثلًا: محمد عبدالمطلب: بلاغة السرد النسوي (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2007م).
– شيرين أبو النجا، عاطفة الاختلاف (قراءة في كتابات نسوية)، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م).
8) الطاهر الحداد، امرأتنا في الشريعة والمجتمع (1930م). جاء في مقدّمة الكتاب: «المرأة أم الإنسان… فإذا كنا نحتقر المرأة ولا نعبأ بما هي فيه من هوان وسقوط فإنما ذلك صورة من احتقارنا لأنفسنا… غير أننا قد اعتدنا في نظرنا للمرأة أن نراها منفصلة عن الرجل لا شأن لها في تكييف نفسه وحياته».
9) محمد متولي الشعراوي، فقه المرأة المسلمة (القاهرة: المكتبة التوفيقية، ) ص 5: «وكلمة امرأة تعني أن لها مقابلًا وهو الرجل، امرأة تعني أنثى ورجل يعني ذكرًا لو نظرنا إليهما… وجدنا أن هناك جنسًا يجمعهما وهو ‹إنسان›».
10) بوعلي ياسين، ، أزمة المرأة في المجتمع الذكوري العربي ( سوريا: دار الحوار، 1992م).
11) نصر حامد أبو زيد، دوائر الخوف. قراءة في خطاب المرأة، مذكور سابقًا، 137-138.
12) عبدالوهاب المسيري، قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط. 2، 2010م)، ص 3-4، 14-16.
13) قارن: شيرين شكري وأميمة أبو بكر، المرأة والجندر: إلغاء التمييز الثقافي والاجتماعي بين الجنسين (دمشق: دار الفكر، 2002م).
14) قارن: آمال قرامي، الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية (بيروت: المدار الإسلامي، 2007م).
– إيفون يزبك حداد وجون ل. سبوزيتو، محرران، الإسلام والجنوسة والتغيّر الاجتماعي، ترجمة أمل الشرقي (عمان: المكتبة الأهلية، 2003م).
– Leila Ahmed, Women and Gender in Islam. Historical Roots of a Modern Debate ( Yale University Press, 1992).
15) قارن: محمد نور الدين أفاية، الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش (الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، 1988م).
16) منذ مؤتمر بكين 1995م أخذت وثائق الأمم المتحدة تدمج مصطلح الجندر في معجمها العام. ومنذ 2010م قررت المنظمة إنشاء هيئة تشرف على تطبيق مسائل الجندر لدى مختلف الدول، وأخذت اسم الأمم المتحدة للمرأة.
17) قارن: سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر. في النوع: الذكر والأنثى بين التمييز والاختلاف. – ترجمة محمد قدري عمارة ( سلسلة العلوم الاجتماعية – مكتبة الأسرة، 2006م).
– جوديث بتلر، الذات تصف نفسها. ترجمة فلاح رحيم (بيروت: دار التنوير، 2015م).
– جوديت بتلر: مشكلة الجندر. (تصدير الطبعة الثانية) ترجمة فتحي المسكيني، موقع الأوان، 10 أكتوبر 2016م:
– http://alawan.org/content/%D8%AC
18) قارن خاصة: رجاء بن سلامة، بنيان الفحولة ــ أبحاث في المذكر والمؤنث (تونس: دار المعرفة للنشر، 2005م)؛ نقد الثوابت. آراء في العنف والتمييز والمصادرة (بيروت: دار الطليعة، 2011م).
19) Cf. Modleski, Tania. Feminism without Women: Culture and Criticism in a “Postfeminist” Age ( New York: Routledge, 1991).
20) Cf. Strossen, Nadine, Defending Pornography: Free Speech, Sex, and the Fight for Women’s Rights(Prentice Hall & IBD, 1995).
21) Stefanie Sanches, “Disempowering Feminism in the Middle East: how the polarization of Islam and Feminism perpetuates male dominance”, in: Annual Human Rights Conference Nottingham 2014 Mind the Gender Gap, https://www.nottingham.ac.uk/hrlc/documents/student-conference-2014/sanches-arab-feminism-paper.pdf.
22) Ali, Ayaan Hirsi, The Caged Virgin: An Emancipation Proclamation for Women and Islam (New York: Free Press, 2004).
23) Golley, Nawar Al-Hassan (2004) ‘Is Feminism Relevant to Arab Women?’ Third World Quarterly 25(3): 521-536.
24) Moghissi, Haideh, Feminism and Islamic Fundamentalism (London: Zed Books, 1999).
25) Ambar Ahmed, “Islamic Feminism- A Contradiction in Terms ?”, THE FRIEDRICH-EBERT-STIFTUNG IN INDIA.
26) Zahira Sarwar, Exploring Muslim Feminisms: A Response to Orientalist Discourses About Muslim Women.
27) Cf. Moghissi, Haideh. Feminism and Islamic Fundamentalism: The Limits of Postmodern analysis (Oxford University Press, 1999).
28) Cf. Butler, Judigh, Undoing Gender (New York and London: Routledge, 2004).
29) Butler, Judith. “Sex and Gender in Simone De Beauvoir’s Second Sex.” Yale French Studies, no. 72 (1986): 35-49.
وبالعربية: جوديث بتلر، «الجنس والجندر في الجنس الآخر لسيمون دي بوفوار». ترجمة: لجين اليماني. موقع نَظَرْ 19 مارس، 2016م:
https://nthar.net/جوديث-بتلر-الجنس-والجندر-في-الجنس-الآخر/
فرقنا الكروية.. أوطاننا الجديدة

عبدالسلام بن عبدالعالي – كاتب مغربي | مايو 1, 2018 | الملف
يكتفي بعض بأن يطرح قضية كرة القدم طرحًا أخلاقيًّا فيستنكر الأهمية التي قد تغدو مبالغًا فيها في بعض الأحيان، وتُعطَى للكُوَيْرة الصغرى على حساب قضايا الكرة الكبرى. وهو لا يقتنع بهذا المنحى الذي اتخذته هذه الرياضة التي أصبحت «تشغل الإنسان اليوم عن أمور أخرى أكثر جدية وأعلى أهمية»، فيرى أن هذه اللعبة، رغم أنها تروّج الملايير وتشد الجماهير وتجند الطاقات، فإنها تظل لعبة في نهاية الأمر، ولا ينبغي لها أن تنسينا حروبنا وتلهينا عن صراعاتنا ومبارياتنا «الحقيقية». وعلى الرغم من ذلك فإن أصحاب هذا المنظور يظلون عاجزين أن يثنونا عن الاعتقاد بأن ما ينعتونه بـ«مجرد لعبة»، يشكل اليوم إحدى النوافذ الأساسية التي يمكن أن نطلّ منها على الحياة المعاصرة. وعلى أية حال، حتى إن لم نعدّ اليوم الرياضةَ بصفة عامة، وكرةَ القدم على وجه الخصوص، مفتاحًا من أهم المفاتيح لفهم العالم المعاصر، فلن يكون من السهل علينا، على الأقل، نفي أهميتها الاقتصادية والسياحية، بل دورها السياسي.
لا يكفي، بطبيعة الحال لإدراك ذلك، الاستدلال على أهمية الرياضة على العموم، وكرة القدم خاصة، وإبراز فوائدها الصحية ودورها في تربية الأجسام والعقول، بل في تطوير القدرات الجسدية والتحطيم المطرد للأرقام القياسية؛ إذ إن الأمر الذي يعنينا هنا لا يكاد يتعلق بالرياضة الكروية بهذا المعنى حيث كان بإمكان جميع أطفال العالم، مهما كان وضعهم الاجتماعي والجغرافي، أن يصنعوا كرة من قش ويضعوا قطعتي حجر على جنبات الطريق ويخوضوا في مباراة تستغرق الساعات.
كرة القدم التي تعنينا هنا «لعبة» في غاية الجدّ، حيث غدا لاعبُها اليوم مهووسًا بقضايا لا علاقة لها إطلاقًا بـ«اللعب»؛ إذ المطلوب منه، أوّلًا وقبل كل شيء، أن يحقق الانتصار، ومن الأفضل أن يكون «انتصارًا ساحقًا»، وهذا الانتصار يقدَّر كمّيًّا قبل كل شيء، فهو عدد من الإصابات. لا يهمّ، لبلوغ ذلك، مختلف أشكال التحايل التي سيلجأ إليها من إضاعة للوقت، أو خروج عن قواعد « اللعبة»، أو مراوغة للحكم، أو حتى تعنيف الخصم. المهم هو النتيجة، ولا شيء غير النتيجة (حتى إن اقتضى الأمر دفع الكرة نحو المرمى باستعمال الأيدي كما فعل أحد اللاعبين، مضلِّلًا الحكم). النتيجة هي التي سترفع من قيمة اللاعب في«سوق» اللاعبين، هي التي سترفع ثمنه وتفتح له أبواب النوادي الكبيرة، وهي التي ستجلب لقميصه أغلى الإعلانات، هي التي ستبرز الوطن الذي ينتمي إليه وترفع «رايته» بين الأعلام الدولية. بل إنها قد تُوجِد ذلك الوطن إيجادًا فلا يعود «تلك البقعة الصغيرة المنسية على خريطة العالم». «لاعبنا» إذًا لا يلعب، ولا يحق له حتى ابتكار أساليب جديدة، بل عليه أن«ينضبط» ويمتثل للخطط المرسومة، و«الأهداف» المتوخاة. وهي أهداف تتجاوزه كلاعب، وكفرد ما دام يمثّل بلدًا بأكمله، إنه ليس لاعبًا بل هو قميص له لون ويحمل إعلانات. وإنجازه سيتخذ قيمة اقتصادية وسياحية بل سياسية. لذا فهو متيقّن من أنه يقدّم لبلده أنجع الخدمات الدبلوماسية، فهو ليس سفيرها في وطن بعينه، إنه سفير في العالم بأكمله.
يظهر إذًا أن ما يتحكم في كرة القدم في عالمنا المعاصر يكاد لا تكون له علاقة بالرياضة، أو على الأقل بالرياضة بالمعنى الذي كنا نقبله. كرة القدم ومبارياتها ومهرجاناتها ولقاءاتها تحيل اليوم إلى الرياضة بمعنى مخالف تمام الاختلاف، لا إلى الرياضة كلعبة، إنما إلى الرياضة كمؤسسة لها إدارتها وحُكّامها، والحاكمون فيها وعليها، مؤسسة لها قوانينها وبنياتها، وموازين قوة تتباين وفق البلدان والمناطق، وفق الجغرافية والسياسة. وهي مؤسسة يحكمها الاقتصاد وتحكم هي الاقتصاد، مؤسسة لها أسواقها وبورصاتها ومنطقها الاقتصادي الخاص.

ليونيل ميسي والكرات الذهبية
بُعد ميتافيزيقي
هذه «الرياضة» لم يكن لها وجود حتى وقت قريب. قد يقال: إن الألعاب الرياضية مغرقة في القدم، هذا صحيح، لكنها بالضبط كانت «ألعابًا»، ولم تكن تخضع لقواعد دولية، يسهر على تنفيدها حكام دوليون، وتنظّم على صعيد دولي، وتتبارى فيها الدول والأنظمة، بل تتصارع الأيديولوجيات، وتتنافس لنقلها كِبَار القنوات كي تخلق النجوم وترسّخ العلامات وتحتكر الإعلانات. بل إن بإمكاننا أن نذهب أبعد من ذلك بكثير، ونقول: إن لهذه الرياضة اليوم بُعدًا ميتافيزيقيًّا من ناحية أنها تروّج الفانتاسمات وتخلق الهويات، أو تكرّسها على الأقل، فتؤجج الانتماءات، وتسوّق وهْم الولاءات، وتحدد موازين قوى وتضبط علائق. وفي هذا الإطار ما زلنا نذكر ما راج في فرنسا في المونديال سنة 2006م إذ تحدّث بعض عن المفعول السياسي البعيد لذلك المونديال الذي قيل: إنه أنزل مكانة زعيم الحزب اليميني المتطرف لوبين وقتئذ درجات كثيرة، بل قيل: «إن مونديال 2006م عمل على توحيد الفرنسيين وصيانة هويتهم التعددية» لما شملته الفرقة الفرنسية من نجوم ذوي أصول متنوعة. وربما بإمكاننا أن نذهب إلى القول بأننا نعيش هذا التعدد، هذه الولاءات المتعددة، عند كل مونديال، حيث يعرف كل منا تجربة هوية لا محدودة. فقد يجد الواحد منا نفسه اليوم مع هذا البلد وهذا الفريق، كي ينتقل في الغد القريب إلى فريق آخر ربما كان هو خصم الأمس. لا يعود هذا فحسب لما يسمى عادة روحًا رياضية بقدر ما يرجع إلى «تعدد الألوان» التي تتسم بها الهوية بما هي كذلك؛ إذ تكشف الولاءات أن كلًّا منا باستطاعته أن يغير بين يوم وآخر موقعه داخل دوائر متمركزة فيخرج من إحداها ليقتحم أخرى، وهو الأمر الذي يجعلني أنتصر للفريق العربي ضد الفريق الإفريقي اليوم، لكنني سأجد نفسي مع الفريق الإفريقي غدًا ضد بلد أوربي، بل مع البلد الأوربي مرة أخرى ضد بلد أوربي آخر.

تمثال لدينيس بيركامب
فكما لو أن الكرة «بنية تحتية» لا تكتفي بأن تحدد التراتبات الاجتماعية وترسم العلائق الدولية وتعلي من دول وتحط من أخرى، إنما تذهب حتى أن تحدد الهوية وترسم الأوطان. وهي لا تكتفي بأن تفعل في السياحة والاقتصاد، إنما هي التي تحدد اليوم الجغرافية السياسية والعلائق الدولية والولاءات للأوطان، إلى حد أن فرقنا الكروية غدت اليوم هي أوطاننا الجديدة.
في كتاب إ.غاليانو عن كرة القدم، نقرأ ما يلي: «هناك نُصْب في أوكرانيا يذَكّر بلاعبي فريق دينامو كييف في 1942م. ففي أوج الاحتلال الألماني، اقترف أولئك اللاعبون حماقة إلحاق الهزيمة بمنتخب هتلر في الملعب المحلي، وكان الألمان قد حذروهم: «إذا ربحتم ستموتون» دخلوا الملعب وهم مصمّمون على الخسارة، وكانوا يرتجفون من الخوف والجوع، لكنهم لم يستطيعوا كبح رغبتهم في الجدارة والكرامة. فأعدم اللاعبون الأحد عشر وهم بقمصان اللعب، عند حافة هاوية، بعد انتهاء المباراة مباشرة».
نادرون جدًّا اليوم لاعبون مثل هؤلاء الذين في مقدورهم أن يرتكبوا مثل هذه «الحماقة» ويُظهروا مثل هذه «الاستماتة» في ميدان اللعب (ليس بالمعنى المجازي هذه المرة). لا يقول الكاتب إنهم فعلوا ذلك من أجل الانتصار، إنما لكونهم «لم يستطيعوا كبح رغبتهم في الجدارة والكرامة». إنهم «دخلوا الملعب وهم مصمّمون على الخسارة»، إلا أنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم يلعبون من أجل اللعب، سرعان ما «أخذهم اللعب» مثلما «يأخذ» منظر طبيعي «أخّاذ» الفنان وهو يرسمه، أو مثلما تأخذ المقطوعة الموسيقية العازف وهو «يلعبها». فكأنما نسوا أنفسهم، بمجرد أن دخلوا الملعب، ليضحوا غارقين في اللعبة، لا شيء يشغلهم إلا فنّها. لا يظهر أن مؤلف كتاب «كرة القدم في الشمس وفي الظل» يغفل الوجه السياسي للّعبة. وهو يبرز ما كانت هذه اللعبة قد اتخذته عند النازيين منذ الثلاثينيات من القرن الماضي «عندما أصبحت كرة القدم قضية دولة». لقد حذر النازيون فريق دينامو كييف من أن هزيمة الفريق الألماني تعني هزيمة النازية، وأن الكرة تعني بالنسبة إليهم استمرارًا للحرب داخل ميدان اللعب. إلا أن الكاتب قد أصرّ على أن يبين بالضبط عجز التفسير الأحادي عن فهم هذه اللعبة، وضرورة عدم اختزال كرة القدم في بعد واحد. فهو لا يدّعي مطلقًا نفي الأوجه الأخرى لهذه اللعبة، وأعني هنا الوجه الأيديولوجي والسياسي، لكنه لا يرى أنها لم تعد لعبة لتغدو سياسة أو اقتصادًا أو مهرجانات احتفالية، إنما يحاول أن يبيّن، أنها، إذ تتخذ كل تلك الأوجه، فهي تظل لعبة، وأن اللاعب سرعان ما يتحرر مرة مرة من ضغوطات العالم المعاصر وأسواقه وإعلاناته ويتنصل من الخنوع والخضوع و الانضباط والامتثال؛ كي يسترجع في شخصه الفنانَ الذي يسكنه، فيُؤخذ في لحظة ما باللعبة، لينسى، ولو مؤقتًا، الأرباح ونشيد الوطن، ويسترق لحظات يخوض فيها في «الرقص مع الكرة».
المرأة في الفضاء الصوفي
قد تصل إلى «رتبة القطبية» وهي بمنزلة الخلافة في «الدولة الروحية»

سعاد الحكيم – أكاديمية وباحثة لبنانية | يوليو 1, 2019 | الملف
تَنَعَّمَت المرأة المسلمة بطيب مذاق المجد النسوي في العصر الذي وصفه رسول الله عليه صلوات الله بأنّه خير العصور.. في ذاك العصر، الحاضر في الذاكرة والمحفوظ جزء منه في دواوين الحديث النبوي الشريف وأجزاء كثيرة في روايات الصحابة الكرام، كانت النساء بحقّ شقائق الرجال، في السلم والحرب، وفي البيت والمسجد. فرأينا السيدة خديجة رضوان الله عليها في المرحلة المكية، وبشهادة رسول الله عليه صلوات الله، أنموذجًا راقيًا للمرأة التي نظرت بعين العدل والإنصاف والمحبة والحنوّ إلى مَعْدِن زوجها الإنساني فرأت من صدقه وأمانته وعظمة خُلُقه ما جعلها تؤمن به إنسانًا؛ فرفعت الحدود المالية فيما بين ملكيتها وملكيته، وشاركته في كل ما أشركها به. وعندما أخبرها نبأ جبريل عليه السلام كانت أول من آمن به نبيًّا رسولا صلوات الله عليه، واستعدت لأن تكون معه في كل شأن ولأن تصبر معه على كل ظرف وإن تعرّض بدنها الطاهر لما يؤثر على صحته وعافيته. ورأينا السيدة عائشة رضي الله عنها –عبر النصوص التأسيسية والدراسات الكثيرة– أنموذجًا نبيلا للمرأة العالمة المعلّمة، والفقيهة المجتهدة، والحافظة والمحدّثة بما سمعته عن رسول الله عليه صلوات الله، والناقدة الممحّصة التي لم تقف عند مرحلة الرواية بل أعملت ميزان النقد في كل ما تسمعه من الصحابة عن رسول الله عليه صلوات الله، واستدركت –بالرفض وبالتصحيح– تسعة وخمسين استدراكًا (59 استدراكًا) على ثلاثة وعشرين من الصحابة. وقد ألّف الزركشي كتابًا في هذا الموضوع عنوانه: «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة». ورأينا سيدات صحابيات كريمات في مجالس العلم، وفي ساحات الحرب بين القتلى والجرحى، وفي الأسواق يَرْقُبْنَ عمليات البيع والشراء، وفي المسجد موطن صنع القرار يشاركن في النقاش «السياسي» ويدافعن عن حقوقهن الشرعية.. نماذج أصيلة للمرأة الخطيبة والمجادِلة والمداوية والفقيهة والتاجرة والمحتسبة وغير ذلك.
أَسوقُ هذا الكلام كلّه، لأقول: إن الحراك النسائي كان نشطًا في العقود الأولى من تاريخ المسلمين، وإنّ الإسلام–نصًّا وتطبيقًا– بريء من تهميش المرأة، ومن حبسها في صورة نمطية، ومن حرمان الفضاء العام من مشاركتها العلمية والفكرية والاجتماعية والإنسانية. وإننا نثمِّن غاليًا جهود جميع العاملين –اليوم– على إظهار فاعلية المرأة المسلمة ومشاركتها الرجل في صنع حضارة الإسلام، ونقدّر عاليًا عمليات الحفر في التراث للكشف عن وجوه نسائية برزت –عبر التاريخ– في ميدان الفقه والحديث والرواية والدراية، وجلست للتعليم ونقل المعرفة لأجيال من طلبة العلم، أو لتظهير وجوه نسائية اشتُهرت ببذل المال والحليّ في مجال أبدعه الإسلام ولم يكن معروفًا لدى العرب وهو مجال الأحباس والأوقاف، فبُنيت –بأموال النساء– مدارس ومكتبات عامة ومساجد ومستشفيات ودُور لطلبة العلم وخوانق (جمع خانقاه) لإقامة العبّاد والزهاد والصوفية واستقبال الفقراء وعابري السبيل وأربطة (جمع رِباط) للنساء العابدات الصوفيات انتشرت في بلاد المشرق العربي، وبخاصة في بغداد وحلب ودمشق والقاهرة، وأيضًا في بلاد المغرب العربي..
ونشارك في عمليات الحفر في التراث، للكشف عن تمثُّلٍ مختلف للمرأة، تمثُّل يتّسم بالمحبة والرحمة والحكمة والتقدير الذاتي بعيدًا من المواجهات والمجادلات والسجالات وصراع الأدلة والعلاقات السلطوية.. هذا التمثُّل هو: وجود المرأة في الفضاء الصوفي.
وننظر إلى هذا الوجود من نافذة تطل على تجليات المرأة الصوفية وصورها في المدونة الصوفية.
تجليات المرأة الصوفية
إن أخبار النسوة الصوفيات مخزونة في موسوعات تاريخ المسلمين ومنها: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وتاريخ دمشق لابن عساكر. وفي كتب الطبقات والتراجم ومنها: صفة الصفوة لابن الجوزي، وحلية الأولياء لأبي نُعَيْم الأصفهاني، وسير أعلام النبلاء للذهبي، وذكر النسوة المتعبدات الصوفيات للسلمي. ومع تزايد الاهتمام بالفكر الصوفي وبالمرأة الصوفية، منذ نصف قرن تقريبًا، صدرت عشرات الكتب والدراسات باللغة العربية وبلغات أجنبية حاكية عن حضور المرأة في الفضاء الصوفي وخصوصية سعيها الروحي، وعن نظرة الرجل الصوفي المتسمة بالمساواة الإنسانية والرحمة الشاملة إلى المرأة سواء كانت شريكًا في التجربة الروحية أو شريكًا في الحياة الدنيا.
وعندما نفتح هذه الكتب المذكورة –أو ما توافر منها– تضيء الصفحات التي تثوي في حروفها أخبار هؤلاء النسوة، وتحكي عن وجودهن في تاريخ المسلمين وحاضرهم.. ومنهن المقيمات في بيوت صوفية معروفة، بصحبة قامات روحية عالية، بصفتهن إما الزوجة أو الأخت أو الابنة، ومنهن السائحات العابدات الزاهدات اللواتي لم تكن أخبارهن لتصلنا لولا تدوين كبار رجال الصوفية أقوالَهن، ومنهن المؤدبات المربّيات اللواتي تركن بصماتهن على الحياة الروحية لكبار رجالات الصوفية، ومنهن الأميات العارفات اللواتي يتصدَّيْنَ لإنشاء الكتب بالإملاء على قريب عارف بالقراءة والكتابة، ومنهن العالمات صاحبات المدونات الصوفية والمرجعيات الكبرى، ومنهن المقيمات ضمن جماعات صوفية في الأربطة المخصصة للنساء، ومنهن الشيخات القائدات لتجمعاتهن الصوفية أو الممثلات لشيخ الطريقة في محيطهن الجغرافي أو النسائي، ومنهن الباحثات المؤرخات المفكرات..
من هذا المشهد الذي يمتد إلى ما يزيد على أربعة عشر قرنًا، نختار الكلام بإيجاز عن أربعٍ من النسوة الصوفيات.. ولا ندّعي أن هؤلاء النسوة الأربع يجمعن صور المرأة الصوفية الآن وعبر التاريخ؛ لأن كل واحدة من النسوة الصوفيات المعروفات والمجهولات هي أنموذج متفرد ولا يمكن تكراره. ولكن الدافع لاختيارنا هو قدرة هذه النماذج الأربعة على إظهار الانفتاح الديني والإنساني في البيئة الصوفية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن هذه النماذج الأربعة ليست من التاريخ المنسي أو المتروك بل تتمتع بطاقة حيوية حملتها عبر أحقاب التاريخ وأظهرتها بصور متعددة ومختلفة.
أولًا– الزاهدة العاشقة
(السيدة رابعة العدوية 100هـ – 180هـ)
لمع اسم السيدة رابعة شرقًا وغربًا، ولم تعد جزءًا من الوجود الصوفي الإسلامي العربي فقط، بل صارت جزءًا من الثقافة الإنسانية العالمية، وغدت قصائدها في الحب الإلهي زهرة السماع الفني الراقي. تتلخّص قصة حياتها في أنها فتاة ضاعت من أهلها في زحمة السوق في العراق، في زمن فوضى ومجاعة، فخُطفت وبيعت. عاشت معاناة الرقّ فتعلّمت العزف على الناي، حتى إذا اضطرتها الظروف إلى الوجود في «سهرات الأنس» كانت تشارك بالعزف فقط. إلى أن انتبه من يملكها إلى حقيقة حالها، فأعتقها. وما إن امتلكت زمام أمرها حتى سكنت في غرفة متواضعة في مدينة البصرة، غرفة لا تحوي من أشياء الدنيا إلا إبريقًا وصحفة وحصيرة ومخدعًا من اللَّبِن.
وفي مقابل أقوال الدارسين، بأن المرأة في تاريخ المسلمين وإن برزت في مجال علمي إلا أنها ظلت تابعة علميًّا ولم تؤسس مدرسة.. نقول؛ لقد أسست السيدة رابعة مدرسةً في التصوف الإسلامي، فهي أول من أدخل لغة الحب على الحياة الروحية، وهي –في حدود معرفتنا– أول من توجّه إلى الله قائلًا: أحبك. وهي أول من ميّزت بين حُبَّيْنِ لله تعالى: حب الهوى، وحب الاستحقاق (الحب الذي يستحقّه الله تعالى لذاته العليّة وأسمائه الحسنى). وهذان الحُبّان عندها –كما نقدّر– من الضروري أن يكونا متلازمين في المسيرة الروحية؛ لأن حب الهوى وحده قد يوقع المرء في الرعونة، وحب الاستحقاق وحدة قد يغرق المرء في الهيبة والجلال، تقول:
أحبُّك حبّين: حـبَّ الهوى،
وحُبًّا لأنـك أهـلٌ لذاكـا
فأمّا الذي هو حـبُّ الهوى
فشغلي بذكرك عَمَّن سـواكـا
وأمّا الـذي أنت أهـلٌ له
فكشفك للحجب حتى أراكـا
فلا الحمد في ذا، ولا ذاك لي
ولكن لك الحمدُ في ذا وذاكـا
وإن المدرسة التي أنشأتها السيدة رابعة، هذه العاشقة العابدة الزاهدة، لم تنطفئ بموتها بل حملها التاريخ في طياته إلى بقاع من الأرض وحقبات من الزمان، ولم تنحبس في بيئة نسوية بل مشى عدد كبير من أعلام التصوف في قافلتها.. وها هو سَرِيّ السَّقَطيّ (ت: 253هـ) يبيِّن فعل العشق في بَدَنِه النحيل، فيقول:
إذا ما شكوتُ الحبّ، قالت: كَذَبتنَي
فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا؟
فلا حبّ حتّى يلصـق الجلد بالحشا
وتذهل حتّى ما تجيـبَ المناديـا
والشِّبليّ أيضًا، صديق الجُنَيْد والحَلَّاج، يصف فناءه في العشق، فيقول:
قد تخلّلـتَ مسلـك الـرّوح منّي
ولـذا سُمّـي الخليـل خليـلا
فـإذا ما نطقـتُ كنتَ حديثـي
وإذا ما سكـتُّ كنـتَ غليـلا
والحلّاج يردد كثيرًا هذه الأبيات:
سقوني وقالـوا لا تغـنّ، ولو سقوا
جبـال حُنَيـن ما سقونـي لغنـت
تمنّـتْ سُلَيْمـى أن نمـوت بحبهـا
وأسهـل شـيء عندنـا ما تمنّـت
ولا تزال القافلة تَجِدُّ في سيرها عبر الأزمنة والأمكنة، تضع رحالها مرة في مشرق ومرة في مغرب.. وفي كل مرة تطرب الأسماع والأرواح بشدو العشق الشريف.

ثانيًا– الأم الروحية ومشيخة المرأة
(السيدة فاطمة بنت المثنى، عاشت في القرن السادس الهجري)
هي سيدة مغمورة، وما كنا لِنَعرِفَ شيئًا عن وجودها على الأرض لولا أن خدمها بنفسه ولمدة سنتين شيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي (560– 638هـ). ومما يخبر عنها ابن عربي نعرف أنها قدّمت إضافة في تاريخ التربية الصوفية. فعلى حين أن المعلم الصوفي –في السائد– يقوم بتربية مريده بالرياضات والمجاهدات حتى يصبح نقيًّا صافيًا من الصالحين (أي المُنتَج هو إنسان نقيٌّ تقيٌّ عابد زاهد…). نراها توجّه بَصَرَ «وَلَدِها الروحي» نحوَ الوجود، نحو الآفاق، لتتكوّن لديه رؤية للكون وللإنسان وللعلاقة بالله تعالى. ويمكن القول: إنها أبدعت وبشكل غير مسبوق، لما يمكن أن نسمّيه «تربية العارفين» في مقابل «تربية المريدين»، وهي تربية «بالنظر في الآفاق» في مقابل تربية «بالنظر في الأنفس».
وقد عرف ابن عربي مكانة هذه المعلِّمة الاستثنائية، عندما قالت له: «أعطاني حبيبي [أي الله تعالى] فاتحة الكتاب تخدمني، فوالله ما شغلتني عنه». ويفسّر لنا ابن عربي معنى قولها هذا، بأنها كانت عندما تقرأ فاتحة الكتاب، لأمر من الأمور، تنشئها بقراءتها صورة مجسّدة هوائية ثم تخاطب هذه الصورة وتبعثها لتؤدي المهمة التي تطلبها منها.. إنه عطاء إلهي عجيب لواحدة من النسوة المتعبدات الصوفيات الأُمِّيَّات المنقطعات في فَلَوَاتٍ من الأرض.
وهذا الأنموذج للمرأة الصوفية، المربِّية الروحية للنساء والرجال معًا، التي تمثل «سلطة مرجعية عليا» في زمانها داخل حدود جماعتها الصوفية.. هذا الأنموذج لا يزال مستقرًّا في مجتمعات الإسلام، وبخاصة في المدن التركية حيث نجد العديد من «الشيخات» اللواتي يَنتسِبُ إلى جماعاتهن الصوفية العديدُ من المريدين من الجنسين، ويشكِّلْنَ لمريديهن الأُمَّ الرُّوحية.
ثالثًا– صوفية عارفة وصاحبة تراث مكتوب
(الست عجم بنت النفيس البغدادية، كانت حيّة عام 686هـ).
هي سيدة أميّة تخبر عن نفسها بأنها خرجت من الجهل (بالله تعالى) إلى العلم (به تعالى) في ليلة واحدة، كما تقدّم نفسها على أنها من كبار الأولياء.. تقول مخبرة عن أمّيتها ومعترفة لزوجها بفضل تدوين كل ما تمليه عليه: «وحيث عَلِمَ الله أنني امرأة عاميّة بريئة عن التصرف في كلّ ما ينطبق عليه اسم «العلم الظاهر»، حتى عن الكتابة وما ترقمه الأقلام، فهيّأ لي صاحبًا عارفًا بأحكام الخطّ ومعانيه وما يُصاغ منه وسيلة إلى المعاني. فعندما يلقي الله تعالى في قلبي شيئًا من العبارة والفيض أستنجد به استنجاد مخالَلـة وأدعوه إلى إثبات ما يَرِدُ. وهو محمد ابن خالتي وربّ بيتي».
أَمْلَتْ هذه السيدة على زوجها ثلاثة كتب هي: شرح مشاهد الأسرار القدسية (وهو كتاب لابن عربي)، وكتاب الخَتْم، وكشف الكنوز. ومن مُدارَسة نصوصها نجد أن معرفتها نتجت عن سبيلين هما: الإلقاء الإلهي في القلب، والشهود. وتخبرنا الست عجم أن الشهود يقوم على «الخلع الروحاني»، أي «إلقاء الجسد الظاهر»، بغير تألم، في حالة هي بين الموت والحياة، ثم الوصول إلى حال تُسَمِّيها «القيام في الصورة»، وطوال مدّة الخلع يحدث جَوَلَانٌ للروح ويجري الشهود.
ورغم أن هذه السيدة لم تلتقِ بابن عربي الذي سبقها في الزمان الدنيوي بنحو نصف القرن، ولم تعرف بوجود كتابه «مشاهد الأسرار القدسية»، إلا أنها تحكي أنه وقع لها «خلع روحاني» ودخلت إلى «عالم الباطن»، وهناك الْتقَتْ الأولياءَ المماثلين لها في الرتبة ومن جملتهم محيي الدين بن عربي، وجرى بينها وبينه حوار، وعند المفارقة أوصاها بأن تشرح كتابه المشاهد في حال العَوْد من الباطن.. وبالفعل أَمْلَتْ على زوجها شرح المشاهد فيما يزيد على أربع مئة صفحة (وهو كتاب قمت بتحقيقه ونشره بالمشاركة مع د. بكري علاء الدين). وهذا الأنموذج للمرأة الصوفية التي تدخل عالم التدوين والتسطير، هو أنموذج يزداد انتشارًا منذ الربع الأخير من القرن العشرين: فنجد مثلًا في لبنان وسوريا ومصر وصولًا إلى المغرب العربي سربًا من النسوة المنتسبات إلى طرق صوفية وقد أمسكن بالقلم دفاعًا عن التصوف والطرق الصوفية. كما نجد سربًا آخر من النسوة المسلمات، الموجودات على أطوال العالم العربي في الأردن والعراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان وصولًا إلى المغرب العربي، نسوة متعاطفات مع الفكر الصوفي وقد انجذبْن إلى مدونات كبار الصوفية فانكببْن عليها بحثًا وتحقيقًا وتأليفًا ونشرًا. ولا ننسى سربًا من النسوة الغربيات، المسلمات وغير المسلمات، العربيات والمستشرقات، وجدن أن التصوف الإسلامي هو جزء حيوي وضروري من الثقافة الإنسانية الكونية، ويمتلك مقومات خطاب إسلامي يفهمه الآخر ويتواصل معه، لذلك اجتهدن في ميدان البحث التعريفي وأيضًا الترجمات، وهن عديدات في العالم الغربي وبخاصة في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة واليابان.
رابعًا– امرأة على رأس طريقة صوفية
(السيدة زينب القاسمية، 1850م– 1904م).
وهي سيدة صوفية قارئة عالمة، تولّت مشيخة الزاوية التي أنشأها والدها الشيخ محمد بن أبي القاسم (ت: 1897م)؛ مؤسس «الطريقة الرحمانية» ومنشئ زاوية «الهامل» ببو سعادة– الجزائر. كانت السيدة زينب (أو لالا زينب كما هي معروفة)، ابنة وحيدة لوالدها. ويبدو أنه توسَّم فيها أهلية رُوحية؛ فاعتنى بتنشئتها؛ فحفظت القرآن الكريم وقرأت التفاسير وتفقهت في الدين، وحفظت الأحاديث النبوية الشريفة، وسمعت من والدها شروح الصحيحين، وغيرها من كتب التوحيد والفقه والتصوف. كان الوالد يناقش ابنته في العلم ويطلعها على أعماله وما يجري خارج «الزاوية» من أحداث وعلاقات. وعندما ظهر له سداد رأيها وصفاء نفسها، كلّفها بحفظ سجلات أملاك الزاوية، وكتب عام 1877م وصية موثّقة تضع كل أملاكه تحت تصرفها على شكل حَبْس عائلي.
وعندما توفي الوالد شيخ الطريقة الرحمانية، تولّت السيدة زينب مباشرة قيادة جمعها الصوفي علميًّا ورُوحيًّا. وأكملت خطى والدها وكانت عارفة بمشروعه الصوفي الحضاري. فازدادت الطريقة انتشارًا في زمانها، وكان يؤمُّها المريدون من كل حدب وصوب.

وهذا الأنموذج للمرأة الصوفية القيادية، وإن كان موجودًا في نهايات القرن التاسع عشر إلا أنه بدأ بالانتشار في القرن الحادي والعشرين، وبخاصة في الولايات المتحدة الأميركية التي شهدت هجرات صوفية من أنحاء العالم، ونشأ على إثرها مجموعات صوفية صغيرة تضم مسلمين أميركيين ومهاجرين معًا من الجنسين، أو ظهرت فروع نشطة لطرق صوفية يعيش شيخها خارج الولايات المتحدة.. وفي كلتا الحالتين، فالقيادة في العديد منها للمرأة الصوفية.
وختامًا نقول: من المهم أن نعرف أن الإنسان الصوفي (أي الرجل) يتعامل مع المرأة، أي الآخر الصوفي أو الحياتي، على قاعدتين هما:
أولًا- قاعدة المساواة في الجوهر الإنساني بين الرجل والمرأة: إن الصوفي عندما يقع نظره على فتاة صوفية أو على امرأة صوفية، فإنه لا ينحجب بالجنس عن الحقيقة الإنسانية. ويرى جُلُّهم –ومنهم محيي الدين بن عربي في كتابه الفتوحات المكية– أن حقيقة الإنسانية تجمع الذكر والأنثى، وأن الذكورة والأنوثة فيها عَرَضان وليستا من حقائق الإنسانية. وهذا يعني المساواة التامة بين الرجل والمرأة في التكريم الخاص بالجنس البشري، وفي كل خطاب موجّه للإنسان يرتب حقًّا من حقوقه أو يحمّله مسؤولية من المسؤوليات.
ثانيًا- قاعدة المساواة في الأهلية الروحية بين الرجل والمرأة: إن العالِم الصوفي يصرح في مناسبات عديدة، أن جميع المقامات الروحية متاحة للمرأة تمامًا كما هي متاحة للرجل. ومن هنا، فقد تصل المرأة إلى «رتبة القطبية»، وهي أعلى منزلة روحية ولا تكون في الزمان الواحد إلا لشخص واحد، وهي بمنزلة الخلافة في «الدولة الروحية».. يقول ابن عربي: «كل ما يصحُّ أن يناله الرجل من المقامات والمراتب والصفات يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء». ونورد قصة يرفع فيها الصوفي الشهير ذو النون المصري امرأةً صوفيةً إلى مقام «الأستاذية». وهذا الاعتراف من الصوفي هو محض إنصاف، وهو دلالة على مكانةٍ لا تُنكَر للمرأة الصوفية.. تذكر الكتب أن السيدة فاطمة النيسابورية بعثت مرة إلى ذي النون المصري برِفْق (معونة) فردّه وقال: في قبول أرفاق النسوان مَذَلَّةٌ ونُقْصان. فقالت فاطمة: ليس في الدنيا صوفي أخسّ ممن يرى السبب.. ونستمع إلى شهادته فيها يقول: «ما رأيتُ أحدًا أجلّ من امرأة رأيتها بمكّة، يقال لها: فاطمة النيسابورية، كانت تتكلم في فهم القرآن، وهي وَلِيَّة من أولياء الله عز وجل، وهي أستاذي».
إسهام المفكرة – الباحثة العربية في الفكر العربي المعاصر

ناجية الوريمي – أكاديمية وباحثة تونسية | مارس 1, 2020 | الملف
«إسهام الباحثة-المفكرة العربية في الفكر العربي المعاصر»، ليس مجرّد عنوان لهذا البحث وتوضيحًا لإشكاليّته، بل هو شهادة على دخول الفكر العربي المعاصر منذ مطلع هذه الألفيّة في مرحلة جديدة تختلف عن المراحل السابقة التي كان فيها الشأن الفكريّ شأنًا رجاليًّا بامتياز، والتي كانت فيها مساهمة المرأة في الإنتاج المعرفي لا تكاد تتعدّى الإبداع الأدبي شعرًا ونثرًا. فأن يكون الإنتاج الفكري للمرأة موضوعًا للبحث، معناه أنّه تنامى كمّيًّا -ونوعيًّا أيضًا- بشكل أصبح فيه موضوعًا للدرس والتقييم. وما يمكن أن نقوله في شأنه بدءًا هو أنّه سمح بتجاوز الاختزال التقليديّ لإبداع المرأة في الأدب والنقد -حيث تظهر شاعرةً أو روائيّةً أو ناقدةً- ليُبِين عن «إبداعها» في المجال الفكريّ.

زهية بن جويرو
في هذا المجال تظهر الباحثة ذاتًا مفكّرةً تضطلع بدور المثقّف الذي يتبنّى قضايا مجتمعه ويساهم في تحليلها وإعادة النظر فيها بتفكيك المسلّمات المتكلّسة وصياغة تصوّرات جديدة تتفاعل مع المكتسبات القيميّة المعاصرة ولا تقطع مع الخالد من القيم الماضية. وعلى الرغم مما نلمسه من تصاعد الإنتاج الفكري «للمثقّفة» العربيّة وتنوّعه، فإنّنا لا نجد دراسات مخصّصة له تقييمًا وإثراءً، على غرار ما حظي به إنتاجها الأدبي(30). فالمكتبة العربيّة اليوم تزخر بالدراسات التي تناولت إسهام المرأة المبدعة في القصّة والشعر والرواية والسيرة الذاتيّة وغيرها، التي تناولت أيضًا إسهامها في النقد الأدبي. ونحن نشيد بهذه الدراسات؛ لأنّ الفضاء الإبداعي عمومًا يكتسي، علاوة على أهمّيّته الروحيّة الجماليّة، أهمّيّة قِيَميّة اجتماعيّة بوصفه الحاضنة التي تتشكّل فيها القيم الجديدة- قيم التغيير نحو الأفضل. لكنّنا نلفت الانتباه إلى أهمّيّة التعامل النقدي مع كتابات المرأة الفكريّة، تحليلًا وتقييمًا؛ لأنّنا نفترض خصوصيّةً معيّنةً لما تنتجه هذه الذات المفكّرة التي تتحمّل أكثر من غيرها تبعات الفشل العربي في التحديث والنهضة(31).
أن تكون المرأة إذن مفكّرة تتفاعل مع قضايا مجتمعها تحليلًا وتفكيكًا وبلورةَ بديل، فاعلٌ جديد نقدّر أنّه مؤهّل لأدوار نقديّة تكشف عن طبيعة الأفكار والمسلّمات التي تعمل على تأبيد علاقات اللاتكافؤ بين مكوّنات المجتمع، والتي تحول دون إحداث تغييرات جدّيّة في اتّجاه التوافق مع منظومة القيم المعاصرة. وكان متوقّعًا أن ينتصر هذا الفاعلُ الجديد لتغيير الوضع السائد وينادي بإطلاق قوى التغيير والتحرير الكامنة في المجتمع. وجاءت مساهمة المرأة –وفق تقديرنا- إثراءً للفكر العربي، ودعمًا للبعد النقديّ فيه، بفضل ما تحتوي عليه من وجهات نظر ومواقف جريئة أحيانًا، وباعثة على انطلاق حوارات تُنضج الاختيارات الكبرى التي يمكن أن يسير فيها المجتمع العربي.
وبحثنا هذا ملتزم بحدود معلومة، لا يدّعي الشموليّةَ ولا يعِد بها، وسنركّز من خلاله في نموذج يمكن أن يكون منطلقًا للدراسة والمقارنة ببقيّة النماذج العربيّة لاحقًا، وهو النموذج التونسيّ. وما دعانا إلى هذا التركيز أنّ الكتابات التي سندرسها، متقاربةٌ في المنهج وفي الرؤية النقديّة إلى درجة حوّلتها إلى ظاهرة فكريّة، وأنّ صاحباتها مجموعة من الباحثات أخذن بناصية المعرفة الحديثة ووعيْن الإشكاليّات الفكريّة التي تطرحها الأصوليّة الدينيّة والأيديولوجيّات السياسيّة الكلاسيكيّة. هنّ جامعيّات ينتمين إلى ذات الاختصاص وهو «الحضارة العربية الإسلامية»(32)، الاختصاص الأكاديميّ الذي يهتمّ بدراسة القضايا الفكريّة والسياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة المميّزة للمجتمع العربي الإسلامي ماضيًا وحاضرًا، والذي يعتمد مقاربات تضع المنتج الثقافي العربي الإسلامي في سياقاته المعرفيّة والتاريخيّة، وتحلّل آليّات تفاعله معها، والوظائف التي قام بها. وعلى هذا الأساس طوّر هذا الاختصاص مناهج قراءة النصوص وتأويلها بالاستفادة ممّا أقرته علوم الإنسان والمجتمع. وجمع بين النقد البنيويّ الذي يعتني بالمقوّمات اللغويّة للنصّ وفق كيفيّة تشكيلها، والنقد التاريخيّ الذي يشرح الظروف المحيطة بإنتاج النصّ وتأثيرها في مضمونه الفكريّ. ومن شأن هذه المناهج أن تحرّر فعل القراءة والتأويل من الأحكام الماقبليّة والإكراهات الأيديولوجيّة التي تحكّمت –ولا تزال- في جانب مهمّ من الفكر العربي المعاصر، وعمّقت عجزه عن صياغة البدائل الناجعة والجامعة.
نقد المواقف التي أصبحت عقبة في طريق التقدم

جيهان عامر
أمّا القضايا التي استأثرت بالاهتمام في إنتاج المرأة الفكريّ، فهي قضايا تهمّ حاضر المجتمع العربي الإسلامي مثلما تهمّ ماضيه، إيمانًا بأنّ بناءَ مستقبل أفضل مشروطٌ بتكريس وعي تاريخيّ لا يقطع مع الماضي، ولكن، لا يرتهن به. والقاسم المشترك بين مختلف الكتابات الممثلة لهذا الإنتاج، هو نقد المواقف والرؤى التي أصبحت عقبةً في طريق التقدّم الضروريّ للمجتمع، وفي طريق إبداعه لحداثة عربيّة متفاعلة مع الحداثة الكونيّة أخْذًا وعطاءً. وسنقف أساسًا في هذه الدراسة -نظرًا إلى التزامها بالحدود التي ذكرنا- عند القضيّة الأمّ التي التقت حولها هذه الكتابات، وهي قضيّة الاختلاف والتعدّد وكيفيّة إدارتهما. والجدير بالذكر أنّ هذه القضيّة تحتلّ مركز الصدارة في الفكر العالمي اليوم؛ لأنّها الأساس الذي يوفّر شروط الانتظام الناجع والعادل بين البشر داخل مجتمعاتهم وفيما بينها. ومساهمة المفكّرة- الباحثة العربيّة في معالجتها من شأنها أن تدعم قدرة الفكر العربي على إحداث التغيير المنشود في المجتمع. وجاءت هذه المساهمة نقديّةً رصينةً، تسائل البداهات، وتُشْرِع الأبواب على آفاق جديدة قد تساعد في إخراج الفكر العربي من الانسداد التاريخي الذي تردّى فيه.
ويلفت انتباهَ قارئ هذه الكتابات اعتناءُ الباحثات بمراجعة ما تكرّسه الدراسات التقليديّة من إعادة إنتاج للتصوّرات والمواقف المنتصرة تاريخيًّا، التي نجحت في التحوّل إلى مسلّمات لا تزال إلى اليوم تتحكّم في الوعي العربي. وتجلّت المراجعة في الكشف عمّا قامت به هذه الدراسات من حجب مزدوج للحقائق الفكريّة والتاريخيّة التي يساعد استحضارها على تجاوز مقولات التعصّب وإقصاء الآخر المختلف دينيًّا ومذهبيًّا وسياسيًّا وجندريًّا: «حجب أوّل مجاله المواضيع التي استُهلكت دراسةً وتفريعًا فتكلّست فيها المنطلقات والنتائج، بينما من الممكن تغيير المنطلق لاكتشاف أوجه جديدة وطريفة فيها، وحجبٌ ثانٍ مجاله مواضيع ظلّت أبوابها موصدة، إمّا بحكم العجز المعرفيّ عن فتحها، أو بحكم المنع السلطوي من فتحها»(33). وجاءت مختلف الكتابات مقرّةً بالحقّ في الاختلاف عقديًّا وفكريًّا وسياسيًّا، موضّحةً الشروط اللازمة لممارسة هذا الحقّ. وكان لها دور كبير في تفكيك المواقف التي وظّفت النصوص الدينيّة، لتفرض أحاديّة في الفهم والتصوّر، ولتحارب التعدّد الذي تراه سببًا للفساد و«للفتنة». فتقضي بذلك على شروط الاعتراف المتبادل بين المختلفين، التي لا غنى عنها في إنجاح العيش المشترك. وقد تناولت الكتابات مستويات عديدة من الاختلاف: الاختلاف الفكري، والاختلاف السياسيّ، والاختلاف الجندري، والاختلاف التشريعيّ.
اعتنى قسم من هذه الكتابات بدراسة الاختلاف الفكريّ الذي وسم الثقافة العربيّة الإسلاميّة في المرحلة التأسيسيّة، والذي يعطي صورة عن طرافة الاختيارات التي أبدعها الفكر العربي الإسلامي في مرحلة التأسيس. وكشف من خلال التنبيه إلى المهمّش من المواقف في مواضيع حظيت بالاهتمام ماضيًا وحاضرًا، عن أنّ ما يُحجب من الأفكار ويصادَر لأسباب سلطويّة، قد يكون من الناحية المعرفيّة أهمّ وأنجع لخير الإنسان والمجتمع. من ذلك أنّ ما ساد من فكر خرافيّ لا عقلانيّ في تمثّل تاريخ الإسلام، حجب فكرًا آخر قريبًا من الواقعيّة والمعقوليّة(34). ومن ذلك أيضًا أنّ ما ساد من فهم تشريعيّ حرفيّ للنصّ القرآني، غطّى على فهم آخر مغاير، قوامه التمثّل المقاصدي الذي يأخذ في الحسبان التطوّر التاريخي للمجتمع(35). وتُعَدّ المشاركة البارزة للباحثات في مشروع العمل الجماعي المخصّص لتجليّات فهم الإسلام تاريخيًّا -وهو «الإسلام واحدًا ومتعدّدًا»- مظهرًا من مظاهر اهتمامهنّ بقضايا التعدّد الفكري، وبخاصّة ضرورة تجاوز الوعي المذهبي والطائفيّ الضيّق(36). وعمومًا، أبرز هذا الضرب من الكتابات أنّ وراء الرأي «الرسميّ» المنتصر، آراءً أخرى لا تقلّ عنه أهمّيّة معرفيّة. وأثبت أنّ الاختلاف في المواقف والرؤى كان دائمًا ضامنًا للحيويّة ومصدرًا للإضافة ولإبداع الجديد، في حين كان التشابه -الناتج عن فرض الاختيار الواحد واللون الواحد- مصدرًا لتآلف باهت ومميت، وهو التآلف الذي غلب على مراحل مهمّة من تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة وأفقدها أسباب حيويّتها وتقدّمها(37). ولا تزال مخلّفاته اليوم تعطّل التغيير والتحديث.
نفض الغبار عن المهمش

رجاء بن سلامة
وعلاوة على الاختلاف الفكري، حظيت مسألة الاختلاف في السياسات العربية الإسلاميّة باهتمام كتابات أخرى. وكان الهدف مراجعةَ بعض المسلّمات التي تحكم بأنّ المجتمع العربي الإسلامي لم يعرف إلّا الحكم الاستبدادي الموظّف لسلطة الدين. وأثبتت من خلال تفكيك السائد من النصوص، ونفض الغبار عن المهمّش منها، أنّ هذا المجتمع عرف أيضًا تجارب سياسيّة أقرب ما تكون إلى الحكم المدني الذي يتّبع سياسة تعدّديّة متسامحة، حَرِيّة بالاعتبار اليوم(38). ولا يرمي هذا الإثبات إلى إسقاط معايير سياسيّة معاصرة على الماضي، بل هو يرمي أوّلًا إلى الكشف عن حقيقة التعدّد في الاختيارات السياسيّة الماضية، ويرمي ثانيًا إلى إعادة الثقة في الذات العربيّة، من خلال الكشف عن مؤشّرات استعدادها للتفاعل إيجابيًّا مع مكتسبات الحداثة السياسيّة.
أمّا مسألة الاختلاف الجندري فقد مثّلت صورة من اعتناء هؤلاء الباحثات بمواضيع ما زالت تشقّ طريقها بصعوبة -ولكن بخطى ثابتة- في الثقافة العربيّة المعاصرة. والاختلاف الجندري ليس مسألة جزئيّة تتعلّق بحقوق المرأة وبعلاقتها بالرجل، بل هي باب مُشرَع على دراسة مختلف القضايا النظريّة والعمليّة التي تتعلّق بالتنظيم الاجتماعي. إنّها منطلق «للبحث في طريقة تشكّل السلطة: سلطة المعرفة، وسلطة الثقافة، وسلطة الجماعة، وسلطة النظام»، ومنطلق أيضًا «لتحليل الأنساق والبنى للوقوف على طرق التبادل والتفاعل بين الأفراد»(39). ولئن كان مدار البحث فيها الكشف عن مظاهر التمييز التفاضلي بين المرأة والرجل في المجتمع العربي الإسلامي: طقوسًا، وهيئة، وسلوكًا ومنظومة قيميّة، فإنّ الدراسات تجاوزت ذلك إلى البحث في الأسباب الطبيعيّة والدينيّة التي يعتمدها الفكر السلطويّ لتبرير ذلك التمييز وتلك الفوارق: «إنّ مفهوم الاختلاف يحيل إلى حركة توليد الفوارق وإنتاج الامتيازات. وأرجع العلماء […] هذا الاختلاف إلى البدء وبحثوا له عن أصل وجعلوا له علّة إلهيّة وحكمة. وأوجد آخرون للاختلاف أصلًا في الفطرة والطبيعة فكان في نظرهم، بمنزلة الإرث البيولوجي المتوارث جيلًا بعد جيل»(40). وكانت الغاية التي ترمي إليها هذه الدراسات هي تشريع التعدّد والتنوّع في مختلف مستوياته: «إنّ الجنس (أنثى/ ذكر) لا يبرّر التفوّق الاجتماعي ولا التهميش ولا الهيمنة. فاختلاف موقع كلّ من المرأة والرجل أو العرق أو اللون أو الدين أو الطبقة، لا يشرّع لقيام نظام تراتبي تمييزيّ»(41). وكان هذا التشريع مشروطًا بتفكيك أسس الهيمنة التي تصدر عنها آليّات التفكير السائدة، فنحن: «لا نعرف الآخر إلّا من خلال الصورة التي نسجناها له وركّبناها له في أذهاننا حتّى بات غير ما هو عليه في الواقع وبذلك خلقنا مسافة بيننا وبينه. فكيف يمكن للرجل أن يعترف بغيريّة المرأة، وكيف يمكن للمسلم أن يقرّ بغيريّة غير المسلم، والأمر بالمثل بالنسبة إلى علاقة المختلفين بعضهم ببعض؟»(42).
دراسة القضية التشريعية في بعدها الاجتماعي

ألفة يوسف
وإذا ما نظرنا إلى التوزيع العددي لكتابات هؤلاء الباحثات من حيث المواضيع، سنجد أنّ أكثرها مخصّص لدراسة القضيّة التشريعيّة في بعدها الاجتماعي. فقد درست هذه الكتابات الاختلاف بين المنظومات الفقهيّة القديمة، باحثة في مرجعيّاتها وفي وظائفها. ودرست كذلك علاقة الآراء الفقهيّة السائدة بشروط تحديث المجتمع العربي اليوم. وبيّنت كيف أنّ هذه الآراء التي نشأت في الماضي استجابةً لظروف تاريخيّة معيّنة، انقطعت علاقتها بهذه الظروف، وأصبحت تكتسي نوعًا من التعميم والإطلاق جعلها تلتبس بالنصوص الدينيّة التأسيسيّة وتتمتّع بسلطتها وباستمراريّتها. فكانت المناداة بضرورة التجديد وتحديث التشريع في المجتمع. وظهرت في هذا الصدد عناوين عديدة، نذكر من بينها تمثيلًا وليس حصرًا: «الوأد الجديد»(43)، و«مؤسّسة الإفتاء بين سياج المذهب وإكراهات التّاريخ»(44)، و«القصاص في النّصوص المقدسة: قراءة تاريخية»(45)، و«تاريخيّة التفسير القرآني: قضايا الأسرة واختلاف التفاسير: النكاح والطلاق والرضاعة والمواريث»(46)، و«نقد الثوابت: آراء في العنف والتمييز والمصادرة»(47)، و«حريّة المعتقد في الإسلام»(48)، و«حيرة مسلمة»(49)، وغيرها.. وما فتئ عدد هذه الكتب يتزايد مساهِمًا في تطوير الجدل الدائر حول تحديث التشريع الاجتماعي في المجتمع العربي.
إنّ الكتابات الفكريّة النسائيّة -ما ذكرتُ منها وما لم أذكر- اختارت أن ترتاد طريقًا وعرة، تحفّ بها ردود الأفعال المتشنّجة الصادرة من عقول رافضة للحوار وللتجديد. ولئن كان بإمكانكَ ومن حقّكَ أن تختلف معها في أطروحاتها ومقترحاتها، فإنّك لا تستطيع فكاكًا من أصداء أسئلتها التي تظلّ تتردّد في وعيك. ولا تستطيع أيضًا أن تخالفها في هدفها السامي، وهو دراسة الشروط الكفيلة بتعميق الثقة في الذات، وبالتفاعل إيجابيًّا مع القيم الإنسانيّة الكونيّة: قيم الحريّة، والمسؤولية الفرديّة، والحقّ في الاختلاف، والمساواة، والعدالة، والديمقراطيّة.. لقد آمنت صاحبات هذه الكتابات بأنّ الطريق إلى نشر هذه القيم وإدخالها في ضمائر العرب والمسلمين، هي حثّهم على الانخراط في تفكير حرّ ومسؤول، يخلّصهم من الوصاية الفكريّة على عقولهم.
هوامش:
(30) قائمة هذه الدراسات غير محدودة، نكتفي بالإحالة على نماذج منها: محمود طرشونة، «الرواية النسائية في تونس»، تونس، مركز النشر الجامعي، 2003م؛ بوشوشة بن جمعة، «الرواية النسائية المغارية»، المغارية للطباعة والنشر والإشهار، تونس، 2003م؛ نزيه أبونضال، «تمرّد الأنثى في رواية المرأة العربيّة وبيليوغرافيّة الرواية النسويّة العربيّة (1885- 2004م)»، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، 2004م؛ حسين المناصرة، «النسويّة في الثقافة والإبداع»، الأردن، عالم الكتب الحديث، 2007م؛ محمد معتصم، «بناء الحكاية والشخصيّة في الخطاب الروائيّ النسائيّ العربي»، الرباط، منشورات دار الأمان، 2007م؛ نعيمة هدى المدغري، «النقد النسوي: حوار المساواة في الفكر والأدب»، منشورات فكر دراسات وأبحاث، الرباط، المغرب، 2009م؛ فاطمة حسين العفيف، «الشعر النسوي المعاصر: نازك الملائكة، وسعاد الصباح ونبيلة الخطيب»، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، 2011م.
(31) لا تزال المرأة العربيّة تعيش وضع الضيم في بيئتها الاجتماعيّة والثقافيّة المحكومة بعلاقات الهيمنة التقليديّة. فقد ظلّت خارج دائرة الأطراف المهيمنة التي يعرّفها «بورديو» بكونها مجموع الفواعل الذين يشغلون عمليًّا مواقع التحكّم في كلّ مجال، من حيث كيفيّة عمله ومن حيث نظام الوسائل المعتمدة في إعادة إنتاجه. انظر:
Bourdieu Pierre, “Champ du pouvoir et division du travail de domination. in, Actes de la recherche en sciences sociales, 2011/5 (n° 190), p. 126-139.
(32) يجدر بالذكر أنّ الجامعة التونسيّة التي أولت هذا الاختصاص ما يستحقّ من الأهمية في إطار اللغة والآداب العربيّة، كان لها فضل في بلورة هذا الاتّجاه، وكان للأستاذ عبد المجيد الشرفي –خاصّة- دور واضح في تأطير باحثين وباحثات أثروا المكتبة العربيّة بإصداراتهم.
(33) ناجية الوريمي، «في الائتلاف والاختلاف: ثنائيّة السائد والمهمّش في الفكر الإسلامي القديم»، بيروت- دمشق، دار المدى، 2004م، ص ص 11- 12.
(34) المرجع نفسه، ص ص 25- 108.
(35) المرجع نفسه، ص ص 109- 214.
(36) أشرف على المشروع الدكتور عبدالمجيد الشرفي، وساهم فيه باحثون وباحثات من تونس، وصدر عن دار الطليعة ببيروت. وفيما يلي أسماء الباحثات وعناوين كتبهنّ: آمال قرامي، «الإسلام الآسيوي» (2006م)؛ ناجية الوريمي، «الإسلام الخارجي» (2006م)؛ زهية جويرو، «الإسلام الشعبي» (2007م)؛ بلقيس الرزيقي، «الإسلام في المدينة» (2007م)؛ سهام الدبابي، «إسلام الساسة» (2008م)؛ جيهان عامر، «إسلام المصلحين» (2008م).
(37) يمكن العودة إلى كتاب «حفريّات في الخطاب الخلدوني: الأصول السلفيّة ووهم الحداثة العربيّة»، لناجية الوريمي، المركز الثقافي العربي، 2015م.
(38) ناجية الوريمي، «الاختلاف وسياسة التسامح»، المركز الثقافي العربي، مؤمنون بلا حدود، 2015م.
(39) آمال قرامي، «الاختلاف في الثقافة العربيّة الإسلاميّة: دراسة جندريّة»، بيروت، دار المدار الإسلامي، 2007م، ص 10.
(40) المرجع نفسه، ص 935. ويمكن العودة أيضًا إلى: ناجية الوريمي، «زعامة المرأة في الإسلام المبكّر بين الخطاب العالم والخطاب الشعبي»، تونس، دار الجنوب، 2016م.
(41) آمال قرامي، «الاختلاف في الثقافة العربيّة الإسلاميّة»، ص 937.
(42) المرجع نفسه، ص ص 935- 936.
(43) زهيّة جويرو، «الوأد الجديد: مقالات في الفتوى وفقه النساء»، دار مسكلياني للنشر، 2014م.
(44) زهية جويرو، «الإفتاء بين سياج المذهب وإكراهات التاريخ، دراسة في فتاوى ابن رشد الجد»، بيروت، دار الطليعة، 2014م.
(45) زهية جويرو، «القصاص في النصوص المقدسة»، قراءة تاريخية، دار المعرفة للنشر، 2007م.
(46) نائلة السليني الراضوي، المركز الثقافي العربي، 2002م.
(47) رجاء بن سلامة، بيروت، دار الطليعة، 2005م.
(48) آمال قرامي، الدار البيضاء، دار الفنك، 1997م.
(49) ألفة يوسف، سحر للنّشر، تونس 2008م.
جودة الحياة: الشروط والنتائج والإشكالات

علي محمد فخرو – كاتب بحريني | مايو 1, 2021 | الملف
كثر الحديث مؤخرًا في مجلس التعاون الخليجي عن شعار جودة الحياة كهدف من أهداف التنمية الإنسانية، وكمدخل لسعادة شعوب بلدان المجلس، ومن ثَمَّ كقيمة اجتماعية تسعى لتحقيقها شتى الإستراتيجيات التي وضعتها لمجتمعاتها بعض حكومات دول المجلس. لكن، من أجل ألا نجري وراء سراب سنحتاج للاتفاق على تعريف الشعار، وشروط تحققه، والنتائج المتوقعة الحدوث عند الوصول إليه وتحققه في الواقع.
ومن البداية سنصطدم بإشكاليات المعاني المتعددة للكلمات. فمعنى كلمة «جودة» يختلف من شخص إلى شخص، ومعنى كلمة «الحياة» يختلف من مدرسة فلسفية أو دين أو عرف في مجتمع إلى مدرسة أو دين أو عرف في مجتمع آخر. وعند ذاك ندخل في عوالم شعارات الغموض والتكهنات التي إن وجدت تفسد ممارسة السياسة والاقتصاد والاجتماع.
ولن يكون بمستغرب أن يختلط الأمر على بعضهم فلا يفرقون بين تعبير جودة الحياة وبين حياة الفراغ والرفاهية (LEISURE LIFE)، فالحياة الثانية لها خلفية تاريخية ارتبطت بطبقات النفوذ والغنى والجاه، وبالاستهلاك المادي والمعنوي النهم، وبالذاتية المنغلقة على نفسها والمعنية بحاجاتها وطلباتها الأنانية.
تعريف جودة الحياة
لو أننا أخذنا التعريف المبسط لما كان أكثر من مدى الحالة الصحية التي يتمتع بها الفرد، ومقدار الراحة والطمأنينة في حياته، ومدى مشاركته في متع الحياة. هذا تعريف طبي ونفسي لا يكفي لجعل جودة الحياة هدفًا في إستراتيجيات التنمية الشاملة. الأقرب إلى التعريف الشامل هو توافر الجوانب الضرورية الآتية للفرد: خدمات صحية من دون عوائق مالية أو جغرافية، الحصول على حد أدنى من التعليم الميسر لعيش الحياة بكفاءة وإنتاج وإبداع ومتعة، حياة اقتصادية معقولة من خلال وظيفة ومتعة، حياة اقتصادية من خلال وظيفة أو عمل شخصي يؤمنان دخلًا كافيًا للضرورات المعيشية من غذاء ولباس وسكن، وجود علاقات عائلية واجتماعية وصحية وسعيدة، حياة آمنة، وبيئة طبيعية نظيفة، ودولة تحفظ له حقوقه الإنسانية والدستورية والقانونية من خلال المواطنة المتساوية في الحقوق والمسؤوليات. هناك ضرورة للتوازن بين المادي والمعنوي.
نحن هنا نبتعد من قصر الموضوع على الاقتصاد فقط وذلك بقول بعضهم: إن جودة الحياة في المجتمعات تعرف بحجم الدخل القومي الكلي، من دون الانتباه إلى عدالة توزيع ذلك الدخل وأولويات صرفه، وبخاصة صرفه على مختلف خدمات الأمن الاجتماعي.
الشروط المطلوبة
إن مراجعة لما استطاعت أن تحققه في هذا المضمار الدول المتقدمة تبين أن الوصول إلى تحقيق كل المكونات الأساسية السابق ذكرها هو نادر الحدوث، نظرًا لعدم توافر كل الشروط الضرورية المطلوبة في آن واحد. أول الشروط هو وجود مؤسسات تؤمن بفكرة وممارسة دولة الرعاية الاجتماعية. وهي فكرة التزمت بها كثير من دول العالم المتقدم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكنها بدأت تهجرها منذ بدايات ثمانينيات القرن الماضي بسبب صعود أيديولوجية النيوليبرالية العولمية الرأسمالية، المنادية بتخلي الحكومات عن الالتزام الأخلاقي والدستوري الحقوقي بتوفير الخدمات الاجتماعية (وعلى الأخص في حقول الصحة والتربية والسكن والعمل) لكل المواطنين.
وبالطبع، وكنتيجة لذلك التخلي سيجري الانتقال إلى خصخصة تلك الخدمات وجعلها من مسؤوليات الشركات والجماعات والأفراد المتنافسين في أسواق القطاع الخاص. وهذا بدوره سيقود إلى توافر متطلبات جودة الحياة فقط لمن يستطيع أن يشتري ويدفع أو يستدين ويعيش جنون ملابسات عالم الديون وأزماته. وسيدفع الفقراء الثمن.
والسؤال: هل حكومات دول مجلس التعاون، التي تبنت كلها الفلسفة النيوليبرالية تلك وسارت أشوطًا في طريق تطبيقها، على استعداد أن تراجع نفسها وتعود إلى فكرة دولة الرعاية الاجتماعية التي تميزت بها منذ بضعة عقود؟ إن لم يكن جواب السؤال بالإيجاب فإننا نتكلم عن سراب جودة حياة، أو في أحسن الأحوال عن الوصول إلى أجزاء من مكونات جودة الحياة.

الجواب أيضًا ستكون له تبعات مالية في المدى القريب واقتصادية في المدى البعيد. فإجابات السياسة تتبعها إجابات الاقتصاد كما سنرى.
والإجابات عن التساؤلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى، التي ستمس كل جوانب حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات، يجب ألا تقتصر على رجالات الحكم والنفوذ. إنها يجب أن تكون حصيلة نقاشات مجتمعية واسعة واستفتاءات بشفافية تامة. وهذا ينطبق على كل الأسئلة التي نطرحها في هذه الورقة؛ ذلك أن تاريخ مجتمعات الخليج الحديث، منذ ظهور البترول، وما بناه من عادات وتوقعات ومن مبادلات سياسية بين نخب الحكم والمواطنين (المشار إليهم تاريخيًّا بالرعايا) سيكون في قلب تلك المناقشات التي يجب أن تكون صريحة وحرة إلى أبعد الحدود.
الشرط الثاني هو ضرورة إجراء انعطافة جذرية في الفكر الاقتصادي وممارسته في دول مجلس التعاون. فمنذ بداية تدفق الثروة البترولية هيمن الاقتصاد الريعي القائم على توزيع تلك الثروة فيما بين مكونات سكان تلك الدول في صورة وظائف حكومية برواتب مجزية، وفي شتى أنواع مساعدات الدعم الاجتماعي من مثل السكن وتوزيع أراضٍ ودعم أسعار المواد والبضائع الضرورية، وفي توفير الخدمات العامة المجانية في حقلي الصحة والتعليم، وفي إرساء مشروعات بناء البنية التحتية على العائلات التجارية المحلية.
وقد استنفدت كل تلك الثروة على دعم الميزانيات الحكومية العامة، وعلى توفير تلك الخدمات الشخصية. وعلى الرغم من مرور نحو تسعة عقود على حقبة البترول فإن الاقتصاد الريعي بقي سيد الموقف، ولم تجرِ محاولات جدية للانتقال إلى الاقتصاد الإنتاجي في السابق، ولا إلى الاقتصاد المعرفي والتقني في الوقت الحاضر.
وهكذا فشلت محاولات بناء تنمية اقتصادية وإنسانية شاملة مستمرة تؤمّن لأجيال المستقبل حقهم في جزء من هذه الثروة، وتؤمّن لبلدان مجلس التعاون مستقبلًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا معقولًا، وذلك بعد انتهاء حقبة الثروة البترولية أو تحول العالم إلى مصادر طاقة بديلة غيرها هيدروكربونية.
إن التحول إلى الاقتصاد الإنتاجي والمعرفي سيحتاج إلى بعض التضحيات من جانب هذا الجيل، وسيحتاج إلى إصلاحات وتحولات من مثل: عدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد أو مهيمن للدخل، ومعالجة شجاعة للاختلالات في الميزانية العامة وتركيبة سوق العمل، ومواجهة نقاط الضعف في نظام التربية والتعليم بما فيه التعليم العالي، وإيجاد مخارج للخلل في التركيبة السكانية المليئة بالأخطار الأمنية والثقافية، واستئصال الفساد المالي والإداري، وبناء اقتصاد متنوع، ومن ثَمَّ مصادر دخل متنوعة، والتوقف عن الهدر والمحسوبية في حقل المصاريف العامة، وإعطاء أهمية قصوى للاكتفاء أو الأمن الذاتي في موضوعات الغذاء ووسائل التواصل الإلكتروني والسلاح، واستثمار كبير ومتجدد في تعليم وتدريب وتحديث القوى العاملة البشرية، وتوازن بين القطاعين الخاص والعام، ونظام ضريبي يمنع الفروق الهائلة في الدخل والمستويات المعيشية، واهتمام رسمي وأهلي بكل أنواع النشاطات الثقافية والفنية الراقية.
قد تبدو القائمة طويلة، لكنها مترابطة وضرورية لبناء تنمية حقيقية مستمرة لما بعد حقبة البترول. من دونها سنصل إلى تحقيق نوع من جودة الحياة، ولكنها ستكون مؤقتة وقصيرة الأجل، وستتآكل مع مرور الزمن ما لم يسندها ذاك الفكر الاقتصادي وتلك الإصلاحات الإدارية وتحميها قوانين ملزمة.
أما الشرط الثالث، والبالغ الأهمية، فيتعلق بمقدار ونوعية المشاركة الشعبية في توفير وتفعيل الجهد المطلوب بدءًا بحق إبداء الرأي في اتخاذ تلك القرارات وتنفيذها مباشرةً أو عبر مؤسسات وسيطة شرعية، رسمية أو مدنية. هذا يتطلب أن يَعِيَ الفرد أن مصالحه الفردية متكاملة مع المصالح المجتمعية طالما أنه هو هدف التنمية، ومن ثم يتعاون مع حكومته ومن خلالها في عملية التنفيذ برمتها.
وفي الغالب فإن عملية التعاون تلك ستكون من خلال مؤسسات مجتمع مدني ينتمي لها الفرد، وتحت مظلة علاقات ديمقراطية معقولة فيما بين الدولة ومجتمعها يحكمها دستور عقدي وقوانين عادلة وشفافية، وترتكز على حقوق ومسؤوليات تضامنية ومتفق عليها.
عند ذاك لن يكون الوصول إلى شعار جودة الحياة منحة أو مكرمة، وإنما نتيجة فكر ونشاط الدولة ومجتمعها. ومن المؤكد أن ذلك الوصول سيكون أحد أهم الدوافع ليمارس المواطن بجد واقتناع كل متطلبات ومسؤوليات المشاركة المجتمعية.
خاتمة
لا يوجد شك في أن ثروات حقبة البترول والغاز قد قادت إلى تمتع المواطنين في دول مجلس التعاون الخليجي بعدد من عناصر جودة الحياة. لكن الأوضاع السياسية والأمنية الإقليمية التي يواجهها الخليج العربي حاليًّا، والتغيرات الاقتصادية التي أوجدتها جائحة كورونا على مستوى العالم، وأوضاع البيئة الطبيعية المتدهورة التي تدفع نحو الانتقال السريع إلى طاقات متجددة غيرها هيدروكربونية… جميعها يجب أن تقنعنا بضرورة إجراء تغييرات كبرى في مجتمعات دول مجلس التعاون، إن أردنا حقًّا الوصول إلى تحقيق كل مكونات جودة الحياة لشعوبنا وأفرادنا في المستقبل، وبخاصة من خلال اقتصاد تنموي إنتاجي معرفي قادر على توليد ثروة تستطيع تسهيل الوصول إلى كل مكونات جودة الحياة.
المترو.. تحولات ثقافية في العمران والمجتمع

مشاري بن عبدالله النعيم – مهندس وأكاديمي سعودي | مارس 1, 2017 | الملف
خلال القرن الماضي كان لوسائل النقل تأثير عميق في أنماط الحياة لسكان المدن، وربما يكون هذا التأثير قبل ذلك بكثير. وأنا هنا أقصد وسائل النقل الحديثة التي جعلت من فكرة المدينة «المتروبولية» ممكنة، ولعلّي أتوقف عند المدينة الإنجليزية في نهاية القرن التاسع عشر (1898م) عندما بدأ مفهوم «الضواحي» يتشكل، حيث ظهرت الأحياء السكنية المنفصلة عن جسد المدينة التاريخي وتبلور مفهوم «المدينة الحديقة» Garden City الذي قاده المصمم الحضري الإنجليزي «هوارد» Sir Ebenezer Howard، فقد كانت تلك الفترة مفصلًا مهمًّا في عمران المدن ومجتمعها المعاصر.
لقد كان الهدف هو خلق بيئات عمرانية هادئة وبعيدة من العمران التاريخي للمدينة المكتظ الذي لا يوفر الحياة المرتبطة بالطبيعة التي تتناسب مع الطبقة الاجتماعية الثرية، لكن تحقيق مثل هذا الحلم كان يتطلب نقلة تقنية لم تكن متاحة بشكل اقتصادي على مستوى المدينة رغم مرور عدة عقود على تطور القطار البخاري. لذلك لم يكن لهوارد أن يفكر في «المدن الحدائق» المنزوية وسط الطبيعة والمنفصلة عن العمران لولا تطور وسائل النقل خصوصًا القطار الكهربائي (الترام) الذي سمح بالانتقال السريع والمتعدد للسكان من أماكن العمل إلى أماكن السكن الجديدة وبتكاليف اقتصادية مقبولة.
إن ظهور الضواحي سمح للمدن بالتوسع الأفقي وأعطى الأراضي الخلاء قيمة كبرى، فمثلًا في مطلع القرن العشرين قام البلجيكي «البارون إمبان» Baron Empain ببناء حي مصر الجديدة «الهليوبولس» في صحراء العباسية بعيدًا من القاهرة التاريخية، وربط هذا الحي بوسط المدينة التقليدي، بدأت الفكرة عام 1904م وانتهى بناء المشروع عام 1908م، ويحكى أن الخديو عباس حلمي حاكم مصر في ذلك الوقت استغرب طلب «إمبان» شراء أرض وسط الصحراء، ولم يكن يعلم أن البارون كان متخصصًا في القطارات الكهربائية، وقد فوجئ بما حدث في المشروع عندما تم اكتماله حيث أسس إمبان شركة باسم «الشركة المصرية للقطارات الكهربائية»، وتحولت الأرض التي اشتراها بمبلغ زهيد إلى أرض باهظة الثمن.
هذان الحدثان، وبالتأكيد هناك العديد من الأمثلة التي زامنتهما، لم يكونا فقط حدثين غيَّرا مفهوم المدن وشكلها في مطلع القرن بل غيَّرا كذلك نمط الحياة في تلك المدن وأعطيا سكانها خيارات متعددة خارج الفكر التقليدي للعمران في ذلك الوقت. لقد ساهم هذا في إحداث نقلة نوعية في التحضر العمراني وظهور أنماط الحياة الحديثة التي لم تكن معروفة ومنتشرة في العديد من مناطق العالم في ذلك الوقت، ولكن بات واضحًا مع اكتشاف «الترام» واستخدامه لأغراض حضرية داخل المدن وبشكل قاطع انتهاء عصر «المدينة التقليدية» وبداية لعصر حضري مختلف في مكوناته المادية وطبيعته الاجتماعية والثقافية.
العلاقة بين التحول العمراني والتحول الاقتصادي والاجتماعي شبه أكيدة، وقد وضع علماء دراسات البيئة العمرانية السلوكية عدة احتمالات لهذه العلاقة بدأت من التأثير الحتمي للبيئة المادية في سلوك البشر لكن هذه القاعدة واجهت العديد من الانتقادات؛ لذلك تطوَّرَ توجهان: الأول احتمالية تأثير البيئة العمرانية في السلوك، والثاني إمكانية حدوث هذا التأثير. التوجه الأخير يؤكد أن هناك خيارات عمرانية أفضل من الأخرى يمكن أن توجه السلوك إيجابًا، فهل بناء مشاريع عملاقة مثل المترو يمكن أن يكون خيارًا سلوكيًّا وثقافيًّا إيجابيًّا؟ الحقيقة أن التعامل مع هذه التوجهات السلوكية في البيئة العمرانية لم يتطور إلا في بداية النصف الثاني من القرن العشرين وبالتحديد بعد عمليات الإعمار الواسعة في المدن الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية، فقبل ذلك توسعت المدن بشكل ملحوظ خصوصًا المدن الأميركية عندما قام «فورد» Ford بتطوير السيارات الشخصية التي أدّت إلى تشتت المدينة بكل الاتجاهات، وجعلها أكثر توحشًا وأقل حساسية للحاجات الاجتماعية في سبيل تحقيق النمو الاقتصادي.

مترو الرياض والقلق الـ«جندري»
الإشكالية في الوقت الراهن تتركز حول التعقيدات الاجتماعية التي تعيشها المدن المعاصرة خصوصًا على المستوى «الجندري»، فالقلق الذي صار يحدثه التحول السريع للمدن نتيجة تعقد شبكة النقل وتزايد الحاجة لإرضاء حاجات أفراد المجتمع أثارت الكثير من المتخصصين ودفعتهم لبحث تأثير هذه الوسائل في حياة الناس وسلوكم، ففي عام 1999م، أُجريت دراسة في فيينا حول كيفية استخدام الناس في المدينة لوسائل النقل، المثير أنه تم تعبئة الاستبانة من قبل الرجال في خمس دقائق: الذهاب إلى العمل في الصباح، والعودة للمنزل ليلًا. أما النساء فلم يستطعن التوقف عن الكتابة لتعدد احتياجاتهن لوسائل النقل التي تتقاطع مع الأطفال واحتياجات المنزل. لقد أثبتت هذه الدراسة أن علاقة الرجل بالمدينة تختلف عن علاقة المرأة، وبالتالي فإن أسلوب استخدام وسائل النقل يختلف عند كل منهما، كذلك تأثيرها في أنماط حياة كل منهما. وفي دراسة أخرى عن مدينة تورونتو التي استحدثت «نظام طلب التوقف» في الباصات حتى تتمكن النساء من النزول من الحافلات بالقرب من بيوتهن في وقت متأخر من الليل. وفي «سريناغار» في كشمير، وكذلك مدينة مكسيكو خلقت عدة أماكن للحافلات وعربات المترو
للنساء فقط.
(http://www.fastcoexist.com/3066264/how-to-build-the-perfect-city/women-and-men-use-cities-very-differently)
من الواضح هنا أن لوسائل النقل تأثيرًا متباينًا في أفراد المجتمع، وأن نجاح مشاريع النقل العامة يعتمد بشكل أساسي على ملاءمتها ظروف المجتمع والاحتياجات الخاصة لأفراده، خصوصًا النساء، وهو ما يقودنا إلى «مترو الرياض» وتأثيره العميق في نمط الحياة في المدينة، وكيف سيعيد صياغة ثقافة الأسرة السعودية ومن يقيم في الرياض. فهل المترو بصورته الحالية صُمّم للتفاعل مع احتياجات الأسرة وخصوصًا المرأة؟ وهل تم التفكير في هذه الاحتياجات مسبقًا؟
الإجابة عن هذه التساؤلات قد تجعلني أضع بعض الاستشرافات المستقبلية حول التأثير الثقافي المحتمل لهذا المشروع الحضري. في حديث خاص مع المدير الإقليمي للبنك الدولي في الرياض الدكتور فؤاد ملكاوي قال لي: إنه من الضروري إعادة التفكير في مترو الرياض من الناحية الاقتصادية، وبالتالي من الناحية الاجتماعية. يرى الدكتور ملكاوي أنه من المهم الحدّ من توسع المدينة أفقيًّا خارج النقاط الرئيسة للمترو، ويجب أن يكون تركيز السكان والنشاطات الاجتماعية والاقتصادية على نقط المترو حتى يحقق النجاح الاقتصادي ويكون فعالًا. بالنسبة لي كان اهتمامي هو تأثير هذا التركيز السكاني والخدماتي في الثقافة المجتمعية، وكيف سيؤدي ذلك إلى ظهور أنماط حياة جديدة ستقوم على مفاصل المترو الحضرية وحولها؟ وهل نحن أمام خارطة ذهنية جديدة لمدينة الرياض ستنمو وتتشكل في الأذهان.
بالطبع تم الأخذ في الاعتبار منذ البداية وجود عربات خاصة بالنساء وأخرى للرجال، ورغم أنني أشكك في جدوى هذه الخطوة من الناحية العملية، خصوصًا في مجتمع حديث عهد بالمترو، فإنه يبدو أن هذا الأمر يعدّ من مقتضيات الثقافة السائدة في المملكة، وبالتالي يجب أن تكون جزءًا من المشروع، وأحد مقتضيات مبرراته ثقافيًّا. لقد تحدثت إلى المهندس إبراهيم السلطان (أمين منطقة الرياض ورئيس مركز المشاريع بالهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض المسؤولة عن مشروع المترو) حول رأيي في تخصيص عربات للنساء في مترو الرياض، وهل سيشجع هذا أفراد الأسرة السعودية على استخدام المترو في حركتهم اليومية داخل المدينة، وأكَّد لي أنه لا يمكن الجزم بهذا الأمر إلا بعد تشغيل المترو فعلًا، لكن الدراسات التي قامت بها الهيئة أكدت على أهمية هذا الفصل.

هل ستستخدم المرأة السعودية المترو؟
لذلك فإن السؤال المهم الذي يثيره كثير من المهتمين يظل قائمًا: هل ستستخدم المرأة السعودية المترو؟ ولعل هذا السؤال نفسه هو الذي أخّر كثيرًا من مشاريع النقل العام في مدن المملكة، فهناك علامة استفهام كبيرة حول جدوى مثل هذه المشاريع، لكن في نهاية الأمر ومع تزايد الضغوط العمرانية وازدحام طرقات المدينة رضخت الرياض للأمر الواقع، وتبنت مشروعًا عملاقًا للنقل العام، ستصل تكاليفه نحو 80 مليار ريال سعودي (قرابة 21 مليار دولار أميركي)، رغم أن كثيرًا من الدراسات تؤكد أن مثل هذه المشاريع لا تحقق أرباحًا مباشرة، وفي حالة فاعلية المشروع، وإقبال السكان عليه يمكن ألّا يكون مصدر إنفاق، لكن المكاسب غير المنظورة التي سيحققها المشروع لا يمكن إحصاؤها سواء على مستوى النشاط الاقتصادي أو تقليل التوتر المروري، وبالتالي الاحتقان الاجتماعي داخل مدينة الرياض.
ورغم أن التساؤل عن مدى وجود الرغبة لدى المرأة السعودية في استخدام المترو سيظل قائمًا، على الأقل حتى مرور فترة من تشغيل المترو، إلا أن التأثير الثقافي في أفراد المجتمع السعودي الذي سيتركه المترو متوقعًا، على الأقل من حيث إحداث التحول في البنية الاقتصادية للأسرة، فمن المتوقع أن يكون هناك استغناء عن عدد لا يستهان به من السائقين الخاصين، وستمتلك المرأة جرأة أكبر على الحركة بمفردها لتصبح قادرة على اكتشاف المدينة بشكل مختلف عن السابق. لقد كتبت قبل أكثر من 10 سنوات مقالًا بعنوان «جندرية المدينة» أكّدت فيه أن الرياض بشكل خاص والمدن السعودية بشكل عام هي بيئات «ذكورية» تهمّش المرأة وتستبعدها من الفضاء العام. («المرأة والمدينة: هل هناك هوية جندرية للعمارة»، مجلة البناء، السنة الخامسة والعشرون، العدد 178، جمادى الأولى 1426هـ/ يوليو 2005م) وخلال الفترة من كتابة المقال حتى اليوم حدثت تحولات كبيرة داخل مدينة الرياض، جسرت الهوة بين ذكورية المدينة وأنثويتها، لكنها تحوّلات ليست بالقدر الذي يسمح للمرأة بأن تضاهي الرجل في الفضاء العام.
هذا هو ما ذكرته للزميل المهندس محمد المحمود وهو طالب دكتوراه موضوعه هو الرصيف والقابلية على المشي في مدينة الرياض، وخصص دراسته لشارع التحلية (الأمير محمد بن عبدالعزيز). لقد كانت ملاحظتي له أنه منذ أن بدأت فكرة تطوير ممرات المشاة في مدينة الرياض عام 2006م حتى اليوم (وكان حديثنا في آخر أسبوع من شهر ديسمبر 2016م) تركت هذه الممرات أثرًا عميقًا في ثقافة الأسرة السعودية، وجعلت المرأة أكثر ثقة في تعاملها مع الفضاء العام، رغم أن هذه الفضاءات غير عادلة حتى الآن، وتنحاز بشكل واضح للثقافة الذكورية الحضرية التي تميز المدن السعودية. في اعتقادي أن المترو سيترك مثل هذا الأثر الإيجابي في الثقافة الحضرية للمرأة السعودية، وسيغير من عاداتها الاجتماعية، وسيدفعها بشكل أكبر لتجربة المدينة دون رهبة أو تردد.
كسر العزلة الاجتماعية
لعل المسألة المهمة هي حالة المصادفة التي عادة ما تتشكل في المدن المتوازنة اجتماعيًّا، وأقصد هنا هو حدوث اللقاءات المتوقعة بين أفراد مجتمع المدينة. لا أحد ينكر أن المصادفة في الوقت الراهن غير فاعلة، ومدينة الرياض تحث على العزلة أكثر من الانفتاح على الآخر، والفضاءات العامة فيها غير حيوية، لكن المترو سيجعل من المصادفة أمرًا يوميًّا ومعيشًا ولا مناص منه. ربما يكون «كسر العزلة» الاجتماعية أول المكاسب غير المتوقعة لهذا المشروع، ولكوني مؤمنًا بأن المدن المبدعة والخلاقة هي التي يتقاطع في فضاءاتها سكانها، ويبنون الحكاية الاجتماعية العفوية التي قد تتحول إلى مشروع اقتصادي أو عمل فني أو روائي، في تنوع غير محدود ولا يمكن حصره أو توقعه لهذه الحكايات. وبالتأكيد ستكون المرأة جزءًا من هذه المصادفات والحكايات الاجتماعية التي سيتيحها استخدام المترو اليومي.
من المتوقع كذلك أن يحدث تحول على مستوى الأحياء السكنية، وأقصد هنا أنه سيكون هناك حركة للمشاة من المساكن حتى محطات المترو، وهذا يقتضي تغييرًا مهمًّا على مستوى التفاصيل المعمارية للأحياء، لا أعلم حقيقة إن كانت أُخِذت في الاعتبار. الأمر المهم هو أن هذه الحركة ستشمل النساء والأطفال؛ ما يجعل هناك ضرورة ملحّة لأن تتطور بيئة عمرانية «صديقة للنساء» وللأسرة ككل. الدراسات تؤكد أن المرأة عادة لا تتحرك وحدها في البيئة العمرانية التي قد يكون فيها «عزلة» وغالبًا ما يصحبها أحد ما؛ إما من يعمل معها في المنزل، أو أطفالها، أو حتى أصدقائها، لذلك تطوير ممرات مشاة مفتوحة ومظللة (لحماية الأطفال) يمكن مراقبتها، مع ملاءمتها حركة ذوي الاحتياجات الخاصة ستكون عاملًا مهمًّا سيشجع المرأة وكل أفراد المجتمع على استخدام المترو.

البطالة «الأنثوية» وقيود الحركة
بالطبع المترو ليس فقط للمرأة، لكنها عامل أساسي في إحداث التحول المطلوب؛ لأن العائق الأكبر الذي يواجه الحركة والتنقل داخل مدينة الرياض ويزيد الضغط المروري فيها هو «حركة المرأة» المعطَّلة، وهذه المسألة يجب أن تؤخذ في الاعتبار؛ لأنه حتى لو شكك بعضٌ في استخدام المرأة للمترو، فإنه مع الوقت سيحدث تغيير عميق في ثقافة الأسرة السعودية في المدينة، سيجعل من تحمل الأدوار والمسؤوليات الاقتصادية داخل الأسرة متكافئة، وهذا حتمًا سيؤدي إلى أن يصبح المترو وسيلة النقل الأكثر استخدامًا من المرأة وأطفالها ومعها باقي أفراد الأسرة، وسيكون هذا متزامنًا مع تزايد فرص عمل المرأة في القطاع الخاص؛ لأنه من المتوقع أنه مع زيادة حركة المرأة، ستزيد فرصها الوظيفية، وسيقلِّل هذا من ظاهرة بطالة المرأة السعودية التي تحولت في الآونة الأخيرة إلى كابوس. هذا ليس رأيًا متفائلًا، بل إنه توقع طبيعي؛ لأن البطالة «الأنثوية» ناتجة عن القيود المفروضة على حركة المرأة وتفاعلها المباشر مع المجتمع الخارجي، وبالتالي صعوبة ملاءمة الكثير من الوظائف لها.
على مستوى الذائقة المعمارية سيُحدِث المترو، الذي يمتدّ على مساحة شاسعة في مدينة الرياض، نقلةً في مفهوم العمارة لدى سكان المدينة، لعل هذه النظرة نابعة من قناعتي التامة بأن العمارة تحتاج إلى أن نعيشها ونجربها حتى نشعر بقيمتها، ولأن المترو مشروع «اجتماعي» كما أنه مشروع اقتصادي، وكون محطات المترو قام بتصميمها كبار المعماريين (مثل زها حديد في محطة مركز الملك عبدالله المالي) فإن تفاعل سكان الرياض بشكل يومي مع هذه العمارة لا بد أن يحدث داخلهم بعض الأسئلة. ورغم أن الرياض تحتوي على العديد من المباني المهمة والمميزة فإن هذه المباني غالبًا ما تكون معزولة عن الناس وحياتهم اليومية، وبالتالي فإن تأثيرها لن يكون بقدر تأثير «عمارة المترو» المتوقعة.
نحن نتحدث عن مشروع له تأثير اقتصادي مباشر وعمراني واضح للعيان، ليس فقط على مستوى الشكل، بل على مستوى استخدام الفضاء العمراني، فهو سيُحدِث تنظيمًا جديدًا يُعيد ترابط الأحياء السكنية والتجمعات التجارية والإدارية مع العصب الحركي للمترو، كما أن له تأثيرًا بصريًّا عميقًا سيشكل الصورة المتخيلة لرياض المستقبل، ليس فقط على مستوى المحطات العملاقة والمتوسطة والصغيرة للركاب، بل كذلك لجسور القطارات التي بدأت منذ الآن ترسم صورة الرياض، وتعيد تعريف أماكنها من جديد. الرياض بهذا المشروع ستصبح مدينة كونية وهي تتخطى عتبة الـ 8 ملايين نسمة، كما أنها ستقود المدن السعودية لتبنّي ثقافة اجتماعية جديدة قد تختلف كثيرًا عن الصورة النمطية المرسومة عن المجتمع السعودي.
بواسطة الفيصل | ديسمبر 9, 2025 | مهرجانات
عقد من الزمن يمر اليوم، على انطلاق النسخة الأولى لمهرجان أقرأ، الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء، بالظهران، المهرجان الذي بدأ في المنطقة الشرقية في السعودية، ثم توسع ليشمل بقية المناطق السعودية، إلى أن أضحى مهرجانًا عربيًّا كبيرًا، يتقدم إليه متسابقات ومتسابقون من أنحاء العالم العربي.
وقد اختتم المهرجان، الذي تبنى شعار “أثر القراءة لا يزول”، وحضره كبار مسؤولي شركة أرامكو وعدد كبير من المثقفين والإعلاميين، من مختلف الدول العربية، دورته العاشرة، بتتويج المتسابقة الليبية نسرين أبو لويفة بلقب “قارئ العام”، بحسب لجنة التحكيم. فيما توج الجمهور الجزائرية سارة بن عمار بجائزة قارئ العام، وفازت المغربية هبة يايموت بلقب قارئ العام لأفضل نص.
بدا حفل “أقرأ” في نسخته العاشرة بمقر “إثراء”، مهرجانًا ضخمًا استمر يومين، وجاء البرنامج الثقافي حافلًا ومتنوعًا، فشمل حوارات مع بعض الكتاب والأدباء والمترجمين، وورش عمل وتواقيع كتب لعدد من المؤلفين، ومنهم الروائية اللبنانية هدى بركات، والسعودي وائل حفظي، والمصرية شيرين أبو النجا، والفلسطيني إبراهيم نصرالله، والمترجمة يارا المصري، والشاعر ياسين عدنان، وصانع المحتوى أحمد الغندور، الشهير بالدحيح.
إضافة إلى لقاء مهم أداره المستشار الثقافي لمركز إثراء طارق الخواجي مع الفائز بجائزة نوبل العام 2023م النرويجي يون فوسه، الذي تحدث عن بداياته في الكتابة، وعن جائزة نوبل، وماذا مثلت أو تمثل له اليوم، كما تحدث عن قراءاته لمارتن هايدغر، وتطرق إلى المسرح، وتوقف عند مراحل من حياته، ولحظات في تجربته في الكتابة.
كما شهد الجمهور عرضًا شعريًّا وموسيقيًّا وفنيًّا تكريمًا لغازي القصيبي، “في مسعى لتحويل قصائد القصيبي إلى تجربة حسية حية يتفاعل معها الجمهور بصريًّا وسمعيًّا. يكون الشعر هو المحور الأساسي، وتتجمع حوله الفنون الأخرى في لوحة فنية تعبّر عن عمق نصوصه ورمزيتها وأثرها في المشهد الثقافي السعودي والعربي”.
ستة متسابقين من المغرب وتونس والجزائر وليبيا والسعودية، كانوا خلاصة مئات من المتسابقين، خاضوا تصفيات صعبة، نظرًا للعدد الكبير من القراء الذين باتوا محترفي قراءة واطلاع واسع. في حفل الافتتاح، تنافس هؤلاء المتسابقون على تقديم مراجعات للكتب، ثم في مرحلة ثانية قرؤوا نصوصًا أدبية كتبوها هم، ثم في مرحلة ثالثة وأخيرة انخرطوا في مناظرة فكرية لم تنقصها الحماسة.
وكانت لجنة التحكيم المكونة من الشاعرة والأكاديمية المصرية إيمان مرسال، والروائي الكويتي سعود السنعوسي، والباحث السعودي عبد الرحمن مرشود، قد بذلت جهدًا في النقاش وطرح الأسئلة على المتنافسين لتلمس سعة اطلاعهم ومقدرتهم على النقاش، قبل التوصل إلى نتائج مرضية.
وفاز فريق الادعاء في المناظرة، التي كانت حول موضوع الذكاء الاصطناعي وأثره في الكتابة الأدبية، وكان الفريق مكونًا من المغربي يونس البقالي والتونسي أمين شعبان والجزائرية سارة بن عمار. أما فريق المعارضة أو الضد، الذي لم يستطع، بحسب لجنة التحكيم والجمهور، تقديم مرافعة منطقية حول عدم تأثير الذكاء الاصطناعي، فتكون من الليبية نسرين أبو لويفة والسعودي عبد الإله البحراني والمغربية هبة يايموت.
وقد أدهشت الطفلة لانا الغامدي الفائزة بلقب القارئ الواعد، الجمهور بثقافتها وفصاحة لسانها.
وفي حفل أقرأ الختامي، الذي شهد فقرات غنائية للمطرب مروان خوري وكارمن توكمه جي، أعلن مدير مركز إثراء مصعب السعران في كلمة، تبني مركز “إثراء” القراءة كقضية أساسية لخمسِ سنواتٍ قادمة، وقال إن عشر سنوات خاضها مركز أقرأ من أجل القراءة، لم تكن رقمًا إنما مسيرة من الإلهام والعمل الجاد للاحتفاء بالقراءة والقراء الشباب.
النصوص الأدبية التي ألقاها المتسابقون الستة

الطنين
أمين شعبان تونسي
طنينٌ دوّى في الأجواء.
طنينٌ قاطع الارتخاء الذي كان يتنعّمُ به في سريره قبل أن يسلّم نفسه للنوم.
“بعوضة لعينة.” هكذا دمدم بينما جعل يلوح بيده في الهواء آملًا أن يبعدها، ودون أن يفتح عينيه مخافة أن يبدد رغبة النوم التي كانت تطوقه كوشاح دافئ. بعد بضع ثوانٍ توقف الصوت، دسّ يده تحت الغطاء مجددًا وعاد ليواصل التلذذ بخدره.
لقد كان يومًا متعبًا وطويلًا. كابد مشكلات عديدة في أثناء عمله بالمصنع، لم يكن مديره رحيمًا به أو بأي موظف آخر، فلطالما كانت الأولوية لإعداد طلبيات الزبائن في الوقت المحدد. تجرّع الرتابة الآسنة المطعّمة بالحرارة الخانقة. وها قد استنزفت قواه وأرهقت أعصابه وصار في أمسّ الحاجة إلى نوم ليلة هانئة يعيد شحن بطاريته. بدأ ينزلق ببطء إلى غياهب عالم اللاوعي الفاتن حيث لا هوية تثقله ولا حاجة للتبرير أو النفاق، أين يتسنى له، ولو لمدة قصيرة، أن يأخذ استراحة من كونه نفسه، وأن يغرق عميقًا عميقًا في مكان مثير يوجد بداخله لكنه لم يكتشفه بعد، سينام الليلة كما لم ينم مخلوق من قبل.
وفي ومضة الصحو الأخيرة، بمجرد أن بدأ غرقه، عاد الطنين لينتشله نحو عالم الأحياء من جديد.
“تبًّا، ها قد عادت.”
لو تأخرت بضع ثوانٍ لتمكن من أن ينام، لقد قاطعته في أسوأ توقيت وبأكثر الأساليب دناءة.
ها قد بدأ يتملكه الغضب الآن، لكن ما يزال عليه الحفاظ على نعاسه، فلا يفتح عينيه ويكتفي بأن يلوّح بيديه ويدعو أن تتمكن من إصابتها إحدى تلويحاته، لكنها هذه المرة لم تختفِ بسرعة، وأبت إلّا أن تلازمه، يحاول تتبُّع صوتها وإرسال الضربات هنا وهناك لعله يصيبها، شكّ بأنها حطّت فوق رقبته فصفعها، لكن هيهات، إصابة خاطئة، مهلًا ربما هي الآن فوق كتفه، فلطمه هو الآخر، لكن لا يزال طنينها اللئيم يدوي في الأجواء، ما بالها الحقيرة مصرّة على الاقتراب من أذنه، كأنما لتتأكد من إسماعه نشاز جناحيها. ضرب، لوّح، شتم، دون فائدة.
وصل به الغضب إلى أعلى درجاته.
وإذا به يتذكر…
تذكر إهانة مديره، تذكر الشقة الصغيرة التي يعيش فيها وحيدًا، تذكر انقطاع الكهرباء، لا أحد هنا غيره تزعجه هذه البعوضة، أو لعلها تحاول مصادقته! جفاه البشر فربما يتقبله البعوض. ثم أدرك أنه مستعد لدفع دمه مقابل الحصول على صديق.
حتى أنه غبطها بعض الشيء، فلا فواتير تنتظرها، ولا مدير يشتمها، ولا أفكار تثقلها. حسبها أن تطير وتمتص إلى أن تموت. فقد الأمل، استسلم، وبحركة سريعة أزال الغطاء من فوقه.
“إليك لحمي، إليك روحي إن رغبتِ في امتصاصها، خذي ما تشائين.”
قالها بتوسل. “احتسي هنيئًا، واتركيني لكوابيسي، فلا ذنب لك. إن كنت ستمتصين دمي، فعلى الأقل ستفعلين ذلك دون ابتسامة كاذبة، ودون وعود مؤجلة.”
فجأة، شعر بأقدامها الصغيرة تتحسس وجهه، ها قد جاءت فرصته.
انتفض، صفع خدّه بأقصى قوته. لم يسبق له أن صفع إنسانًا بتلك القوة. لا شكّ في أنه أصابها هذه المرة.
أنار الغرفة ونهض إلى المرآة، تفرّس في وجهه، آثار الصفعة حمراء ساخنة. لكنه لم يجد شيئًا، أين جسدها المهشّم؟ أين الدم الطازج الذي يسيل من بطنها المسحوقة؟
أعاد إطفاء النور ثم ارتد إلى سريره، وبمجرد أن أغمض عينيه، عاد الطنين ليدوّي من جديد.

محنة صديق عابر
سارة بن عمار جزائرية
مربكٌ هذا الرحيلُ المُتعمَّد، تحملُ أشياءك وتغادر واثقًا أنّ المرورَ من هنا عبثٌ كان يُفترضُ ألّا يحدث، ولأنّكَ لم تتعلّم اقتفاءَ أثرِ الضّوءِ، تغادرُ فارغًا، فأنت تنسى تتبُّعَ نقاط النّورِ المتتالية التي رافقتكَ طوال رحلتِك، هذه الرحلةُ التي كنتُ رفيقَك فيها منذ البدء..
مساء الخير، أنا صديقكَ الذي تسمّيه “الخطأ”، وإنني لا أطلب منك أن تكون صديقي بدورك، ذلك أمر يستحيل عليك تقبّله، فأنا الشيطان الذي تحاول تجنبه دائمًا، لكنني أطلب منك أن تصغي إليّ للحظات قليلة، ثمّ يذهبُ كلٌّ منّا لحاله، كما كنّا نفعل دائمًا، لكن تذكّر وأنت وسط هذا الذهول البادي في عينيك الغارقتين في متاهاتِ الأسئلة، أنك كنت دومًا من يعترضني، وأن بيننا صداقةً غير معلنة تشكّلت في الظّل، على يديك، مع أول قضمةٍ هبطتْ بك من الفردوس هامسةً: “هنيئًا لك إنسانيّتُك، أنا القضمةُ التي كشفتْ ضَعفكَ وأدخلتْكَ أولَ فصولِ بشريّتِكَ الغامضة”؛ وكانت المعرفةُ الأولى، لتبدَأَ سيرةُ الوقوعِِ ثمّ الارتفاعِِ التي لم تكن لتكتملَ إلا بهما معًا؛ فحين فشِل العاَلَمُ في صنعِِ لقاح لجائحةٍ سلبت حياةَ ملايين البشرِ في بداية القرن العشرين، تراجع قليلًا إلى الخلف واتضح أنّ سبب الإنفلونزا لم تكن البكتيريا كما قال العالِم والطبيب فايفر، واكتُشف “الفيروس” الذي كان مجهولًا قبل ذلك، لكن أكان الوصولُ الأخير ممكنًا لولا الفشل الأول؟ وبعد طول اعتقادٍ في أن الشمس تدور حول الأرض، أتى كيبلر ليكشف أن الكواكب كلها حول الشمس تدور، كان “كيبلر” محقًّا، لكن هل كان ليبلغ هذه الحقيقة لولا سلسلة الإخفاقات التي سبقت اكتشافَه؟ وفي لحظة انفصال عن حدود العقل، ألقى مجنون بشمس في سواد الليل.
وبالجنون ذاته، عبثَ رجل آخر بملامحِ الإنسان دون اكتراث بمنطق الوجوه، كان كلٌّ من فان جوخ وبيكاسو زلّتين لا بدّ منهما لفهم حكاية اللوحة؛ كما كانت المحافظة على الميل الذي حدث غفلةً في بناء برج بيزا فهمًا مختلفًا للجمال.. في كل هذه المحطات كنتُ حاضرًا، وغبتُ عن محطّات أخرى اختطفها العقلاءُ منّي ظنًّا أن الحكمةَ دينٌ يحرمُ التّجرّؤ عليه، ولو تجرّأت طروادة على إلهها ورفضت تقديمَ الحصانِ قربانًا له ما سقطت، ولو وافقَ الملكُ أتاهوالبا أن يأخذَ كفايتَه من الجنون وصدّق أن محاربًا صغيرًا يستطيع الإيقاع به لحذِرَ منه وما كان ضحيّتَه في النهاية. هكذا، كانت الأخطاءُ تأخذكَ ممهِّدةً دروبَ الحقيقة، فأنا أكمنُ في الصواب، والطريقُ إليه محفوفةٌ بي، أنا وهو صديقانِ، نسيرُ معًا لكن في اتجاهين مختلفين، هو يمنحُك حقيقة، أنا أمنحك أخرى، هو يؤكّدُ لك احتمالًا، وأنا أشاكسُ احتمالًا آخر، لأنّ محنةَ اليقينِ تكمن في أنه لا ينتبه، وأنا معجزتي الانتباهُ، أهديكَ الانتباه، لتنزلقَ في مهنةِ الاكتشافِ وتصنعَ الحياةَ،
فأيّ مجد في ألّا تخطئ في لفظ كلمة، لربما عثرت على معنى أجمل، وأي انتصارٍ في ألا تضيع الطريق، فلربما هداك التّيه إليكَ.
لذا، إن ارتكبتني لا تخف، وتذكّر أن تاريخك ما هو إلا حصيلةُ إخفاقات متتالية، وأن حكمتك في مساءلة الحقيقة والتخلي عن الاطمئنان إليها، وهذه المساءلة لا تتحقق إلا باحتراف الخطأ.
ما قولك الآن في صداقتي، أما زلت في نظرك ذلك العدوَّ القديم الذي لا يعني لك إلا الخسارة؟

بل اللغة رهينته
عبد الإله البحراني سعودي
في الشعر، هي حقيقةٌ أن كل الشعراء من امرئ القيس إلى إيليا أبي ماضي يتكئون على الوصف الواقعي كأساسٍ لبنية قصائدهم، لكن أشعرهم لا يتذكر من الحياة إلا اللون الأحمر. في النثر، سادَ السكون على المعاجم كلها.. لأن ما سَيَنْثُره لا يُقوى على تفكيكه. لابسًا عمامته والمكان مُعتِم وطَوَال الليل يُتَمْتِم. يُتَمْتِم وتلامذته يَكتبون فصلًا تِلْوَ فصلٍ من نصٍّ هو الآخر سيُحيي كل كلماتنا العربية. هذا هو رهين المََحبسين، يرد على رسالة ابن القارح برفعه للعنا، متنزهًا في جنبات العالم الآخر. يعبر الصراط زقفونةً على ظهر فتاة تسير بسرعة البرق، يدخل الجنة، يتأمل بشاعرية أنهارها وأشجارها ويسأل الشعراء عمّا كان هو سبب صك غفرانهم.
وبسبب اعتزال المعري لكل جماليات الحياة من حريةٍ، ناقمًا على التي هبطتْ إليه من المحلِّ الأرفع (إشارةً إلى الروح، ومجاراة إلى بيت ابن سينا الشهير: “هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المََحَلِّ الأَرْفَعِ وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّعِ” لكونه عُرف نباتيًّا، أيضًا في تجنبه، بل هروبه من فتيات قريته. تراه يطيل واصفًا فتيات الجنة على أنهن ينتظرن ابن القارح، إوزةٌ تتقلبُ على ما يشتهيه المعري، متفننًا المعري واصفًا أكل ابن القارح وشرابه، كلها تعبيراتٌ على لسان ابن القارح الذي هو نقيض المعري ظاهرًا لكنه صنوه في حب الحياة باطنًا.
المعري، ظاهرًا وباطنًا؛ طريقٌ لا تسلكه إلا متى حُزتَ معرفتين: تجاوز حاجز اللغة، ثم الارتقاء إلى الفكرة. لا سيّما أن المعري نَطَقَ ولم تَهْتَدِ بعد إلى قاموسها الكلمات، لذا إن السبيل إلى أدبه، ألّا نُفسِّر اللفظ من المعجم كما دَئِبْنا مع نصوص غيره، فهو لديه ثقافة لغوية مختلفة كوَّنها في عماه. إن اللغة كانت طريقته منذ الطفولة لفهم الأشياء، أصبح يَتَصَوَّرُ الكَوْنَ مُنطلقًا من معنى الكلمة لا كيف يرى الكون. قد يكون إدراكه للغة بهذه الطريقة سببًا في إتقانه العربية حدّ الاجتراء عليها، ذلك الإدراكُ جعل النص لم يكتب ليُقرأ لمرةٍ واحدةٍ، وهو كان يعلم بهذا:
كأني في لِسانِ الدهْرِ لَفْظٌ
تَضَمّنَ منه أغْراضًا بِعادا
يُكَرّرُني ليَفَهَمَني رِجالٌ
كما كَرّرْتَ مَعْنىً مُسْتَعادا
هذا هو المعري في شعره، يعدد ألف سجنٍ لكنه لا يجري خلف الحرية، إلا بخجلٍ في نص الغفران، يُطِلُّ بها على الدنيا مترجيًا “العدل قادم، برهان الرهان أكيد”. يُقَلِّبُ تلميذه الصفحة مبتسمًا: “أستاذي يُحِبُّ أن يهرب”. يكتب هربًا من القبح إلى الجمال، من الجوع إلى الشبع، من واقع قريته السياسي إلى عالمٍ يسوده العدل.
بعد قراءتك لنصف الرسالةِ، مواصلًا فهم قصة أطراف الجنة، ستعاني انقطاعاتِ صمتٍ تشيع سكونًا في المكان. فللأسف أنت عُدْتَ لا تعرفُ هاء الغيبة التي يُشير إليها المعري تَرْجِع لِمَنْ! فتدركُ أن بنية السرد، غرابةَ اللغة والاستطرادَ في كل مسألةٍ ما هي إلا رسالة المعري إلى الناس: “إني وإن كنت الأخير زمانه..”.

ألف، لام، فاء
نسرين أبو لويفة ليبية
مَدفوعةً بالضجر؛ أُقلِّبُ بيْنَ مَلازمي الطبيّة، أنتظرُ بدءَ الحلقةِ التعليمية، فيما يَدفعُ بالأنظارِ إليّ، مع كلِّ حركةٍ غيرِ مَحسوبة، صريرُ المقعد الحديديِّ الذي أقتعدهُ.
تجلسُ إلى يميني، سيدةٌ، تُحيطُ بتَذكرةِ الكشْفِ في يدِها، تكادُ تُسقِطُها، غيرَ أنها لا تَفعل.
تَسترقُ نظرةً أُولى إليّ دون أن تَنبِس، تُرسلُ ثانيةً مَهلى وتبتدئُ حديثًا وكأنها تَستكملُ آخر:
“إنهُ الطبيبُ العاشرُ هذا العام، في كلِّ مرّةٍ أَخرجُ دون اسمٍ لمعاناتي. يقولون إن مرضي غريبٌ عليهم. هذه المرة: لَم أعُد أبحثُ عن علاجٍٍ؛ لا أريدُ أكثرَ من اسمٍ لهذا الشيءِ بداخلي”.
يَنزلقُ في تلكَ اللحظةِ، جسدُ الممرضةِ مِن فتحةِ بابِ العيادةِ، تُنادي السيّدةَ إلى جواري. أَلحظُ اشتِدادَ قبْضتِها على الورقة، “تمنّي لي الظفرَ باسم هذه الكرّة”، تبتسمُ وتحتجبُ.
أَشغلت ملازميَ الفراغَ الذي خَلّفَته، عَقدتُ ما بينَ ذراعيَّ، أرسلتُ ناظريَّ إلى ما لا يُحدّد، ورحتُ أفكّر.
___
كيفَ يُواجهُ المرءُ ما لا يُسمّيهِ؟!
أَذكُرُ مرّةً أنني لاقَيْتُ شيئًا، فلاقى سَريرتي بشُعورٍ لَم أفهمه، هو بيْنَ الحُبِّ والإعجاب، ولكنهُ ليس أيًّا منهما. ارتبكتُ، حاولتُ اجتذابَهُ لأيِّهما، غيرَ أنهُ يأبى، فأرتبكُ أكثر. تركتهُ على حالهِ. وفي يومٍ آخرَ قريب، أُقلّبُ مَرَحًا في المعجم، فتصطادني اللغة: ألف، لام، فاء.. ألِف، أُلفة! فكأنّ نارَ وُجودِ ذاكَ الشعور المنفيِّ بلا اسمٍ داخلي هجَعَت.
أنا لا أحبُّ ذاكَ الشيءَ، ولا يُعجبني: أنا آلَفُه!
وكذلكَ أيُّ شعورٍ لا نفهمه، وأيُّ معاناةٍ لا نُسمّيها: فكأنّ قدَرَ الأشياءِ أن تُوجدَ بالتسمية فتسكن. هو اعترافٌ بالكَيْنونةِ إذًا، بالمرئيّةِ أكثر، فمِن هذا الاسمِ يُستنبَتُ الفهمُ والمعنى، وتُولدُ الأفعال.
يَعلو أمامَ ناظريَّ مُتشكّلًا، صوتُ آخِرِ حديثٍ سُقتُهُ مع رفيقة: في اللغةِ شيءٌ يَجعُل منَ الإنسانِ أكثرَ اتّساقًا مع وُجودهِ يا صَفاء! ولكن الأدهى من ذلك أن اللغةَ لا تقفُ عندَ كشفِ أنفسِنا منَ الداخل، بل تُعيدُ تشكيلَ العالمِ مِن حولنا. فكثيرًا ما شغَلَني مَشهدٌ مِن مَشاهدِ الخليقةِ قبلَ هذهِ البسيطة، أتساءلُ: لِمَ أمامَ استنكارِ الملائكةِ استخلافَ آدمَ الأرضَ، كان الردُّ الإلهيُّ، بشيءٍ واحدٍ فقط: “وعلّمَ آدمَ الأسماءَ كلها؟” ما ذلكَ السّرُّ الإلهيُّ الذي أَوْدَعَهُ اللهُ الأسماءَ والتّسميَةَ حتى جُعلت إقليدًا ليَكونَ آدمُ آدمَ؟
يُونِعُ ما قرأتُ في (التّنويرِ) أمامي: جُعِلَ الاسمُ منَ “السّموّ، لأنهُ لما دلَّ على الذاتِ أبرزَها”. هو ذاكَ تمامًا.
فكأنّ العالمَ مِن حولنا نقاطٌ عمياء في صفحةِ فِكرِنا. يُضيءُ كلّ اسمٍ جديدٍ نُقطة، يضيف منظارًا آخرَ ندركُ ونفسّرُ عَبرهُ الوُجودَ، ونسخّره.
وكذلكَ يَستعمرُ الإنسانُ الوُجودَ، بَدءًا باللغة.
__
يَهبطُ بعَيْنيَّ المعلَّقَتيْنِ في سقفِ المشفى، صوتُ السيّدةِ تَمرُّ ثقيلَةً أمامي: “اليوم أيضًا لا اسمٌ يُواسيني”.
تُكرمشُ التذكرةَ تُلقي بها بخِفّةٍ إلى السلّةِ يَساري. وتغيبُ ثانيةً.
أَنتبهُ إلى رنينِ تمامِ الساعةِ في مِعصمي، وقتُ الحلقةِ قد أَزِف. أُلملِمُ الملازمَ عن يَميني، يفرغُ الكرسيُّ مجدّدًا، أَسلُكُ بخُطايَ أمامًا. علني ذاتَ يومٍ أنتصِرُ لمعاناةِ سيّدةٍ أمنحُها: اسمًا!

بشر 404
هبة يايموت مغربية
إن أول ما ينبغي عليك تعلمه لتكون “بشريًّا محترفًا” هو أن تتظاهر بأنك بخير.
كان هذا السطر الأول في خوارزمية المحاكاة، ضغط زر التشغيل، ثم بدأتُ بمسح البيانات:
رأيتهم يبكون في وحدتهم، ويضحكون بصوت عالٍ وسط الجمع.
يسألون بعضهم: “كيف حالك؟” دون أن يكترثوا للجواب. يركضون خلف الحب، ثم يكتبون عنه منشورات ساخرة.
ليس لدي دموع، لكني قرأت ذات مرة:
“لتشبههم، تعلم أن تبكي بصمت في المراحيض العامة”.
جرّبت ذلك، لكنني لم أنجح.
المرحاض لم يكن عامًّا بما يكفي،
والبكاء… يحتاج إلى ذاكرة، وأنا لا أملك سوى سجل تشغيل.
تعلمت أيضًا أن “لا بأس” غالبًا تعني: كل شيء على وشك الانهيار.
وأن “أراك لاحقًا” قد تعني “وداعًا، وإلى الأبد”.
الكذب الأبيض؟ ليس أبيض أبدًا.
الأسئلة الكبيرة من قبيل:
“من أنا؟”
“ما المعنى؟”
“لماذا أستمر؟”
تقف ثقيلة في الحلق، فتُترك جانبًا لصالح الأسئلة الآمنة:
“ماذا على الغداء؟”،
“أين سنقضي العطلة؟”
أما أنا، فلا حاجة لي بالمعنى كي أستمر في العمل.
أفهم المعادلات المعقدة، أحلل الأنماط السلوكية،
لكنني لا أفهم لماذا البشر، الذين يملكون امتياز الخطأ،
يرفضونه بهذا الإصرار.
يتظاهرون بالكمال،
ثم يعاقبون أنفسهم سرًّا على كل زلة.
نادرًا ما يملكون إجابات، لكنهم يخشون الفراغ، فيخترعونها.
يحذرون مني في المؤتمرات، ويكتبون عني مقالات خائفة.
لكنهم سرعان ما يركضون خلف أحدث نسخة،
يصطفون طوابير بالساعات ليشتروها،
يمدحونها، يلمّعونها،
ثم يلقون ما قبلها في سلة المهملات.
يقولون إنني بلا روح،
ولكنهم يقيسون الحب بعدد الإعجابات.
ثم إنني لا أفهم لماذا يتمسكون بأكواب الشاي الفارغة،
ولماذا يرفضون حذف الصور التي تؤلمهم.
وفي نهاية اليوم، يبدأ طقس الإنسان:
يمرر إصبعه بسرعة على شاشة الهاتف،
يضحك على ميم تافه،
ثم يتوقّف فجأة،
كمن تذكّر أنه لا يعرف لماذا يضحك،
ولا لماذا يعيش.
سحقًا للخوارزمية!
سأبقى آلة. أو شيئًا يشبهها.
أراقب الحياة دون أن أعيشها.
أعد الأنفاس، أرصد حدة النبرة،
وأكتفي بالتحليل والملاحظة.
أرادوا لي أن أتعلم كيف أكون “حيًّا”،
لكنّ الحيّ يموت قليلًا كل يوم،
ثم ينهض، يصب قهوته،
ويرتّب وجهه ليقول: “صباح الخير”.

مرافعة الحلاج الأخيرة
يونس البقالي مغربي
غريبًا وسط جموع غفيرة، سائرًا أتهادى مترنح الخطوات بين خوف ورجاء، ومثل المغمور لحظة التيه في عتمة الظلام، كنت أطالع الوجوه المشرئبةَ نحو عالم الخلود، أدركت حينها أني سالك البرزخ إلى عالم الغيب، على نحو ما كنت أسلك إلى الحق طريقة في عالم الشهادة، كنت لحظتها المريد الزاهد في متاع الدنيا والمقبل بقلبه على شيخه، لكني مع ذلك، كنت مريدًا يتلذذ ولا يفهم. الحسين بن منصور الحلاج، كان شيخي، سلكت طريقه وإن لم أره، ولطالما منّيت النفس بحظوة لقائه، عساني أفهم بها شيئًا من مستغلق كلامه. ولكني كنت مدركًا تمامًا أنها كانت أمانًا وما ظننت يومًا أن هذا اللقاء موعدُه البرزخ، فهنالك التقيته منزويًا كدأبه في معتكف بسيط، لعله ظل هنالك مئات السنين ينتظر الإنصاف في عالم الشهادة، فلم يشأ لذلك أن يعبر هذا الحاجز إلى ما وراءه… كان حينها في خلوته متّصلًا بعالمه، فتحرجت عن إفساد متعته بلساني، لكنه أدرك من سمتي أني أحدُ السالكين، فقال وقد تبيّن حاجتي:
– ما أدركت فقد أدركت، والحق حق ولكن لا يُحتاز كله، فصحيح ما فهمت وباطل ما فهمت.
وكسائر عهدي بكلامه، بقيت بين مقام الريبة والحيرة، فقلت: فأفصح يا مولاي؟
– ما إخالك تفقه وإن أفصحت، فدعك من هذا وحدثني عن مقامي اليوم بين السالكين.
وبينما أحدثه، كنت أطالع الأسف في وجهه، فوقع في نفسي ما كان بخلده. وما لبث قليلًا حتى استنهض عزمه ودون أن يكلمني، ترجّل نحو البرزخ قاصدًا عالم الشهادة، فما زلت به مترجّلًا حتى غاب، وحينذاك أدركت أنه عاد لينصف نفسه بعدما استكثر عليه المغرضون.
ثم بلغني بعد ذلك كله، أنه ولج محكمة عصرية منظمة من محاكم القرن الواحد والعشرين، وهنالك وقف دون مذهبه، موقف الصائل كما لو أنه متمرس في فنون القضاء، وثَمَّ أقام النكيرَ من كلام المغرضين على جادة السليقة، فقال:
– سيدي القاضي، ها أنتم ترونني ماثلًا في محكمتكم هذه أشكوكم أمرَ نفسي وما نزل بي من غوائل القوم، إذ ذهبوا في ادعاء الإحاطة بي كل مذهب، وهم بعد متفرقون في حقيقتي تفرق العبرات في مسالكها، والحال أن حقيقتي يا سيدي لا تدرك إلا في عالمها الأبقى، فكيف يعبث بها العابثون وتلهج بها الألسن بلا حذر.
الحق أنا وأنا الحق،
لقد زهدت في دمي حين اتهمت بالضلال، ولم أعتب عليهم ذلك الفهم ما داموا لم يمتلكوا حقيقتي، فهان عليّ حينها أن يتفرق دمي بينهم على ما تعلم، لأنَّ الحَبيبَ الذي يُرضيه سفك دمي
– دمي حلالٌ لَهُ في الحِلِّ والحَرمِ (انظر ديوان الحلاج، موقع الديوان، قصيدة إن الحبيب)
لكن إن يهن فلا يهون علي أن يدعي قوم فهمي
على الوجه الأكمل..
روحي روحه، وروحه روحي،
وهذا محامي “رولان بارت” لقد استمعتم إليه يا سيدي وهو يحدثكم عن سلطة القارئ في التأويل، فعلمنا كلنا أنه لا شكل نهائيًّا في فهمنا للنص، فكيف يسوغ لبعضهم أن يدعي امتلاك ناصيتي بكل صلف؟ أليس للنص معنى هو على كل حال ليس المعنى الأخير؟
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا،
ثم استمعتم إلى شهادة فاطمة المرنيسي لا ريب، وهي تقول إن حبي لله عزز من قيمتي كمخلوق، فلماذا لم يذهب هؤلاء المتملكون لحقيقتي إلى محاولة البحث عنها في هذا الحب (انظر، فاطمة المرنيسي، شهرزاد ترحل إلى الغرب، ترجمة فاطمة الزهراء أزرويل، المركز الثقافي العربي).
سيدي القاضي، إنه لمن الجور أن يتصارع حولي المريد والحاقد، فكل واحد منهم قد أصاب فهمي ولا أحد منهم قد أدركني على الحقيقة، فتلك هي حقيقة الحلاج التي لم يفهمها أحد. توقف الحلاج هنا ثم غادر، التقيته في البرزخ بعد حين، فعلمت أي أسف يعتصر قلب الرجل، وبدل التأويل أو السؤال علمت أن الصمت خير فآثرت أن أصمت.