صعود الخصوصيات الثقافية

صعود الخصوصيات الثقافية

رؤى‭ ‬العالم وسؤال‭ ‬الخصوصية‭ ‬والعالمية

محمد شوقي الزين – كاتب جزائري

أوديسَّا مصطلحٍ: التلاشي والانتشال

هيمنت مفردة «رؤية العالم» أو «النظرة إلى العالم» في القرن التاسع عشر، وغالبًا ما كانت تُكتب بالصيغة التالية «رؤية العالم والحياة»، بحكم أنَّ القرن التاسع عشر شهد شيوع «بارادايم الحياة» مع تطوُّر الفلسفات الطبيعية، وعلى وجه الخصوص تطوُّرية داروين وسبنسر. ارتحل بارادايم الحياة إلى الفلسفات الاجتماعية والتاريخية إلى غاية فريدريش نيتشه وفيلهلم دلتاي. هذا الأخير طوَّر فلسفة عن رؤية العالم قائمة بذاتها تحت عنوان: «أنماط رؤى العالم» (1911م). ثم امتدَّ الاهتمام إلى غاية كارل ياسبرز صاحب «سيكولوجيا رؤى العالم» (1919م) ومارتن هايدغر مع درس «فِكْرَة الفَلْسَفَة ومُشْكِل رُؤَى العَالَم» (1919م).

اللافت للنظر أنَّ المفردة تطوَّرت في السياق الألماني الذي تغلب عليه الفلسفة التأمُّلية وفلسفات الوعي، واشتغل المصطلح طيلة نصف قرن قبل أن يسقط في الابتذال ليدلَّ على الأيديولوجيا بما في ذلك الأيديولوجيات العرقية، تحت ما كان يُعرف وقتها بـ«الرؤية النازية للعالم»، من حيث إنَّ هتلر خصَّص في كتابه «كفاحي» (1925م) فصولًا عن التنظيم السياسي والحزبي ورؤى العالم، وكان يقصد على وجه التحديد الحزب الذي ترأسه، «حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني» أو «الحزب النازي». وبما أنَّ رؤية العالم والحياة لدى الحزب كانت تجمع بين الداروينية والعرقية، فإنَّ المصطلح تلوَّث بأفكار عنصرية أسهمت في تدهور الكرامة الإنسانية، واختفى من الاستعمال الأكاديمي والإعلامي.

أن تكون «رؤية العالم» نظرة «شاملة» عن الكون والإنسان والحياة، فهذا يُلائم التطبيقات «الشمولية» (الفاشية) مثل الأيديولوجيا النازية. لهذا السبب كان يُنظر إلى المصطلح على أنه فضفاض واستعمالاته غير سليمة، وفي الغالب تؤول إلى النظرة الشمولية بالمعنى العنصري والدكتاتوري للكلمة. غير أن المصطلح في السنوات الأخيرة، استعاد عافيته وعنفوانه وصار يُستعمل في نظريات التواصل والإعلام والعلاقات الدولية وكذلك في العلوم الاجتماعية، والجغرافيا، والدراسات الجيوسياسية.

بول كلافال

معنى ذلك أن المصطلح صار مفهومًا أساسيًّا في فهم التمثُّلات والوقائع على مستوى الأحجام الكبرى (الرؤية الشاملة وتعيناتها المحلية). أشير على وجه التحديد إلى كتاب «رُؤَى العَالَم: تَارِيخ نَقْدِي للتَّمَثُّلات البَشَريَّة» (2018م، طبعة جديدة 2025م) لكريستيان غراتالو، وكتاب «جيُوسِيَاسَة الحدود: تقسيم الأرض، بَسْط رُؤْيَة العَالَم» (2020م) لآن-لور آميلا ساري، وكتاب «مِنَ الأرض إلى البَشَر: الجغرافيا بوصفها رُؤْيَة في العَالَم» (2012م) لبول كلافال.

نرى بوضوح الاستعمال المكثَّف للمصطلح في الدراسات الجغرافية، الذي لا يستثني جغرافيا العقل، إذا لجأنا إلى فكرة جيل دولوز عن الـ«جيو- فلسفة» في كتابه «ما الفلسفة؟» بالاشتراك مع فيليكس غاتاري. يُساعدنا هذا المصطلح في فهم الروابط والوسائط بين الخصوصية والعالمية، وفي قراءة نقدية ونبيهة للتشكُّلات الثقافية والتحوُّلات المعرفية والتقنية والسياسية المعاصرة، أكثر مما توفره المصطلحات الأخرى مثل «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات»؛ لأنَّ مصطلحات «نهاية التاريخ» و«صراع الحضارات»، غالبًا ما كانت تحتكم إلى الزمن الذي يُقصَد به طَرَفَا نقيضٍ: التقدُّم من جهة، والتراث من جهة أخرى.

غير أن نموذجًا جديدًا ظهر مؤخرًا يحتكم إلى المكان، ويجعل الرؤية في قلب كل إدراك معرفي وثقافي وتأويلي للعالم من زوايا متعدّدة ووفق مرايا مُضاعِفة. فماذا يُقصد إذًا بمصطلح «رؤية العالم»؟ ولماذا عاد ليشغل الساحة الإعلامية والأكاديمية اليوم؟ وكيف يُساعدنا على قراءة العلاقة الملتبسة بين الخصوصية والعالمية وفهم نظام القبض والبسط بينهما؟

رؤية العالم: نظرة موجزة في المصطلح

تتَّفق المعاجم على أن رؤية العالم هي نظرة شاملة قابلة للتقسيم محليًّا في شكل تمثُّلات وسلوكيات. نقول «عالمٌ واحدٌ»، لكن هناك «إدراكات مختلفة ومتنوّعة» له. نرى الواقع نفسه، والطبيعة نفسها، والأرض نفسها، لكن إدراكنا لهذه الموضوعات، وتمثُّلنا واستعمالنا لها، يختلف من إقليم إلى آخر، ومن ثقافة إلى أخرى، تبعًا للحساسيات، والتمثُّلات، والانتماءات الإقليمية، واللسانية، والدينية، والقيمية.

معنى ذلك أن رؤية العالم هي طريقة في حدس العالم وموقف الإنسان من هذا العالم الذي ينتمي إليه: «رؤية العالم هي مجموعة من الافتراضات المسبقة (الافتراضات التي قد تكون صحيحة أو صحيحة جزئيًّا أو خاطئة تمامًا) التي نعتنقها (بشكل واعٍ أو لا واعٍ، بشكل متسق أو غير متسق) حول ما يتركَّب منه العالم الذي ننتمي إليه» (James W. Sire, 2004, p. 19). أساسيات هذا التحديد أن في رؤية العالم لسنا أمام يقينيات، بل «افتراضات مسبقة» قابلة للتمحيص؛ وهي افتراضات «نعتنقها» شعوريًّا أو لا شعوريًّا، ولا نستوعبها نقديًّا؛ وأخيرًا، تقع تلك الافتراضات على ما يحتوي عليه العالم من أشياء وأشخاص، والموقف الذي نتخذه إزاء هذه المكوّنات.

نُدرك أن رؤية العالم لا تضع فارقًا بين الذات والموضوع، بل غالبًا ما تكون الذات متحدة بالموضوع، وهذا يُفسّر الطابع الافتراضي والاحتوائي للفكرة، تستغرق الذات العارفة في موضوعات المعرفة: «أقترح أن أفضل طريقة لفهم رؤية العالم هي عدُّها ظاهرة سيميائية، كنظام من العلامات السردية التي تشكل إطارًا قويًّا من خلاله يفكر الناس (العقل)، ويؤوّلون (الهيرمينوطيقا)، ويدركون معرفيًّا (الإبستمولوجيا)» (David K. Naugle, 2002, p. xix).

نجد هنا اختزالًا لمفهوم رؤية العالم في الظاهرة السيميائية، أي بوصفها سردية أو لغة تختلف عن السرديات واللغات الأخرى، تتطلَّب ترجمة، وتنطوي في الأغلب على إرادة في النزاع. وهذا يُفسّر اختزال ديفيد نوغل رؤى العالم في صراع الحضارات لصامويل هنتنغتون، وهو ما يُبرز تهافت هذا الاختزال.

بدلًا من ذلك، ومن دون نفي إرادات التوسُّع والهيمنة خلف كل رؤية في العالم، ثمَّة ما يمكن نعته بـ«القبض والبسط» في العلاقات البشرية، وإنَّ الصراع لا يعني دائمًا الهدم، بل هناك صراعات بنَّاءة أو هي دوافع نحو البناء والاكتشاف والاختراع. والأمثلة كثيرة يسوقها تاريخ الصراع بين الأمم. لنتذكَّر أنَّ مِن صُلب التجارب العسكرية في قنوات الاتصال والتواصل ظهر الهاتف النقَّال والإنترنت. كانت البدايات إستراتيجية- صراعية، ثم صارت اقتصادية- استهلاكية بمفعول العولمة. معنى ذلك أن رؤى العالم لا تُختزَل دائمًا إلى الصراع في معناه التدميري، أو أن الصراع يُفهَم سلبيًّا بأنه التدمير، بل ينطوي على مدلولات بنائية أخرى كالتنافس والمباراة، في السياسة، والاقتصاد، والرياضة. هي كلها صراعات محمودة وصانعة للحضارة.

المسكونية الأرضية وضعف دوائر الزوال

خطيئة نظرية «صراع الحضارات» أنها اختزلت الصراع في السيطرة والدمار، وخصَّته في النزاع الديني أو صراع القيم. مع أن رؤية العالم تتجاوز الإطار الحصري للتمركز الديني والانغلاق الهويَّاتي نحو ما يجعل التواصل بين الأمم ممكنًا وضروريًّا في الوقت نفسه. لا أحد يعيش بمفرده في عالمٍ خالٍ من الأغيار. ولو تسنَّى له ذلك لَمَا طاق حياة الأحادية الثقافية بلا صراع (أي تنافس) مع الغير، بالمعنى المحمود للكلمة. يرى الآخر في مرآته ملامحه وما يمكن أن يُصلحه ويُحسّنه ويُكمّل ما نَقُصَ فيه.

من هنا جاءت ضرورة الأخذ بـ«المسكونية الأرضية»، ليس فحسب بالمقارنة مع البيئة والشروط الطبيعية في التأقلم مع العالم المحيط، بل كذلك بالمقارنة مع أشكال الجوار والتعايش مع الأغيار من أجل عالمٍ قابل للسَّكن مع الآخرين. يؤطّر ذلك ثنائية «السكون والحركة»، أي الإقامة والسَّفر. فـ«الإقامة» هي السَّكن والسُّكون إلى الذات. وفي الغالب الحدود الجغرافية هي كذلك حدود سياسية وهويَّاتية، كما هي الحال في الفاصل بين شمال البحر المتوسط (أوربا)، وجنوبه (إفريقيا). أما «السَّفر» فهو ما يتيح تخطّي الحدود والتعرُّف إلى الغير بفعل سياحة أو تجارة وغيرهما.

كريستيان غراتالو

الحدُّ هو الفاصل والواصل في الوقت نفسه. والغاية من تجاوزه أو الاقتراب منه هي اكتشاف الجدَّة للإفلات من رتابة العادة، إمَّا بالمغامرة أو المثاقفة. معنى ذلك أن الروابط التي تجمع الأمم هي أكثر وطأةً وشأنًا من الفوارق التي تفصل بينها؛ وإنَّ المخاطر التي تحدق بها -الاحتباس الحراري، والجفاف، والأعاصير، والأوبئة- هي أشدُّ وقعًا من الخلافات الدموية بينها. من هذا المنطلق، جاءت الجغرافيا الطبيعية والبشرية بوصفها رؤية في العالم، لا تستثني كذلك الجغرافيا العقلية في عملية تقسيم الأفكار وتوزيعها في الأقاليم عبر الارتحال المفهومي، والترجمة الاصطلاحية، والتفاعل المعرفي.

لا شكَّ أن بين الحدود فوارق عبَّرت عنها «الرؤية الإقليمية للعالم» بمصطلحات تمييزية، مفيدة نظريًّا لكنها هشَّة عمليًّا مثل الفارق بين «الشَّمال الثريّ» (أوربا، وأميركا، وروسيا) و«الجنوب الفقير» (إفريقيا، وأميركا الجنوبية، وجنوب شرق آسيا). كلٌّ يتوقَّف على الطريقة التي نرى بها «صورة العالم» كما رسمتها التحوُّلات التاريخية؛ لأنَّ في الجنوب هناك أيضًا أستراليا التي تُعدُّ غربًا (أيديولوجيًّا) وثريَّة (اقتصاديًّا)، ودول الخليج التي لا يمكن عدُّها فقيرةً فقط لأنَّها تقع في نصف الكرة الجنوبي.

هذا الاتجاه في دائرة الزوال بين الشَّمال والجنوب هو «اقتصادي» في أساسه، ويأخذ بالغالب في الشمال وفي الجنوب، والغالب هو الثراء شمالًا، والفقر جنوبًا. أمَّا الاتجاه الآخر في دائرة الزوال بين الشرق والغرب فهو «ثقافي» في جوهره؛ لأنه يأخذ بالتباعد بين الهويَّات (يُحشَر في الشرق وفق الانتماء الهويَّاتي والديني: الصين الطاوية، والهند البوذية، والعالم العربي الإسلامي؛ ويُحشر في الغرب: أوربا الكاثوليكية، وأميركا البروتستانتية، وروسيا الأرثوذكسية).

هنا أيضًا، يُعوّل التقسيم على «الغالب» في كل نصفٍ كروي: تقسيم «عمودي وتنموي» (شمال/جنوب)، وآخر «أفقي وثقافي» (شرق/غرب). بيد أن «ما يتخطَّى الحدود» من اغتراب وهجرة يجعل النقاء الأصلي لأي هويةٍ أمرًا مستحيلًا. فقد قامت العولمة، اقتصاديًّا، بمحو الحدود الجمركية وأضعفت المطالب الهويَّاتية (سياسيًّا)، غير أن عودة الأطياف الهويَّاتية -صعود اليمين المتطرف، ومناهضة الهجرة الشرعية أو غير الشرعية نحو أوربا وأميركا- جعلت تعثُّر العولمة أمرًا ممكنًا، بل أتاحت الحديث بصريح العبارة عن نهايتها.

بهذا المعنى، يتحدَّث غراتالو عن «تفوُّق الدُّولي على العالمي» (Grataloup, 2025, p. 23 & 147)، ويقصد بذلك أولوية الحدود السياسية للدولة الحديثة (معاهدة وستافليا سنة 1648م) على متطلَّبات الحركة العابرة للحدود التي تتيحها العولمة. تخلص الفكرة إلى أن الشمال «دولي» في جوهره، وهذا ما يُفسّر عودة المراقبة الجمركية والأمنية في أوربا، التي كانت قد ألغت الحدود بين أعضائها مع الصعود المتنامي للحركات اليمينية والقومية المناهضة للهجرة. أما الجنوب فهو «عالمي»، وهذا يُفسّر السيولة المالية والازدهار الصناعي والتجاري في الجنوب الآسيوي، من الصين وجنوب شرق آسيا إلى الهند والخليج.

العلاقة الملتبسة بين الخصوصية والعالمية

إذا استعدنا المعجم الماركسي، يمكن القول: إن الدولة القُطْرية تشتغل ضمن نظام «القيمة الاستعمالية» لمجمل القيم القومية والدينية والهويَّاتية التي تشتمل عليها وتحتفي بها والتي تتيحها الحدود السياسية التي هي أيضًا حدود ثقافية وانتمائية، فيما تشتغل العولمة وفق نظام «القيمة التبادلية» بعبور الحدود من أجل سيولة سريعة للبضائع والخدمات والأفراد. نتعرَّف هنا إلى التوتُّر الكائن بين «البارادايم الاقتصادي-المالي» المهيمن وبقايا «البارادايم السياسي-الأخلاقي» الذي لا يزال يُسيّر الدول القُطْرية التي تحتمي بحدودها الجغرافية والسياسية من موجات الهجرة من الجنوب نحو الشمال.

يدفعنا هذا الأمر إلى عدِّ سؤال الخصوصية التي تتمظهر في الحدود الانتمائية إلى ثقافةٍ وهويةٍ ما، وتُميّز إذًا طبيعة الدولة الحديثة؛ والعالمية التي تتجلَّى في الشركات العابرة للحدود من أجل التكاثر المادي والتجارة، وهذا ما يُميّز القيم الليبرالية المرتحلة التي تتيحها العولمة. هذا المخطَّط (الدولي/ العالمي) هو الوجه الآخر للحداثة التي تنخرط فيها الدولة الحديثة وتقوم على سياسة الزمن (التقدُّم) والحفاظ على التقاليد (التراث)؛ وما بعد الحداثة التي تنتهجها العولمة وتقوم على سياسة المكان ومجاوزة التقاليد (النقل السريع، والفضاء الافتراضي، والمدن الضخمة والذكية، وابتكار أساليب جديدة في الحياة).

لهذا السبب تلجأ الدراسات الجغرافية اليوم إلى فكرة رؤية العالم، والمراد منها التركيز على المكان؛ فالجغرافيا هي بالتعريف البسيط «وصف الأرض»، مثلما أن التاريخ هو الاهتمام بالحدث. إن التركيز على المكان يعني حمل الرؤية على حدس للعالم وفق النقاط والدوائر والزوايا التي تدرك انطلاقًا منها، بحيث التعديل في الرؤية ينجرُّ عنه تغيير في صورة العالم. ليس فحسب «تأويل» العالم، بل كذلك «تغيير» العالم تبعًا لتعديلٍ في زاوية النظر.

ولا مراء أن مدار الاهتمام في الدراسات الجغرافية والجيوسياسية وما بعد الحداثية، هو بالضبط الطريقة التي يُساس بها المكان، وتتعدَّل من خلالها الرؤية، بما يؤدّي بشكلٍ أو بآخر إلى تحويل في كينونة الإنسان ذاته، وعلاقته بماضيه (التراث)، وحاضره (العالم المحيط)، وكذلك مستقبله (أفق التوقُّع وانفصالات اللامتوقَّع).

ثمَّ أن المفارقة في العولمة هي انطواؤها على تناقض في الحدود: الإسهام في تلاشي الهويَّات وفي الوقت نفسه تقوية هذه الهويَّات عبر الصعود الكاسح للهوس القومي ومفعول التقنيات الحديثة، مثل الإنترنت، التي سرَّعت من انكشاف الخصوصيات الثقافية والهوياتية. كان الاعتقاد السائد أن العولمة أسهمت في خلق تجانس بين الثقافات بربطها بالثقافة المهيمنة، فتوالت نعوت مثل: «الغَرْبَنَة»، و«الأمْرَكَة»، و«الأوْرَبَة». وفي الوقت نفسه استقطابها في بؤرة الصراع عبر التنافس القومي في المواسم الرياضية (كأس العالم، الألعاب الأولمبية) والفنية (مسابقة الأغنية الأوربية، فُويْس أو أحلى صوت).

معكوس القضية أن التجانس (توحيد الثقافات أو تنميطها وفق موديل عالمي) والتباعد (عزل الثقافات بعضها عن بعض من أجل تعارك هويَّاتي) قد يجد تركيبه الجدلي في التهجين والتماسف (وصل الثقافات فيما بينها عبر التعارف، والتفاعل، والتنافس): فـ«العولمة تربط بين المناطق المحلية وتشمل أيضًا ابتكار المنطقة المحلية» (Chamsy el-Ojeili & Patrick Hayden, 2006, p. 146). فيما كان الاعتقاد السائد هو زوال خصوصية القيم الثقافية للأقاليم المتباعدة والمتناثرة، فإنَّ الرهان اليوم هو الربط بين الخصوصيات والعالمية. هذه العالمية التي ليست شيئًا آخر سوى الخصوصيات في تفاعلها عبر جدل التأثير والتأثُّر: «ثمة طفرة فيما بعد الحداثة: ما يهمُّ هو ما تُحقّقه الذات هنا والآن» (Paul Claval, 2012, p. 236).

وما بعد الحداثة هي الاسم الآخر «للمنعطف الثقافي» الذي جعل من اللغة، والمعنى، والهوية، والخصوصية الثقافية قيمًا خاصَّة وعامَّة، وفي الوقت نفسه، محليَّة وعالمية؛ لأنَّ أيَّة خصوصية ثقافية يمكنها أن ترقى إلى العالمية والاستعمال الكوكبي، مثل: التقنيات الحديثة، والحكم والأمثال، والأغاني، ومختلف المهن الثقافية وصناعة المحتوى التي تُغذّيها وتذيعها وسائط التواصل الاجتماعي.

نُدرك جليًّا أنَّا نشتغل في فضاءٍ راهنٍ صار يأخذ من المحل، والمكان، والحيّز منطلق الابتكار، ولم يعُد الزَّمن يعنيه، بأثقاله الماضية أو أحلامه الآتية. صار الاهتمام، إن لم نقل الهمّ والهوس، هو الحاضر بمختلف انتقالاته وتناقضاته: أزمات، ومخاوف، شكوك، ولكن أيضًا صنائع، وابتكارات، وعبقريات. الحاضر هو الاسم الآخر للمكان المُحدَث، أو الحدث الذي يتخذ لنفسه حيِّزًا جديدًا. وهذا بالضبط ما نعته جورج زيمل بتراجيديا الثقافة: تناوب الأزمة والإبداع. وهو الالتباس الذي يُميّز روح العصر.


المراجع والهوامش:

–  Chamsy el-Ojeili & Patrick Hayden (2006), Critical Theories of Globalization, Palgrave MacMillan.

–  David K. Naugle (2002), Worldview: The History of a Concept, W.B. Eerdmans Publishing.

–  James W. Sire (2004), Naming the Elephant: Worldview as a Concept, IVP Academic.

–  Anne-Laure Amilhat Szary (2020), Géopolitique des frontières : découper la terre, imposer une vision du monde, éd. Le Cavalier Bleu.

–  Paul Claval (2012), De la terre aux hommes : la géographie comme vision du monde, Armand Colin.

–  Christian Grataloup (2025), Vision(s) du monde : Histoire critique des représentations de l’Humanité, Dunod Poche.


العولمة وصعود الخصوصيات الثقافية:

ألا يزال الجِوار ممكنًا؟

عبدالله المطيري – كاتب سعودي

يمكننا القول إن «التشابه» هو العلامة الأكثر التصاقًا بالعولمة. إذا كانت العولمة تعني «تحول العالم إلى قرية واحدة»، كما هي التسمية المتداولة، فإن القرية هنا تمثل التواصل المباشر، وهو ما تحقق مع التقنية الحديثة ووسائل المواصلات المتقدمة. الحواجز القديمة بين الجماعات البشرية تبدو أقل مع تقدم الوقت، إلا أن هذا التواصل المباشر لا يتم بين أطراف متقاربة في القدرة. هناك طرف أقوى وأكثر قدرة على الانتشار، وبالتالي سيطبع هذه القرية بطابعه وهو ما يعني تشابه العالم.

صعود التعبير عن الخصوصيات

العلامة البارزة لهذا التشابه هي وجود الشركات العابرة للقارات في كل مكان. هذا الأمر ينطبق على الشركات الظاهرة في المجال العام مثل سلسلة مطاعم ماكدونالدز وتلك الخفية مثل شركات المال والتسويق التي ترسم ملامح الفضاء العام من دون أن يكون لها حضور معلن فيه. محصلة كل هذه الملحوظات والتوصيفات أن العولمة تعني أننا أمام نسخة واحدة في كل مكان في العالم. من هنا نشأت النزعات السياحية والترفيهية التي تبحث عن المختلف عن كل هذا، وهذا ملمح مهم في طبيعة تشكل العالم الحديث.

أمام كل هذا ظهرت في المقابل أكبر موجة في تاريخ البشرية من تعبير الخصوصيات والأقليات العرقية والمذهبية وأنماط العيش المختلفة عن نفسها. حضور مطاعم الأكلات الشعبية من كل أنحاء العالم بأنواعها كافة اليوم في الرياض مثلًا يطغى على كل مطاعم الوجبات السريعة التي تمثل العولمة. ربما لأول مرة في التاريخ تتاح الفرصة لكل هذا التنوع للتعبير عن نفسه مباشرة على المسرح العالمي. يوميات اليوتيوب التي يصوّرها سكان القرى في أماكن كثيرة من العالم تحظى اليوم بمشاهدة واسعة لدى شرائح مختلفة من الناس. المذاهب الدينية مهما كان مكانها في معادلة القوى في بلدانها لها منصات إعلامية تعبر عنها وتشرح مواقفها وتوصل صوتها للمشهد العالمي. يمتد هذا المشهد لكل ملامح التعبير الثقافي من لغة وموسيقا وأزياء. نحن هنا إذن أمام مشهد مركب؛ من جهة حَمَلت العولمة معها مشاهد التشابه الصاخبة، ومن جهة أخرى نشهد (صعودًا) هائلًا لمشاهد تعبير الثقافات «الفرعية» أو الأقليات بأنواعها كافة. هل هذا يعني انهيار العولمة بوصفها أطروحة التشابه أو أن ما يحدث هو شكل من أشكال العولمة التي تتحول باستمرار أم إننا أمام أمر آخر؟

أود هنا أن أعود لتأمل حالة «القرية» في التعريف السابق للعولمة بوصفها قرية عالمية. تتكاثر اليوم في العالم مناطق تجارية تسمى «القرية العالمية» والمتوقع فيها أن تتجاور محلات تجارية من مختلف دول العالم في مكان واحد. يتحرك المتسوق على أقدامه من الهند إلى الصين إلى السعودية إلى الدنمارك مرورًا باليابان والبرازيل وإثيوبيا في جولة عجيبة رغم اعتيادنا عليها. ما المتشابه داخل هذا التنوع؟ هل القرية مقر التشابه في الوجود الإنساني في مقابل المدينة مقر التنوع؟ هل التنوع البشري متشابه في عمقه؟ هل أعادتنا العولمة لاكتشاف المشترك الإنساني؟

ثقافات متنوعة في سوق عولمي

دعونا ننصت إلى هذه الفكرة بعمق أكبر. ما الذي يفعله الناس في كل مكان من العالم؟ ألا يفعلون الشيء ذاته؟ محاولة العيش بحسب ما يتوافر لهم من قدرات؟ أليس كل هذا التنوع شاهدًا على موقف أو شرط وجودي واحد؟ ربما، لكن ما نعلمه كذلك أن العولمة -في صيغتها الرأسمالية الراهنة- ليست محايدة تجاه أنماط العيش المختلفة؛ بوصفها هي ذاتها نمط عيش واحد يعبّر تحديدًا عن لقاء حاد بين التقنية والاستثمار المالي. بهذا المعنى يكون هذا (الصعود) للتنوع الثقافي، مجرّد مشهد من مشاهد نمط الاستثمار العولمي: (كل شيء يُنظر له على أنه إمكانية للاستثمار/ ميتافيزيقا التقنية عند هايدغر) بما في ذلك التنوعات والخصوصيات الثقافية.

بالمعنى الأخير هذا يكون معنى التشابه الكامن في العولمة معنى وجودي يتحرك بوصفه خلفيّة عامة تستوعب أشكالًا مختلفة من التعبير. إذا كانت الفرضية أن الحياة في القرية تعبّر عن نمط وجودي واحد خلف كل أشكال التعبير في الكلام والزي والأكل وأشكال العيش الأخرى، فإن منطق التقنية الحديثة هو المحرك للعولمة بما في ذلك استثمارها للتنوع والتعدديات الثقافية. بهذا المعنى فإننا لسنا أمام صعود للخصوصيات الثقافية بالمعنى الوجودي للكلمة.

أي أننا لسنا هنا أمام مشهد من ظهور أنماط عيش عميقة متنوعة، بل نحن أمام (عرض) للثقافات المتنوعة في السوق العولمي. هنا تكون الخصوصيات الثقافية منتجات يمكن استثمارها وتسويقها بشكل عصري. هذا يفسر لنا حماسة شركات التسويق والاستثمار الثقافي للاستثمار في مختلف أشكال التنوع والتراث.

هذه الأطروحة يمكن دعمها ببعض الملحوظات وبعض الأسئلة. هل تحضر الخصوصيات الثقافية بوصفها أشكالًا فريدة للحياة اليوم، أو بوصفها مشاهد في متحف إلكتروني عالمي؟ مثلًا، يشاهد كثير من الناس يوميات لحياة أسر في قرى إيرانية قريبة من الحدود الأفغانية. تمتد هذه الفيديوهات لساعات طويلة وتُحدّث باستمرار وتسجّل ملايين المتابعات. تعرض هذه اليوميات تسجيلًا لمقتطفات من حياة الناس في تلك القرى بوصفها حياة مختلفة ومميزة، وما زالت تتمتع بعلاقة أقرب للطبيعة والكائنات الأخرى مقارنة بحياة الناس في المدن. تُصوَّر هذه المشاهد بأحدث الأجهزة الذكية وتُعرض على منصات التواصل الجديدة.

نحن هنا أمام صورة لحياة تمتاز وتأخذ جاذبيتها بوصفها خارج مسار الزمن الحديث، مع أنها تُقدّم في أحدث وسائل التواصل الحديث؛ أي أن قيمتها التي تستند إليها في التسويق هي أنها منقرضة أو على وشك الانقراض. بعبارة أخرى: إنها لم تعد جزءًا من عالمنا الحديث إلا بوصفها علامة على تلاشيها منه. هذا يمتد مثلًا للأزياء التراثية التي يرتديها الناس في مناسبات معينة بوصفها علامات على ماضٍ ما يُراد الانتماء له. بالتأكيد، إن هذه المواد الإعلامية نوافذ على أنماط أصيلة من الوجود لكن السؤال: هل حضورها هذا تعبير عن شراكتها الأصيلة في هذا العالم أم إنها مشاهد للاستثمار من جانب نمط العولمة الأساسي/ منطق التقنية/ الاتصال بكل شيء على أنه إمكانية للاستثمار؟

لا يمكن حصر مشاهد (صعود) الخصوصيات الثقافية في هذه التمظهرات السلمية وحدها؛ فهناك أيضًا مشاهد تعبّر عن عنف شديد، حيث تصعد الخصوصيات الثقافية في مشاهد الحروب والصراع بين الجماعات. فالحركات الدينية المتطرفة مثلًا تجد فرصة مع تقنيات التواصل الحديثة، بحيث تظهر في المشهد العالمي وتوصل رسائلها للجميع. كذلك ساهم بذخ التصنيع الحديث للأسلحة وتعدد وسائل النقل بتملك هذه الجماعات لنسبة من القدرة التقنية ساعدتها على التأثير الحربي في الصراعات العالمية. يعود السؤال هنا: هل نحن أمام مسرح جديد يتعدد فيه اللاعبون أم إننا أمام مسرح العولمة ذاته حيث تتحول الجماعات المتطرفة إلى فرصة للاستثمار السياسي والاقتصادي؟

إعادة الإنصات لطبيعة الوجود الإنساني

مشكلة أطروحة العولمة المهيمنة هذه، على الرغم من كل مشاهد التنوع والاختلاف و(صعود) الخصوصيات، أنها تشبه -في الظاهر على الأقل- أطروحات المؤامرة والجماعات التي تتحكّم في العالم. وهي الأطروحات التي تلقى رواجًا هائلًا هذه الأيام ويُستثمَر فيها للتسويق للبرامج والحسابات الشخصية عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة. الفرق الجوهري ربما أن أطروحة العولمة، بوصفها التعبير المعاصر عن ميتافيزيقا التقنية، لا تعبّر عن إرادة محددة، بل هي تعبير عن خروج العالم عن أية إرادة.

هذا المشهد المرعب يدفع في جهة من جهاته باتجاه المزيد من الاستثمار؛ أي أن هذه «الحتمية» التي تجاوزت منطق السببية لا أمل في تغييرها؛ لذا لا بد من استثمارها اتساقًا مع منطق ركوب الموجة إذا كان الخيار الآخر أنها ستدمرك. اتساقًا مع هذا الطرح نجد أن الذكاء الاصطناعي، ربما التعبير الأحدث عن العولمة، يدفع باتجاه طرح سؤال الحرية والإرادة الإنسانية من جديد حيث تقترب الآلة أكثر من أي وقت مضى من امتلاك وعيها الخاص، وبالتالي نكون في حالة المواجهة الصارخة بين الإنسان والآلة التي اعتقد باستمرار أنها في طوع يده، ولكنها اليوم تلوّح بوجود لها آخر وهو يعلم فارق القدرة الهائل بينه وبينها.

لعل هذه الصورة المربكة تدفع باتجاه مراجعة عميقة لعلاقة الإنسان بالتقنية. تأخذ التقنية مركزيتها في هذا النقاش بوصفها الرحم الكبرى للتحولات التي نشهدها. اليوم نحن أمام فرصة أكبر لملاحظة أن التقنية ليست أداة محايدة في علاقتها بالإنسان. ربما لم تعد أداة أصلًا. نمط العيش الإنساني يتحوّل داخل عوالم التقنية الحديثة. نشاهد هذا التحوّل بوضوح في الأجيال الحديثة التي لم تشهد في وجودها عالمًا آخر غير عالم التواصل التقني الحديث. نلحظ طبيعة علاقاتهم الاجتماعية وعمق تغيرها المتسارع.

قد يكون الحديث عن إمكانية المراجعة العميقة مثيرًا للسخرية، ولكن السخرية علمتنا أنها إحدى منافذ الإنسان الكبرى على المنظورات الجديدة. كذلك نتذكر هنا العزاء الذي يردده هايدغر مع هولدرلين أن التحديات الأصعب تحمل معها إمكانات جديدة للخلاص. المراجعة العميقة التي أعنيها هي إعادة الإنصات لطبيعة الوجود الإنساني العميق المتمثلة في علاقاته مع الكائنات الأخرى. إذا كانت ميتافيزيقا التقنية تعني أن العلاقة المتاحة هي علاقة الاستعمال والاستغلال، فإن الوجود البشري كذلك يحمل لنا إمكانات أخرى لعل أبرزها إمكان الجوار مع الكائنات الأخرى.

الجوار هنا يعني أن نكون موجودين معًا دون أن يكون الطرف الآخر في العلاقة موضوعًا لاستثمار الطرف الأول. قد تكون استعادة الجوار هي المهمة الأصعب مع حركة العولمة والتجارة العالمية التي لا تفهم أي نوع من أنواع الاتصال لا يتضمن في داخله استثمارًا تجاريًّا بين الطرفين. هذا الجوار لا يستبعد العلاقة الاستعمالية بين الكائنات، ولكنه لا يجعلها العلاقة التي يولد داخلها كل شيء؛ أي ألّا تكون هي الحقيقة التي تظهر فيها الأشياء بالتعبير الهايدغري. إذا كانت العولمة وفّرت قربًا غير مسبوق فإننا نعلم أن القرب في حد ذاته لا يكفل الجوار. في الحرب يحدث القرب الأعنف بين الكائنات حيث لا يكون القرب إلا مرحلة من مراحل الالتهام. قرب الجوار قرب لا يجوع. قرب الجوار حفاظ ورعاية لا استثمار واستغلال.


القومية الدينية والخصوصية الثقافية

إميل أمين – كاتب باحث مصري

على مشارف النصف الثاني من العقد الثالث للقرن الحادي والعشرين، هل يمضي عالَمنا قُدمًا في طريق العولمة الموعودة، أم إننا نشهد ردة عن ذلك التيار لصالح استدعاء الماضي، متمثلًا في عودة القوميات، وصحوة الشوفينيات، فضلًا عن بزوغ جديد للهويات الدينية، بما ينتج فكرًا دوغمائيًّا كان يُخيَّل للجميع أن العلمانية -بصيغتها المعتدلة أو المتشددة- قد طوته إلى غير رجعة؟

لا تبدو الإجابة عن هذا التساؤل يسيرة، لكن بعض الملامح والمعالم على درب الإنسانية السائرة والحائرة في العقد الأخير، تشي بأن هناك فجرًا جديدًا مغايرًا، يكاد يطل كالحريق من نافذة الأحداث الدولية، ويعكس فيما يبدو أفولًا واضحًا لسيرة ومسيرة العولمة. ولأن الولايات المتحدة الأميركية، لا تزال مالئة الدنيا وشاغلة الناس، لهذا فكرنا جديًّا في تقديم ما يجري هناك مثالًا على الاحتمالات الواردة لعالم مغاير في المدى الزمني المنظور.

دافيد بروكس ونهاية العولمة

في مطلع إبريل المنصرم، كتب المعلق الكندي الأصل دافيد بروكس في عموده الشهير في صحيفة النيويورك تايمز، عن مآلات العولمة. واستنتج -عبر مقال طويل- أن مسار العولمة يشهد تراجعًا ملحوظًا، بعد أن بدا في مطلع تسعينيات القرن المنصرم أن العالم يتجه نحو التلاقي، وأن نزاع الحرب الباردة بين الشيوعية والرأسمالية قد انتهى.

كانت الديمقراطية آنذاك لا تزال في طور النمو في أوربا الشرقية، فيما اتجهت دول العالم نحو ترابط اقتصادي واضح وملموس. كما بدت شبكة الإنترنت مستعدة لتعزيز الاتصالات في شتى أرجاء العالم، والتقارب الأممي يلف العالم كله، ولا سيما حول مجموعة من القيم، مثل: الحرية والمساواة والكرامة الفردية والتعددية وحقوق الإنسان.

أُطلق على عملية التقارب تلك اسم العولمة، وقد كانت في بدايتها عملية اقتصادية وثقافية تتعلق بتزايد التبادل التجاري والاستثمار بين البلدان، وانتشار التقنية، لكنها لاحقًا باتت عملية سياسية واجتماعية وأخلاقية.

يمكن لنا هنا أن نتساءل: هل كانت هذه رؤية متفائلة أكثر مما يحتمل الواقع؟

الحقيقة شبه المؤكدة حتى الساعة، هي أن رؤية العولمة بدت أقرب إلى النظرية المثالية منها إلى المشروع العملي، وبخاصة من جهة مراحل تطور التاريخ. فقد كانت رؤية للتقارب والتقدم، من غير جذور معرفية متينة تستند إلى الخصوصيات الثقافية والحقائق المجتمعية لكل أمة وشعب وقبيلة. ولهذا لم يشهد العالم تقاربًا حقيقيًّا بقدر ما انفتح على تشعبات وصراعات، تستند أساسًا إلى تلك الخصوصيات. وقد انزلقت هذه التناقضات لاحقًا إلى حروب ثقافية تشتد، ثم لا تلبث أن تتحول إلى مواجهات عسكرية.

بطرس غالي والعولمة المنتكسة

في مؤلفه الشائق «ديمقراطية العولمة»، أجرى الكاتب والصحافي المعروف «إيف برتولو»، حوارًا مع سكرتير عام الأمم المتحدة الراحل الدكتور بطرس بطرس غالي، كشف عن شخصية فكرية تقدمية ذات رؤية استشرافية أثبتت الأحداث اللاحقة صوابها. فقد رأى غالي في بواكير ظاهرة العولمة مسارًا ينذر بانتقال السلطة من الدولة الوطنية إلى جهاز عالمي جديد، أقرب إلى أممية جديدة أو حكومة عالمية غير معلنة. وميّز بين أنماط متعددة من العولمة، منها: عولمة الإشكاليات المحلية، وعولمة الأمراض والأوبئة، فضلًا عن عولمة الائتمان والإرهاب.

قبل أكثر من ربع قرن، أكد الدكتور بطرس غالي أننا نقف على عتبات عالم جديد يبشر بظهور قوى كبرى موازية للدول، قوى يميل بعضٌ إلى تسميتها «اللاعبون من غير الدول»، مثل: المنظمات الدولية غير الحكومية، والشركات متعددة الجنسيات، إضافة إلى جماعات الضغط المالية أو الدينية. وهناك أيضًا مراكز الفكر التي تقدم المشورة العالمية وتؤثر بعمق في مسارات السياسات وتبدّل أنماط السلوك. ومعنى ذلك أن صورة الدولة، التي نعرفها منذ خمسة قرون، تتغير ولم تعد هي اللاعب الوحيد في الملعب العالمي. فهل نكون بذلك أمام أفول مفهوم «القرية الكونية»، لعالم الاجتماع الكندي الشهير مارشال ماكلوهان؟

مراجعة واجبة للقرية الصغيرة

ولدت فكرة «القرية الكونية» في عام 1964م، بعد ملاحظة دور وسائل الإعلام وقتها، وقدرتها على وصل البشر عبر أرجاء الكرة الأرضية بالهاتف والبرق، ما حول الكرة الأرضية في تقدير ماكلوهان إلى قرية كونية عظيمة. في تلك القرية بات من الممكن للقرويين معرفة ما يفعله جيرانهم، عبر المذياع والتلفاز، وكيف يعيشون وما يقوله الآخرون عنهم. ومن الممكن لقروي من الغرب الأوسط الأميركي أن يرى ما يفعله نظيره في قرى هونغ كونغ، على حدود الصين أقصى الشرق. ولعله من نافلة القول هنا، أن لفظة قروي هنا لا تعني الفلاح الذي يحرث ويسقي ويزرع الأرض، وإنما هو المواطن العالمي، في قلب هذه القرية الكونية، أي عالمنا المعاصر.

لقد توقع ماكلوهان العولمة لا للأسواق فحسب، بل أيضًا للعادات وأساليب الحياة والاتصالات. وقد كانت توقعاته سابقة لظهور وسائط التواصل الاجتماعي التي تتيح اليوم التواصل مع العالم بأسره على مدار الساعة.

ويمكن للقارئ اليوم أن يتساءل: هل تحقق استشرف ماكلوهان؟ أم إن الواقع قد تجاوزه، في ظل تساؤلات بنيوية جذرية حول الحدود وأشكالها وماهيتها، والصراع حول التطورات البشرية والتكاثر السكاني الذي أفضى إلى موجات هجرة يراها بعضٌ مدمرة؟ يضاف إلى ذلك انبلاج فجر جديد لعالم الذكاء الاصطناعي والروبوتات التي يمكنها أن تُزِيحَ البشريةَ من وظائفهم، فيما يخشى بعضٌ من انقلابها على البشر، ليهيمن إنسان السايبورغ على الخليقة برمتها.

من ناحية، هل يمكن عد صحوة القومية المسيحية في الولايات المتحدة خلال إدارة الرئيس ترمب، مثالًا على الرغبة في الانسلاخ من تيار العولمة والعودة إلى دائرة البيوريتانيين، أي المهاجرين الأوربيين الأوائل إلى أميركا، الذين يعتقدون أن أميركا أمة لها خصوصياتها، أمة مختارة من الله لهدف محدد، وهو قيادة العالم وريادته؟

يعرف الباحثان أندرو وايتهياد وصموئيل بيري القومية المسيحية بأنها «إطار ثقافي، يعمل على تعزيز وتشجيع واندماج المسيحية مع الحياة المدنية الأميركية». ويبدو أن الولايات المتحدة اليوم تعيش حالة من الصحوة القومية الدينية، التي كانت تيارًا بارزًا في مطلع القرن التاسع عشر.

في مؤلفه «ابتكار أميركا المسيحية» الصادر عام 2015م، يشير الباحث القانوني الأميركي «ستيفن ك. غرين»، إلى أن ما تعيشه الولايات المتحدة الأميركية اليوم هو نوع من «الصحوة الدينية-القومية الثانية، وهي حركة إحياء إنجيلية بروتستانتية بلغت ذروتها في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وكان هدفها الرئيس هو رؤية القيم الدينية تنعكس في ثقافة الأمة ومؤسساتها. على سبيل المثال، ذهب القس عزرا ستايلزايلي المشيخي من فيلادلفيا، إلى أبعد من ذلك عندما أخبر جماعته في عام 1828م أنه لا ينبغي انتخاب سوى القادة المعروفين بأنهم مسيحيون معلنون.

هل هذه هي حال أميركا اليوم؟

بحسب الباحث في الدراسات الدينية ريتشارد هيوز، فإن العديد من المشاركين في الصحوة الكبرى الثانية التي تعيشها أميركا هذه الأيام سعوا إلى تحويل الأمة إلى جمهورية مسيحية، ومن هنا يمكن القطع بأن الدوغمائية الدينية هي الرد الأميركي على العولمة.

لقد كان الدين سلاحًا ثقافيًّا مهمًّا وفاعلًا في زمن الحرب الباردة، وكما قال السيناتور جوزيف مكارثي: «مصير العالم رهن بالصراع بين إلحاد موسكو والروح المسيحية في أنحاء أخرى من العالم». هنا يبقى السؤال: من أي جانب تخشى أميركا اليوم، هل من روسيا أم الصين؟

ربما نستمع إلى رجع صدى لتفسير هنتنغتون للتاريخ المؤامراتي وتقسيم العالم تقسيمًا مانويًّا بين معسكرين إسلامي-كونفوشيوسي، في مقابل يهودي مسيحي. غير أن هذا الصدى ربما يتمثل بقوة وعمق في رؤية الفجر الذهبي الأميركي، الذي هو خليط من الصحوة الدينية القومية، والرجوع إلى الأنساق الثقافية والخصوصية الأميركية في مراحلها البكر.

عن الفجر الذهبي لكيفن روبرتس

يحتاج مفهوم الفجر الذهبي لأميركا إلى قراءات معمقة خاصة قائمة بذاتها، ولا سيما أن صاحب المفهوم، البروفيسور كيفن روبرتس، هو الرئيس التنفيذي لمؤسسة «إرث» أو التراث الأميركية، التي تعد القلب النابض لعقل إدارة الرئيس ترمب الحالية وفكرها. ولا نغالي إن قلنا: إنها الموقع والموضع الذي اختمرت فيه أفكار نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، بل أكثر من ذلك، إنها الجماعة الوظيفية التي عَبَّدَت الطريق أمامه للوصول إلى البيت الأبيض.

كيفن روبرتس، هو الابن الروحي البار لـ«راسل كيرك» (1918- 1994م)، المنظر السياسي الأميركي والأخلاقي، والمؤرخ والناقد الاجتماعي، الذي عُرف بتأثيره في السياسة المحافظة للولايات المتحدة في القرن العشرين.

في كتابه «العقل المحافظ»، الصادر عام 1953م، يرى راسل كيرك أن «الأميركي المحافظ مهتم قبل كل شيء بتجديد الروح والشخصية بالحقائق الخالدة». هذه الحقائق في تقدير كيفن روبرتس تفيد بحتمية تاريخية لتغيير مسار أميركا ليشرق عليها الفجر الذهبي من جديد، إشراقًا داخليًّا، لا يقيم وزنًا كبيرًا للعالم الخارجي ولا لنوازع العولمة أو نوازلها دفعة واحدة.

يرى روبرتس أن أميركا اليوم تعيش في ظل انهيار التكنوقراطية الليبرالية، وتقف على عتبات مرحلة جديدة، أو بالأحرى مرحلة قديمة جدًّا يسميها مرحلة «تجديد الجهوزية الأميركية»، حيث البلاد لا تستند إلى المصطلحات الإدارية أو التوجهات النيوليبرالية، بل إلى مبادئ النظام الأخلاقي، والحكم الذاتي، والهدف الوطني والكرامة الإنسانية.

روبرتس يرى أن ما تعيشه أميركا الآن هو عصر انقلاب مظلم، وأنه لعقود طوال بيعت لأميركا كذبة العولمة، كذبة مفادها أن النموذج الاقتصادي وحده كفيل بدعم الأمة، وأن الحرية لا تدوم إلا بالفضيلة، وأن الأسس الثقافية قابلة للتضحية ما دامت أسواق الأسهم ترتفع، والناتج المحلي الإجمالي يتصاعد. ويضيف: «قيل لنا: إن الحرية تعني التعبير عن الذات لا الحكم الذاتي، وأن السوق هو من سيربي أطفالنا، وإنه ما دامت التقارير الفصلية قوية، فالوطن قوي».

هل من خلاصة؟

مما لا شك فيه أن خطاب الخصوصيات الثقافية وظواهر القومية والشوفينية المستعادة من عقود سابقة، بات اليوم ينسحب على معظم بقاع الأرض. فالمشهد يحتاج إلى تناول صحوة السلافية الأرثوذكسية الروسية من جانب، وتعاظم المد الصيني بنسقه الكونفوشيوسي من جانب آخر، دون إغفال ما يجري في اليابان من انكفاء نحو الداخل، وعودة مسارات الإمبراطورية إلى الواجهة. أما في أوربا، فحدث ولا حرج عن صعود اليمين المتشدد المرتكز إلى الإرث القومي والعقائدي معًا. ولا يختلف المشهد في الشرق الأوسط أو إفريقيا السمراء، التي خلعت عنها مؤخرًا عباءة الوصاية الأوربية، فيما تمضي أميركا اللاتينية بدورها إلى البحث عن موقع مغاير لوضعية «الخلفية الجغرافية» للولايات المتحدة الأميركية.

فهل آن أوان غروب شمس العولمة؟ الأغلب أن الجواب بالإيجاب، وغدًا لناظره قريب.


هويات تعود من الظل:

العالم يتوحد… والثقافات تتمرد!

عبدالله بريمي – أكاديمي مغربي

تحوّل في المشهد الكوني

منذ تسعينيات القرن العشرين، رسّخت العولمة نفسها بوصفها النموذج المهيمن في تنظيم العلاقات الدولية، عبر تكريس خطاب الوحدة الاقتصادية والسياسية والثقافية، والدعوة إلى تجاوز الحدود الوطنية والخصوصيات المحلية نحو فضاء كوني متجانس. غير أنّ العقدين الأخيرين شهدا تراجعًا ملموسًا في هذا المشروع الكوني، مقابل بروز متنامٍ للخصوصيات الثقافية والهويات القومية، إلى حدّ دفع العديد من الباحثين إلى الحديث عن دخول العالم مرحلة «ما بعد العولمة»؛ إذ لم تعد العولمة مجرد فرصة للتبادل الثقافي، بل باتت يُنظر إليها، من طرف كثير من الشعوب، بوصفها تهديدًا للتمايز والخصوصية. ومن هنا برزت ظاهرة عودة الخصوصيات الثقافية والقومية بوصفها رد فعل على النزعة التوحيدية التي تسعى العولمة إلى فرضها(1).

هذا التحول لا يمكن اختزاله في كونه مجرّد رد فعل دفاعي من المجتمعات النامية المهددة بالذوبان في المنظومة الغربية، بل هو ظاهرة كونية كلية شملت حتى مراكز إنتاج العولمة ذاتها؛ إذ تشهد دول غربية صعود نزعات قومية متشددة، وإعادة الوصف للهويات المحلية، وعودة خطاب السيادة الوطنية، بما يكشف عن أزمة عميقة في أسس المشروع العولمي، سواء على المستوى الثقافي أو الاقتصادي أو السياسي. في السياق العربي، يكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة؛ لأن المنطقة العربية تتأرجح بين رغبة في الانخراط في مسار التحديث والانفتاح، والحاجة المُلِحّة إلى الحفاظ على مكوناتها الهوياتية المميزة: الدين واللغة والتراث والذاكرة الوطنية.

إن هذه الدينامية الجديدة تطرح أسئلة معرفية ومعيارية حول مستقبل النظام العالمي: هل نحن بصدد نهاية حتمية للنموذج العولمي، أم بصدد إعادة تشكّل متوازن يزاوج بين العولمة والتعددية الثقافية؟ وهل يمكن صياغة نموذج بديل يقوم على الاعتراف المتبادل بالهويات واحترام التنوع، عوض منطق الإقصاء والهيمنة؟

في ضوء هذه الإشكالات، يسعى هذا المقال إلى دراسة صعود الخصوصيات الثقافية والقومية في عصر ما بعد العولمة، عبر تحليل سياقاته التاريخية، واستجلاء أبعاده النظرية والعملية، واستحضار نماذج تطبيقية من تجارب عربية متباينة. كما يستند إلى إسهامات عدد من المفكرين الذين قارَبوا علاقة العولمة بالهوية، بغية فهم أعمق للتحولات الجارية ورهاناتها المستقبلية

في مفاهيم العولمة والخصوصيات الثقافية والقومية

العولمة ظاهرة مركبة متعددة الأبعاد. فهي اقتصاديًّا تعني تحرير الأسواق، وتدويل رؤوس الأموال، وتفكيك الحدود الجمركية. وسياسيًّا تقوم على تراجع السيادة الوطنية أمام المؤسسات الدولية والشركات العابرة للقارات. أما ثقافيًّا فتسعى إلى فرض نموذج موحّد للأنماط الحياتية عبر الإعلام والتقنية وثقافة الاستهلاك(2).

الخصوصية الثقافية هي مجموع السمات الرمزية والمادية التي تميز جماعة بشرية من غيرها، وتشمل اللغة والعادات والتقاليد والفنون وأنماط العيش. إنها ليست مجرد «ماضٍ» منغلق، بل رأسمال رمزي يتجدد باستمرار في سياقات التفاعل مع الآخر. أما الخصوصية القومية فترتبط بـالهوية السياسية والسيادية لشعب ما في إطار قومي محدد. إنها تتجسد في اللغة الرسمية ومؤسسات الدولة والرموز الوطنية والذاكرة الجماعية المؤسسة للانتماء القومي. وهي تعمل على حماية الكيان الوطني من التفكك أو التبعية. هذه الخصوصيات تُعَدُّ رأسمالًا رمزيًّا يمنح الأفراد شعورًا بالهوية والانتماء.

العولمة والهوية: بين الذوبان والمقاومة

على المستوى الثقافي، لم تُعد العولمة مجرد انفتاح على العالم أو تبادل بين الثقافات، بل أصبحت -في نظر كثير من الباحثين والمفكرين- أداة لنشر أنماط تفكير وسلوك واستهلاك أحادية، تهيمن عليها الثقافة الأميركية بالدرجة الأولى. فالعولمة كما نراها اليوم، لا تمثّل فقط منظومة اقتصادية أو تقنية، بل أصبحت أشبه بـ«مرآة أميركية» تنعكس فيها قيم وأنماط العيش الأميركية، وتُعَمَّم عالميًّا على حساب الخصوصيات المحلية؛ سواء على مستوى اللغة أو الذاكرة الجماعية أو أنماط العيش أو حتى الذوق الفني والمعرفي. وهذا التغلغل لا يتم دائمًا بالقوة، بل غالبًا عبر الإبهار والتكرار والسهولة والتغليف التجاري الجذاب، وهو ما يجعل الثقافة المهيمنة مرغوبة و«مألوفة»، بينما يُنظر إلى الثقافة المحلية على أنها «قديمة» أو «غير عصرية».

في هذا السياق، تصبح الخصوصية الثقافية والقومية ضرورة إستراتيجية، لا مجرد ترف رمزي أو شعور نوستالجي بالماضي. إنها شكل من أشكال المقاومة الثقافية الناعمة، التي تسعى للحفاظ على التعدد والتنوع في وجه التماثل والتوحيد القسري. فالثقافات التي لا تُنتج ذاتها ولا تدافع عن رموزها، تصبح مهددة بالذوبان في ثقافة واحدة، تُفرَض عبر السوق والإعلام والتعليم واللغة(3). لقد نظر منظّرو العولمة إلى الهوية بوصفها عائقًا أمام التجانس الكوني، لكنّ ردود الأفعال الثقافية والسياسية أبرزت أنّ الهويات لا تذوب بسهولة، بل تعيد إنتاج ذاتها بآليات جديدة.

وهذا ما دفع مفكرين مثل: إدوارد سعيد ويورغن هابرماس وزيغمونت باومان(4) إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الكوني والمحلي. ويمثل العالم العربي نموذجًا بارزًا لتفاعل الهويات المحلية والقومية مع ضغوط العولمة. وتتجلى هذه الخصوصيات في مستويات متعددة.

النموذج المغربي: تنوع الخصوصيات الثقافية في مواجهة العولمة

يشكل المغرب نموذجًا غنيًّا للتفاعل بين الخصوصية الثقافية والقومية من جهة، وتحديات العولمة من جهة أخرى. ففي بلد يتسم بتعدد روافده الحضارية -من الأمازيغية والعربية، إلى الحسانية والأندلسية والإفريقية- تبدو الهوية الثقافية مركبة ومتعددة الطبقات، لكنها في الوقت ذاته متوافقة ضمن إطار وطني مشترك. هذا التعدد لم يكن دائمًا معترفًا به رسميًّا، بل تطلب نضالًا ثقافيًّا واجتماعيًّا طويلًا من أجل التثبيت في السياسات العمومية والدستور(5).

يشكل إدماج اللغة الأمازيغية في دستور 2011م لحظة فارقة في هذا المسار، حيث لم يعد الحديث عن الأمازيغية مجرد مسألة لغوية أو مطلب حقوقي، بل أصبح اعترافًا مؤسساتيًّا بخصوصية لغوية وثقافية أساسية في بناء الهوية الوطنية. جاء هذا الترسيم بعد عقود من التهميش، ويُعدّ خطوة جريئة في مقاومة ما يُنظر إليه كـ«تهميش مزدوج»: داخلي من خلال السياسات المركزية التي أهملت التنوع وخارجي من خلال هيمنة اللغات الأجنبية، وبخاصة الفرنسية، التي فرضت نفسها منذ الاستعمار كلغة إدارة وثقافة، واستمرت لاحقًا كأداة من أدوات العولمة.

إن حضور الفرنسية والإنجليزية في الفضاء العام، وفي الإعلام والتعليم والاقتصاد، لا يُعد مجرد خيار تواصلي، بل هو امتداد لصراعات رمزية حول النفوذ الثقافي. ولذلك، فإن النقاشات التي تُثار باستمرار في المغرب حول التعريب والازدواجية اللغوية والتدريس باللغات الأجنبية، تعبّر عن قلق عميق من ذوبان الهوية اللغوية الوطنية وسط موجات العولمة المتسارعة. فالصراع اللغوي في المغرب ليس مجرد مسألة تقنية، بل هو صراع رمزي حول معاني الانتماء والسيادة الثقافية.

لكن في مواجهة هذا التحدي، اختار المغرب طريقًا مزدوجًا: الانفتاح على العالم مع تأكيد الخصوصية. فسياسات الدولة لم تقتصر على ترسيم الأمازيغية، بل امتدت إلى حماية التراث الثقافي غير المادي، مثل الموسيقا الأندلسية وفن كناوة، وفن أحيدوس وأحواش وفنون الحلقة والزوايا والأزياء التقليدية، والمهرجانات التراثية. وهذه العناصر، إلى جانب كونها مكونًا من مكونات الهوية، أصبحت اليوم أدوات فاعلة فيما يُعرف بـ«القوة الناعمة» المغربية، وتُستثمر في الدبلوماسية الثقافية والسياحة والعلاقات الدولية.

ففي المغرب، يُطرَح نموذج «الاستثناء المغربي» أو «الخصوصية المغربية» أو «تامغرابيت» بشكل متكرر في الخطاب الرسمي والإعلامي، الذي يؤكد تميز النموذج الاجتماعي والديني والسياسي المغربي عن محيطه وعن النماذج الغربية. هذا التوجه يعكس تحول الخصوصية من عنصر دفاع إلى عنصر استثمار: فبدل أن تُستخدم الخصوصية فقط درعًا ضد العولمة، أصبحت تُوظف بوصفها رافعة لتعزيز الحضور المغربي على الساحة العالمية. وهذا التحول يعكس وعيًا عميقًا بأن حماية الهوية لا تعني الانغلاق، بل تتطلب بناء مشروع ثقافي وطني متين، قادر على الصمود في وجه التيارات العالمية، دون أن يفقد جذوره.

النموذج المغربي يُظهر أن الخصوصية الثقافية والقومية ليست عائقًا أمام التقدم أو الانفتاح، بل هي شرطٌ لهما. والمجتمعات التي تعرف كيف تحافظ على تنوعها الداخلي، وتُعيد تأويله في سياق عالمي، تكون أكثر قدرة على التأقلم مع متغيرات العولمة، دون أن تذوب فيها.

الخصوصيات الثقافية في العالم العربي: تنوع يوحد

في هذا السياق، تشهد العديد من دول العالم العربي حركة متنامية للحفاظ على خصوصياتها الثقافية وإحياء تراثها وتسجيله رسميًّا لدى منظمة اليونسكو، في محاولة مزدوجة لحمايته من الزوال، والاعتراف به دوليًّا بوصفها جزءًا من التراث الإنساني المشترك. ويُعد هذا التوجه جزءًا من إستراتيجيات ثقافية واعية تهدف إلى تحصين الهوية في مواجهة التنميط والتوحيد الثقافي الذي تفرضه العولمة.

من أبرز الأمثلة على ذلك:

تسجيل «نخيل التمر» كتراث إنساني مشترك بين دول عربية عدة: الإمارات والسعودية وعمان ومصر وتونس… وغيرها. هذا التسجيل لا يكتفي بالاحتفاء الرمزي بالنخلة، بل يشمل أيضًا حماية المعارف الزراعية والممارسات التقليدية والطقوس الاجتماعية المرتبطة بها. فالنخلة ليست مجرد نبات، بل هي رمز للحياة في الصحراء، وعنصر مركزي في الاقتصاد والثقافة والمخيال الشعبي، بل في المعمار واللغة أيضًا. وقد شكّلت النخلة على مر العصور جسرًا بين الطبيعة والإنسان، وتجسد اليوم جزءًا من الكينونة الثقافية للمجتمعات العربية.

وكذلك تسجيل «الكسكس» طبقًا تراثيًّا مغاربيًّا مشتركًا بين المغرب والجزائر وتونس وموريتانيا وليبيا، يُعد مثالًا نموذجيًّا على كيفية انتقال الممارسات اليومية -مثل إعداد الطعام- من كونها عادات منزلية إلى رموز ثقافية كبرى تعبّر عن الانتماء والهوية الجماعية. فهذا الطبق لا يحمل فقط نكهات محلية، بل يحمل ذاكرة الأجيال، وتقنيات الطهي المتوارثة والعلاقات الاجتماعية التي تتشكل حول مائدة الطعام. وتسجيله تراثًا مشتركًا يُظهر أن الثقافة يمكن أن تكون عاملًا موحدًا بين الشعوب، حتى في ظل الخلافات السياسية.

الخصوصيات التراثية بوصفها قوة ناعمة

تزخر المجتمعات العربية بتراث غني ومتنوع يعكس تعدد الخصوصيات الثقافية من بلد إلى آخر، ويُعد هذا التنوع مصدر قوة حضارية، يمكن أن يتحول إلى وسيلة فعّالة لمقاومة طمس الهوية في عصر العولمة. فالخصوصيات الثقافية ليست مجرد ترف أو فُلكلور، بل هي بنية عميقة من القيم، والعادات والرموز واللغة والمعارف، تتوارثها الأجيال وتُشكّل الأساس الذي يُبنى عليه الوعي بالذات والانتماء الوطني.

ففي تونس، يُجسد «فن المالوف» بُعدًا تاريخيًّا وهوية موسيقية فريدة، لا تزال تُمارس في المحافل الثقافية وتُدرّس في المعاهد الموسيقية. أما في الجزائر، فإن «فن الراي» تطور من أغانٍ بدوية إلى موسيقا شبابية عالمية، وهو ما جعله نموذجًا على قدرة الثقافة المحلية على الانتشار العالمي دون أن تفقد جذورها. وفي لبنان، يُعَدّ «الزجل الشعبي» أداة شعرية شفوية تُوظف في السجالات العامة والأعراس وتُحافظ على اللهجات المحلية والذاكرة الشعبية. وفي منطقة الخليج، ما زال «الشعر النبطي» يحظى بمكانة مرموقة، حيث تُنظم له مسابقات شعبية وإعلامية، ويُنظر إليه بوصفه وسيلة لتوثيق التاريخ الشفهي والقيم البدوية. أما طقوس تحضير وتقديم القهوة العربية، فليست مجرد عادة يومية، بل هي جزء من منظومة رمزية متكاملة تعبّر عن الكرم والضيافة والشرف القبلي. وفي المغرب، لا يزال اللباس التقليدي مثل «القفطان والجلابة» حاضرًا في الحياة اليومية والمناسبات، ويُعبّر عن تنوع المناطق وثراء النسيج الاجتماعي والثقافي.

كل هذه الأيقونات تشكل رموزًا للمقاومة والصمود وجزء من معركة الهوية والذاكرة ضد محاولات التهميش أو المصادرة، فيما تُعد «العمارة النوبية» في جنوب مصر وشمال السودان نموذجًا على الإبداع المعماري البيئي الذي يُعبر عن الخصوصية الجغرافية والثقافية في آن. وتُظهر «رقصة الدبكة» في بلاد الشام كيف يمكن لفن جماعي بسيط أن يُشكل رافعة للهوية الجمعية؛ إذ توحّد خطواتها المنتظمة الأفراد في لحظة تناغم جسدي وروحي، وبخاصة في المناسبات الوطنية والاجتماعية. هذه الأمثلة لا تُعبّر فقط عن تنوع ثقافي، بل تكشف عن عمق الهويات العربية وتنوع روافدها الحضارية، كما تعكس قدرة المجتمعات العربية على الحفاظ على تراثها وإعادة إنتاجه، سواء من خلال المبادرات الفردية أو عبر سياسات الدولة التي بدأت، في بعض الدول، تولي اهتمامًا لتدوينه وإدماجه في المناهج التعليمية ودعمه في الفضاءات الإعلامية والثقافية.

ولا تقتصر أهمية هذه المبادرات على الحفاظ على الهوية الثقافية فحسب، بل تمتد إلى استخدام التراث أداةً للقوة الناعمة، تُعزز من حضور الدول العربية في الساحة الدولية. فحين تسجَّل عناصر من التراث ضمن قائمة التراث الإنساني، فإنها تتحول إلى جوازات سفر ثقافية، تُمكن الدول من الترويج لنفسها عبر السياحة الثقافية والمهرجانات الدولية والعلاقات الدبلوماسية.

وفي هذا الإطار، يُصبح التراث غير المادي ليس مجرد «ذاكرة ماضية»، بل مشروعًا مستقبليًّا، يُعاد إنتاجه وتكييفه وتقديمه للعالم بلغة معاصرة، دون أن يفقد جذوره. إن إحياء التراث غير المادي وتسجيله لدى المؤسسات الدولية لا يُعد فقط فعلًا من أفعال الحفظ، بل هو شكل من أشكال المقاومة الثقافية الذكية ضد التهميش والذوبان في ثقافة كونية مهيمنة. ومن خلال ذلك، تعبّر الشعوب العربية عن رغبتها في أن تكون جزءًا من العالم، دون أن تتخلى عن فرادتها وخصوصيتها. وفي زمنٍ باتت فيه الثقافات المحلية مهددة بالتحول إلى سلعة استهلاكية أو ذكرى من الماضي، يُعد التراث غير المادي دعامة أساسية لبناء هوية قوية ومتجددة.

يظهر من خلال هذا أن صعود الخصوصيات الثقافية والقومية في زمن ما بعد العولمة يعكس أزمة عميقة في النموذج الكوني الذي ساد منذ التسعينيات. هذه الخصوصيات ليست نقيضًا مطلقًا للعولمة، بل هي مؤشر على إعادة تشكّلها في اتجاه نموذج أكثر تعددية وتوازنًا. في العالم العربي، تتجلى هذه الخصوصيات في الدفاع عن اللغة وإحياء التراث والعودة إلى المرجعيات الدينية… وهي مظاهر تؤكد أن الهوية تظل عنصرًا مركزيًّا في صياغة أي مشروع عالمي جديد.

وعليه، فإن الرهان المستقبلي لا يكمن في نفي العولمة أو الانغلاق على الذات، بل في صياغة عولمة بديلة تقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام الخصوصيات، وتكريس التنوع الثقافي شرطًا أساسيًّا للتعايش الإنساني(6).


العولمة والهوية الثقافية:

تجليات الماضي وتحديات الحاضر

ترجمة وإعداد: خولة يوسف سلمان – مترجمة سورية

تعد العولمة إحدى أبرز الظواهر التي طبعت العصر الحديث بطابعها، وهي عملية مركبة تتجاوز حدود الاقتصاد لتشمل الثقافة والسياسة والهوية. ومع أنها ليست وليدة القرن العشرين، فإن وتيرتها المتسارعة في العقود الأخيرة جعلتها في صميم النقاشات الأكاديمية والاجتماعية على حدّ سواء. ينظر إليها بعضهم بوصفها قوةً محرّرةً تقرّب الشعوب وتفتح آفاق التبادل المعرفي والاقتصادي، في حين يراها آخرون تهديدًا مباشرًا للخصوصيات الثقافية والهوية الوطنية.

ضمن هذا الإطار يسعى هذا المقال إلى استكشاف تأثير العولمة في الهوية الثقافية من زوايا متعدّدة، عبر تتبع جذورها التاريخية وفهم آلياتها. وسيتناول المقال دور الفنون بوصفها وعاءً للذاكرة الجماعية وأداةً لمقاومة طمس معالم الذات، ويركّز المقال على الموضة بوصفها مثالًا حيًّا على تفاعل المحلي مع العالمي في بناء سرديات الهوية الفردية والجماعية.

لقد اختلطت وامتزجت أدياننا وقصصنا ولغاتنا وأعرافنا كلها عبر التاريخ نتيجة للتنقل والتبادل. في تسعينيات القرن الماضي، سُلب جيلٌ كاملٌ وعيه التاريخي بحكاية مؤثرة وغير مسبوقة على ما يبدو. هذه القصة التي صيغت مع نهاية الحرب الباردة، أعلنت أن الحدود الحقيقية أو المُتخيّلة لم تعد موجودة بالشكل الذي كانت عليه في السابق. فلم يعد البشر محصورين في جغرافياتهم أو هوياتهم القديمة، بل سكنوا عالمًا جديدًا بدا كأنه منفصلٌ عن التطور الطبيعي للمجتمع البشري.

كان المفهوم المُختار لتصوير هذه اللحظة التحوّلية في تاريخ البشرية هو «العولمة».

دور الفنون الثقافية في تشكيل الهوية الوطنية

للفنون الثقافية تأثير بالغ في تشكيل الهوية الوطنية والتعبير عنها. فمن خلال الموسيقا والفنون البصرية والأدب والمسرح والرقص، تُسهم الفنون الثقافية في تعريف معنى الانتماء إلى أمة، وتشكيل الذاكرة الجماعية، وعكس قيم الشعب ونضالاته وانتصاراته. فكيف تسهم الفنون الثقافية في تشكيل الهوية الوطنية وما التحديات التي تواجهها في عالمٍ مُعولم؟

تتجذر الفنون الثقافية بعمق في تراث الأمة وتاريخها. فهي تُقدم تعبيرًا ملموسًا عن تقاليدها ومعتقداتها وقيمها، مُوفرةً منظورًا يُروى ويُحفظ من خلاله السرد الوطني.

التعبير عن السرديات التاريخية: يتشكل عددٌ من الهويات الوطنية من خلال أحداث تاريخية رئيسة، وغالبًا ما تُمثل الفنون الثقافية وسيلةً لتذكر هذه اللحظات وإعادة تفسيرها. على سبيل المثال، استخدم فنانو الجداريات المكسيكيون، مثل: دييغو ريفيرا وديفيد ألفارو سيكيروس، الجداريات العامة لسرد قصة التاريخ الثوري للمكسيك، مازجين التقاليد الأصلية بالرسائل السياسية الحديثة. وأصبحت هذه الجداريات رموزًا بارزة للهوية الوطنية المكسيكية، مُحتفيةً بتراثها العريق وروحها الثورية.

الاحتفاء بالممارسات التقليدية: تحتفي الفنون الثقافية أيضًا بالممارسات التقليدية التي تُحدد تراث الأمة. من الرقصات الشعبية والحرف اليدوية الأصلية إلى الموسيقا والمهرجانات الإقليمية، كما تؤدي هذه التعبيرات الثقافية دورًا حاسمًا في الحفاظ على تنوع هوية الأمة وثرائها. على سبيل المثال، ترتبط الهوية الوطنية اليابانية ارتباطًا وثيقًا بفنونها التقليدية، كفن الخط، واحتفالات الشاي، ومسرح النو. ولا تُعَدّ هذه الممارسات كنوزًا ثقافية فحسب، بل تُعَدّ أيضًا رموزًا لاستمرارية الأمة التاريخية وقيم الانضباط والدقة واحترام الطبيعة.

رموز الفخر الوطني: غالبًا ما تتضمن الفنون الثقافية رموزًا ترتبط بالفخر والهوية الوطنية. وتُعد الأعلام والأناشيد الوطنية والآثار تمثيلاتٍ بصريّةً وسمعيّةً قويةً لهوية البلد. فعلى سبيل المثال، يُعد برج إيفل أكثر من مجرد إنجاز معماري؛ فهو رمزٌ للابتكار والثقافة الفرنسية والتأثير العالمي. وبالمثل، تُجسد الأناشيد الوطنية، مثل نشيد «نكوسي سيكليل إفريكا» متعدد اللغات في جنوب إفريقيا، الجذور الثقافية المتنوعة للبلد وتطلعاته إلى الوحدة.

تأثير العولمة في الهوية الوطنية

في عالمٍ مُعولم، تتأثر الهويات الوطنية على نحو متزايد بالقوى الثقافية الخارجية، وهو ما يُشكّل تحدياتٍ وفرصًا في آنٍ واحدٍ للحفاظ على الفنون الثقافية وتطويرها.

التهجين الثقافي: أدّت العولمة إلى امتزاج العناصر الثقافية من مختلف أنحاء العالم، وهو ما أسفر عن أشكالٍ هجينةٍ من التعبير الفني تعكس التأثيرات المحلية والعالمية على حد سواء. يُمكن لهذا التهجين الثقافي أن يُثري الهوية الوطنية من خلال طرح وجهات نظر وأفكار جديدة مع الحفاظ على العناصر التقليدية. على سبيل المثال، امتزجت تأثيرات أنواع الموسيقا الغربية، كالجاز والهيب هوب، مع الإيقاعات الإفريقية التقليدية في دولٍ مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا، وهو ما أدى إلى ظهور أنماط موسيقية فريدة عالمية ومحلية بشكلٍ واضح.

خطر التجانس الثقافي: في حين أن العولمة قد تُؤدي إلى التبادل الثقافي والابتكار، إلا أنها تُمثّل أيضًا خطر التجانس الثقافي، حيث تطغى الثقافات العالمية السائدة، وبخاصة التأثيرات الغربية، في التقاليد والهويات المحلية. ويُمكن أن يؤدي هذا إلى تآكل الممارسات الثقافية الفريدة وفقدان الهوية الوطنية؛ لذا استثمرت دولٌ عدّةٌ في جهود الحفاظ على التراث الثقافي، مثل برنامج اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي الذي يهدف إلى حماية وتعزيز الفنون والحرف والعروض التقليدية المهددة بالاندثار.

دور مجتمعات الشتات: تلعب مجتمعات الشتات دورًا مهمًّا في تشكيل الهوية الوطنية في عالم معولم. وغالبًا ما تعمل هذه المجتمعات بوصفها سفراء ثقافيين، حيث تحافظ على تراثها وتروّج له في الخارج، مع التكيف مع بيئاتها الجديدة. على سبيل المثال، ساهم الشتات الهندي في الولايات المتحدة في الشعبية العالمية لأفلام بوليوود، والمأكولات الهندية، والمهرجانات التقليدية مثل ديوالي، ودمج هذه العناصر مع الثقافات المحلية. وبهذه الطريقة، تساعد مجتمعات الشتات في الحفاظ على الهويات الوطنية وتطويرها في سياق عالمي.

مع استمرار تطور العالم، من المرجح أن يصبح دور الفنون الثقافية في تشكيل الهوية الوطنية أكثر تعقيدًا، متأثرًا بالتقدم التقني، والتحولات السياسية، والحركات العالمية الساعية إلى العدالة الاجتماعية.

الإعلام الرقمي والهوية الوطنية: صعود الإعلام الرقمي غيّر طريقة إنتاج الفنون الثقافية ومشاركتها واستهلاكها مُتيحًا فرصًا جديدة للدول للتعبير عن هويتها وتعزيزها، حيث سهّلت منصات التواصل الاجتماعي وخدمات البث والمعارض الفنية الإلكترونية على الفنانين الوصول إلى جماهير عالمية، وهو ما سمح بالانتشار السريع للرموز الوطنية والتعبيرات الثقافية. ومع ذلك، يثير هذا أيضًا تساؤلات حول ملكية السرديات الثقافية والتحكم فيها في العصر الرقمي.

الفنون الثقافية كأداة للعدالة الاجتماعية: في المستقبل، ستواصل الفنون الثقافية أداء دورٍ حاسمٍ في حركات العدالة الاجتماعية، ولا سيما في ظلّ تصدّي الدول لقضايا عدم المساواة والعنصرية والظلم التاريخي. وسيكون الفنانون والممارسون الثقافيون في طليعة هذه الحركات، مستخدمين أعمالهم لتحدي السرديات السائدة والدعوة إلى هويات وطنية أكثر شمولًا وإنصافًا.

الحفاظ على التراث الثقافي في مواجهة التغيير: مع مواجهة الدول لضغوط التحديث والتحضر وتغير المناخ، سيزداد الحفاظ على التراث الثقافي أهمية. وسيتعين على الحكومات والمؤسسات الثقافية والمجتمعات المحلية الاستثمار في الحفاظ على الفنون والحرف التقليدية، مع إيجاد سبلٍ لتكييف هذه الممارسات مع الحياة المعاصرة. ويتطلب ذلك توازنًا دقيقًا بين تكريم الماضي واحتضان المستقبل.

تقاطع الموضة والهوية: استكشاف السرديات الثقافية

في عالمٍ يتخذ فيه التعبير عن الذات أشكالًا لا تُحصى، تبرز الموضة كواحدة من أكثر الوسائط حيويةً وقوةً التي نعبّر من خلالها عن هوياتنا. من الأقمشة التي نختارها إلى الأنماط التي نعتمدها، غالبًا ما تروي ملابسنا قصةً تُشكلها خلفياتنا الثقافية وتجاربنا الشخصية وسياقاتنا الاجتماعية. وبينما نبحر في نسيجٍ مغزولٍ برواياتٍ متنوعة، نجد أن الموضة لا تقتصر على الجماليات فحسب؛ بل تعكس معتقداتنا وقيمنا وتطلعاتنا.

يؤدي التراث دورًا بارزًا في تشكيل خيارات الموضة المعاصرة، وغالبًا ما يكون بمنزلة جسر بين التراث والحداثة. يستلهم عددٌ من المصممين من خلفياتهم الثقافية، ويدمجون الأنماط والأقمشة والتقنيات التقليدية في الملابس المعاصرة. لا يُحيي هذا الاندماج الحرف اليدوية القديمة فحسب، بل يسمح أيضًا بالتعبير الشخصي، حيث يمكن للأفراد عرض جذورهم من خلال ملابسهم.

حاليًّا، لا تُعَدّ عناصر مثل الكيمونو أو الفساتين المطبوعة الإفريقية أو المنسوجات الأصلية خيارات أسلوبية فحسب، بل بيانات للتضامن والفخر. وهذا أدى إلى ظهور موجة جديدة من ماركات الأزياء التي تُولي الأولوية للشمولية والوعي بالأهمية الثقافية، مُتحديةً بذلك نموذج الموضة السريعة. ومن خلال الارتقاء بالأزياء التقليدية في السياقات الحديثة، تُمكّن هذه العلامات التجارية مرتديها من الاحتفاء بخلفياتهم مع التعامل مع تعقيدات المواطنة العالمية.

لقد ولّدَ تأثير العولمة في سرديات الموضة المحلية نسيجًا غنيًّا تتشابك فيه الأساليب التقليدية والاتجاهات الحديثة. ومع تواصل الثقافات من خلال التقنية والتجارة، ينكشف الحرفيون المحليون على حركات الموضة العالمية، وهو ما يدفع إلى حوار ديناميكي بين التراث والتأثيرات المعاصرة، كما أدى هذا التفاعل إلى ظهور هجينات فريدة تُكرّم الجماليات التقليدية مع تبني أفكار جديدة. على سبيل المثال، يدمج كثيرٌ من المصممين الآن المنسوجات المحلية في مجموعاتهم، وهو ما يسمح لهم بسرد قصص تراثهم الثقافي مع جذب جمهور عالمي. علاوة على ذلك، مكّنت سهولة الوصول إلى اتجاهات الموضة العالمية المصممين المحليين من تأكيد هويتهم على الساحة الدولية.

وهكذا يتضح أن الملابس أكثر بكثير من مجرد قماش أو أسلوب؛ إنها وسيلةٌ قويةٌ نعبر من خلالها عن هويتنا، ومن أين أتينا، والقصص التي نحملها؛ إذ يروي كل ثوبٍ قصةً تعكس السرديات الثقافية التي تشكل فهمنا لأنفسنا ومكانتنا في العالم. في مجتمع معولم، يفتح امتزاج تأثيرات الموضة المتنوعة آفاقًا جديدة للحوار والتفاهم، ويدعونا للاحتفال بالهويات متعددة الأوجه التي نجسدها. ومن خلال احتضان هذا التنوع وتعزيزه، فإننا لا نثري خزائن ملابسنا فحسب، بل نعزز أيضًا تقديرًا أعمق للقصص التي توحدنا وتميزنا. وبهذه الطريقة، تُصبح الموضة حليفًا قويًّا في رحلة اكتشاف الذات والتعبير عنها، مُشجعةً إيانا على احترام جذورنا والانطلاق بجرأة نحو مستقبلنا.


المصدر:

–  https://aeon.co/essays/there-are-no-pure-cultures-we-have-always-been-global

–  https://liveathefalcon.com/the-role-of-cultural-arts-in-shaping-national-identity/?utm_source=chatgpt.com

–  https://profashionmagazine.com/the-intersection-of-fashion-and-identity-exploring-cultural-narratives/?utm_source=chatgpt.com


هوامش:

(1) برهان غليون: العولمة وأثرها على المجتمعات العربية ورقة مقدمة إلى اجتماع خبراء اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربى آسيا حول «تأثير العولمة على الوضع الاجتماعي في المنطقة العربية»، بيروت، 2005م.

(2) Pierre de Senarclens:La mondialisation. théoriez, ejeux et débats, Armand Colin, 2000.

(3) Jean-Pierre Warnier: La mondialisation de la culture, La Découverte, 1999.

(4) Zygmunt Bauman :Le coût humain de la mondialisation, Hachette, 1999.

(5) محمد امسهيد: مظاهر الاحتفال في الثقافة الأمازيغية: بين الثراء الثقافي ورهان التدريس بالمغرب

https://www.democraticac.de/?p=101338

(6) محمد عابد الجابري: الهوية والثقافة: العولمة وما بعد الحداثة. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية. 2001م.

عام الحرف اليدوية… في مديح الأيدي الخلاقة

عام الحرف اليدوية… في مديح الأيدي الخلاقة

الحرف اليدوية: من الوظيفي البحت إلى الجمالي الخالص

تبرز بصفتها أحد مكونات الهوية وشهادة الحقب على التكيف والإبداع

عبدالسلام الوايل أكاديمي وكاتب سعودي

تعد الحرف اليدوية إحدى علامات عظمة الإنسان وتفوقه على سائر المخلوقات. ولئن كانت بداياتها وظيفية بحتة، كصناعة أدوات الصيد، فإن إحدى علامات وصول العقل البشري لدرجات عالية من التجريد والتخيل كان عبر الحرف اليدوية، حين بدأ البشر بصناعة الزينة قبل عشرات الآلاف من السنين. وبهذا المعنى، فإن الحرف اليدوية قديمة جدًّا في تاريخ البشر، لقد سبقت تطويره تقنيات السيطرة على الطبيعة، وسبقت الزراعة والرعي.

كانت الحرف اليدوية إحدى أدوات البشر للتكيف مع الطبيعة. ويذكرنا التشابه في الحرف اليدوية لدى شعوب وثقافات منقطعة عن بعض لآلاف السنين، مثل تشابه أشكال حياكة النسيج لدى العرب والهنود الحمر، بتقارب ووحدة الثقافة البشرية، قبل أن تتفرع وتتنوع على مدى آلاف السنين. وبشكل عام، فإن أي جماعة بشرية، تساكنت لقرون، لها حرفها اليدوية التي مكنتها من التكيف مع البيئة، وتخليد أساليب حياتها، والتعبير عن الجوانب الجمالية والروحية لها.

وبما أن الجزيرة العربية موطن للإنسان منذ عصور سحيقة، فإن لساكنيها تاريخًا طويلًا في صناعة الحرف اليدوية؛ إذ وُجِدت في مناطق من الجزيرة العربية منحوتات حجرية تاريخها يتجاوز عشرة آلاف عام. وبالنظر للتنوع في التضاريس الكبير للمملكة، من سواحل ومرتفعات جبلية وصحراء وسهول، فإن ساكني هذه المناطق، وعلى مدى آلاف السنين، قد طوروا حرفهم اليدوية التي لبّت حاجتهم الوظيفية للتكيف مع البيئة من ناحية، وخدمت حاجاتهم الجمالية من ناحية أخرى. ويوضح تراث الحرف اليدوية في المملكة تنوع هذه الحرف، من الوظيفي البحت إلى الجمالي الخالص. على امتداد البلاد السعودية، عاش بدو رحل ومستقرون، رعاة ومزارعون وبحّارون. وهذه المجتمعات طورت من المواد الأولية، في مناطقها، ومن المنتجات الزراعية والحيوانية، مدخلات لحرف يدوية تحكي عبقرية الإنسان في استثمار الرأسمال المتاح حوله.

فصناعة الخوص تمثل استثمار الإنسان العبقري للنخلة (الشجرة التي مكنت البشر من البقاء في الجزيرة العربية بعد تحولها من غابات إلى صحارى). ومن الجريد والسعف أمكن صناعة البُسط (الحصير) والمحادر والمهاف والزبلان (جمع زبيل) وسُفر الطعام وأسقف البيوت. ومن صوف الأغنام والجمال نُسجت الأقمشة، وبيوت الشعر والبُسط والمشالح. وحوّل البشر طين أرضهم إلى صناعات فخارية لتلبية حاجات غذائية وروحية. ومن التربة والأشجار والثمار استخرج إنسان السروات الألوان ليطور حرفة جمالية صرفة هي القط العسيري.

وضمن عمل المملكة، في عصر رؤية المملكة 2030، لاستثمار إمكاناتها، الشديدة الثراء والتنوع، جاءت تسمية عام 2025 بعام الحرف اليدوية؛ لإعادة إنتاج كل هذا التراث الإبداعي ضمن زمن الحداثة، فيبرز أحد مكونات الهوية الوطنية. هكذا تكيف أسلافنا مع الطبيعة من حولهم. ولهم علينا حق ألا نترك الأساليب التي طوروها في غياهب النسيان. وأيضًا علينا أن نعرّف العالم ببعد آخر من أبعاد هويتنا الثرية؛ إذ نضيف إلى أبعاد الدين واللغة والموقع الجغرافي، بُعد الإبداع الحرفي والإنتاج اليدوي لإنسان هذه البلاد. كما أن هناك فرصًا اقتصادية في إبراز الحرف اليدوية تتمثل في تمكين الحرفيين المحليين وزيادة دخلهم، وإضافة عامل جذب لصناعة السياحة المتطورة في المملكة.

ومن الملاحظ في هذا السياق، الاستطلاع الذي نفذه المركز الوطني لاستطلاع الرأي العام، التابع لمركز الملك عبدالعزيز الحضاري، بمناسبة تسمية عام 2025 بعام الحرف اليدوية. أوضح الاستطلاع أن 42% من المواطنين الذين أخذت آراؤهم (من أصل1071 مواطنًا سعوديًّا) أفادوا بأن في بيوتهم منتجات من الحرف اليدوية السعودية. واختار 26% من العينة حرفة صناعة الفخار كأكثر الحرف تفضيلًا بالنسبة لهم. فيما حظي تزيين البيوت بأعمال حرفية يدوية (كالقط العسيري وتزيين الجدران بأعمال جصية) باختيار 21% من أفراد العينة. فيما رأى 17% منهم أن أعمال النسيج هي أكثر ما يشدهم في الحرف اليدوية السعودية، واختار 14% من العينة منتجات سعف الخوص، مثل: الحصير والمهاف والقلل، وحظيت حياكة البشوت باختيار 13%، وصناعة الحُلي والمجوهرات بتفضيل 9% من أفراد العينة.

يبين توزع إجابات العينة على طائفة متنوعة من الحرف اليدوية السعودية أن مختلف الحرف اليدوية تجد تفضيلًا وقبولًا. ويتسق هذا مع حقيقة تنوع الثقافات المحلية سعوديًّا، وما طورته عبر العصور من حرف يدوية متنوعة.


الحِرَف في الأدب العالمي:

اليد التي تروي، والجسد الذي يدوّن

جمال الجلاصي – روائي وشاعر تونسي

في البدء، لم تكن الحرفة هامشًا في حياة الإنسان، بل كانت صميم وجوده. لم تكن اليد التي تحيك أو تنحت الحجارة أو الخشب أو تحفر مجرد أداة، بل امتدادًا للفكر، والذاكرة، والحلم. ولعلّ الأدب، في أكثر لحظاته إنصاتًا لجوهر الكائن، لم يفصل يومًا بين ما يُصاغ بالكلمات وما يُصاغ باليد: بين القصة، والمسمار، والغرز، والطين.

إن الحرفي ليس مجرد خلفية طبقية أو مشهد ريفي، بل كائن روحي-جسدي تتشكّل شخصيته من خلال أدواته، وحركاته، وصمته، وما يتراكم في ذاكرته من خشب وطين ونسيج. فالحرفة تمثّل في النصوص الكبرى لغةً بديلة عن الخطابة، وبلاغةً مضادة للضجيج، وأحيانًا فلسفةً صامتة تشتغل في عمق الشخصية.

في زمن تُختزل فيه الكلمات إلى رموز عابرة على الشاشات، يُعيد الأدب الذي يحتفي بالحرفة الاعتبار للحضور المادي للإنسان، لصبره، لعمقه، ولجسده الذي يفكّر أيضًا حين يصمت اختيارًا أو قهرًا.

الحرفة في حياة الكتّاب وأعمالهم: أدبٌ من غبار الورش

ويليام فوكنر: الجُمل التي تشبه الخزائن القديمة

قبل أن يصبح أحد أعمدة الأدب العالمي، كان ويليام فوكنر (1897– 1962م) نجّارًا وعاملًا يدويًّا، يتنقّل بين ورش الإصلاح، ويعمل دهّانًا في كلية ميسيسيبي. لم يكن ذلك من باب الاضطرار المادي فحسب، بل من تناغم داخلي مع إيقاع الأشياء، وولعه بصوت المطرقة ورائحة الخشب المقطوع. لاحقًا، لم تُغادر هذه التفاصيل حواسه، بل تسلّلت إلى بنية نصوصه، لا في مضامينها فقط، بل في نَسق كتابتها ذاته: جمل طويلة تُرصّ كما تُرصّ قطع الخشب، مشدودة بالمسامير، متشابكة، لا تُفهم بسهولة من أول نظرة. في أحد حواراته المبكرة، قال فوكنر: «إنني أكتب كما كان جدي يبني طاولاته، ببطء واحتراس، وأعرف أني سأضرب المسمار مرات كثيرة قبل أن يستقر».

هذه العبارة تختزل العلاقة بين الحرفة والنص، بين النجارة والسرد: فالكتابة ليست فعلًا شفافًا، بل عملٌ حِرفيّ يحتاج إلى صبر اليد، ليس فقط خيال العقل. لقد شكّل الخشب والأدوات والورشة خلفية ثابتة في عالم فوكنر. في روايته «الصخب والعنف»، حين يحاول «كاش بن» بناء تابوت ابنته، لا يكتفي فوكنر بسرد تفاصيل العمل، بل يجعل من صوت الخشب حين يُنشر استعارة حزينة لزمن يتكسّر، وكأن كل مسمار يُدَقّ هو كلمة يُطرَح بها سؤال وجودي جديد.

يرى الناقد مالكولم كاولي، أحد أوائل من رافقوا فوكنر نقديًّا، أنّ «جُمَل فوكنر تشبه الخزائن القديمة، كثيرة الأدراج، معقدة التركيب، لكن حين تفتحها كلها، تجد صورة الحياة الأميركية في أعماقها». هذا التعقيد ليس مجرّد تأثير حداثي، بل يذكرنا بأساس نجاري: ترتيب ما لا يُرتب، وصناعة توازن من عناصر خشنة.

جون شتاينبك: اليد التي تبذر الحكاية، والجسد الذي يفكّر

نشأ جون شتاينبك (1902- 1968م)، الكاتب الأميركي الحائز على جائزة نوبل في الأدب، في بيئة زراعية قريبة من الطبيعة وعالم العمل اليدوي. قبل أن يتحول إلى كاتب محترف، عمل في مهن عدة تتصل بالأرض والعمل البدني، منها الحصاد والزراعة، إضافة إلى مشاركته في مشروعات بناء وترميم المنازل. هذه التجارب العملية أثرت بشكل عميق في وعيه الاجتماعي وأسلوبه السردي، وجعلته صوتًا قويًّا يمثل الطبقات العاملة والمهمّشة في أميركا. وقد ظهر ذلك جليًّا في روايته الشهيرة «عناقيد الغضب»، حيث تتداخل الأرض والعمل اليدوي في نسيج السرد؛ لتصبح رمزًا للمعاناة والأمل.

في «عناقيد الغضب»، يصوّر شتاينبك مشاهد الزراعة كأطراف متصلة بآلام العائلة ونجاحاتها، فاليد التي تزرع الأرض هي ذاتها التي تتحمل التعب والصعاب. يتجلى ذلك في وصفه الدقيق لأدوات العمل وحركة الجسد التي تعبر عن صمود الإنسان: «كانت يدا توم جواد، تلك اليد التي لم تتوقف يومًا عن العمل، تلمس الأرض بخشوع وكأنها تعطيها جزءًا من حياتها».

لقد استمد شتاينبك من العمل اليدوي صلابة وصدقًا في تصوير معاناة الإنسان الكادح، فكانت لغته السردية تعكس الإيقاع الملموس لحياة الأرض واليد، واهتمامه بالتفاصيل الصغيرة كلمسة تراب أو صوت آلة زراعية. في رواياته مثل: «عناقيد الغضب» و«فئران ورجال»، لا تقتصر الحرفة على كونها خلفية بيئية فقط، بل هي حيز معرفي وتجريبي ينسج ملامح الشخصيات وقضاياها الاجتماعية، وهو ما يجعل العمل اليدوي عنصرًا حيويًّا
في بناء النص.

يمضي شتاينبك في رواية «فئران ورجال» في ربط اليد بالعلاقة الحسية مع الأرض، حين نرى ليني «يعمل في الحقل، يلمس التراب، ويحس بقوامه، وكان يجد في حركات يده راحة عميقة، كأن الأرض تتحدث إليه». هذا التصوير الحسي يبرز العمل اليدوي كوسيلة اتصال مباشرة بين الإنسان والطبيعة. وحين تتحرك اليد في الأرض، يتحرك معها نبض الحياة: «العمل الشاق هو كل ما نعرفه، لكنه كذلك ما يبقينا على قيد الحياة. اليد التي تزرع، تحصد، تبني، هذه هي اليد التي تحمي وتحافظ». هنا يتحول العمل اليدوي إلى فعل وجودي، إلى ركيزة للهوية الإنسانية والتماسك الاجتماعي.

يتضح كيف أن تجربة شتاينبك الشخصية مع العمل اليدوي لم تكن مجرد خلفية سردية، بل جسدت عمقًا إنسانيًّا حقيقيًّا. فاليد العاملة ليست فقط أداة مادية، بل بوابة لفهم أعمق للتوترات بين القوة والضعف، البناء والهدم، الحنان والعنف، التي تتداخل في نسيج الشخصية الإنسانية.

خوسيه ساراماغو: ميكانيكيّ يصوغ الجملة كما يُصلح آلة

لم يكن خوسيه ساراماغو (1922–2010م)، الروائي البرتغالي الحائز على جائزة نوبل، ابنًا لأرستقراطية ثقافية أو أكاديمية، بل نشأ في كنف عائلة ريفية متواضعة، واضطرّ إلى ترك المدرسة في سنّ مبكرة ليعمل ميكانيكيًّا في ورشة لإصلاح السيارات، ثم موظفًا بسيطًا في مصلحة الضمان الاجتماعي، قبل أن يصبح لاحقًا محررًا ومترجمًا وصحافيًّا. لم يتخلَّ قط عن العلاقة الأولية بالأشياء: بتفكيكها، وصيانتها، وفهم أعطالها بصبر اليد لا بفطنة التنظير.

قال في إحدى مقابلاته: «تعلمت من الميكانيكا أن كل شيء يمكن إصلاحه… حتى الجملة المعطوبة، يمكن فتحها، وتنظيفها، ثم تركيبها من جديد». الجملة هنا لم تعد مجازًا شفافًا، بل هي آلة دقيقة، قابلة للانفجار أو الخلل، تحتاج إلى تأنٍّ في الترسيم، و«مفتاح إنجليزي» لتعديل ميلها عن المعنى.

لاحظ الناقد البرتغالي إدواردو لوريرو، أن ساراماغو «نقل مركز الثقل في الرواية من الرأس إلى اليد»؛ أي من الفكرة المجردة إلى الإجراء البشري المادي. في روايات مثل «العمى» و«الطوف الحجري»، نجد شخصيات لا تفكر فقط، بل تتحسس، تلمس، تخبط في العتمة، وتدفع الأبواب بأكتافها. اليد هنا ليست أداة تنفيذ، بل مركز وعي بديل، يتكلم حين تصمت الأيديولوجيا.

هكذا، يظل أدب ساراماغو مشغولًا بتلك الحركة الميكانيكية الأولى: إصلاح الأعطاب، سواء في اللغة، أو في الفكرة، أو في العالم. وكما يقول في إحدى حواراته الأخيرة: «أكتب كما أصلح شيئًا تعطّل. لا أعوّل على الإلهام، بل على مفك البراغي».

نغوغي واثيونغو: حين تُضبط اللغة بمِفصلات الخشب

لم يكن نغوغي وا ثيونغو، الكاتب الكيني الكبير وأحد أبرز رموز الأدب الإفريقي المعاصر، غريبًا عن العمل اليدوي. في طفولته، نشأ وسط أسرة ريفية متعددة الزوجات في قرية «كامينو»، حيث كانت النجارة حرفة يدوية منتشرة، تعلمها من والده وأشقائه. كان يساعدهم في صنع الأبواب والخزائن والأسرّة البسيطة، وقد عبّر لاحقًا في مذكراته عن تلك التجربة بوصفها «أول اتصال حقيقي بيني وبين فكرة البناء، ليس فقط كمادة، بل كأسلوب تفكير».

في كتابه الشهير التحرر من الاستعمار الذهني، يقول نغوغي: «اللغة، مثل الخشب، يمكن أن تُقطع وتُشكل وتُصقل، ولكن فقط إن عرفت يدُك كيف تمسك بالمنشار دون أن ترتعش». هذه العلاقة بين الكتابة والنجارة ليست مجرد استعارة شاعرية، بل بنية فلسفية حاضرة في أعماله، حيث تُبنى الحكاية كما يُبنى السقف: طبقة فوق طبقة، بعناية، مع إتقان تفاصيل الوصلات والمفاصل.

يرى الناقد النيجيري آي كاي إيكويني أن «لغة نغوغي تسير على أرضية من خشب محلي الصنع، صلب، لكنه غير مصقول بشكل مفرط، وهذا مقصود. إنه يرفض الفخامة الأسلوبية لصالح المصداقية الجسدية»، فهو، بعد أن قرر أن يكتب بلغة الـ«كيكويو» بدل الإنجليزية، كان كما لو أنه انصرف إلى استخدام أدوات يده بدلًا من استيراد أدوات استعمارية. كتب نصوصه على أوراق التواليت في السجن، وحين سُئل عن ذلك، قال: «كان الخشب ينفد، لكن اليد تواصل العمل. كانت هذه حريتي».

تُظهر أعمال نغوغي كيف يمكن للحرفة أن تتحول من عمل بسيط إلى إستراتيجية مقاومة. فحين تنهار البنى الرمزية الكبرى، يبقى للنجار المحلي قدرة على الفعل. الرواية هنا لا تُبنى فقط بالكلمات، بل بالمطرقة والمسمار، كأن كل فصل هو لوح خشب، وكل استعارة قطعة تُقوّم لتناسب الحكاية.

محبوبة، لتوني مريسون: الشفاه الصامتة والحياكة البليغة

تُعَدُّ توني موريسون (1931-2019م)، الروائية الأميركية الحائزة على جائزة نوبل في الأدب عام 1993م، من أبرز الأصوات الأدبية التي صاغت تجربة السود في الولايات المتحدة عبر سردٍ مفعم بالعمق الرمزي والإنساني. صدرت روايتها «محبوبة» عام 1987م، وهي علامة فارقة في الأدب الأميركي والعالمي. تدور الرواية حول سيتا، امرأة، أمَة، هاربة تحاول بناء حياة جديدة في الحرية، لكنها تبقى أسيرة لذكريات الماضي المؤلمة، التي تجسّدها شخصية «محبوبة»، ابنتها المتوفاة التي تتحوّل إلى رمز روحي للمعاناة. تتجاوز الرواية الحكي التاريخي لتغوص في أعماق النفس الإنسانية، مبرزة كيف يستمرّ الماضي في تشكيل الحاضر ويؤثر على هوية الأفراد والعائلات.

تأتي صورة الحياكة كعنصر مركزي في الرواية للحفاظ على التماسك النفسي، فالحياكة ليست نشاطًا منزليًّا عاديًّا، بل هي لغة جسدية وبلاغة صامتة، تربط بين الماضي والحاضر عبر الخيوط التي تنسج الذكريات والآلام. يصف النص كيف تمشي الخيوط في أيدي الشخصيات بخفة، ناسجة قصة لا تنطق بها الألسنة، بل تفهمها الأيادي بصبر وحنان. الحياكة تعبر عن صبر التحمل ومقاومة القسوة، وبهذا يصبح هذا الفعل اليدوي وسيلة لإعادة التكوين النفسي والجسدي، وسردًا بصريًّا يعبر عن الألم والشفاء في آنٍ واحدٍ.

في الرواية، تظهر الحياكة كعملية رمزية وشفائية. الحياكة تعبر عن فعل التجميع والترميم، محاولة لصناعة وحدة من شظايا الذاكرة المنكسرة، مثلما تُجمَع الخيوط لتُشكل قطعة قماش جديدة: «كانت أصابع سيتا تنسج الخيوط كما لو أنها تنسج جسدها الممزق، كل غرزة حياكة تمثل جزءًا من ألمها وذاكرتها، تجمع الماضي المبعثر ببطء، بصبر لا ينفد».

يشير الناقد الأميركي ديفيد هيرش إلى أن: «الحياكة في «محبوبة» هي لغة بديلة، تستخدمها الشخصيات لالتقاط ما فشل الكلام في التعبير عنه. هي فعل بطيء ومتكرر يشبه التأمل، يتيح للشخصيات أن تحافظ على روابطها بالذاكرة والجسد رغم الكسر العنيف للعبودية». بهذا، تتداخل الحياكة كحرفة مع بُعد فلسفي وإنساني في الرواية، حيث تمثل فعل مقاومة جمالي وفكري في مواجهة المحو.

أخبار الشحن لآني برولكس: ترميم جراح الروح بترقيع شباك الصيد

تقدّم رواية «أخبار الشحن» لآني برولكس الفائزة بجائزة بوليتزر، تجربة سردية متميزة تتناول الحرفة كعنصر محوري في تشكيل هوية الشخصية الرئيسية، كوينسي. تدور الرواية في مجتمع ساحلي على الطرف الشرقي لكندا، حيث يشكّل البحر والطقس والبيئة المحلية جزءًا لا يتجزأ من حياة الناس وهويتهم. الحرفة اليدوية، وتحديدًا مهنة صيد السمك التي يمارسها كوينسي، ليست مجرد وسيلة لكسب العيش، بل هي شكل من أشكال الارتباط العميق بالأرض والذاكرة، وتجسيد للصراع الداخلي والخارجي الذي يعيشه: «كانت يدا كوينسي تعملان بهدوء، تُجهزان الشباك بخيوط متشابكة، كما لو كانت تحيك شبكة للذاكرة نفسها، شبكة تحفظ من خلالها القصص والألم والصمود».

الحرفة هنا ليست مجرد نشاط عملي، بل فعل تأمّلي واحتفالي بالحياة رغم كل الخسائر. يقول الناقد جوناثان بيرنز: «في أخبار الشحن، تتجلّى الحرفة كطقس إنساني يربط بين الماضي والحاضر، يعيد إنتاج الذات في مواجهة الفقد». وهي تحمل في طياتها معاني كثيرة: الصبر، الدقة، التواصل العميق مع الطبيعة، وتحمل الأعباء: «كانت يدا كوينسي تتحركان ببطء ولكن بثقة، تشبك خيوط الشباك كما لو أنه يحاول أن يُعيد ربط شتات حياته المجزأة، كل عقدة تحمل اسم فقدان وكل غرزة تتوسل للحياة أن تستمر… الشباك تنتظر أن تُرمى في البحر، اليدان ترتبان الخيوط بعناية، كل غرزة كأنها وعد بالبقاء، وكل عقدة تحكي قصة يوم مضى، قصة ألم وخسارة، قصة مقاومة الحياة».

وبحسب الناقدة مارغريت هوبر، فإن: «آني برولكس ترسم في «أخبار الشحن» لوحة إنسانية رقيقة، حيث يصبح العمل اليدوي الجسدي ذا بعد روحي، مرتبط بالعائلة، والذاكرة، والنضال من أجل البقاء»، وفي وصف علاقة كوينسي بالبحر نقرأ: «حين يكون البحر هادئًا، تخرج يداه لترسم في الماء قصة حضور الإنسان الذي لا يلين، الذي يخيط من رمال الشاطئ شبكة انتظار، وشبكة أمل… في ظلال الغسق، كانت الشباك تُطرح بهدوء في البحر، والصمت يغلف اللحظة، وكأن البحر واليدين يتحدثان بلغة لا يفهمها أحد غيرهما، لغة الصبر والأمل المكنون».

قلم النجار مانويل ريفاس: من رسم الأفكار إلى نقش ذاكرة المقاومة

Haut du formulaire

تبحر رواية «قلم النجار» (1998م)، للكاتب الإسباني مانويل ريفاس، في أعماق الحرب الأهلية الإسبانية وقمع فرانكو من خلال قصة الطبيب هيربال، الذي يقضي عقوبته في سجن ليون حيث يلتقي شخصياتٍ عدةً تتقاطع حياتها عبر القلم الذي يحمل رمزية خاصة في الرواية. لا يقتصر القلم هنا على كونه أداة للكتابة فحسب، بل يتحول إلى رابط مادي يجمع بين الماضي والحاضر، بين الضحايا والصامتين، ويمنحهم صوتًا يحاول استعادة الذاكرة الجماعية التي حاول النظام إخفاءها.

يحكي ماركو، الناشط والكاتب، عن القلم قائلًا: «إنه رابط بين أولئك الذين صمتوا في قبور جماعية وبيننا نحن الذين نبحث عن الحقيقة». وفي ظل محاولات الطمس والإنكار، تصبح الحرفة اليدوية، من خلال هذا القلم، وسيلة لاستحضار القصص المفقودة، وتحويل الصمت إلى شهادة حية. فـقلم النجار رمزٌ للذاكرة يُضفي صلةً ملموسةً بالتاريخ، ويستعيد القصص المفقودة للعديد من ضحايا قمع فرانكو المجهولين والصامتين والبطوليين. في الرواية، يُشكّل القلم صلةً مجازيةً بين حياة وتجارب مختلف الشخصيات التي امتلكته، بمن فيهم الرسام الذي يرسم وجوه رفاقه السجناء كما لو كانوا قديسين على واجهة رواق المجد في كاتدرائية سانتياغو.

ويُشير الناقد الإسباني خوان غارسيا ميخيا إلى أن رواية قلم النجار تقدم «تأملًا في مدى قدرة الأشياء المادية على حمل الذاكرة واحتضانها، وكيف تتحول الحرف اليدوية إلى لغة لا تقل أهمية عن الكلمة المكتوبة»، عادًّا القلم ليس مجرد أداة، بل «جسرًا بين الأحياء والأموات، وبين الصمت والكلام».

Bas du formulaire

ختامًا، ليست الحرفة اليدوية مجرّد تفصيل في الهامش الاجتماعي أو خلفية بيئية عابرة في النصوص السردية، بل هي بنية رمزية ومادية في آنٍ، تتسرّب إلى السرد كفعل مقاومة، وكأداة ترميم للذات والذاكرة والهوية. في روايات مثل: «الحبيبة»، «أخبار الشحن»، «بيت الأرواح»، «قلم النجار»، وفي تجارب أدباء مثل شتاينبك ولندن، تتحوّل اليد التي تحيك، أو تصطاد، أو تكتب، أو ترمم، إلى فاعل مركزي في الحكاية: يدٌ تَروي، وتَشفي، وتُفكّر.

إن تتبّع أثر الحرفة في الأدب هو، في جوهره، تتبّع للأثر الإنساني الأعمق، ذلك الذي يُكتب بالعَرَق، ويُروى بالنَّفَس، ويُخاط على مهلٍ بخيوط الحياة. إنّ العودة إلى اليد العاملة ليست عودة إلى الماضي، بل هي استعادة للمعنى في زمن فقدت فيه السرعةُ والسطحيةُ عمقَ التجربة. الأدب، في جوهره، كان دومًا صناعة يدوية… مهما بدت لغته ذهنية، فإن قلبه لا ينبض إلا حين تتحرك اليد.

الطفل الأسود لكامارا لاي: الورشة: محراب الصمت، وجسر نحو الرجولة

في رواية «الطفل الأسود» (1953م)، للكاتب الغيني كامارا لاي، يُعيد السرد اكتشاف الطفولة الإفريقية لا كزمن براءة، بل كزمنٍ من الصراعات الخفية بين عالم الأهل، والمدرسة، والاستعمار، والدين، والمصير الشخصي. واحدة من أهم لحظات الرواية تتمثل في دخول البطل إلى عالم الحِرفة، لا بوصفه عملًا يدويًّا فحسب، بل كطقس عبور من الطفولة إلى الكينونة الرجولية والاجتماعية.

يأخذنا الكاتب، في مشهد دقيق ومشحون، إلى ورشة والده التي تتجاوز وظيفتها المهنية لتغدو فضاءً شبه مقدس. ليست الورشة مجرّد غرفة عمل، بل خلوة روحية، يتعلم فيها الصمت والانتظار والانضباط. تصف الرواية المكان بلغة لا تخفى عليها الإيحاءات الدينية: «كانت الورشة مظلمة بعض الشيء، يغمرها ضوء متسرب من نافذة صغيرة في الأعلى، وكان الصمت فيها يُشبه صمت المساجد. لا أحد يرفع صوته. حتى خطوات القدم تُسمع وكأنها صلاة».

هذا التوصيف يمنح الحرفة بُعدًا وجوديًّا، يجعل منها أكثر من تمرين عضلي أو وسيلة للعيش. إنها لحظة من السكينة العميقة، حيث اليد تفكر بدلًا من العقل، والجسد يُتقن ما لا تشرحه الكتب. هنا يتحوّل الأب إلى ما يُشبه الناسك، وتتحوّل الورشة إلى زُهدٍ مُتقشّف، تدخله الذات الصغيرة؛ كي تتطهّر من فوضى الطفولة وصخبها: «كان والدي يجلس ساعاتٍ دون أن يتكلّم، يحرّك الطين ببطء، يُنقّط الصبغة على القماش كمن يكتب سورة طويلة، ولم أكن أجرؤ على الجلوس بقربه دون إذن».

ولعل ما يُميز هذه التجربة أنها تفتح أمام القارئ مفهومًا بديلًا للتكوين: فليس المثقف هو فقط من تعلّم في المدارس الاستعمارية، بل أيضًا من وقف في حضرة الصنعة، وجرّب الصمت، وعرف كيف تُلَقّن الروح عبر الأيدي.

بيت الخزّاف لسوزان فريمان: الطين لغة الصمت والشفاء الهش

تمثل رواية «بيت الخزّاف» (1998م)، للكاتبة البريطانية سوزان فريمان، تجربة سردية مختلفة، حيث تتحول الحرفة من مجرد خلفية مهنية إلى محور داخلي تتقاطع فيه الهوية الفنية مع جراح النفس. فالعمل على الطين: تشكيله، حرقه، تلوينه، ثم مراقبته يتصدّع أو يتماسك، كل ذلك يوازي ما تمرّ به الشخصيات من تشكّل نفسي هشّ أو مقاوم. لا تكون الحرفة مهنة حياة فحسب، بل أشبه بفعل تطهير داخلي، حيث تستعيد الأيدي ذاكرة الجسد، ويستعيد الجسد صلته بالعالم من خلال المادة.

في أحد المقاطع المفتاحية، يرد هذا الوصف: «حين غمس يده في الطين لأول مرة بعد أشهر، ارتعشت يده كما لو أنها تعرّفت عليه من جديد، لا الطين فقط، بل الألم القديم الذي ظنّه اختفى. كانت الأصابع تفهم ما لا تفهمه الكلمات».

فالطين لا يُشكَّل فقط، بل يَفضح، يحرّض، يعيد فتح الجرح. وهذا ما يجعل من الخزف أكثر من مجرد منتج فني: إنه تشكّل نفسي ورُوحي. تقول الناقدة البريطانية هيلين برادشو: «الروايات التي تعتمد على الفخار لا تستخدمه كرمز جامد، بل كفعل يعيد تشكيل الشخصية، كما لو أن اليد حين تُدوّر العجلة تعيد خلق علاقتها بالألم والخسارة والحنين».

كل آنية هي تجربة، وكل فشل فيها يُضاف إلى سردية البطل لا كخسارة، بل كحقيقة: «لا توجد آنية مكتملة، قال، حتى الأجمل فيها تخفي شقًّا داخليًّا لا تراه العين. نحن مثلهن، نحن خزف هش، لكننا نصمد»، وبهذا يصبح «بيت الخزّاف» نصًّا عن التشكّل، عن الهشاشة كقيمة إنسانية، وعن الحرفة كحوار حميم بين الإنسان والعدم. لا تنقذ الحرفة هنا، لكنها تُصغي. لا تعالج، لكنها تواسي. وكأن الرواية بأكملها تمضي بدورة عجلة الخزّاف: دوران بطيء، دائري، صامت، ينتهي في الفرن، ثم يبدأ من جديد.

رسالة طويلة جدًّا لمارياما با: غرزة لتقطيب الجرح، وغرزة لرتق الذاكرة

رواية «رسالة طويلة جدًّا لمارياما با» (1979م)، هي عمل استثنائي، ليس فقط في صيغته -خطاب طويل من امرأة إلى صديقتها الراحلة- بل في نبرته الهادئة واللاهثة معًا، حيث تتداخل التجربة الفردية بالوجع الجماعي. تحكي البطلة روماتولايا في رسالتها الطويلة عن رحلتها كامرأة سنغالية، أرملة وأم، تحاول أن تستعيد ذاتها بعد أن نبذها زوجها لأجل امرأة أصغر سنًّا. هذا الانفجار العاطفي لا يُروى بصوت غاضب، بل بحبر ناعم وموجِع، تتخلله إشارات خفيفة لكن حاسمة إلى العالم اليدوي الذي يُحيط بالشخصية.

واحدة من أكثر الحِرف دلالةً في الرواية هي الخياطة والحياكة، وهي ليست مركزية كثيمة، لكنها تظهر كرمز دائم للترميم الصامت والمقاومة النسائية في مجتمع لا يتيح للنساء مساحة كافية للكلام. تقول روماتولايا في بداية الرسالة: «تعلمت منذ طفولتي كيف أطرّز الصبر بالخيط، كيف أربط عقدًا في الهواء، وأصنع من النقوش ما لا تقدر عليه الكلمات». يتداخل هذا الفعل اليدوي مع بنية السرد: كما تخيط الفتاة قماشها، تخيط الرسالة جراحها، غرزةً غرزةً، فكرةً فكرةً.

الناقدة أمينة طوري ترى أن: «مارياما با تُعيد تعريف الحرف النسوية التقليدية من الداخل: لا كتقليد يجب التخلص منه، بل كمساحة مقاومة لا تُرى، داخل زمن أبوي استعماري». وهذا بالضبط ما نراه في الرواية. فالحياكة، والخياطة، وتحضير المأكولات، وتزيين الملابس، كلّها أفعال تبدو خفيفة على السطح، لكنها تمثّل في عمقها أرشيفًا للمرأة السوداء، سردية بديلة لحياة من الصمت والتحدي.

بيت الأرواح لإيزابيل ألليندي: الخيوط التي تحيك ذاكرة البيت والوطن

رواية «بيت الأرواح»، التي صدرت عام 1982م، تُشكّل بناءً سرديًّا واسعًا يُعالج تحوّلات المجتمع التشيلي من خلال مصير عائلة تروبا، عبر أربعة أجيال. إنها ليست فقط رواية عائلة، بل رواية وطن، تتقاطع فيها العاطفة مع العنف، والذاكرة مع الخسارات. وفي خضم كل هذا، تظهر الحرف المنزلية والحرف النسائية تحديدًا كخطاب موازٍ يمر بصمت داخل النص، لكنه يضطلع بدور حاسم في حفظ ما لا يُقال.

إن الحرفة الأبرز في الرواية هي الخياطة والتطريز والطهي، وجميعها تمارسها النساء -بانشا، كلارا، بلانكا، وألبا- ضمن سلسلة متواصلة من الأيدي التي تحيك، وتطبخ، وتدوّن، وترمّم، بما يجعل من الجسد الأنثوي ذاته حرفة تقاوم النسيان والانهيار. في أحد المواضع، تقول ألليندي في وصف بانشا: «كانت خيوطها تربط الهواء بعضه ببعض، كأنها تخشى أن يتهشّم البيت إن تركت يدها تستريح». هنا تتحوّل الحياكة إلى تعويذة يومية تحفظ كيان البيت من التفكك، وتُبقي العائلة واقفة على قدميها في ظل رجل عنيف (إستيبان تروبا) وتاريخ يهتز سياسيًّا.

يُشير الناقد التشيلي خورخي إدواردز إلى أن: «ألليندي تضع الحرفة النسوية في صلب سردية البيت- ليست فقط للحفاظ عليه، بل بوصفها تاريخه الموازي، تاريخ لا يدوّنه الرجال، بل تتكفله الخيوط والملاعق والدفاتر».

في المقابل، تمارس كلارا حرفتها الأهم: التدوين الصامت، حيث تقضي سنواتها الأخيرة وهي تكتب في دفاتر يومية ما تراه وتعيشه. ولئن لم تكن حياكة بالمعنى الحرفي، فإن فعل الكتابة اليدوية ذاته يحمل وظيفة «حرفية» تكمّل الخياطة وتوازيها. الكتابة هنا حرفة المرأة البديلة، وهي ما تُبقي الحقيقة حيّة في النهاية؛ إذ نجد أن ألبا (الحفيدة) لا تستطيع رواية ما حدث لها تحت وطأة الاستبداد إلا بفضل ما كتبته جدتها كلارا. تقول ألبا في الفصل الأخير: «كلارا كتبت دون أن تدري أنها تترك لي الخيط الوحيد الممكن لأبدأ ترميم نفسي. الآن أمسك القلم كما تمسك الإبرة: بخوف، وبأمل». هنا نصل إلى ذروة الحرفة بوصفها استمرارًا للذاكرة الأنثوية، حيث تنتقل الكتابة كما الخياطة من يد إلى يد، وتصبح عملية خفية لمقاومة المحو السياسي والوجداني.

تُعزز الناقدة إلين ماكدونالد هذا الرأي في كتابها نساء الذاكرة في أدب أميركا اللاتينية حين تقول: «إيزابيل ألليندي لا تحتفي بالحرفة لذاتها، بل تزرعها في صلب سردية المقاومة: حين يتكلم الرجال بالحرب والعقاب، تمسك النساء بالخيط، وترقّع جراح العائلة والتاريخ». «لم تكن بانشا تؤمن بالكلمات الكبيرة. كانت تضع المربّى في المرطبانات، وتحكم إغلاقها كما لو أنها تغلق أفواه الخوف. كانت تخيط المائدة بيديها، وتهمس: البيت لا يسقط ما دامت الأيادي تعمل».


تطوير أدوات حمل الموروث إلى الأجيال

حامد عقيل – ناقد سعودي

من المهم إيجاد ناقل خارج القصدية المباشرة الشبيهة بالوعظ الثقافي. ففي ثقافات الشعوب، وبخاصة ما يتعلق بحرفها اليدوية وأزيائها ورقصاتها وأشعارها وحكاياتها، يُركَّز على تطوير أدوات لنقل الموروث إلى الأجيال التالية، بل تسويقها للمجتمعات الأخرى من خلال الفنون والإعلام، مثل: مسلسل تلفزيوني، فِلْم، معارض فنّية، أغانٍ شعبية بتوزيع موسيقيّ يشكّل هوية سمعية خاصة. كل هذا وأكثر يمكن أن يكرّس هُويتنا الاجتماعية، في إطار إبداعي غير مختلَق. الأفكار كثيرة حول هذا، أتذكر «كمامة» الخطوط السعودية في أثناء وباء كوفيد. كما شاهدتُ المهن والحرف اليدوية في الأجنحة السعودية المشاركة في الخارج، ولم أشاهد ذلك في معرض كتاب أو أي معرض محلي.

لاستمرار مثل هذه المبادرات هناك زوايا صالات المطارات، التي يمكن تخصيص أماكن فيها للمحترفين والمحترفات في ممارسة الحِرف لتسويق منتجاتنا اليدوية كتذكارات. هناك أيضًا محطات القطارات، الأماكن السياحية الشهيرة، أو إنشاء أزقة تحمل طابع كل مدينة سعودية داخل بعض المولات التجارية في تلك المدن والعمل على دعم العاملين في هذا المجال، بحيث تعود الحرفة على من ينتجها ويسوقها بمنفعة حقيقية. الأمر أشبه بمنح بعض الأدباء التفرغ الكتابي. الثقافة بعمومها تنتمي لعامة الناس، وليست نخبوية فقط، لهذا لا بد من اصطناع بيئة حاضنة تتم من خلالها ممارسات ثقافية شعبية غير مصطنعة، بما فيها الحرف اليدوية. الثقافة الشعبية لأي مجتمع هي كلمته الناعمة، موْجَة السلم الاجتماعي، الفكر الإبداعي التراكمي لجماعة ما. لهذا هي كل ما لا يدل على أن الإنسان يعيش به، بل هي الدال على كل ما يعيش الإنسان من أجله.

بقي أن أشير إلى أهمية التعامل مع موروثاتنا الشعبية بصفتها إبستمولوجيا لا تقع خارجنا، ولهذا تأخذ شكلها الخاص وطبيعتها التي تكونت عبر الأجيال من خلال التنوع الجغرافي والديموغرافي، كما أن المعرفة الشعبية لا يمكن نقلها وترويجها بأدوات ووسائل من خارجها. كما لا يمكن أن نعهد للآخر باستقرائها ومعرفة أنماطها وتسويقها. فمن كان يُنتج ثقافة ما فإنه هو القادر على إعادة إنتاجها؛ لأنه جزء من سياقاتها الأصلية التي نشأت فيها، وشكّلتها، بوصفها -بأشكالها كافة- ذاتًا اجتماعية مُعترَف بها، ولها وجودها الخاص والمتميز من غيره.


فعل حضاري له دلالاته على وعي أصحابه

أحمد السيد عطيف – شاعر وكاتب سعودي

أحتفظ في مجلس بيتي بأربعة أسرّة أثث أبي بها بيته (من الطين والقش)، قبل أكثر من سبعين عامًا. تلك الأسرّة نُجِرتْ في منجرة قريتنا عند رجل اسمه «إبراهيم النجار»، رحمه الله. وكانت قريتنا كلها تعتمد على منجرته، لنجارة الأَسِرّة من مختلف المقاسات، من تلك التي تكون للضيوف إلى تلك التي للصبيان. ويتولى النجار أيضًا صناعة أدوات الشرب والطعام، ويغطي حاجات قريتنا.

بيتنا القديم، من الطين والخشب والقش، بناه بناؤون من قريتنا، أما طلاؤه ودهانه فقامت به نساء من قريتنا يحترفن هذه الأعمال. وكل ما يحتاجه البيت من قطع أخشاب وتظفير حبال أَنجزَه في المكان نفسه، رجالٌ متخصصون. وتحتفظ أمّي بمصوغات فضية أُنجزَتْ بتصاميمها الفريدة، لدى أحد الصاغة في قريتنا، اسمه «حمد الصايغ»، رحمه الله. وهو أحد الصاغة الذين يصوغون الحليّ الفضية التي تتزين بها النساء في أعضادهن وأذرعهن وأصابعهن وأقدامهن.

خزانات المياه التي نستخدمها في حفظ أو جلب الماء من الآبار كانت تصنع في سوقنا، سوق أحد المسارحة، وتغطي حاجة المحافظة من الجِرَار والأزيار والشربات الفخارية الصغيرة التي يحملها الراعي معه إلى المرعى.

أتذكر أن نحّاتي الأحجار كانوا يطوفون في قرانا لبيع منتوجاتهم من آنية الطبخ والطحين. كما أن كثيرًا من النساء كن يتفنن في صناعة الزنابيل الصغيرة والكبيرة لحفظ الحبوب والأغراض، ويصنعون من السعف أيضًا أدوات ضرورية للطحين (مهاجين). الواقع أن أكثر القرى كان لديها صاغتها ونجاروها وبناؤوها وكل ما تحتاجه القرى من خدمات، ولم يكونوا يذهبون إلى الأسواق إلا لشراء الضروريات مما لا يتوافر في مزارعهم وقراهم.

الحرف اليدوية جزء من الثقافة، هي شيء من الهويّة، وهي فعل حضاري له دلالاته على وعي أصحابه. ولأنها كذلك فنحن نلاحظ إقبال المواطنين على كل ما له صلة بتراثهم؛ لأنهم يجدون فيه عبق أهلهم، فنراهم يزينون به بيوتهم ويتباهون به أمام زوارهم.

إنه لشيء يستحق التقدير أن تسعى وزارة الثقافة إلى تنشيط الاهتمام بهذه الحرف اليدوية، وإعادة فتح المجال أمامها وتنويعها والترويج لها. ويمكن للوزارة أن تقوم بدراسات ميدانية وتستقطب مهتمّين لتصل إلى أفضل الخطط في خدمة هويتنا وتراثنا. ويجب أن يشعر أصحاب هذه الحرف بالدعم والاهتمام والجدوى لما يقومون به، والترويج لعملهم داخليًّا وخارجيًّا.


في مديح الأيدي الخلاقة

مختارات شعرية تراثية في الصَّنائع والحِرَف

محمد مظلوم – شاعر وناقد عراقي

تعتمد هذه المختارات على مخطوط نادر يعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي (العاشر الهجري)، عنوانه «سكردان العُشَّاق ومنارة الأسماع والآماق»، لمؤلِّفه أويس الحموي، الذي لا يرِدُ الكثير عنه وعن مؤلفاته في المصادر، ولا سيما التراجم منها. لكننا نعرف من بعضها أنه: أويس بن عبدالله الحموي الدمشقي، توفي سنة 901هـ/ 1510م)(1). وكان حاجب الحجَّاب بطرابلس، وقد جمعه وهو في السجن، وقد أثبت ذلك بنفسه في تقديمه للمخطوط.

يتضمَّن المخطوط مختارات شتّى من نوادر الأخبار ومأثورات القصص وظرائف الأشعار في شتى الموضوعات والأغراض، مثل: الحب والمجون ومكر النساء، وأخبار شتى الطبقات الاجتماعية في عصره، من عشاق وحِرَفيين وقضاة وأذكياء وحمقى… إلخ. ومما يؤسف له أن أحمد تيمور (1871- 1930م)، الذي يعد من رموز عصر النهضة، نقل من مخطوط الحَمَوي هذا فُصولًا نسبها لنفسه ونشرها في كتاب بعنوان: «الحب والجمال عند العرب» (1921م)، دون أية إشارة للمخطوط.

وفي تحقيقي لمخطوط «سكردان العُشَّاق ومنارة الأسماع والآماق» اعتمدت نسختين هما: نسخة مكتبة بينيكي للكتب النادرة والمخطوطات، وهي متاحة عبر موقع (جامعة ييل) على الإنترنت. ونسخة المكتبة الوطنية الفرنسية، وهي متاحة عبر موقع (غاليكا على الإنترنت).

ما يميز هذه المختارات أنها ليست مطولات، بل (إبيغرامات) شعرية مكثَّفة وموجزة، من بيتين أو ثلاثة، تستغني عن الجزالة المعهودة في شعر القرون السالفة، وتتسم بالظرف والتورية الطريفة؛ لتقدِّمَ لنا شِعر اللقطة السَّريعة والخاطفة لكن برؤية مشهدية كاملة.

ما قِيلَ في الحِرَف والصَّنائع:

لصلاح الدين الصفدي في ورَّاق:

يَا حُسْنَ وَرَّاقٍ أَرَى خَدَّهُ       قَدْ رَاقَ فِي التَّقْبِيلِ عِنْدِي وَرَقْ

تَميسُ فِي الدُّكَّانِ أَعْطَافُهُ       مَا أَحْسَنَ الْأَغْصَانَ بَيْنَ الْوَرَقْ

ولابن حبيب الحلبي فيه:

فُتِنْتُ بِحُسْنِ وَرَّاقٍ نَفُورٍ       بِقَلْبِ الصَّبّ نَارَ الْهَجْرِ أَصْلَى

صَقِيلِ الْوَجْهِ كَمْ دَرَجٍ لَدَيْهِ       وَيَغْضَبُ إِنْ طَلَبْنَا مِنْهُ وَصْلا

ابْن الورْدي فِي أبَّار(2):

رُبَّ أبَّارٍ مَلِيحٍ       لُمْتُهُ فِي سُوءِ سِيرةْ

قَالَ لَا تَتْعبْ وَتعْتُبْ       أَنَا خُرْمَاتي كَثِيرةْ

لآخر فِي نطَّاع:

هَوِيتُ نَطَّاعًا إذَا جِئْتُهُ       بَادَرَنِي بِاللَّحْظِ وَالصَّفْعِ

أَرُومُ أَنْ أَحْظَى بِوَصْلٍ وَقَدْ       قَابَلَني بِالسَّيْفِ وَالنَّطْعِ

ولآخر فِي حَرِيرِي:

حَرِيرِيٌّ بَدِيعُ الْحُسْنِ أَلْمَى       شَبِيهُ الْغُصْنِ وَالْبَدْرِ الْمُنِيرِ

كَسَا جِسْمِي السّقَامُ وَلَا عَجِيبٌ       لِثَوْبِ السَّقْمِ مِنْ هَذَا الْحَرِيرِي

فِي حبَّاك:

يَا مَلِيحًا هُدْبُ مُقْلَتِهِ       صَادَ قَلْبِي مِنْهُ بِالشَّرَكِ

مُذ رَأَيْتُ الحَبْكَ صَنْعَتهُ       قُلْتُ: هَذَا الْبَدْرُ فِي الحَبَكِ

لمحمد بن إبراهيم الطبريّ فِي (بَائِعِ تِكَك):

يَا بَائعَ التِّكَّةِ فِي سُوقِهِ       مُحْكَمَةً فِي الظَّفْرِ وَالْعَقْدِ

مَا حَاجَتِي إلَّا إلَى تِكَّةٍ       تَحُلُّهَا فِي خَلْوَةٍ عِنْدِي

لآخر فِي (نَاسِج تِكَّة) وذكر السيوطي في (الكنز المدفون والفلك المشحون) أن الجارية (دينار) كتبت البيتين على تكَّتِها:

أَنَا قَفَلٌ مِنْ حَريرْ       فَوقَ خَصْرٍ مُسْتَدِيرْ

أَنَّا لَا أُفْتَحُ إلَّا       عِنْدَ أَوْقَاتِ السُّرُورْ

في فَرَّاء:

قُلْتُ لِفَرَّاءٍ فَرَى أَدِيمي       وَزَادَ صَدًّا وَطالَ هَجْرَا

قَدْ فرَّ نَوْمِي وَفَرَّ صَبْرِي       فَقَالَ: لَمَّا عَشقْتَ فرَّا

الأزهري في «جوخي»:

أَحْبَبتُهُ جُوخِيًّا قَضَّ نومي مُذْ       عَبَّرتُهُ فيهِ وَصْلًا غيرَ مُنْفَسِخِ

إنْ قُلْتُ: أَبْيَضُ عَيْشِي كَمْ تسوِّدُهُ؟       يَقُولُ: لا تُنْكِرِ التَّلْويْنَ لِلْجوخِ

ابن قزمان في «رسامٍ» وتنسب للشاب الظريف:

قُلْتُ لرسَّامٍ رَنَا       بِكَ الْفُؤَادُ مُغْرمُ

قالَ: مَتَى أُذِيبُهُ؟       فَقُلْتُ: حينَ تَرسمُ

ولأحدهم فيه أيضًا:

هَوِيتُ رسَّامًا كَبَدْرِ الدُّجَى       وَثَغْرُهُ كالدُّرِّ إذْ يَبْسمُ

قلتُ لهُ: صِلْنَي ولو ساعةً       قال: بِكَمْ؟ قلتُ: بِمَا تَرْسمُ

ولسعد الدين بن عربي في مُصوِّر:

أَيَا مَنْ فَاقَ بِالتَّصْوِيرِ حُسْنًا       سَلَبْتَ بِفَرْطِ ذَا التَّصْوِيرِ لُبِّي

غَدَوْتُ مُصَوَّرًا بِبَيَاضِ طِرْسٍ       وَأَنْتَ مُصَوَّرٌ بِسَوَادِ قَلْبِي

ولآخر فيه:

عَلا في صنْعَةِ التَّصْويرِ بَدْرٌ       يُقابِلُ كُلَّ مَخْلوقٍ بِشَبْهِهْ

يُصوِّرُ كُلَّ مَا في الأرضِ وَجْهًا       وَيَعجزُ أنْ يُصوّرَ مِثْلَ وَجْهِهْ

ولسعد الدين بن عربي في دهَّان:

سَبَانِي الْيَوْمَ دَهَّانٌ       إِلِيهِ حَنَّتِ النَّفْسُ

لَهُ مِنْ حَدِّهِ الصبْغُ       وَمِنْ طَلْعَتَهِ الشَّمْسُ

ولآخر فيه:

قَامَ في صنْعَةِ الدِّهَانِ مَلِيحٌ       رَامَ يَحْكِي بِمَا حَواهُ مَعَاني

لاحَ كالوَرْدِ في الدِّهَانِ ولاحَتْ       فوقَ خَدَّيهِ وَردَةٌ كالدّهانِ

ولسعد الدين بن عربي في نَقَّاش:

وَمُنَقِّشٍ عَلَمًا رَأَيْتُ بِكَفِّهِ       قَلَمًا أُعِيذُ جَمَالَهُ بِالْبَارِي

هُو كَاتِبٌ وَسَوَادُ قَلْبِي حِبْرُهُ       أَوَمَا تَرَى أَنَّ مِدَادَهُ مِنْ نَارِ؟

وله «شمَّاع»:

يَا رُبَّ شَمَّاعٍ يَرُوقُ بِقَدِّهِ       نَادَيْتُهُ وَالْقَلْبُ مِنِّي يَكْمَدُ

يَا غَايَةَ الْآمَالِ بِعْنِي شَمْعَةً       فَأَجَابَنِي وَالْوَجْهُ مِنْهُ مُوَرَّدُ

أَيُّ الشُّمُوعِ تُرِيدُ؟ قُلْتُ لَهُ: الَّتي       فِي الخَدِّ مِنْهَا جُذْوَةٌ تَتَوقَّدُ

ولآخر فيه:

نَظَرْتُ إِلَيْهِ شَمَّاعًا مَلِيحًا       جَمِيعُ الحُسْنِ مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ

لهُ خَدٌّ كَجَمْرٍ ذِي لَهِيبٍ       يَذُوبُ الشَّمْعُ مِنْ أَسَفٍ عَليهِ

ولسعد الدين بن عربي في صَبَّاغٍ:

وَشَادِنٍ يَصْبغُ الثِّيَابَ حَكَى       رَوْضًا بِأَنْوَاع زَهْرِهِ زَاهِي

يَا مَنْ لَدِيهِ الثِّيَابُ يَصْبغُهَا       دِيبَاجُ خَدَّيْكَ صُنْعَةُ اللَهِ

ولآخر فيه:

لمْتُ صبَّاغَكُمْ عَلَى       مُسْتَهَامٍ تَعَشَّقَهْ

قُلْتُ: صَفَّرْتَ وَجْهَهُ       قَالَ: رِجْلي مُزَرَّقهْ

في «مطرِّز»:

هَوِيتُ مُطرِّزًا كَالْبَدْرِ حُسْنًا       يُعلِّلُني بِوعْدٍ لَيْسَ يُنْجَزْ

سَبَا قَلْبِي بِرَقْمِ الخدِّ حُسْنًا       وَتَمَّمَني بِعَارِضِهِ الْمُطرَّزْ

في «زركشي»:

زرَكشيٌّ هويتُهُ       حُبُّهُ في الحَشَا حُشِي

قَدْ كَسَا جِسْمِيَ الضَّنَى       ثَوبَ سَقْمٍ بِزَركَشِ

في «قطَّان»:

وَلَمَّا أتى القطَّانُ نَحْويَ زَائِرًا       وقبَّلْتُ كفَّيهِ وَعانَقْتُ عطفَهُ

تَرَشَّفْتُ صَرْحَ الرَّاحِ مِنْ ماءِ وَصْلِهِ       وَفَوْقَ فِرَاشِ الوصْلِ أحْبَبْتُ نَدْفَهُ

آخر:

قَطَّانُنا مُهفهفٌ       ثَقِيلةٌ أَرْدَافُهُ

نَادَيتُ مِنْ وَجْدِي بهِ       يَا لَيْتَنِي نَدَّافُهَ

ولسعد الدين بن عربي في رفَّاء:

أًقُولُ لِرَفَّاءٍ شَكَوْتُ لَهُ الْهَوَى       فَأقْسَمَ لِي أنْ لَا يَرقَّ لِمَا أَشْكُو

عَقَدْتَ يَمِينًا ثُمَّ أَعْرَضْتَ فَارِكًا       وَلَا عَجَبٌ أَنَّ دَأبَكَ الْعَقْدُ وَالْفَرْكُ

لهبة الله بن كامل في «رفاء»:

يَا رَافِيًا خَرْقَ كلِّ ثَوْبٍ       يَا بُغيةَ النَّفْسِ يَا مُرَادي

عَسَى بِخَيْطِ الوِصَال تَرْفُو       مَا مزَّقَ الهجْرُ مِنْ فُؤادي

وللصفدي فيه:

ورفّاءٍ لهُ وجهٌ مليحٌ       محاسنُهُ البَديعةُ ليْسَ تَخْفَى

شغلْتُ بِهِ الفُؤادَ ولي زَمَانٌ       أَرَى ثوبَ الفُؤادِ يعوزُ رفَّا

في خيَّاط:

لمَّا أَتى وَالْمِقَصُّ في يَدِهِ       وَفَصَّلَ الْعَاتِقَيْنِ والبَدَنا

فَقَالَ: وَصْلًا يَعُوزُ، فَقُلْتُ لَهُ:       الْعَائزُ الوَصْلَ يَا مَلِيحُ أَنَا

ولأبي غالب الواسطي فيه:

مَرَرْتُ بِخَيَّاطٍ حَكَى الْبَدْرَ طَلَعْةً       وَشَاكَلَ غُصْنَ البَانِ لَمَّا انثنى قَدَّا

يقُدُّ ويَفْرِي الثَّوبَ ثمَّ يَخِيطُهُ       فلِم ثَوْبَ قَلْبي لا يَخِيطُ وَقَدْ قُدَّا

في «فاخوري»:

بَائِعُ الفخَّارِ بَدْرٌ       قَالَ لِلْعَاشِقِ جَهْرَةْ:

مَا الَّذِي تَبغيهِ مِنِّي       قالَ: قَصْدي أَلْفُ جَرَّةْ

في «سُروجي»:

فُتِنْتُ بِهِ سُرْوْجِيًّا بَدِيعًا بِهِ       قَدْ ذُبْتُ وَجْدًا مِنْ ضَجِيجِ

ولمحمَّد بن الرعَّاد في «قصَّاص»:

أَشْكُو إلى اللهِ قَصَّاصًا يجرِّعُني       بِالصَّدِّ والهَجْرِ أَنْوَاعًا مِنَ الغصَصِ

إنْ تُحْسِنَ الْقَصَّ يُمْنَاهُ فَمُقْلَتُهُ       أَيْضًا تقُصُّ عَلَيْنَا أَحْسَنَ القَصَصِ

في «حدَّاد»:

تَعشَّقْتُ حَدَّادًا بَدِيعَ مَلاحَةٍ       لَهُ طَلْعَةٌ في الحُسْنِ تَعْلُو وَتَشْمَخُ

إِذَا رُمْتُ بِالتَّطْرِيقِ وَصْلًا بقُربِه       أَرَاهُ يَسْترُ الْغَيْظَ ثمَّ ينفِّخُ

ابن نباتة في «فولاذي»:

أفْدِي بَدِيعَ الْجَمَالِ مُحْتَكِمًا       بِنَاظِرٍ في القُلوبِ نفَّاذِ

إذَا تَبَّينتُ ما صِناعتُهُ       رَنَا بِلَحْظٍ وَقَالَ: فُولَاذِي

في حائك:

وحَائكٍ يَا صَاحِ أَبْصَرْتُهُ       كَالبَدْرِ في كَفَّيهِ مَاسُورةْ

فَلَمْ أرحْ إِلَّا ورُوحِي لِمَا       عَايَنْتُ في كفَّيهِ مأسورهْ

ابن الوردي في «خبَّاز»

رَغِيفُ خَبازِكُمْ قدْ حَلا       مِنْ وَجْهِهِ التَّدْوِيرُ وَالْحُمْرَةْ

إذَا رَأى مِيزانَهُ الْمُشتري       يَقُولُ ذَا الميزانُ والزّهرَةْ

ولابن الرومي فيه:

مَا أَنْسَ لَا أَنْسَ خَبَّازًا مَرَرْتُ بِهِ       يَدْحُو الرُّقَاقَةَ وَشْكَ اللَّمْحِ بِالْبَصَرِ

مَا بَيْنَ رُؤْيَتِهَا فِي كَفَّهِ كُرَةً       وَبَيْنَ رُؤْيَتِهَا قَوْرَاءَ كَالْقَمَرِ

إِلَّا بِمِقْدَارِ مَا تَنْدَاحُ دَائِرَةٌ       في صَفْحَةِ الْمَاءِ يُرْمَى فِيهِ بَالْحَجَرِ

لآخر في «مناخلي»:

مَنَاخليٌّ همْتُ في حُبَّهِ       وَفِي الْحَشَا مِنْ حَبَّهِ جَمْرُ

قُلْتُ وَقَدْ عَايَنْتُ مِنْ حَولِهِ       مَناخِلًا لمْ يَحْوها الخَصْرُ:

مَا هَذِهِ؟ قالَ: شُموعٌ غَدَتْ       يكسِفُها مِنْ وَجهِيَ البَدْرُ

في «مغربل»:

تَعَشَّقْتُ مِنْ بَيْنِ الأَنَامِ مُغَرْبِلًا       لَهُ طَلْعَةٌ تُهْدِي إِلَيْكَ الأَمَانِيَا

إذَا حرَّكَ الغِرْبَالَ هَزَّ مَعَاطِفًا       تُنَسِّيَكَ الْهِنْدِيَّ إِذَا مَا اهْتزَّ مَاضِيَا

تَخَافُ عَلَى أَعْطَافِهِ الْعَيْنُ دَائِمًا       فتُبْصِرُهُ فِيهِنَّ يَنْفُثُ رَاقِيَا

في «عجَّان»:

وَجْهُ الْمَليحِ الْمُفَدَّى       مُغبَّرٌ بالدَّقيقِ

كأنَّهُ بَدْر تَمٍّ       مِنْ تَحْتِ غَيْمٍ دَقِيقِ

ابن الوردي في «دقَّاق»:

دَقَّاقُ قَمْحٍ مَلِيحٍ       لِلْبَدْرِ يَدْعُو عَلامَةْ

قَدْ رَقَّ خَصْري وَنَادَى       هَذَا الدقيقُ العلامةْ

في «طحَّان»:

للهٍ طَحَّانٌ تبدَّى وَجهُهُ       قَمَرًا لهُ قَمَرُ السَّمَاءِ رَقيقُ

وَجْنَاتُهُ ماءٌ ولكنْ قلبُهُ       حَجَرٌ وأمَّا خصرُهُ فَـ(دَقيقُ)

لسعد الدين بن عربي في «زجَّاج»:

وَزَجَاجٍ كَبَدْرِ التمِّ وَجْهًا       بِصَارِمِ مُقْلتيهِ دَمِي أُبِيحَا

يُديرُ عَلَى الحَدِيدِ لهُ زُجَاجًا       تكادُ تخالُهُ بَرْقًا لَمُوحا

وَمَا ذَاكَ الزُّجَاجُ سِوَى قُلوبٍ       تَمَلَّكهنَّ تَمْلِيكًا صَحِيحَا

إذَا احْتَرَقَتْ لِفَرطِ البُعْدِ عَنْهُ       تَرَاهُ نَافِخًا فِيهنَّ رُوحَا

في «أمشاطي»:

في صَانعِ الأمْشَاطِ سَقْمِي زَائِدٌ       لكنَّهُ في غايةِ الإفْرَاطِ

فَمَتَى أفوزُ بقُبلةٍ مِنْ ثَغْرهِ       وأُسرِّحُ الأسْقَامَ «بالأمْشَاطِ»

وللصفدي في «نجَّار»:

أَحْبَبْتُ نَجَّارًا بَدِيعُ جَمَالِهِ       مِنْهُ الشُّموسُ تَغَارُ وَالأقْمَارُ

فَخْرِي بِهِ بَينَ البريَّةِ أَنَّهمْ       قَالَوا غَدَا وَحَبيبُهُ «النجَّارُ»(3)

في «خشَّاب»:

للهِ خَشَّابٌ كَبَدْرِ الدُّجَى       قَدْ شَيَّبَ الأَسْودَ مِنْ مَفْرِقي

فَوَّقَ لي سَهْمًا أَصَابَ الحَشَا       وَيتَّمَ الْقَلْبَ بِخَدٍّ نَقِي

ولسعد الدين بن عربي في نشَّار:

أَيُّهَا الْقَلْبُ مُتْ غَرَامًا وَوَجْدًا       قَدْ سَبَاكَ النَّشَّارُ ثَغْرًا وَخَدَّا

ظَلَّ يَفْنِي أَسْنَانِ مِنْشَارِهِ بَرْدًا       وَتِلْكَ الأَسْنَانُ أَفْتَكُ بَرْدَا

فَهْوَ يُبْدِي مِنْ لَمْعِ مِنْشَارِهِ بَرْقَا       وَمِنْ صَوْتِ نَشْرِهَ لَكَ رَعْدَا

كِدْتُ أَرْجُو مِنْهُ اجْتِمَاعًا لِشَمْلِي       وَأَرَاهُ قَدْ فَرَّقَ العودَ عَمْدَا

مَا وَجَدْنَا لِحُسْنِ نَشْرِكَ نِدًّا       بَلْ وَجَدْنَا لِطِيبِ نَشْرِكَ ندّا

في «معمار»:

كَمْ ذَا أَقُولُ لِمْعمارٍ حَكَى سَلَبِي       وَحَرَّكَ الوَجْدَ لَحْظٌ مِنْهُ بتَّارُ

سَكَنْتَ قَلْبِي فَلا أَخْشَى تَهَدُّمَهُ       وَكَيفَ يُهْدَمُ بيتٌ فِيهِ مِعْمَارُ

في «مبلط»:

هَوَيْتُ مُبلِّطًا كالْبَدْرِ حُسْنًا       فَرِيدًا في الْمَلاحةِ والنَّشَاطَةْ

إذَا مَا جِئْتُ أسألهُ وِصَالًا       يُسوّفُ بِي وَيُظْهِرُ ليْ بَلاطَةْ

في «حجَّار»:

يَا حُسْنَ حَجَّارٍ لَهُ نَاظِرٌ       سَفْكُ دَمِ العُشَّاقِ مَألُوفُهْ

يَفْعَلُ في الأحْشَاءِ أضْعَافَ مَا       يَفْعَلُ في الأحْجَارِ شَاقُوفُهْ(4)

في «بنَّاء»:

للهِ بَنَّاءٌ كَبَدْرِ الدُّجَى       كأنَّهُ غُصْنَ نَقَا حِينَ مَاسْ

قدْ هزَّ ركنَ الصبرِ لَمَّا جَفا       وَصَيَّر القلبَ ضعيفَ الأساسْ

الأزهري في «نحَّاس»:

بُليتُ بنحَّاسٍ على كُلِّ عَاشِقٍ       يقولُ افْتِخَارًا وَاللَّوَاحِظُ تَغْزلُ

أَنَا ابنُ مَنْ لانَ النُّحاسُ لِصُنْعِهِ       وَقدري عَلى أذْكَى الدُّسوتِ تَرَجَّلُ

في «جوهري»:

وَجَوْهريٍّ شاقَنِي حُسْنهُ       لَمَّا بَدَا كالقَمَر المسفرِ

وَمَا بَدَا يَبسمُ مِنْ تيهِهِ       إلَّا سَبَانِي ثغرهُ الجوهري

في «زرجوني»(5):

يا صاحِ زَرْجُونيِّنا في حُسْنِهِ       قدْ زادَ مِنْ فَرطِ الغرامِ شُجُوني

لو زَارَني لَجَظَيْتُ مِنْهُ بِالشّفَا       وَجَمَعْتُ طِيبَ الوَصْلِ بالزَّرجونِ

في «مبيِّض»:

تَعَشَّقَ قَلْبِي الْمُستهامُ مُبيِّضًا       تلطَّفَ بِي في الحبِّ بالوَصْلِ والرَّضَا

وَأَقْبَلَ مِبيضَّ الثيابِ مُعطَّرًا       وَزَارَ عَلَى رغْمِ العَذُولِ مُبيِّضَا

الصفدي في «خفَّاف»:

خفَّافكُمْ فِعْلُ مُقْلتيهِ       في مُهجةِ الصبِّ غيرُ خافِ

أَضْحَى وَأَرْدَافُهُ ثِقَالٌ       وَفَاقَ فِي صُنْعَةِ الخِفَافِ

ابن الوردي في سبَّاك:

سبَّاكُ تِبْرٍ وَفِضَّةٍ صَهَرَتْ       نَوَاهُ قَلْبِي فَسَرَّهُ ذَاكَا

قُلْتُ لَهُ: قَدْ سَبَيْتَنِي وَأَخِي       قَالَ: نَعَمْ مُذْ عَشِقْتَ سَبَّاكَا

ما قيل في صنائع وحرف النساء:

للصفدي في صانعة:

هَيْفَاءُ كَمْ للشُّعَرا       في حُبّها مِنْ وَاقِعَةْ

قُلْنَا لَهَا: فَاعِلةٌ؟       قَالَتْ: نَعَمْ وَصَانِعةْ

وله في زركشية:

يَا لَيْتَنِي حَاشِيَةً زُرْكِشَتْ       يَوْمًا بِكَفَّيْ هَذِهِ الجَاريَةْ

قَدْ أَصْبَحَتْ فِي الْحُسْنِ سُلْطَانَةً       تُفَرِّقُ التّبْرَ عَلَى الْحَاشِيَةْ

للشهاب الحجازي في ريَّاشة:

هَوَيتُها رَيّاشَةً       وَمَا لَهَا نَظِيرُ

نَأتْ وكُنْتُ أختَشي       إنْ ريَّشَتْ تَطيرُ

وله في طرّازة:

مَلِيحَةٌ إنْ طَرَّزَتْ       فِيهَا تَحارُ الفِطَنُ

يُعجِبُني نَموذَجٌ       مِنْهَا وَشَكْلٌ حَسَنُ

وله في كاتبة:

كَاتِبَةٌ تَوْقِيعُ نَسْخِ الجَفَا       يَصْدُرُ عَنْ سَمْتِهَا الراحمَةْ

تَكْتُمُ أسْرَارَ رِقَاعِي لها       أحْسِنْ بها كَاتِبَةً كاتِمَةْ

للشاب الظريف في عجَّانة:(6)

كَلِفَ الفُؤَادُ بِظَبْيَةٍ عَجَّانةٍ       ما كُنْتُ يَوْمًا آمِنًا مِنْ هَجْرِها

عَجَنَتْ فُؤَادِي بِالغَرامِ فَماؤُهَا       مِنْ أَدْمُعي وَدَقِيقُها مِنْ خَصْرِهَا

ابن الوردي في مُسحِّرة:

عَجِبْتُ في رَمَضَانَ منْ مُسَحِّرةٍ       بَدِيعَةِ الْحُسْنِ إلاّ أَنَّهَا ابْتَدَعَتْ

جَاءَتْ تُسَحِّرنَا لَيْلًا فَقُلْتُ لَهَا:

كَيْفَ السّحُورُ وَهَذِي الشَّمْسُ قدْ طَلَعَتْ       ما قيل في صنع الأواني والأقداح والجِرَار.

الشاب الظريف في باطية:

أنا لِلْمَجَالِسِ وَالجَلِيسِ أَنيسةٌ       أَزْهَو بِحُسْنٍ باهرٍ لِلنَّاظِرِ

أَصْفُو فأُظْهِرُ ما أُجِنُّ وَلَمْ يَكُنْ       في باطِني شَيْءٌ يخالفُ ظَاهِري

في جمجمة:(7)

أَيُّهَا الشَّارِبُ مِنِّي       إِنَّمَا أَمْرِي عَجَبْ

كُلْ هَنِي وَاشْرَبْ مَرِي       إِنَّما أَصْلِي خَشَبْ

للشاب الظريف في كأس:

أَدُورُ لِتَقْبِيلِ الثَّنَايَا وَلَمْ أَزَلْ       أَجُودُ بِنَفْسِي لِلنَّدامَى وَأَنْفاسِي

وَأَكْسو أكفَّ النَّاسِ ثَوْبًا مُذَهَّبًا       فَمِنْ أَجْلِ هَذا لَقَّبُوني بِالكَاسِ

ابن حجة في طاس:

أَنَا طَاسَةٌ بَيَّضْتُ وَجْهِي عِنْدَكُمْ       وَصفَا لَكُمْ قَلْبِي بماءٍ رَائِقِ

عَذبَتْ مَشَاربهُ بِبَارقُ بَهْجَتي       فَتَنزَّهُوا بينَ العذيبِ وَبَارِقِ

ابن مكنسة الإسكندراني في الأباريق:

إِبْريقنَا عَاكِفٌ عَلى قَدَحٍ       كأنَّهُ الأُمُّ تُرْضِعُ الْوَلدَا

أَوْ عَابدٌ مِنْ بَني الْمَجُوس إَذَا       توَهَّمَ الكأسَ شُعَلةً سَجَدَا


افتتان

حسن الربيح – شاعر سعودي

إِلى شَيخِ الحِرَفِيِّينَ في الأحساء عبدالله بن محمد الشَّبْعان

دَاؤُكَ أَخشابٌ، وشِفَاؤُكَ أَخشابْ

لا شَيءَ برأْسِكَ يَطردُ هذا المَرَضَ الشافي

يا طَلْعَ النَّخْلِ الخَافِي

يَعرِفُكَ النَّهرُ الصَّافي

هَذي اللَّيمُونةُ مَدَّتْ أَذرُعَها؛ لِتُصافِحَ فِيكَ الأَجدَادْ

وَالأَثْلَةُ لَوَّحَ فِيها الشَّوقُ الوَقَّادْ

والسِّدْرَةُ تَنجُو حِينَ تُقطَّعُ، مِن تَنُّورِ العَابثِ؛

تَنجُو مِن نارٍ، ورَمَادْ

السِّدرَةُ أَلقَت بَينَ يَدَيكَ مَبَاهِجَها،

وغَسَلتْ الخَوفَ بِها مِن عَرَقٍ يَنضَحُ مِن أَكبَادْ

لا خَوفَ عَلَى هَذِي الأَشجارِ إِذا سَقَطَتْ،

فَأَنامِلُ رُوحِكَ تَرفعُها في عَينِ الأَبدِ الرَّاحلِ في الأَحفادْ

لا خَوفَ وأنتَ تُوقِّعُ بَصمَةَ أَجدادِكَ

فيها؛ إذ تَنبضُ ثانيةً بِالمِيلادْ

دَاؤُكَ أَخشابٌ، وشِفَاؤُكَ أَخشابْ

(شَبْعانٌ) أَنتَ، وجَوعانْ

الجِصُّ طَعامُ الأَيدِي، وهيَ تُقشِّر عَنهُ النِّسيَانْ

يا سَغَبَ الجِصِّ، وهذا النَّقشُ غِذاؤكْ

ثَانِيَةً يَنمُو عُمْرُكَ فِي رَأْسِ (العِمدَانْ)

مُرتَفِعًا حتَّى لو جارَ الهَدمُ عليهِ، وأَنْكَرَهُ العُمرانْ

فِي الصُّورَةِ تَبقَى، أَو في ذاكرةِ الفَنَّانْ

دَاؤُكَ أَخشابٌ، وشِفَاؤُكَ أَخشابْ

قالَ طَبيبٌ،

وَانْفَتَحتْ بَوَّابَةُ مَاضِيهِ وَرَاحَ يُلملِم ما ذَرَّته الريحُ،

ويَرسِمُ في الأَوراقِ ملامحَ أَشياءٍ مَنسِيَّةْ

ما هَذا؟ قَالَ لَهُ عُصفُورٌ يَأتِي كُلَّ صَبَاحٍ

– هَذَا نَقشُ السَّعْفَةْ

فتَعالَ وَغرِّد؛ كي تصبحَ خَضرَاءْ

ويُطِلَّ العذقُ الأحمرُ مشتعلَ اللَّهْفَةْ

ما هَذَا؟ قال صبيٌّ ينظرُ مَفتُونًا

– هَذا نَقشُ الطَّير،

فحاذِرْ أَن تَلمَسَه؛ كَيلا يهربَ

وَاتركْ في كَفِّكَ مَاءً

وانظرْ كيفَ يجيئُكَ مِن رَشفَةْ

يا ولدي، مخبوءٌ في هذي النَّقشَةِ سِرٌّ أستَبطِئ كَشفَهْ

لَن أَقتلَ سِرًّا يا ولدي

فالفِتنةُ أَرجحُ فِي الكِفَّةْ


الحِرَف اليدوية قوة ثقافية ناعمة

فهد إبراهيم البكر – أكاديمي سعودي

تبدو الحرف التقليدية عملًا ميدانيًّا تطبيقيًّا يعتمد في المقام الأول على الصناعة، ثم المهارة. وتاريخ هذا النمط من الأعمال معروف لدى الإنسان الأول منذ غابر الأزمان، وتتوارث الأجيال تلك الحرف، فتتطور بتطورها، وتتجدد بتجددها. ولهذا تعدّ الحرف اليدوية جزءًا لا يتجزأ من الموروث الثقافي للأمم، وهي مصدر حيوي من مصادر نهضتها وحضارتها. يكفي لندلل على ذلك أن نرى العمران مثلًا شاهدًا على قيمة الحرف التي يمتهنها أصحابها، حيث تنقل لنا تلك المظاهر شيئًا من المعارف، والخبرات، والمهارات، والممارسات التي كان عليها الناس، زمنًا بعد آخر.

لهذا يأتي توثيق تلك الحرف التقليدية في كتب، أو دراسات، أو مقالات، جانبًا معرفيًّا مهمًّا، ولا سيما في ظل انعدام التأليف في هذا الميدان. فنحن منذ القدم نعرف الخيّاط، والنجّار، والحدّاد، والبنّاء، والدهّان، ونحوهم، لكننا لا نجد كتبًا مختصة في تعليم تلك المهن، إلا ما كان من إشارات قد تكون مبثوثة في بعض الكتب هنا، أو هناك. لكننا، في الحقيقة، لا نكاد نعثر على كتب تهتم بهذا المجال. وأظن أننا في هذا الزمن -وفي ظل الدعم للحرف التقليدية من جانب وزارة الثقافة، وبعد تخصيص هذا العام الثقافي للحرف اليدوية- نتطلع إلى أن يكثّف الباحثون، والدارسون، والنقاد، والمهتمون من المثقفين، والمبدعين، وأصحاب المهن والحرف الخاصة، جهودهم في التأليف في هذا الباب، تعليمًا، أو تأريخًا، أو رصدًا، وتحليلًا.

للأدب أثره البالغ في إعادة الاهتمام بالحرف اليدوية ثقافيًّا، فهو يتفاعل مع الحرفة بوصفه تعبيرًا إنسانيًّا جماليًّا يصف الكون، والحياة، والمجتمع. أما الحرفة فهي ميدان رحب يكشف عن أصالة ملموسة ومتجذرة؛ إذ هي دليل على العمق التراثي، والثقافي، والجمالي، وهو أمر قد يلتقي الأدبَ في بعض وجوهه وجوانبه، ولا سيما أن الأدب قد يتناول الحرفة فيعالجها، أو ينطلق منها، أو يجعلها أساسًا للسرد، ومصدرًا للحكاية. ولذلك ظهرت (الرواية الرعوية) في فرنسا، وإسبانيا، في القرن السابع عشر، وكانت تُعنى برسم أخلاق الرعاة ومشاعرهم، وجمال الريف، والطبيعة، وبساطة الرعاة، وكان من أمثلتها: رواية «الراعي الغريب» للفرنسي شارل سوريل.

والمتأمل في الروايات العالمية سيجد في عناوين بعضها مزيدًا من التفاصيل الحِرَفية، كما في رواية «الفلّاحون»، و«الصيّادون» للروسي أنطون بافلوفيتش تشيخوف، ومثلها رواية «صانع الألماس» للإنجليزي هربرت جورج ويلز. كما دلّت روايات أخرى على بعض المعاني الحِرفية، كرواية «مانديل بائع الكتب القديمة» للنمساوي ستيفان تزفايج، ورواية «السيمفونية الرعوية»، أو «سيمفونية الحقول» للفرنسي أندريه جيد، ورواية «ساعي بريد نيرودا» للتشيلي أنطونيو سكارميتا.

ثمة علاقة بين الحرفة والهوية، ويعود ذلك إلى ارتباط الحرفة بإنسانها الأول، وبثقافته العربية، وانتمائه الوطني، وتاريخه السعودي. فالحرفة تبنى بها الحياة، وتنمو، وتسمو، والهوية يعتز بها الإنسان، ويخلص من أجلها، ويبدع بواسطتها. وبفضل هذه العلاقة تتجلى القيم العلمية، والأدبية، والثقافية، والحضارية، والأخلاقية. لهذا، فإن التركيز على قيمة الهوية في علاقتها بالحرفة، وربط ذلك بعضه ببعض هو أول مظاهر الاحتفاء بالمنجز الثقافي، والإرث المعرفي، والإنتاج الإبداعي المتنوع. ومن هنا، علينا أن نعزّز من أثر الحرفة في علاقتها بالهوية الوطنية، وتقديم الرؤى التي تدعم تلك العلاقة، وصياغة المقترحات المفيدة، وصناعة المبادرات والمشاريع التي من شأنها أن تجعل الإنسان أكثر حبًّا لموروثه، وانتماءً لوطنه.


الحرف اليدوية والإسهام في التنمية المستديمة

درويش الأسيوطي – شاعر وباحث مصري

تَعرَّضتْ، وما زالت تتعرض، الحِرَف اليدوية في المجتمعات كافة للتراجع عن دورها الاقتصادي في الإنتاج؛ وذلك بفعل التطور التكنولوجي المتسارع، الذي أدى فعليًّا إلى انقراض كثير من الحرف اليدوية، وما ارتبط بها من فنون وطقوس، وما صاحبها من تراث شفهي، بعضه ما زال حيًّا، وبعضه استعصت عليه الحياة.

يعتمد إنتاج الحرف اليدوية على الجهد الإنساني والحيواني. وقد تسارعت، خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين؛ والعقود الأولى من القرن الحادي والعشرين، عمليات إحلال الآلة محل الإنسان والحيوان في العملية الإنتاجية. فعلى سبيل المثال لم يعد الجهد العضلي الأساس في أعمال حرفة الزراعة، وحلت الآلة محله، فلم نعد نستخدم في الري (الساقية) التي تجرها الحيوانات، ولا (الشادوف) ولا (الطنبور) الذي يعتمد العمل من خلالهما على عضلات الإنسان. ولا (المحراث) ولا (الفأس) في عملية شق وتقليب التربة، ولا الجمال والحمير في عملية النقل. وبالتالي، انقرض كثير من الحرف التي ارتبطت بأشكال الإنتاج القديمة. وصارت الممارسات اليدوية نوعًا من التراث الذي يعتني به بعض ويهمله بعض. وهذا الأمر ينطبق على حرف أخرى مثل الغزل والنسيج وصناعة الأزياء، وما ارتبط بها من ممارسات وأنماط شعبية.

أغنيات الجمالة

والنشاط الإنساني لا يمكن فصله إلا لدواعي الدراسة. فالتراث الشعبي لا يمكن فصل المادي فيه عن غير المادي، إلا للتصنيف. فهناك ارتباط بين استخدام الحيوان في العمل وبين ما نطلق عليه (أغنيات الجمالة)، وهو لون من الغناء ارتبط بعمليات الحرث والري والنقل والدرس، بمشاركة الحيوانات في العمل. وكلما تقدمت طرائق الإنتاج في المجتمعات؛ قَلَّ الاعتماد على العمل العضلي، وتراجعت الحرف اليدوية في تلك المجتمعات. وعلى الرغم مما تعرضت له تقنيات العمل والإنتاج من تحول، فقد ظل للحرف اليدوية حضورها المباشر أو غير المباشر في ثقافة مجتمعاتها. فلا تزال الأمثال الشعبية، على سبيل المثال، التي أنتجتها حرف انقرضت حية في المكونات الثقافية لشعوبها. وما زالت بعض الطقوس المرتبطة ببعض الحرف تمارس. ويطلق على ما تبقى من حرف يدوية وممارسات مادية وطقوس ومأثورات قولية التراث الشعبي.

نشك التلي

يمكن للشعوب أن تستفيد من العناصر التراثية المادية في المساعدة على النمو الاقتصادي، والتنمية المستديمة لشعوبها. ويمكن لبعض الحرف اليدوية أن تشكل إسهامًا اقتصاديًّا مهمًّا في تنمية المجتمع. وبعيدًا من التدليل النظري، اسمحوا لي أن أضرب مثالًا حيًّا لما يمكن أن تسهم به الحرف التراثية في التنمية المستديمة:

كان (نَشْك التُّلِّي) أو (فن الأسيوطي) من الحرف اليدوية التي احترفها كثير من النسوة المصريات، في منطقة وسط الصعيد، وبخاصة أسيوط وسوهاج. وتقوم هذه الحرفة على استخدام قماش خاص يسمى (التُّل)، وتزيينه من خلال الرسم عليه بخيوط من الفضة أو الذهب؛ لصنع أشكال الأزياء والألبسة وأغطية الرأس النسائية. وصار لبس (التلي) للزينة من ملامح التميز والتفرد الاجتماعي. (النَّشْك) تعني في اللغة الشعبية المصرية النشر والتوزيع والبعثرة، وعادة ما كانت المرأة تستخدم بعض العناصر التراثية كأشكال فنية (موتيفات)، مثل: الجمال والأسماك والنخيل والمثلثات الهرمية… وغير ذلك من عناصر فنية تراثية. ومع انتشار الآلات والتطور التكنولوجي اندثرت هذه الحرفة تمامًا.

في أواخر عقود القرن العشرين جاءت سيدة إنجليزية إلى مصر، في زيارة لسوهاج، للبحث عن نسيج (التلي) أو (الفن الأسيوطي) الذي فتنها في المعارض الأوربية، ولم تنجح في الحصول نهائيًّا على ممارسين أو ممارسات لهذه الحرفة؛ لأنها تقريبًا كانت قد اندثرت، ولم يعد من يمارسها كحرفة يدوية. والتقت مصادفة بالفنانين التشكيليين الأسيوطيين: بخيت فراج وسعد زغلول، وحدثتهما عن التلي وجمال التلي، ولما تعذر على المرأة العثور على بُغْيَتِها، سافرت إلى بلادها وتركت لهما قطعة من (التلي) كتذكار.

لكن الأمر لدى الفنان التشكيلي (سعد زغلول) لم يتوقف عند هذا الحد، فقد ظل لعام كامل يتقصى عن (التلي)، في المناطق الشعبية من أسيوط، كغرب البلد والوليدية وغيرها، لما يقرب من العام، حتى وجد سيدتين من كبار السن تعرفان كيفية (نشك التلي)، أو الرسم على قماش (التل)، وبدأ بعدها الفنان الدؤوب في رحلة البحث عن الخامات المطلوبة (القماش والإبر والخيوط) حتى وجدها، وطلب من كل سيدة أن تنفذ الوحدات الزخرفية التراثية التي تعرفها، حتى لا تندثر، ثم عهد إليهما وعلى نفقته بتعليم بعض الفتيات هذا الفن، وبدأ (سعد زغلول) في إحياء (التلي) من جديد. وبعد أن حصل على منحة من الصندوق الاجتماعي للتنمية، توسع المكان في تعليم البنات (شغل التلي) بشكل أكبر.

إلى جانب سعي الفنان إلي إحياء التراث المصري القديم والحفاظ عليه، سعى من خلال (بيت التلي) إلى توفير فرص عمل للفتيات من خلال القطع التي يقمن بتنفيذها، التي يسوقها من خلال المعارض، وبالتالي وفَّر مصدر دخل للعاملات في هذا المجال، بصورة تناسب ظروفهن، حيث يمكنهن العمل من منازلهن في الأوقات المناسبة لهن، فالأمر لا يحتاج إلا للإبر والخيوط والقماش.


هوامش:

(1) (انظر: إسماعيل باشا البغدادي «هدية العارفين» 228/ 1؛ وعمر كحالة «معجم المؤلفين» 3/ 27) وفي «تاريخ حماة» لأحمد بن إبراهيم الصابوني ص 104. له مؤلفات عدة أخرى غير «سكردان العشق» لم يذكرها. ثم يورد معلومة غريبة: (أن قبره معروف الآن غربي المدينة، وتسميه العامة قبر السلطان أويس وهو معتقَد يُزار!).

(2) صانع الإبر.

(3) في الكلمة جناس ينطوي على معنيين: النَّجار المهنة، والنِّجار: الأصل والنسب.

(4) الشاقوف: مطرقة ضخمَة تقطع بِها الحجارة.

(5) الزرجون كلمة فارسية وتعني: لون الذهب. والمقصود هنا الذي يلمع النحاس الأصفر. الزرجون الثانية: الخمر.

(6) البيتان للشاب الظريف في ديوانه.

(7) الجمجمة: قدح من الخشب.

مثقفون عرب لـ”الفيصل”: احتفاء «اليونسكو» بالعويس.. اعتراف عالمي بقيمة ثقافية عربية مستقلة ومؤثرة

مثقفون عرب لـ”الفيصل”: احتفاء «اليونسكو» بالعويس..

اعتراف عالمي بقيمة ثقافية عربية مستقلة ومؤثرة

تحتفي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم «اليونسكو» هذا العام بمرور مئة عام على ميلاد الشاعر ورجل الأعمال الإماراتي سلطان العويس (1925- 2000م). جاء ذلك بعدما تقدمت مؤسسة العويس بملف عن الشاعر وإنجازاته الأدبية والثقافية، ومؤسسته التي أوقف جانبًا كبيرًا من أمواله لاستمرار أنشطتها. ومن ثم يمكننا القول: إن هذا الاحتفاء موجه فقط لمسيرة سلطان العويس كشاعر فقط، أو رجل أعمال فحسب، ولكن لمسيرته كرجل أعمال رغب في تخليد اسمه من خلال رعاية الآداب والفنون. أنشأ العويس جائزة دائمة تحمل اسمه بتاريخ 17 ديسمبر 1987م، وذلك بهدف تكريم الأدباء والمفكرين العرب. وقد تشكلت أول أمانة عامة لها بإشراف من اتحاد الكتاب الإماراتيين عام 1992م، ثم تحولت إلى مؤسسة ثقافية مستقلة باسم «مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية» التي تمنح جائزتها لعدد من الشخصيات في مجالات أدبية وثقافية وإنسانية عدة.

ولعل هذا الاحتفاء يفتح القوس لأهمية الاحتفاء برجال الأعمال الذين يوقفون جانبًا من أموالهم على رعاية الآداب والفنون، سواء عبر إنشاء جوائز باسمهم، أو تقديم منح أو إقامة مكتبات أو دعم جمعيات ومراكز ثقافية أهلية، أو غيرها من الأنشطة، وبخاصة في مجتمعات لا تزال نسب الأمية الثقافية فيها مرتفعة، وتحتاج إلى تضافر جميع الجهود الخاصة والرسمية والأهلية لمجابهتها.

لكن غالبية هذه الجهود كثيرًا ما تخفق ولا تكتب لها الاستمرارية، وهو ما يجعلنا نتساءل عن الأسباب التي مكنت مؤسسة سلطان العويس من النجاح، وما الذي يجب على رجال الأعمال العناية به حين يقدمون على رعاية أو إنشاء مؤسسات ثقافية، وما الذي ينبغي على المثقف عمله كي لا يصبح ممتثلًا لتوجهات رجال الأعمال من جهة، ولا يتحول إلى معاديٍ لرغبة صادقة في تحريك الشأن الثقافي إلى الأمام، من جهة أخرى؟

«الفيصل» تشارك في هذا الاحتفاء، من خلال تكريس ملف لهذه المناسبة، تنشر فيه شهادات لعدد من الكتاب والمثقفين من الخليج والوطن العربي.

 إبراهيم الهاشمي:

سلطان بن علي العويس… مئوية تُكرّمها اليونسكو وتخلّدها الثقافة العربية

حينما أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» عن اعتماد عام 2025م عامًا للاحتفاء بمئوية الشاعر الإماراتي سلطان بن علي العويس، كانت تُكرّم أكثر من مجرد شاعر أو مثقف، بل تحتفي برؤية ثقافية رائدة تركت أثرًا عميقًا في المشهد الثقافي الإماراتي والعربي على مدى عقود، رؤية تحوّلت إلى عمل مؤسساتي عبر مؤسسة مستمرة التأثير والحضور بعد رحيله.

العويس، الذي غادر عالمنا عام 2000م، لم يكن شاعرًا وحسب، بل كان رجل فكر وعطاء من طراز فريد، تاجر وطني سخّر ماله وجهده لخدمة وطنه وأمته سواء اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا أو تعليميًّا أو شخصيًّا، ثم بعين ثاقبة وفكر مستنير منطلقًا لخدمة وتقدير وتكريم رجال الأدب والعلم والثقافة. ولم يترك وراءه فقط قصائد خالدة، بل ترك مؤسسة ثقافية عربية مستقلة أصبحت بمرور الوقت واحدة من أهم الحواضن المعرفية في الوطن العربي؛ لذا لا يمكن وصف سلطان إلا بأنه شاعر بحجم أُمة.

تأسست مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية في دبي عام 1994م، بناءً على وثيقة قانونية دقيقة كتبها العويس بنفسه، ضمن فيها استمرارية عطائها واستقلالها الكامل عن أي تدخل سياسي أو شخصي، حتى من ورثته. وقبل ذلك أطلق في عام 1987م جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية، لتكون أول جائزة عربية ممولة بالكامل من مال خاص، تمنح للمبدعين العرب في مجالات: الشعر، والقصة والرواية والمسرح، والدراسات الأدبية والنقدية، والدراسات الإنسانية والمستقبلية، وجائزة الإنجاز الثقافي والعلمي. هذا الحلم الفردي الذي سخر له سلطان المال والجهد تحول إلى صرح وواقع عربي لا يضاهيه مكان آخر عطاءً ونشاطًا وفاعليةً.

حملت الجائزة منذ دورتها الأولى مكانة استثنائية، سواء من حيث قيمة الجائزة المالية التي بدأت بـ 100 ألف دولار لكل فائز مرتفعة إلى 120 ألف دولار ثم إلى 150 ألف دولار لكل فائز، أو من حيث نزاهة معاييرها واستقلالية لجان التحكيم، ما أكسبها لقب «نوبل العرب» عن استحقاق. وقد كرّمت الجائزة حتى اليوم أكثر من 106 شخصيات ومؤسسات عربية تركت أثرًا في مجالاتها؛ لتصبح بذلك مرجعًا أدبيًّا وفكريًّا رفيعًا في المشهد الثقافي العربي.

لم تقتصر جهود المؤسسة التي أنشأها سلطان على الجائزة فقط، بل تحوّلت إلى مركز ثقافي حيوي يقدم أنشطة نوعية في الإمارات وخارجها، حيث نظمت أكثر من 140 فعالية ثقافية وفنية وموسيقية وفعاليات علمية متخصصة، ونشرت ما يزيد على 500 إصدار ضمن سلاسل إصداراتها «الفائزون – أعلام من الإمارات – الندوات»، وامتد نشاطها إلى مدن عربية عدة مؤكدة دورها العربي العابر للحدود، متحولة إلى منارة ثقافية متكاملة.

وفي عام 1990م، أسس العويس جائزة أخرى للإبداع المحلي الإماراتي حملت اسمه تحت مظلة ندوة الثقافة والعلوم بدبي، وهي جائزة العويس للإبداع، التي تُمنح سنويًّا للمبدعين الإماراتيين والعرب المقيمين في الإمارات في مجالات الثقافة والفكر والفنون والابتكار. وقد كرّمت الجائزة حتى الآن أكثر من 600 شخصية ومؤسسة، لتكون أوسع جائزة محلية شمولًا على مستوى الدولة.

تكريمات متعددة

تقديرًا لعطائه الكبير، نال العويس وسام زايد من الدرجة الأولى في عام 1996م من القائد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، فكان الوحيد الذي كرم من بين المكرمين الذي لا يحمل أي منصب حكومي، بل عطاء منقطع النظير لوطنه وأمته، وكرمته جامعة الدول العربية ضمن تكريمها للمبدعين العرب، ومنحه اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عضويته الشرفية سنة 1987م، واختارته جائزة حمدان بن راشد للأداء التعليمي المتميز «شخصية العام» سنة 1999م على ما قدمه للتعليم في وطنه من خدمات جليلة، وأصدرت الجهات البريدية في الإمارات ثلاث مجموعات من الطوابع التذكارية تخليدًا لذكراه؛ أولها سنة 2001م تخليدًا لذكرى وفاته، والثانية سنة 2012م بمناسبة اليوبيل الفضي للمؤسسة الثقافية التي أنشأها، والمجموعة الثالثة بمناسبة مئويته سنة 2025م، وبذلك فهو الشخصية الإماراتية المجتمعية والأدبية الوحيدة التي يصدر لها هذا الكم من الطوابع. وأصدر كذلك مصرف الإمارات المركزي عملة تذكارية بمناسبة مئويته لتكون أيضًا أول عُملة تذكارية تصدر عن شخصية أدبية إماراتية في تاريخ الإمارات.

احتفاء «اليونسكو» بمئوية سلطان بن علي العويس ليس مجاملة دبلوماسية، بل هو اعتراف عالمي بقيمة ثقافية عربية مستقلة ومؤثرة، نجحت في أن تتحول من حلم فردي إلى مؤسسة مرموقة لا تزال تنتج وتكرم وتدعم وتؤثر.

إن سلطان العويس، الذي آمن بأن «الثقافة هي أساس وحدة الأمة ونهضتها»، هو اليوم وبرغم غيابه الجسدي ما زال حاضرًا فاعلًا في الحياة الثقافية والعمل الإنساني وشخصية عصية على الغياب بكل ما تحمله الكلمة من معنى، شخصية ما زالت تُكرم المثقفين وتحفز الإبداع وتضيء الدرب للأجيال، وهو أحد أبرز النماذج العربية في تكريس المال لخدمة الفكر والمعرفة والثقافة.

المدير التنفيذي لمؤسسة العويس الثقافة

أمين صالح:

أهم إنجازات العويس تخصيص جوائز سخيّة

أن يفوز الكاتب أو أي فنان بجائزة، أو يحظى بتكريم، أو ينال شيئًا من التقدير، سواء من جهات رسمية أو محلية، أو جمعيات ثقافية، أو حتى من نقاد وقراء، فهذا يعني الكثير لحامل عبء الكتابة (كما وصفه سان جون بيرس) أو عبء الإبداع.

في المقام الأول، يعني اعترافًا بموهبة الكاتب أو الفنان، بوجوده وحضوره، بدوره كمبدع، ويعني أيضًا تقديرًا لمنجزاته الأدبية والفنية والفكرية.

إن أسوأ ما يمكن أن يحدث لموهوب في الكتابة، أو في أي شكل فني، أن يظل سنوات طويلة سجين عتمة ومجهولية وهامش خانق، لا يقرأ له أحد، ولا يكتشفه أحد، ولا جهة تعترف به. لا أعني أن كل مبدع يتوق إلى الأضواء والشهرة والثروة واستثمار موهبته في مشاريع رائجة تجاريًّا، إنما أقصد أن كل مبدع يتوق إلى التواصل مع الآخر، التحاور معه، حتى لو كان العدد قليلًا والمساحة محدودة، المهم أن يكون الآخر فاعلًا ومرنًا وحيويًّا. ومثل هذا التواصل لا يتم إلا حين يكون الموهوب موضع اكتراث واهتمام واعتراف. ودائرة الاهتمام تتسع كلما حصل على التقدير وحظي بالتكريم وفاز بجائزة ونال من الحفاوة ما يستحقه.

إلى هذه الناحية، من وضع المبدع في المجتمع، انتبهت الأوساط الثقافية الرسمية، وتولت -بدرجات متفاوتة- رعاية ودعم الأديب والفنان، ماديًّا ومعنويًّا، عبْر أشكال ووسائل مختلفة. أيضًا ساهمت الجمعيات الثقافية المحلية في دعم الموهوبين وتكريمهم عبْر الفعاليات الفنية والأدبية.

لكن المساهمة الأكثر حضورًا وتأثيرًا وأهميةً، هي تلك التي انطلقت، بحوافز ثقافية وإنسانية بحتة، من دون نوازع منفعية أو استعراضية، أو بدافع التباهي والتفاخر والتنافس، وذلك عندما تبرّع عدد من الأثرياء ورجال الأعمال الكرماء في دول الخليج، وفي دول عربية أخرى، بتخصيص مبالغ نقدية سخيّة للاحتفاء بالتجارب الإبداعية في مجالات الأدب والفكر والفن، التي تثري المشهد الثقافي العربي بالنتاجات المتميّزة.

من بين هذه الأسماء، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، مساهمات مؤسسة البابطين الثقافية، ومؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، ورجل الأعمال السعودي عبدالمقصود الخوجة، والشاعرة الكويتية سعاد الصباح، والفلسطيني عبدالحميد شومان في الأردن… وغيرهم. أسماء عشقت الثقافة وأشكال الأدب والفن، وآمنت بدور الثقافة في تحصين الفرد والمجتمع، وحماية الإنسان وتنميته وتطويره وتعزيز قيمه وأصالته.

عندما نتوقف عند العويس، كنموذج، نجد أن سلطان العويس، إلى جانب التجارة، مارس كتابة الشعر، كما أدرك حاجة مثقفي بلاده إلى الدعم والتشجيع؛ لذلك أراد أن يستثمر جزءًا من ثروته في بناء المدارس والمكتبات والمراكز الثقافية، مساهمًا بذلك في محاربة الأميّة، ونشر الثقافة، ومساندة المشروعات الثقافية، ليس فقط داخل حدود وطنه بل خارجه أيضًا، ليشمل مختلف الأقطار العربية.

وكان أهم إنجازات العويس تخصيص جوائز سخيّة، تحمل اسمه، وتُمنح سنويًّا لعدد من المبدعين العرب في مجالات ثقافية متنوعة: في الشعر، والرواية والقصة والمسرح، والدراسات الأدبية والنقد، والدراسات الإنسانية.

وقد انطلقت هذه الجائزة القيّمة، والمستقلة، عبر اتحاد الكتّاب والأدباء في دولة الإمارات العربية المتحدة سنة 1987م. ومنذ ذلك الحين وهي تواصل، بلا تعثّر ولا تردّد، في تكريم المبدعين والاحتفاء بهم، وتوجيه الأنظار إلى منجزاتهم.

في حيثيات منح جائزة العويس، تشير إدارة المؤسسة إلى أن «جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية تمنح للمبدعين الذين يعكسون أصالة الفكر العربي، وطموحات الأمة العربية، وهي جائزة مستقلة ومحايدة لا يخضع منحها لأية تأثيرات أو ضغوطات، ولا تخضع في معايير منحها إلا إلى الجانب الإبداعي دون النظر إلى الاتجاهات السياسية أو المعتقدات الفكرية للمرشحين، كما لا تميّز بين لون أو دين أو جنس».

روائي بحريني فائز بجائزة العويس

أمين الزاوي:

العويس والمواطنة وتثقيف المال العربي

يتميز تاريخ العلاقة لدينا بين رجال المال والأعمال، وبين رجال الفكر والإبداع، بحالة من التوتر المزمن، وهو ما جعل الكتاب يتحسسون من كل مال خاص قد يصب في باب تشجيع أو رعاية الأدب والفكر. في المقابل ظل رجال المال والأعمال يتأففون من الأدباء ويعتبرونهم أصواتًا نشازًا، وينظرون إليهم نظرة الريبة والحذر. وعلى مدى قرون طويلة، ظلت فكرة التبرع بالمال الخاص مقتصرة على بناء المساجد والجوامع والكتاتيب القرآنية، وهي ظاهرة منتشرة من المحيط إلى المحيط، فأول ما يفكر فيه رجل المال والأعمال حين يريد أن «يفعل خيرا»، هو التبرع لأمر ذي طابع ديني.

وهو سلوك جمعي سسيونفسي عريق وسائد في بلادنا، وفيه تنافس كبير وحاد، حتى إننا قد نجد في بعض الأحياء ثلاثة مساجد أو أكثر، لا يبعد الواحد عن الآخر إلا ببضعة أمتار. وفي المقابل قد لا نجد في الحي نفسه مكتبة أو عيادة طبية أو مركزًا ثقافيًّا أو صالة للعروض السينمائية. وقد وصل هذا التنافس بين المتبرعين أن بعض أصحاب النوادي الليلية أصبحوا هم أيضًا يلهثون لتشييد مساجد تحمل أسماءهم، أو يساهمون في بنائها في قراهم ومداشرهم، كل ذلك بغرض محو الذنوب و«غسل العظام»! وأحيانًا تبييض المال.

مراتب التبرع

تحتل الرياضة، وبالأساس أندية كرة القدم، المرتبة الثانية في سلم التبرعات والدعم الذي يقدمه رجال المال لمؤسسات المجتمع، فلعبة كرة القدم التي أصبحت عقيدة شعبية في عصرنا هذا، هي الأخرى تستحوذ على عقولهم؛ لأن التبرع في هذا المجال يبدو، من باب الرأي الساذج، أنه تبرع «للعب» و«التسلية» التي لا تحمل بعدًا أيديولوجيًّا؛ إذ ينسى الكثيرون أن كرة القدم هي ساحة أولى للاستثمار السياسي بعد الاستثمار في الدين، فملايين الشباب وغير الشباب يعشقون هذه اللعبة ويتابعون أنديتها بشغف يصل إلى حافة الجنون. وبالتالي فإن كل متبرع لصالح نادٍ من أندية كرة القدم هو محمي ولو رمزيًّا من قبل مناصري هذا النادي.

إلى فترة قريبة جدًّا ظلت الثقافة هي المشروع الملغم الذي يخيف أصحاب المال والأعمال، وباتت الثقافة والجمعيات الثقافية والنوادي الأدبية والمؤسسات الثقافية المرتبطة بالنشر والإبداع غير مرغوب فيها. فالمؤسسات الثقافية والنوادي الأدبية هي الأكثر فقرًا في العالم العربي وشمال إفريقيا، هذا الوضع سببه الخصوصية التي يتميز بها العمل الثقافي والإبداعي، وهو الإيمان بالدفاع عن التنوع وعن حرية الرأي والحرية الفردية والجماعية وتكريس العلاقة مع الآخر المختلف، إضافة إلى ذلك، يظل الأدب والفكر عملًا نخبويًّا لا يصنع شعبية كبيرة للمتبرع في هذا الباب. وأمام هذا الوضع السياسي والديني والاجتماعي فإن كل متبرع لصالح الثقافة والمثقفين والمبدعين يعد مواطنًا يتمتع بشجاعة واستقلالية في الرأي.

ظاهرة سلطان العويس

أن يظهر تاجر في بلاد تكاد تكون خالية من تقاليد رعاية الأدب من قبل أصحاب المال، تاجر يعيش في مجتمع خليجي تقليدي لا يمثل فيه الأدب همًّا مركزيًّا، ويقرر تخصيص جزء من ماله الخاص لإطلاق جائزة أدبية وفكرية كبيرة وجادة، تمنح للكتاب والمفكرين العرب على إنتاجهم في مجال القصة والرواية والمسرحية والشعر والدراسات الأدبية والنقد والدراسات الإنسانية، ويرصد لها قيمة مالية معتبرة؛ لتصبح أكبر جائزة عربية من ناحية قيمتها المالية، مُتحدِّيًا الفكر النمطيَّ الذي تُراوِحُ تبرعاتُه ما بين الديني والرياضي، بهذا الإقدام يمثل العويس حالةً متقدمة حضاريًّا وثقافيًّا وسياسيًّا ومؤسساتيًّا.

هذا الموقف الذي يسجله العويس يُعَدُّ سابقًا على عصره، سابقًا على المنظومة الفكرية التقليدية السائدة. إنه موقف تاريخي مفصلي يؤشر على دخول الوعي الجمعي والفردي للمال مرحلة من تجربة العقل الخليجي المعاصر والمجتهد.

إن التبرع لصالح الإبداع والفكر وتخصيص المال لدعم هذا القطاع والمشتغلين فيه تعد في حد ذاتها شجاعة فكرية وسياسية، لما للإبداع والمبدعين في مجتمعاتنا من صور نمطية سلبية صادرة عن أحكام مسبقة راكمتها القوى المعادية للفن والإبداع والفكر الحر.

إن تجربة سلطان العويس، من خلال الجائزة والمؤسسة الثقافية التي تحمل اسمه، تعتبر عملا فريدا ينم عن وعي فكري متقدم يراهن على دور الأدب والفكر في تغيير المجتمع وفي تغيير السياسة وفي تغيير العلاقة بين المال والإبداع، وفي تغيير الفرد العربي.

بمثل هذه الجائزة يرسل العويس، وبشكل غير مباشر، خطابًا تاريخيًّا مفصليًّا مفاده: كلما دخل رجال المال والأعمال مربع الثقافة التنويرية ووقفوا إلى جانبها ودعموها، مع المحافظة على استقلاليتها وحرية النخب التي تمارسها، فإنهم بمثل هذا السلوك يعلنون أن المجتمع قد بدأ دورة حضارية جديدة وأن المال العربي قد بدأ يتثقف؛ لأن الثقافة التنويرية هي التي تحصنه من الانحرافات التي قد تهدده.

تمثل حالة سلطان بن علي العويس في المشهد الثقافي العربي منعطفًا مميزًا في علاقة المال بالثقافة والإبداع والفكر، في علاقة المال بحرية الإبداع، وبمثل هذه المبادرة يعاد صياغة السلوك الفردي والجماعي عند الفرد العربي، ويُكَرَّس لمفهوم المواطنة، التي هي القاعدة الأساسية في بناء استقرار مجتمعي قائم على خصوصية ثقافية ولغوية، تفتخر بتاريخها، منفتحة على العالم ومتحررة في الوقت نفسه من أمراض التطرف والعيش في الجيتوهات المسيجة.

روائي وكاتب جزائري

محمد فاتح زغل:

أكتب وفاء لذكرى سلطان العويس

يدعوني الوفاء -عندما أتحدث عن جائزة سلطان بن علي العويس للثقافة والإبداع- أن أتحدث عن صديقه ورفيق عمره وأسفاره السيد جمعة الماجد الذي عملت عنده رئيسًا للقسم الثقافي والإعلامي؛ لأني أشعر أن ثمة وشائج كثيرة جمعتهما، أهمها اتجاههما لدعم الثقافة والمثقفين، كل في منحى مكمل للآخر. فبينما نحا جمعة الماجد لإنشاء مكتبة عريقة فيها أكثر من مليون و250 ألف مخطوط وعنوان، ذهب العويس إلى الجوائز الثقافية وتكريم المبدعين والعلماء العرب، فخصص جائزة دائمة باسمه لها استقلالية تحت اسم «مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية» بموجب المرسوم الأميري رقم 4 لسنة 1994م، بتاريخ 21/3/1994م، ويكون مقرها مدينة دبي، وخصص لها وقفًا لتأمين استدامتها.

مركز جمعة الماجد

أول لقاء جمعني والراحل سلطان العويس عندما زار مكتبة مركز جمعة الماجد للاطلاع على المكتبات الشعرية بوصفه شاعرًا، وكنت حينها رئيس القسم الثقافي والإعلامي في مركز جمعة الماجد بدبي، وعضو هيئة تحرير مجلة آفاق الثقافة والتراث التي تصدر عن المركز، وقد توقّف، رحمه الله، بابتسامته المعهودة أمام مكتبة حمد خليفة بوشهاب، وهو شاعر إماراتي ونسَّابة معروف (بالهزار الشادي)، ويعد من جيل سلطان العويس. حكى لي سلطان العويس وهو يقلب في مكتبة حمد خليفة بوشهاب عن شعرية حمد المبكرة؛ إذ بدأ في سن التاسعة، وأنه حافظ على القصيدة العمودية في شعره شأنه شأن كل شعراء هذا الجيل.

أهم ما توقف عنده في المكتبة تلك الوريقات التي كتب فيها الشاعر حمد ملاحظاته وتعليقاته على الكتب. وامتد الحوار إلى الحركة الشعرية العربية، وحكى عن إعجابه بشعر نزار قباني وأنه كان سعيدًا بمنح الشاعر نزار قباني جائزة الإنجاز الثقافي والعلمي في مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، حيث حل نزار ضيفًا على سلطان الذي أخبره عن مركز جمعة الماجد وطلب منه زيارة المركز. وفعلًا زار نزار المركز وأعجب بالخدمات التي يقدمها المركز للباحثين، وكانت هذه الزيارة سببًا في شراء المركز مكتبة نزار قباني الشعرية التي ضمت 137 كتابًا من دواوينه المنشورة والدراسات التي أُجريَت حوله. لعل من أقدمها نسخة مصورة من كتاب «دنيا الحروب: ملحمة شعرية أوحتها نار الحرب الحاضرة وصدى أنين البشرية المعذبة المرهقة»، نُشِرَ سنة 1941م. وكتاب «قالت لي السمراء» الذي نُشِرَ سنة 1944م.

مئوية العويس

أسوق هذه الحكاية الجميلة النائمة في ذاكرتي اليوم وأنا أقرأ احتفاء اليونسكو برجل الأعمال الراحل سلطان العويس وجوائزه الثقافية. بوصفه من رجال الأعمال الناجحين الذي أولى اهتمامًا خاصًّا بإبداع المبدعين وتكريمهم. وها هي اليونسكو اليوم ترد الجميل لتحتفي بمئوية ميلاده 2025م بعد مُضِيّ 24 عامًا على رحيله والاحتفال بالذكرى المئة لمولد سلطان بن علي العويس (1925-2000م)، وجاء هذا الاعتماد بعد الاطلاع على ملف الشاعر الإماراتي الذي قدمته اللجنة الوطنية للتربية والثقافة والعلوم، في الدورة الثانية والأربعين للمؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة. وتعد هذه المبادرة واحدة من أبرز مبادرات اليونسكو للاحتفال برموز الثقافة الأصيلة حول العالم في شتى مجالات الفكر والمعرفة والعلوم.

في الجوائز العالمية الكبرى لا مجال للعبث غالبًا. ومن خلال وجودي في مكان الجائزة وحضوري فعالياتها كلها أكاد أجزم أنه كان يفوز في كل سنة الأفضل ومن يستحقها غالبًا، ومن ينتصر لخياراته الإنسانية والجمالية. هذه المصداقية التي تحظى بها مؤسسة سلطان بن علي العويس من آليات الاستفادة من خبرات الجوائز العالمية، وما تمتعت به من قدر كبير من الاهتمام عالميًّا؛ كما أنها كانت تتفرد بشمولية الفنون الأدبية والإبداعية فضمت الشعر والقصة والرواية والمسرحية والدراسات الأدبية والنقد والدراسات الإنسانية والمستقبلية وجائزة مخصصة للإنجاز الثقافي والعلمي واختيار شخصية ثقافية أو علمية أو عامة أو مؤسسة تركت بصمة وأثرًا في الحياة الثقافية.

لا يبدو لي الحديث عن جائزة سلطان شبه محرج لما قد يفسره بعض على أنه نوع من المبالغة والمحاباة، ولكن الوقائع والتقييمات العالمية هي التي سبقتني في تأكيد هذه الرؤية.

من كان يتصور أن ملك الديناميت في العالم يصبح ظاهرة أصيلة ويترك وصية أن تبقى جائزته مدى الحياة كجائزة عالمية دائمة، بينما نحن ننكر على رجال أعمالنا الذين هم أولاد الأدب والشعر، وليس ذلك بدعًا، فلهم دواوينهم واهتماماتهم، وهي دافعهم في دعم الشعر والأدب والنقد والدراسات.

خوالد بلا جوائز

ثم ماذا سنقول عن أن أفضل الروايات الأميركية مثل «غاتسبي العظيم»، و«الحارس في حقل الشوفان»، و«الصخب والعنف»، و«وداعًا للسلاح»، و«لمن تقرع الأجراس»، و«لوليتا»، وغيرها من الأعمال الخالدة يكون القاسم المشترك الوحيد بينها، هو عدم فوز أيٍّ منها بجائزة بوليتزر للرواية. مع أن بعض هؤلاء الكُتّاب، مثل فوكنر وهمنغواي، فازوا بجوائز نوبل.

هذا النوع من الأخطاء ليس خللًا في النظام، بل هو النظام نفسه. الأدب العظيم، بحكم تعريفه، يُجبر على تغيير الشكل والذوق، ويُقدم على ما هو غير متوقع. والشيء المهم في جوائز سلطان أن السلطة لم تمنحها بصمتها، بل هي التي منحت السلطة البصمة فزادت من جمال دبي وتنوع نشاطها بروح دبي العالمية في استقبال الوافدين إليها من الشعراء والمبدعين العرب.

لمسة وفاء

رحل سلطان العويس وفي مخيلتنا ستظل صورته بابتسامة لم تفارقه، وستظل روحه الشاعرة تحوم كل سنة في مهرجان الإبداع والشعر والأدب العربي، شمعة لا يخبو ضوؤها، ونورًا يضيء طرق الموهبة للجميع.

سلطان العويس.. ما أكتبه عنك لا أستطيع كتابته من دون أن تسبقني عواطفي ومشاعري إليه، وهو بعض وفاء للرجل الكبير والشاعر الإنسان الذي قدم للثقافة والإبداع ما يبقيه حرًّا. سلطان العويس… كم تشتاقك منصات التكريم واسمك يملأ المكان، وكم ستشتاق إليك مهرجانات الشعر ومعارض الكتب، وكم سيتحدث المبدعون عن مآثرك؛ لأنك جسدت معنى الثقافة في مداها العميق بما يجعل من المرء إنسانًا بالدرجة الأولى أكثر منه عارفًا، وهذا هو الهدف الأسمى للقراءة والمعرفة والإبداع والجوائز.

باحث وناقد سوري

طالب الرفاعي:

جائزة تتجاوز الاحتفاء لتكرّس المعايير

بداية، يجب الإشارة إلى أن اعتماد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، عام 2025م ليكون عامًا للاحتفال بالذكرى المئوية لمولد الشاعر الإماراتي سلطان بن علي العويس المولود عام 1925م ميلادية، إنما هو تكريم عالمي كبير ولافت، ليس لسلطان العويس، ولا لدولة الإمارات، بل لجميع المفكرين والأدباء العرب والدول العربية.

إن تداعي فرد أو أفراد أو مؤسسة رسمية أو أهلية لتأسيس جائزة لتكريم ودعم وتشجيع الفكر والإبداع هو عمل خير بامتياز، وهو عمل ثقافي اجتماعي نبيل بامتياز، وبخاصة أن المفكر والأديب العربي في حاجة ماسة للتكريم عبر الدعم والتشجيع. كما تجدر الإشارة إلى أن هناك الكثيرين في أوطاننا العربية ممن أنعم الله عليهم بخير كثير، وبالتالي أن ينبري نفرٌ من بين هؤلاء لتشجيع ودعم المفكر والمبدع العربي فهذا عمل يدلّ على درجة الوعي الإنساني والثقافي التي وصل إليها رجل الأعمال.

إن الوقوف عند تاريخ تأسيس مؤسسة الشاعر سلطان بن علي العويس، عام 1987م، يُظهر أن المؤسسة قاربت على الوصول لأربعة عقود في عملها، وهذا ما كرّس حضورها كمؤسسة/ جائزة ثقافية إماراتية/ عربية عريقة ورصينة، تعنى بتكريم وتشجيع المفكّرين والأدباء العرب. مع تأكيد أن المؤسسة، منذ انطلاقها وعبر مختلف دوراتها استطاعت أن تقدّم اختيارات مدروسة عبر تكريم شخصيات فكرية أو إبداعية وازنة، لا خلاف على استحقاقها للتكريم. وهذا ما خلق وكرّس مكانتها، وجعل منها هدفًا مشروعًا يسعى الكثير من المفكرين والأدباء العرب لنيل شرف الحصول عليه.

إن أهم ما يجب أن تقف أمامه أي جائزة عربية هو هدير سيل الإصدارات العربية المتدفّق في مختلف الأجناس الأدبية. وهذا الأمر يصعّب على أي أديب شاب تكريس نفسه، ورفع صوته بين مجايليه، وأرى أن هذا يصب في لب ما تفعله الجائزة في اختيارها لمواهب نابهة ومتفرّدة، ومن ثم تمهيد الطريق أمامها لتكمل مشوارها. لقد اختلط الحابل بالنابل، الكثير السطحي بالقليل العميق، وصارت وللأسف شللية شبكات التواصل الاجتماعي وعلاقاتها الشخصية هي من تقود المشهد الثقافي وتدفع بأسماء للظهور بالرغم من تواضع موهبتها وطبيعة ما تقدم من أعمال إبداعية. وهنا تبرز إحدى أهم مميزات جائزة العويس في إنها تمنح أي مفكر أو أديب جائزتها لمجمل نتاجه الإبداعي والفكري والثقافي. وبما يعني ابتعادها عن إعطاء جائزة لعمل واحد، فهناك الكثير من الأدباء، حول العالم، ممن كتب عملًا إبداعيًّا واحدًا، وانتهى عند هذا العمل.

وبالتالي لا يصح الإشادة بأديب له عمل يتيم، بينما النظر إلى مكانة أي مبدع إنما يستند إلى عموم نتاجه، وكيف أنه أكد حضوره الإبداعي الأدبي الثقافي عبر مراكمة الإنتاج والجودة والتجدد. واعتقد أن هناك فكرة يجب أن تكون أمام نظر وتبصّر إدارة أي جائزة، وهي ضرورة تجديد نفسها من خلال إعادة النظر في آلية عملها. ومن ذلك عدم مهنيّة أن تُختصر لجان التحكيم النهائية على ثلاثة أعضاء، بحيث يأتي اتفاق أي عضوين ليكون كافيًا لمنح الجائزة لمفكر أو أديب لا يستحقها على حساب آخر هو أجدر بها. ومن هنا أرى ضرورة تجديد لوائح لجان التحكيم في أي جائزة عربية بحيث لا يقل عدد أعضاء لجنة تحكيم الجائزة النهائية عن خمسة أعضاء. وهذا ما يضمن سلامة قرارها بعيدًا من المُحاباة والشللية والصداقات البائسة التي قد تؤثّر سلبًا في سمعة الجائزة. علمًا أن هفوة أي جائزة، في أي من دوراتها، تكون بمنزلة نقطة سوداء على ثوبها أبيض!

روائي كويتي

نايف رشدان:

بين تجارة اللؤلؤ والاستثمار الثقافي

يُعَدّ سلطان العويس واحدًا من أهم الأسماء الثقافية في مجتمعنا الخليجي، بل في عالمنا العربي؛ إذ لم يرث ولم يورّث العويس أبناء وبنات، ولكنه ورّثَ علمًا وأدبًا ومالًا ذكيًّا استطاع من خلاله أن يقدم صورة لذلك الرجل الأبي الشهم. هذا الرجل يعدّ اسمًا عظيمًا في ميزان العطاء الثقافي؛ إذ شكلت جائزة العويس رافدًا مهمًّا في تحريك المياه الشعرية والأدبية. صحيح أن جائزة العويس اقتصرت على العلوم الإنسانية، وعلوم الشعر والأدب والثقافة خاصة، ولكن ذلك لم ينقص من قدرها؛ إذ بلغت هذه الجائزة قيمة عالية باعتبارها الحضاري والعلمي، وليس باعتبارها المادي.

هناك من الجوائز ما هو أعلى قيمة مادية من جائزة العويس، ولكن جائزة العويس امتازت بأمرين؛ أما الأول فهي نوعية المحكمين الذين اختارتهم الجائزة، وهم من عِلية الأساتذة في المشهد الثقافي والعلمي، وهذا أمر مهم في ميزان العمل النقدي، الأمر الثاني أن هذه الجائزة لا ترتهن إلى المعارك والتصويت والتدخلات الخارجية، وإنما هي نتيجة البداهة العلمية الصادقة، مما يجعل الثقة بتتويج الفائزين بهذه الجائزة، ويُصادق على قيمتهم الفنية والأدبية.

العويس رجل أفنى عمره بين ميدانين؛ ميدان تجارة اللؤلؤ، والتجارة في الشعر، بمعنى دعم الشعر والاستثمار فيه بإنارة العقول ومنح المبدعين والواعدين والمثقفين كثيرًا من الطرق التي يسلكونها إلى العمل الشعري والأدبي المتميز. يقينًا أن العويس عندما رحل لم يكن ليرحل عن عمرٍ أفناه في التجارة فحسب، بل عمر أبقاه في العمل الثقافي الذي سيدوم. سحابة من الشكر ودعاء صادق بأن يرحم الله ذلك الرجل الأبي الذي حُرِمَ من الولد والأهل، ولم يحرم أبناء العربية من ماله وثرائه الذي اتخذ منه أبنية شامخة جعلها تدون اسم سلطان العويس في كل منتدى ثقافي وعلمي.

تأتي جودة هذه الجائزة إلى الطريقة في الاختيار، فهي ما إن تعلن عن الجائزة حتى يتوقف أنصاف الموهوبين عن المشاركة، ولا يجرؤ على المشاركة إلا من كان له قلب ثقافي فني يستطيع من خلاله أن يقدم بكل جرأة نصه أو كتابه؛ لأنه يعلم أن وراء ذلك محكمين أَكْفَاء من المجتمع العربي الثقافي الذي يؤذن بفوزٍ مستحق، وليس بفوز مستعار.

رجال الأعمال الذين اهتموا بإطلاق الجوائز الثقافية لم يفعلوا ذلك من باب الترف أو التفاخر، بل انطلقوا من صلة وثيقة تجمعهم بالشعر والأدب والثقافة. لقد وُسِمت أسماؤهم بقيم حضارية راقية، من خلال ما قدّموه من جوائز مالية تُمنح لمبدعين ومثقفين ونقّاد وغيرهم من العاملين في الحقل الثقافي. وهذا جانب جدير بالتنويه؛ إذ إن هؤلاء المانحين، من أمثال عبدالمقصود خوجة، وراشد المبارك، وعبدالله الفيصل، ومعتوق شلبي، وغيرهم، لم يأتوا إلى الثقافة من الهامش، بل كانوا جزءًا حيًّا منها. ونذكر أيضًا جوائز حملت أسماء رموز بارزة، مثل الجائزة التي أنشأها أبناء غازي القصيبي تكريمًا له، وجائزة الصباح للأعمال الثقافية، وجائزة عبدالعزيز البابطين. وكلها مبادرات انطلقت من المملكة العربية السعودية ودولة الكويت، وأسهمت في دعم الحياة الثقافية في العالم العربي.

أما إذا ذهبنا إلى الإمارات فسنجد جائزة سلطان العويس وجائزة جمعة الماجد، ولو ذهبنا إلى البحرين سنجد جائزة عبدالعزيز كانو، وهو أحد تجّار البحرين الذين تركوا جائزةً ولكنها توقفت. وإذا عدنا إلى السعودية فهناك جائزة عبدالعزيز التويجري، وكان محمد حسن عواد قد وضع جائزة ولا أعلم عنها، وأيضًا حسن قرشي كان قد وضع مشروعًا لجائزة، ولا أدري هل تمّ أم لا. وهناك جائزة وضعها محمد بن صالح باشراحيل، وقد شاركنا فيها قبل فترة. وبعض الأسماء التي تعد من أهم الأسماء في عالم التجارة والاقتصاد التي تفسح مجالًا للمبدعين والمثقفين من خلال إعطائهم هذه الجوائز.

جوائز ثقافية في قبضة المحكمين: بين النزاهة والتواطؤ

بالنسبة للإيجابيات فإن هذا الحراك الثقافي والشعري مهم جدًّا، فبعض الشعراء والأدباء يتحمس مع وجود هذه الجوائز، وبعضهم ينظر إليها من الجانب المادي، وبعضهم الآخر ينظر إليها على أنها نوع من التحدي مع الذات في أن يرى نتاجه في مستوى تقييمي تلوذ من خلاله هذه النصوص أو هذه الكتب التي أُلِّفَت وفازت. أما السلبيات فهي أن القائمين على بعض الجوائز -ولا أقول كلها- هم بعيدون من الثقافة، وهذه مشكلة ومعضلة كبيرة؛ لأنه لا يُقدِّر المثقفَ إلا من كان مثقفًا، الأمر الثاني أن بعض المحكمين ولعل هذا من أخطر ما يُسمع الآن لا يتمتع بأخلاق حضارية، وهم قلة، ولكن يحدث بعض الخيانة العلمية.

وقد وقفتُ على حالتين من تلك الحالات التحكيمية التي يُقسِم فيها المحكّم الجائزة مع الفائز، في ظاهرة خطيرة تستوجب الوقوف عندها بجدّية، وأتمنى ألا تتكرر. أما السلبية الثالثة، فهي تتعلق بانحياز بعض لجان التحكيم إلى الأسماء المعروفة على حساب النصوص الأفضل فنيًّا. فكثيرًا ما تُقدَّم كتب أو نصوص لمبدعين غير معروفين تتفوق، من حيث القيمة الفنية والإبداعية، على أعمال لأسماء مرموقة، ورغم ذلك يُمنح الفوز لتلك الأسماء لمجرد شهرتها. وهذا خلل ينبغي النظر إليه نظرةً حضارية ومنصفة؛ إذ لا ينبغي أن يكون الاسم سببًا في التتويج إذا كان النص لا يستحق. الانتصار يجب أن يكون للنص، لا لصاحبه. السلبية الرابعة، وهي أن هذه النصوص لا يمكن التحقق منها من خلال حضورها دون حضور أصحابها. فهناك من يرسل نصه دون حضور، والأهم من تحقق نسبة المصداقية في نسبة النص إلى صاحبه، هذا أمر مهم جدًّا.

 أما ماذا يحتاج رجال الأعمال من المثقفين أو من الدعم اللوجستي، وهو توثيق هذه الأعمال وإتاحة الفرصة لها. منح هذه المراكز قيمة رسمية أو لوجستية أكثر من كونها مجرد مراكز معزولة. ولنا في جائزة عبدالله الفيصل صورةً مؤكدة؛ لأن هذه الجائزة قورنت بجامعة الطائف، وهذا ملمح مهم جدًّا، فاتخذت الجائزة قيمة علمية، ومُنِحت فرصة إعلامية. ولكن الجوائز الأخرى ظلت تعانق الفرادة، وتتحد مع ذاتها، وكوّن رجلُ الأعمالِ مع جائزته نَسِيجَ وَحْدِهِ، لكنه بحاجة إلى كثيرٍ من الأيدي، ليس بالمال، وإنما بالأعمال، وليس بالأصوات، وإنما بالإعلام الذي يدعم هذه الجوائز وهذه المراكز. أنا أعتقد أن كثيرًا مما قدم من جوائز يصادق على جودة العطاء الأدبي في عالمنا العربي.

ناظم ناصر القرشي:

الاستمرار والاستقلال أهم عوامل النجاح

يشكّل الاحتفاء بشخصية رجل الأعمال الراحل سلطان العويس ومؤسسته الثقافية مناسبة ثمينة للتأمل في العلاقة المعقدة والمثمرة بين المال والثقافة، بين المبادرة الخاصة والمصلحة العامة. وفي ظننا أن استمرارية ونجاح مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية تعود إلى عوامل متداخلة عدة، في مقدمتها النية الصادقة والرؤية الواضحة. فلم تكن الجائزة محاولة دعائية أو استثمارًا في السمعة، بل بدت منذ انطلاقتها نابعة من قناعة عميقة بأهمية دعم الثقافة العربية، وثانيها الاستقلالية؛ فقد حافظت المؤسسة على مسافة واضحة من التوجيهات السياسية أو الضغوط الإعلامية، وهو ما أكسبها ثقة المثقفين. أما ثالث عوامل النجاح فهو الاحترافية المؤسسية؛ إذ بُنيت المؤسسة على نموذج إداري محكم، يجعل من الجائزة حدثًا دوريًّا موثوقًا به، لا يخضع للتقلبات أو المزاجيات. ورابعها هو تكريم القيمة لا الأسماء، فلم تنجرف الجائزة وراء الأضواء أو الأسماء الرائجة، بل ظلّت تنتصر للعمل الثقافي الجاد، مما عزّز من مكانتها الأدبية والفكرية.

ولعل التعاون المثمر بين المثقف ورجل الأعمال يقوم على الاحترام المتبادل، فرجل الأعمال يوفر الموارد، والمثقف يقدّم الرؤية والمحتوى، ولكل طرف منهما مجاله الحيوي. ولا بد من المأسسة لا الشخصنة؛ إذ يجب أن تتحول المبادرة إلى مؤسسة لها نظام ولوائح لا تتغير بتغير المزاج أو الأشخاص. ولا بد من الوضوح والشفافية في علاقة المثقف برجل الأعمال، وضرورة تحديد الأدوار والمسؤوليات بينهما منذ البداية، وأن تبقى المعايير الثقافية محمية من أي إملاءات. ولا بد من الفصل بين الطموح الشخصي والمصلحة العامة، ومن المهم أن يكون الهدف الأساسي هو خدمة الثقافة والمجتمع، لا بناء النفوذ أو شراء الولاءات.

في الختام، تبقى تجربة سلطان العويس نموذجًا نادرًا لرجل أعمال أدرك أن الثقافة ليست ترفًا، بل استثمارًا طويل الأمد في روح الأمة وعقلها. ومن هنا، فإننا نأمل أن تحفز هذه التجربة المزيد من رجال الأعمال على السير في الطريق نفسه، ولكن بالوعي والتواضع اللازمين.

شاعر وناقد عراقي

عباس يوسف الحداد:

مشروع يخدم الثقافة وليس المصالح الخاصة

جنح الراحل سلطان العويس (1925-2000م) نحو الثقافة يستثمر فيها ثروته، لإيمانه بأن المنجز الثقافي هو التجارة الرابحة، والعملة الرائجة في تجاوز الزمان والرسوخ في المكان. آمن بموهبته الشعرية، وبرؤيته الواضحة في إنشاء جائزة تحقق الأهداف النبيلة وتنأى عن الربحية، حيث أوقف جزءًا من ثروته للمؤسسة ليضمن استمراريتها وديمومتها في مواصلة مشوارها لما يقرب من أربعة عقود من الزمان. كما حافظ على النزاهة في التحكيم، وسعى إلى اختيار اللجان الموثوقة فكريًّا وثقافيًّا وعلميًّا، فلم يدع للمجاملات مكانًا يذكر، هذا فضلًا عن انتظامها منذ عقود في منح الجائزة مما منحها هيبة وثقة في الحضور في الذاكرة الثقافية.

غياب الرؤية الثقافية

وأحسب أن فشل بعض الجوائز وتعثرها وتوقفها مرتبط ارتباطًا كبيرًا في غياب الرؤية الثقافية الواضحة، وربما كان الدافع أحيانًا لإنشاء الجائزة شخصيًّا أو دعائيًّا أو له مآرب أخرى، ليس إيمانًا بالثقافة وسعيًا نحو خدمتها، كذلك غياب الاستدامة المالية التي هي عصب استمرارية الجائزة؛ إذ يتوقف الراعي عند الدعم للجائزة مع أول أزمة تطالعه أو أي تغيير في المصالح.

كما أن تسييس الجوائز أو تطييفها من خلال لجان التحكيم أو الاختيار يفقد الجائزة مصداقيتها، ويؤثر في استمراريتها، هذا إلى جانب منح أسماء بعينها لاعتبارات غير ثقافية وإبداعية يفقد احترام الجائزة ويقوض من استمراريتها، هذا فضلًا عن ضعف لجان التحكيم وانعدام الخبرة لديهم.

في ظننا أن الصدق هو عماد الدعم الثقافي الناجح لرجال الأعمال، فكلما كان رجل الأعمال صادقًا في نواياه، وشفافًا في أفعاله في منح الجائزة لمن يستحقها؛ كانت الجائزة ذات قيمة وتستمد استمراريتها من صدق صاحبها. كما أن وضع هدف ثقافي واضح للإسهام في خدمة الثقافة والارتقاء بالأدب والفنون ودعمها يسهم في دعم استمرارية هذه الجائزة والإقبال عليها وتفاعل الناس مع نتائجها.

صندوق مستقل

أرى أن إنشاء صندوق مستقل أو وقف للجائزة يضمن لها استمرارية التمويل، فضلًا عن استقلاليتها عن شركات رجل الأعمال. وأرى أن ينأى أي رجل الأعمال بنفسه عن إدارة جائزته، ولا يدع المحسوبية تدمرها، إنما يختار ثلة من المثقفين يحظون بالثقة لإدارة لجانها والإفادة من خبرتهم في تطويرها.

ومما يحفظ للجائزة استمراريتها أيضًا هو إنشاء أرشيف وقاعدة بيانات ومنشورات وأنشطة تفاعلية مصاحبة للجائزة. وأخيرًا، فإن سرّ نجاح أي مؤسسة ثقافية في منح الجوائز مثل مؤسسة السلطان العويس يقوم على الصدق في الرؤية، والاستقلال المالي، والنزاهة في الإدارة، والانفتاح على الوطن العربي.

نصيحتي التي أسديها لأي راعي ثقافة هي بناء مشروع يخدم الثقافة حقًّا، وليس بناء مشروعٍ يخدم مصالحه وحدها.

ناقد وأكاديمي كويتي

البشير عبيد:

مشروع ثقافي وليس حضورًا إعلاميًّا

لا يعود نجاح سلطان العويس فقط إلى قدرته على التمويل أو إلى وجاهته الاجتماعية، بل إلى وضوح رؤيته الثقافية وصدق انحيازه للمعنى. لقد فهم العويس أن الثقافة ليست ترفًا للنخبة ولا مجرّد ديكور اجتماعي، بل ضرورة وطنية وإنسانية. ولعل سرّ نجاحه أيضًا يكمن في أنه لم يجعل من الجائزة أداة للتلميع الذاتي، بل ترك المؤسسة تشتغل بمعايير فكرية مستقلة، منحازة للإبداع لا للولاء. كان بإمكانه أن يحوّل الجائزة إلى واجهة دعائية، لكنه اختار أن تكون منبرًا حرًّا، وهو ما منحها مصداقية وثقة في الأوساط الأدبية والثقافية العربية.

وتمثل ظاهرة رجال الأعمال الذين يطلقون جوائز وينشئون مؤسسات ثقافية، في ظاهرها، تقاطعًا محمودًا بين رأس المال والمعنى، وهي تحقّق نوعًا من التكافل بين الاقتصاد والثقافة. لكنها في عمقها تظلّ ظاهرة مزدوجة؛ لأنها قد تنقلب إلى ساحة نفوذ رمزي أو استثمار في الوجاهة بدل التنوير. إذا كانت المبادرة مدفوعة بوعي ثقافي حقيقي، فإنها تساهم في تحريك المشهد الثقافي العربي، وتمنح الكتّاب والمفكرين حدًّا أدنى من التقدير والدعم. لكن إذا كانت مجرّد مشروع علاقات عامة، فإنها تختزل الثقافة في حفلات توزيع الجوائز وتهمّش جوهر الإبداع. وبالتالي، فالنية والفلسفة الكامنة وراء كل مبادرة هي ما يصنع الفرق بين من يسند الثقافة ومن يستثمر فيها.

ولعل أهم سلبية يجب تفاديها هي تحويل الجائزة إلى أداة للهيمنة الرمزية أو الترويج الذاتي. الثقافة لا تُشترى ولا تُستعمل، بل تُخدم. وينبغي على رجال الأعمال ألا يتدخلوا في المحتوى أو في لجان التحكيم، وألا يخضعوا للمزاج السياسي أو التجاري؛ لأن ذلك يفرغ المشروع من روحه.

الخطر الآخر هو بناء مؤسسة ثقافية من دون رؤية طويلة المدى، وهو ما يجعلها هشة وقابلة للذوبان عند أول أزمة. الرهان الحقيقي هو تأسيس كيان مستقل، مؤمن بقيمة الإبداع، قادر على الصمود والتأثير بعيدًا من الأهواء والولاءات.

شاعر وكاتب تونسي

عبد الله مليطان:

سلطان العويس مثقف عضوي

سر نجاح أي مشروع هو سمو الهدف، ونبل الرسالة، والإصرار على الإنجاز الذي يتحدى الواقع، ويتطلع إلى المستقبل، ولا سيما عندما يكون المشروع معني بالثقافة والفكر، مثل ما عمد إليه رجل الأعمال الإماراتي، وقبل ذلك الشاعر، الراحل سلطان العويس (عليه رحمات الله). ولد العويس وترعرع في أحضان أسرة تعشق الأدب وتتعاطى فنونه بحب كبير، لتحقيق هدف أسمى من مغانم الحياة، ذلك أن العويس ليس تاجرًا يمتهن التجارة، بل ممارس للأدب والابداع. وظف العويس ثرواته المادية لما هو أنفع للناس وأجدى للحياة، من خلال الاستثمار في الشأن الثقافي وتوظيف جانب من ثروته في مجال الفكر والابداع، ليس لكونه شاعر، بل لأنه مثقف عضوي، يرى أن دوره أسمى من أن تقتصر مكاسبه على منافعه الشخصية، بل أن يسهم في بناء مجتمعه الإنساني عامة، وليس فقط اسهامًا في إطار محيطه؛ لأنه يرى أنه ليس معنيًّا ولا مسؤولًا عن نفسه فحسب، بل عن الناس أيضًا.

يسعى العويس لخلق وعي مجتمعي بهدف الارتقاء بالحضارة الإنسانية وإرساء ثقافة الحياة، لمواكبة التطور الفكري، والتفاعل مع المتغيرات التي يشهدها عالمنا المعاصر، وهو ما مكن لمشروع مؤسسته الديمومة والتواصل عبر ما يقارب أربعة عقود من الإنجاز الثقافي الفاعل والمؤثر في مسيرة الحياة الثقافية العربية. وكان الحافز والمشجع لعدد من رجال الأعمال العرب الذين ساروا على نهجه، مساهمين في العمل الثقافي العربي (الأهلي/ المدني) في ظل العجز الذي يعانيه كثير من المؤسسات الثقافية الرسمية. هناك دول ترصد ميزانيات ضخمة، دون أن تحدث من الأصداء ما أحدثته مؤسسة العويس على مستوى الفعل الثقافي من أمسيات ثقافية، وندوات علمية، ومجالس فكرية وورش تنموية ومهرجانات أدبية وجوائز إبداعية ذات صدى وأثر بالغ ومؤثر.

ولكي يتحقق النجاح لرجال الأعمال في إدارة مشاريع مؤسساتهم الثقافية، على نحو النجاح الباهر الذي حققته مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية، يتطلب الأمر أن يحافظ رجال الأعمال على سمو رسالتهم؛ بهدف تحقق الغاية من مسايعهم نحو الاقتراب من وجدان الإنسان وعقله، وحَفْز المبدع على إنجاز ما يرتقي بالمجتمع وينير دروب الحياة.

انحياز المثقف

وإذ نشيد برجال الأعمال ورأس المال العربي المسخر للفعل الثقافي والفكري وترسيخ قيم الهوية الثقافية لأمتنا العربية وتراثها المجيد، فإن المثقف العربي مطالب بأن ينحاز وبلا حدود، ودون تردد، إلى صفوف رجال الأعمال التي آثرت أن تستثمر في الثقافة (ذات النفع المعنوي المستقبلي)، موظفة أموالها لتنمية العقول، وإغناء الفكر بقيم الحرية والحق والجمال، نائية عن المكاسب المادية (المباشرة والآنية)؛ لتحقيق رسالتها وبلوغ أسمى الأهداف النبيلة التي تعم بمنافعها كل فئات المجتمع بكل طبقاته وشرائحه.

المعاني والدلالات التي يتطلع إلى تحقيقها المال الموظف لخدمة الثقافة وإنارة العقول تستوجب الالتفاف حولها ودعمها بالمشاركة الفاعلة والمشجعة، ضمانًا لاستمرارها ومواصلة سيرها نحو بلوغ أهدافها التي ستنعكس بشكل إيجابي على المجتمع برمته. من خلال انتعاش حركة الإبداع الأدبي والفكري، وبخاصة إذا ما ابتعدنا عن اصطياد ما يعكر مسيرة عمل مؤسساتنا الثقافية والفكرية التي أقل ما يمكن أن يقال عنها: إنها استطاعت أن تجمعنا بشكل دوري، في ظل ما يعانيه مجتمعنا العربي من تأزم، ضمن مواسمها الثقافية التي تتيح لنا أن نلتقي معًا لنناقش أفكارنا ورؤانا مباشرة. لعلنا نخلص إلى صياغة رؤية موحدة تنمي قيم الانتماء وروحه لتراثنا العريق وثقافتنا العربية الواحدة، وهو ما نتطلع إليه جميعًا ويسعى إليه المخلصون من رجال الأعمال بإنشاء مؤسساتهم الثقافية التي تأتي في مقدمتها مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية. على مؤسسها الراحل سلطان العويس رحمات الله تعالى.

مفكر وأكاديمي ليبي

الحسن بنمونة:

الثقافة ليست مسألة فردية

أن تشتغل بالكتابة، فتبدع فيها، لتصبح ذا مكانة في عالم الأدباء أو الشعراء، هي مسألة تنبع من رغبة في أن تقول كلمة تخلدها في هذه الحياة، أو هي بصيغة أخرى، مسألة فردية ينجزها فرد واحد في كتب؛ لأنه يؤمن بأن الكتابة صناعة كغيرها من الصناعات، إلا أنها ثقافية، تساهم في بناء مجد الأمة. ولكن أن تكون ميسورًا، وناجحًا في التجارة، أو في أي شكل من أشكال الاستثمار، الذي يدرّ أموالًا، وفاعل خير على مستوى الوطن العربي، وشاعرًا لامعًا في الوقت عينه، يُشهد له بالتفرد والألمعية، فهذا يجعلنا نعيد النظر في كثير من التصورات القبلية، التي ورثناها أبًا عن جدٍّ، وهي تخص رجال المال والأعمال.

 هذا ما يمثله بامتياز رجل الأعمال والشاعر الإماراتي سلطان العويس، الذي أنشأ جائزة سنوية مستديمة، منذ سنة 1987م؛ لتكريم مفكرين وأدباء وشعراء، حاملي لواء صناعة الثقافة العربية. لقد أحيا هذا الشاعر تقليدًا أدبيًّا، كان معروفًا في التاريخ العربي القديم؛ إذ كان الخلفاء في الدول المتعاقبة، ينشئون مجالس أدبية في القصور، تثار فيها مناظرات ونقاش بالمعنى المعاصر، وتتلى فيها قصائد، ثم ينتهي الأمر بتكريم الأدباء والشعراء بعطايا. إذن يحق لهذا الشامخ أن يفتخر بما قدم من خدمات للمجال الأدبي والفكري.

لا بأس في أن نثير هنا التساؤل الآتي: لماذا انتشرت ظاهرة تأسيس رجال الأعمال جوائز ومؤسسات فكرية في عالمنا العربي؟ وهل هي نابعة من رغبة حقيقية في تطوير الأدب والفكر؟ الشائع في الثقافة العربية، هو أن الأدباء يمثلون دور المعارض للسلطة؛ أي سلطة. فكيف يتقبلون فكرة تكريمهم من أغنياء عن طيب خاطر؟

 ما ينبغي لنا التركيز عليه، هو أن العصر يفرض على رجال الأعمال الإسهام في صناعة الثقافة، بوصفها رافدًا من روافد التطور. هي رأسمال معنوي حقًّا، ولكنه مهم جدًّا، في بناء العقلية العربية الجديدة؛ في بناء الخيال والإبداع، لندخل عالم التقدم الفكري، منفعلين وفاعلين في الوقت عينه.

لا أحد ينكر أن للدعم المالي الذي يتلقاه الأدباء، إن حالفهم الحظ بنيل جائزة أدبية أو فكرية، دورًا في تحقيق ما يمكن تسميته بالشعور بالأمان، في مواجهة أعباء الحياة اليومية؛ لأن الكاتب مرغم على ملاحقة التغيرات الثقافية التي تحدث في ثقافته، وفي ثقافة الأمم الأخرى، وبخاصة في عصرنا هذا، وهو عصر يتطلب المواكبة المستمرة. ولكن، هل نيل جائزة وسيلة أو غاية؟ الجواب هو: إن اعتبرناها غاية، فهي تمثل هنا مقدارًا من المال، يكتسب لقضاء أغراض خاصة، وهذا يسيء إلى جوهر الجوائز برمتها، ولا يخدم قيمتها النبيلة؛ لأنها وسيلة لتطوير التفكير والخيال، ودعم المسيرة الأدبية. نقول هذا؛ لأن كثيرًا من الكتب التي تظفر بجوائز، لا تثير أي ضجة أو تأثير.

قد يبدو أن هذا الكلام مجانب للصواب؛ لأن الجوائز أنشئت لينالها أشخاص، فينتفعون بها، ورجال الأعمال والمستثمرين في مجالات المال والأعمال، يقدمون أموالًا، ليشار إليهم بالبنان، فهذا في الواقع يمثل إساءة للأدب ولهؤلاء في الوقت عينه. يلتقي العنصران عند نقطة الانتفاع؛ انتفاع الأدباء بالمال، وانتفاع رجال الأعمال بالشهرة، لتحقيق مآرب شخصية ربما. صحيح أن تطوير الأدب والفكر يحتاج إلى المال، ولكن ما يُنتقى لينال الحظوة، لا بد أن نتمثل فيه خصائص الجدة والتأثير، وما أكثر الكتب التي انتهى بريقها بإسدال ستار حفل توزيع الجوائز. نريد رجال أعمال، يساهمون في تأسيس مدارس وجامعات للبحث العلمي، ومجلات وجرائد جادة، وتكريم أدباء بذلوا جهودًا جبارة في صناعة الثقافة العربية، بعد أن أفنوا عمرهم في الكتابة والتفكير، وهذا لعمري، ليس بمستحيل.

كاتب مغربي

حسين جلعاد:

أسباب نجاح أي مبادرة ثقافية

ما جعل مؤسسة العويس الثقافية ناجحة ومستمرة حتى اليوم يعود إلى ثلاثة عناصر أساسية: أولها وضوح الرؤية الثقافية لدى المؤسِّس، فلم تكن مبادرة العويس مجرد رعاية خيرية عابرة، بل كانت مشروعًا ثقافيًّا متكاملًا ينبع من إيمان صادق بدور الأدب والفكر في نهضة المجتمعات. كان سلطان العويس رجل أعمال، لكنه كان أيضًا قارئًا، محبًّا للشعر، على صلة بالوسط الثقافي، وهذا الوعي هو ما ضمن أن تكون الجائزة نابعة من الداخل لا مفروضة من الخارج.

أما ثاني عناصر النجاح فهي استقلالية المؤسسة وثقة المجتمع الثقافي بها. فمنذ انطلاقتها حافظت جائزة العويس على درجة عالية من الاستقلالية والنزاهة، وظلت منبرًا للأدب العربي الجاد، وملتقى لأصوات متنوعة من المحيط إلى الخليج، وهذا منحها احترام الكُتّاب وثقة الجمهور. وثالث عناصر النجاح والاستمرارية هو اتساع الأفق العربي في الجائزة. فعلى الرغم من أنها إماراتية المنشأ، فإن الجائزة لم تنغلق على الجغرافيا أو اللهجة أو الاتجاه، بل احتفت بأدباء من مختلف التيارات والبلدان. هذه الروح الوحدوية العابرة للحدود جعلت من العويس مؤسسة ثقافية عربية بامتياز، وليست مجرد جائزة محلية.

ينبغي على رجال الأعمال عند إنشاء مؤسسات أو جوائز ثقافية تجنب الخلط بين النفوذ الثقافي والنفوذ المالي، فلا يجب استخدام الثقافة كوسيلة للوجاهة أو التسويق. فحين يُستخدم الاسم الثقافي لتلميع صورة المموّل أو للدخول في لعبة العلاقات العامة، تفقد الجائزة معناها، ويتحول المثقف إلى أداة، والمؤسسة إلى واجهة، لا روح فيها ولا أثر. الثقافة ليست ديكورًا، بل فعلٌ جاد يتطلب الصدق والتواضع أمام الكلمة والمعنى.

من جهة أخرى، يجب أن يبتعد المموّل عن التسييس أو التطييف. فالجائزة الناجحة لا تكون أداة لتمرير توجهات ضيقة أو لإعادة إنتاج خطاب سياسي معين. ما تحتاجه الجوائز هو الانفتاح على التعدد، لا تكريس الأيديولوجيات أو النزعات القُطرية، أو الطائفية، أو الحزبية. كما أنه يجب عدم فرض الذوق الشخصي أو شبكة العلاقات الخاصة على آلية الاختيار. فمن الأخطاء الشائعة أن يُدير رجل الأعمال مؤسسته الثقافية كما يدير شركته التجارية، متدخّلًا في الترشيحات، أو مفضلًا أسماء يعرفها أو ترتبط به. المؤسسة الثقافية تنجح حين تُفوِّض لجانًا نزيهة ومحترفة، وتمنحها الثقة والحرية الكاملة.

وأخيرًا ينبغي الانتباه إلى الاستدامة؛ لأن النجاح ليس في منح الجائزة الأولى، بل في استمراريتها على مدى عقود؛ لذا يجب التفكير منذ البداية في بناء كيان مؤسسي له موارد، لا أن تبقى المبادرة رهينة مزاج صاحبها أو أحواله المالية.

ويمكن للمثقفين أن يلعبوا دورًا حاسمًا في إنجاح مشاريع رجال الأعمال الثقافية، لكن هذا يتطلب علاقة متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والتفاهم العميق حول طبيعة العمل الثقافي. الجانب المهم والأساسي في هذه العلاقة هي أن المثقفين شركاء في الرؤية، لا منفذون مأجورون. ينبغي ألا يُستدعى المثقف ليؤدي دور «الخبير الزخرفي» أو يبارك المشروع فقط. عليه أن يكون شريكًا حقيقيًّا في وضع الأسس الفكرية، والحوكمة الثقافية، ومعايير الجودة. المشروع الثقافي لا ينجح بالتبرع وحده، بل بالمعرفة والتخطيط طويل الأمد.

أما الركن الثاني في العلاقة، فهي أنه يجب على المثقفين احترام حدود التمويل، وعلى الممول احترام حدود الثقافة. فلا ينبغي للمثقف أن يحمّل الممول رؤاه الأيديولوجية أو السياسية أو حساباته الشخصية، كما لا يحق للممول أن يُصوّب ذائقة المثقف أو يُعيد صياغة اختياراته. أرى أن التفاهم الناجح يقوم على هذا التوازن: المال يُمكّن، والثقافة تُوجّه.

أما ثالث أركان العلاقة بين المثقف ورجل الأعمال، فهي حتمية كتابة العقود الأخلاقية قبل العقود المالية. أي ينبغي وضع ميثاق -مكتوب إن أمكن- يتضمن احترام استقلال اللجنة الثقافية، وآليات التقييم، وحق الاختلاف، وتحديد المسؤوليات بوضوح. المشاريع التي لا تضع هذا الإطار منذ البداية تقع غالبًا في سوء الفهم وسوء الظن.

أما رابع أركان العلاقة بين المال والثقافة، فهو أنه على المثقف أن يحذر من التحوّل إلى مروّج، وعلى الممول أن يحذر من التحوّل إلى وصي. إن هذه العلاقة لا تنجح إلا حين تحافظ على المسافة الآمنة، فلا تملق من المثقف، ولا استعلاء من رجل الأعمال. وبينهما، تنشأ مؤسسات محترمة، تكرّم الأدب والفكر، وتُكتب لها الحياة.

في نهاية المطاف، ربما لا تزال العلاقة بين المال والثقافة حذرة، وهي ليست متوازنة. لكن هذه العلاقة ينبغي أن تستعيد التوازن ويجب ألّا يسودها التنافر، بل يمكن أن تكون علاقة تكامل، شرط أن تُبنى على الوضوح والاحترام. يستطيع المال أن يُشيّد البنية، ويوفّر الاستمرار، ويمنح الفكرة جناحين، لكن الثقافة هي التي تمنح المعنى، وتحدّد الاتجاه. حين لا يتقدّم أحدهما على حساب الآخر، وحين يعرف كل طرف حدوده ودوره، تولد مشاريع ثقافية أصيلة، تتجاوز الذوات وتبقى للأجيال القادمة.

شاعر وصحفي أردني

محمد إبراهيم يعقوب:

كل جائزة هي نافذة تطلّ على مبدعين يستحقون التكريم

في البدء، إنّ أيّ فعلٍ ثقافيٍّ يسهم في خدمة المشهد الثقافي بشكلٍ ما، هو جهد مرحب به لا شكّ. وفكرة إنشاء مؤسسات ثقافية باسمٍ ثقافي سواء كان مبدعًا أو مهتمًّا بالشأن الثقافي ليست فكرة جديدة، وليست فكرة تخص الثقافة العربية وحدها أيضًا.

وقبل إطلاق الجوائز عبر هذه المؤسسات الثقافية يبدو لي أنّ هذه المؤسسات يناط بها أو من ضمن أهدافها تفعيل النشاط الثقافي من تسليط الضوء على إنتاج المبدعين أو دعم طباعة هذا الإنتاج أو إقامة ندوات حول قضية ثقافية أو إبداعية. وهذا كله لا شك عملٌ يصبّ في صالح الثقافة، وهو دورٌ منتظر من الذين يملكون القدرة المالية والرؤية الثقافية، سواء من مثقفين أو رجال أعمال، بحيث يشكلون رافدا ثقافيًّا بالإضافة إلى ما تقوم به المؤسسات الرسمية.

أما ما تطلقه مثل هذه المؤسسات من جوائز ثقافية وإبداعية، فكل جائزة تُطلق هي نافذة تطلّ على مبدعين يستحقون التكريم أو مبدعين جدد يحتاجون مثل هذه النوافذ لضوءٍ ما. وأنا مع ذلك تمامًا. يبقى أن ندرك أن هذه المؤسسات، بما أنها تنتمي لشخصٍ ما أو من يمثله من القائمين على هذه المؤسسة، لا شك أنهم ينطلقون من أفكار تخصهم، وأهداف تمثّلهم مما ينعكس على نوعية هذه الجوائز واشتراطاتها ولجان تحكيمها، وسوف تظلّ المعايير شخصية مع كل مؤسسة، ومع كل جائزة.

لكن، ولمَ لا! هذا يضمن تنوعًا يحتاجه المشهد الثقافي ويبني عليه، فالأجناس الأدبية لكل جائزة، وشروط التقدم، وأعمار المشاركين، كل هذه العوامل تضمن تنوعًا يغني ويُثري. وأنا شخصيًّا أرى أن يُفصل بين الجوائز التكريمية، لروادٍ وتجارب رائدة ومتحققة، وبين الجوائز التنافسية للشباب؛ كي نقدّم أسماء جديدة للمشهد الثقافي. وهذا في ظني من أكثر الأهداف نُبلًا، ويدفع المشهد إلى المستقبل، فالرهان من أي مشهد ثقافي أن يحتفي بما مضى، لكنه يراهن على المستقبل. هكذا تستمر الثقافة، ونذهب بها بعيدًا.

شاعر سعودي

جاسم الصحيح:

الاستثمار الثقافي ومعضلة الاستمرار

كان المثقفون في السابق يشتكون من تقصير رجال الأعمال في دعم الحركات الأدبية والفنية، وعدم اضطلاعهم بالدور الثقافي الذي يجب عليهم القيام به من أجل نشر الوعي في المجتمع. هذه الشكوى سبَّبت في يومٍ ما خللًا في العلاقة بين المثقفين ورجال الأعمال. ولم تكن المسألة مسألةَ استجداءِ رجال الأعمال للتبرع بأموالهم، وإنما كانت مسألةَ تشجيعهم على الاستثمار في مشاريع الثقافة، وهو الأمر الذي قد يعود عليهم بالفائدة المادية، لكنهم لم يكونوا مؤمنين بالاستثمار الثقافي ظنًّا منهم أنه لن يعود عليهم بالربح، نظرًا لأن ثقافة الناس ثقافة تقليدية بسيطة لا يمكن أن تتحوَّل إلى سلعةٍ استثمارية تحقِّق المصالح التجارية لهم. ورغم هذه المقدمة، لا بدَّ أن نشير إلى نقطةٍ مضيئة في تاريخنا الثقافي القريب بخصوص تكوين المؤسسات الثقافية وهي تتمثَّل في المنتديات والصالونات الأدبية التي تقيمها العوائل الثرية، تجسيدًا لحبِّها للثقافة وتعميقًا لحضورها الاجتماعي من خلال هذه الصالونات والمؤسسات والجوائز.

أمَّا في الفترة الأخيرة، وبعد أن انطلقت الإستراتيجية الثقافية الحديثة لدينا في المملكة العربية السعودية، حسب رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حفظه الله ورعاه، فقد بدأت الـمُدُنُ تتحوَّل باتجاه الحداثة في مبانيها ومعانيها، من أجل عصرنة هذه المدن، وبدأ الوعي الحداثي يتسلل حتى إلى التفكير التجاري. وهنا اقتنع رجال الأعمال بأن الاستثمار في الحياة الثقافية المدنية ذو جدوى وعوائد مادية، فانطلقت المؤسسات الثقافية بشكلٍ كبير للمشاركة في تطوير الجانب الإبداعي للمجتمعات، على صعيد السينما والأفلام والمسرح وغيرها.

ولا يمكن لأحد أن ينكر أن هناك رجالَ أعمال أنعشوا الوسط الثقافي في كلّ أنحاء الوطن العربي عبر عطاءاتهم، وقد تجلَّى اهتمامُهُمْ بالأدب عن إصدارِ جوائز أدبية قَيِّمة وإقامةِ صالونات ثقافية مثل (جائزة البابطين في الكويت)، (جائزة العويس في الإمارات)، (جائزة محمد حسن فقي في مصر)، (إثنينية عبدالمقصود خوجة في جدة)، (جائزة باشراحيل للإبداع الثقافي في مكة المكرمة) وغير ذلك من الجوائز والصالونات التي كان لها الأثر الكبير في إبراز المواهب الشابة، وتكريم الأدباء الكبار، وطباعة منجزاتهم الإبداعية.

أمّا ما يخصّ سلبيات المؤسسات والجوائز، فأنا أعتقد أنَّ المعضلة الكبرى التي تواجهها هذه المنشآت الثقافية الأهليَّة هي استمراريَّتها، خصوصًا بعد رحيل مؤسِّسيها. فلو ضربنا مثلًا عن عدم الاستمرار، لن نتجاوز (إثنينية عبدالمقصود خوجة، رحمه الله تعالى)، فهي قد توقَّفت بعد رحيله، وقد كانت خلال فترة حياته رائدةً في الاحتفاء برموز الشعر والأدب والفكر والعلم السعودية ومن أنحاء الوطن العربي، واستمرَّت أربعين عامًا تقريبًا. ولنا أن نضرب مثلًا آخر عن الاستعداد المبكِّر لاستمرار الجائزة بعد غياب المؤسس، وأمامنا (جائزة البابطين الثقافية) التي كانت عامرةً بفعالياتها على امتداد العام خلال فترة حياة الأستاذ عبدالعزيز البابطين رحمه الله تعالى، وما زالت عامرةً بعد وفاته من خلال أبنائه، فقد أعلن ابنُهُ سعود عن مضاعفةِ قيمة الجائزة لكلِّ الفائزين ابتداءً من العام الماضي، تأكيدًا منه أنَّ الجائزة مستمرَّة إلى أجل غير مسمّى.

شاعر سعودي

ميسون أبوبكر:

الثقافة بخير ما دام لها رُعاة

في الخليج العربي حظيت النشاطات والفعاليات الثقافية بدعم مادي سخي لم يقتصر على دعم الثقافة والمثقف في الدول الخليجية فحسب، بل امتد أثره للمثقف حيثما وجد في عالمنا العربي الممتد على مساحة قارتين.

لقد أسهم رجال الأعمال في دعم المشاريع الثقافية أو تبني الكثير من الأنشطة والفعاليات والجوائز وكراسي البحث؛ شعورًا منهم بالمسؤولية الاجتماعية وضرورة دعم المشهد الثقافي والاعتناء بالإبداع والمبدعين، وإيمانًا منهم بأن الشعوب ترتقي بالفن وتسمو بالإبداع وأن المثقف عمود المجتمعات الناهضة وعليه دور كبير في مجتمعه.

هناك نماذج كثيرة وقصص تحكى عن أشخاص نذروا ثرواتهم لصناعة مشهد ثقافي يشار له بالبنان، وهناك أمثلة كثيرة لمؤسسات وجدت لها موطئًا ثقافيًّا في هذا الزحام، مثل جائزة العويس، التي تعتني بالكتاب وتشجع الكُتّاب والمفكرين وتكرمهم اعتزازًا بدورهم في النهوض الفكري والعلمي في مجالات الثقافة والعلم والأدب في الوطن العربي. جائزة العويس هي إحدى منصات الإبداع التي لها عرس سنوي في تكريم أهل الفكر والثقافة منذ انطلاقها عام ١٩٨٧م تخليدًا للشاعر الإماراتي ورجل الأعمال سلطان العويس.

من جهة أخرى أشرقت مؤسسة الشاعر الكويتي عبدالعزيز سعود البابطين، الذي غادرنا قبل عام، والتي مضى بها الآن أبناؤه وأسرته الكريمة تخليدًا لذكراه ومواصلة لمشوار طويل، حيث اجتمعت من خلالها قوافل الشعراء والنقاد لتجوب دول العالم في لقاءات الشعر والنقد، ثم مشروع حوار الثقافات والحضارات، ومعجم البابطين للشعراء. وقد أنشأ الراحل مكتبته في وسط العاصمة الكويتية التي يرتادها الزوار وتقام بها المهرجانات الثقافية المختلفة.

ومن المملكة العربية السعودية انطلقت الجائزة التي فاز الفائزون بها بنوبل العالمية، وهي جائزة الملك فيصل العالمية، التي خصصت أحد فروعها الخمسة للأدب وتمنحها مؤسسة الملك فيصل الخيرية للأفراد والمؤسسات الذين قدموا إسهامات بارزة في مجال اللغة العربية والأدب. على النطاق الفردي أيضًا احتضنت إثنينية عبدالمقصود خوجة، التي تُعَدّ منتدى ثقافيًّا كبيرًا، أدباءَ وعلماءَ عربًا، ولم يُوقف مشوارها إلا وفاة صاحبها رحمه الله، بعد جهود متواصلة لدعم المشهد الثقافي. وقد عرف عن الكثير من رجال الأعمال، في المملكة، المبادرة والمشاركة. أذكر منهم الأستاذ سعيد العنقري، الذي قدم ١٤ مليونًا لدعم نادي الباحة الأدبي وأعمال أخرى نهضت بالمشهد الثقافي في جدة والباحة.

الإبداع الأدبي يتيم، حتى وإن كثر داعموه ومحبوه؛ فهو لا يشبه المشاريع التي تدرّ دخلًا ماديًّا على أصحابها، ولا تلك التي يتزاحم عند نوافذها عشاق الربح وسعاة الترفيه. فما زال الرياضي يحظى بشعبية عارمة لم يفلح المثقف في نيلها، وما زالت الملاعب تختنق بالجماهير، بينما تخلو قاعات الشعر من جمهورها؛ لذلك ألوّح بكفّ القلب لكل من نذر جهدًا أو مالًا أو وقفًا من أجل مشروع ثقافي ينهض بفكر المجتمع، ويمنح الشعراء والأدباء وأهل الفكر بعض ما يستحقونه من التقدير.

شاعرة ومذيعة فلسطينية

فاطمة الشهري:

أهداف أخرى غير مادية

الثقافة، مثل أي مجال آخر، بحاجة إلى دعمٍ وإلى رعايةٍ، وإلى أنشطة هادفة تسمو بها وتحيي فيها روح المنافسة التي بدورها تحفز على الإبداع والسعي الحثيث للتفرد والتميز. والمؤسسات الثقافة التي نشأت على أيدي بعض رجال الأعمال، وما نتج عنها من مسابقات وجوائز، أعطت الأدب والشعر قيمةً إضافية، وهي قيمة التنافس الشريف، والسعي لنيل تلك الجوائز التي تُقدم للمتنافسين.

ومن أبرز هذه الجوائز وأكثرها مصداقية (جائزة سلطان العويس الثقافية)، التي منذ تأسيسها، على يد مؤسسها الشاعر سلطان العويس، وهي تفتح آفاق التنافس وتقدم وتخلق بيئة تتنامى في روح الإبهار والإبداع والتميز. وما يثبت لنا ذلك بوضوح هي النتائج المبهرة التي تمخضت عن هذه المسابقة. وهذا يثبت أن هذه الجائزة حققت الأهداف التي كانت تطمح للوصول إليها، والتي على رأسها تشجيع وتكريم الأدباء والكتاب والمفكرين والعلماء العرب اعتزازًا بدورهم في النهوض الفكري والعلمي في مجالات الثقافة والأدب والعلم في الوطن العربي.

لا بد أن نشير إلى أنه ليس بالضرورة أن يكون الهدف من المشاركة في مثل المسابقات هدفًا ماديًّا، بل هناك أهداف أخرى كأن يستطيع الشاعر والأديب والمفكر من خلالها أن يثبت لنفسه ولجمهور الأدب أن إنتاجه الأدبي جدير بالاحترام، ويستحق أن ينافس على اعتلاء منصات التتويج. ومن ذلك نصل إلى أن مثل هذه المؤسسات والقائمين عليها قد خدموا المشهد الثقافي وأسهموا في الارتقاء به. ومهما اعترى تلك المؤسسات من سلبيات، فلا بد أن ندرك أن العمل الإنساني لا بد أن يعتريه النقص، ولكن لا ينفي ذلك أنها دفعت بعجلة الأدب والثقافة إلى الأمام، وأشعلت جذوة التنافس بين الأدباء والشعراء، وهو ما جعلنا نرى مثل هذه الغزارة في الإنتاج وهذا التطور المستمر في مجال الثقافة والفكر.

ومن هنا لا بد أن نوجّه كلمة شكر وإجلال وتقدير لأصحاب تلك المؤسسات وتلك الجوائز التي نراها حققت خلال سنوات عدة من العطاء ما لا يُحصى من الإنجازات، وقدمت للساحة الثقافية الكثير من الأسماء اللامعة في سماء الفكر والشعر والأدب.

شاعرة سعودية

محمد سليم شوشة:

المعايير والموازنة

أي مؤسسة مشتغلة بالمجال الثقافي تكتسب قيمتها من إيمان الجمهور بنزاهتها واشتغالها على العمل في مسار تشكيل جمالي عام يسعى للتأثير الثقافي الإيجابي دون تحيزات، وفي ضوء رؤية أو معايير إنسانية عامة، وأيضًا معايير حضارية تقدمية. وهذا ما تحقق في جائزة ومؤسسة سلطان العويس. فالمؤسسات الخاصة لرجال الأعمال يجب أن تكون نموذجًا في الإدارة والاستقلال والعمل وفق خطة أو رؤية واضحة لخدمة الثقافة العربية، وكلما كان هذا متحققًا، اكتسبت المؤسسة ثقة الجماهير وإيمانهم بها وبدورها الإيجابي في حياتهم.

لا بد أن تكون هناك معايير جمالية وإنسانية، حتى وإن كانت الجائزة غير مشتغلة على العلم بشكل مباشر، لكنها في النهاية تشتغل على خطاب مؤثر في العقل الجمعي العربي، وهكذا يتعين عليها أن تكون طليعية وتقدمية وتدعم الإنتاج الأدبي الذي يسهم في تنمية هذه المسارات العلمية والفكرية التقدمية لدى المواطن العربي، وألا تميل إلى الرجعية أو التخلي عن التراث، فيتعين على مثل هذه الجوائز الناجحة أن توازن بين الماضي والحاضر والمستقبل، وتنطلق من القديم والمشترك والموروث لدعم المستقبل.

أما المثقف العربي فيجب في رأيي أن يكون هو الرائد والقائد الفكري لمثل هذه المؤسسات، إن كان أصحابها ليسوا من ذوي الإبداع، وإن كان كثير من الجوائز العربية يرعاها بالأساس رجال أعمال أغلبهم أدباء وشعراء. فإذا كانت هناك مؤسسة اقتصادية تريد أن تعمل في المجال الثقافي وتؤسس جوائز أدبية وثقافية، يجب على المثقف أو الأديب العربي أن يتعامل معها بنزاهة وأمانة، ويسهم في تحديد خطتها لتكون واضحة ومعلنة وفي ضوء معايير واضحة. فأي جائزة تكتسب قيمتها ومصداقيتها من معايير اختيار لجانها ومعايير تحكيم أعمالها الفائزة أو الشخصيات المكرمة، فالمعايير والشفافية هي أهم ما تحتاج له ثقافتنا بشكل عام.

ناقد وأكاديمي مصري