المقالات الأخيرة

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

فلاسفة لم يحبوا الكتب والمكتبات

علاقة الفلاسفة بالكتب والمكتبات غريبة، تحفّها أسرار أشد غرابة، ويتناقل الناس عن علاقتهم بها حكايات مختلفة، فهناك من يتكتم عنها، ويحتفظ بعلاقته بها في السر، وكأنها علاقة محرّمة، لا يجوز في حقّها إلا أن تُستر وتُطوى عن أي ذكر، وهناك من يُشهِر علاقته بها، ويسْطَعُ...

الترجمة في عصر الخوارزميات: هل تبقى الروح؟

الترجمة في عصر الخوارزميات:

هل تبقى الروح؟

يبدو أنَّ أرسطو كان يفكر في شيءٍ يشبه الذكاء الاصطناعي حين عقَد في كتابه «السياسة» ارتباطًا عميقًا بين آلاتِ هوميروس الخيالية وعالَم العبيد في الواقع. فقد ميَّز بين الأدوات «الهامدة بلا روح» وتلك «النابضة بالروح»، ليصل إلى هذا التصوُّر: «لو أنَّ كلَّ أداة استطاعت أنْ...

تطور الترجمات الصينية للأعمال السعودية: الممارسات والإنجازات

تطور الترجمات الصينية للأعمال السعودية:

الممارسات والإنجازات

ارتبطت حركة ترجمة الأعمال السعودية إلى اللغة الصينية ارتباطًا وثيقًا بتطور العلاقات الثنائية بين الصين والمملكة العربية السعودية، وتطور وتيرة التبادل الثقافي بينهما. فمن الترجمات المتفرقة من بداياتها إلى التعاون المنهجي والمنظم فيما بعد، ومن التركيز على ترجمة الأعمال...

هرمان هيسه: بين فرويد ومحمد إقبال

هرمان هيسه:

بين فرويد ومحمد إقبال

قدم الأديب الألماني هرمان هيسه (1877-1962م) أعمالًا أدبية عالمية انطلقت من أشكال فنية مألوفة، ولكنها التحمت بتحقيق غايات مركبة ومستعصية على التلقي العابر؛ إذ غاصت في عوالم الكاتب النفسية الذي حاول دومًا تحقيقَ نوع من المصالحة المستحيلة بين الأضداد؛ حيث تجاذبته ثنائيات...

بين يوهانا وشوبنهاور، بين الكتب وورق النفايات

بين يوهانا وشوبنهاور، بين الكتب وورق النفايات

يوهانا هنرييت تروسينر (1766- 1838م) كاتبة ألمانية شهيرة في زمنها، وصاحبة صالون ثقافي اجتمع فيه كبار مثقفي ألمانيا آنذاك: من يوهان غوته إلى الأخوين غريم وأوغست شليغل وشقيقه الكاتب الفني كارل شليغل. وأكثر من هذا، كانت يوهانا أول امرأة ألمانية تنشر كتبها من دون الاستعانة...

بلغاريا.. الثلوج والأفلام والعودة

بواسطة | يوليو 1, 2026 | أمكنة

ها أنا في دمشق من جديد، بعد تلك الليالي المؤرقة المعبأة بهواجس الرحيل والمجهول، التي قضيتها في حي (بن عكنون) الطلابي بالعاصمة الجزائرية. كنت ضمن طلبة يمنيين وآخرين من لبنان وفلسطين. في دمشق، والأجواء محتدمة بنذر حرب غير مسبوقة برًّا وبحرًا وجوًّا، ولم تكن حركة الطيران الإسرائيلي تهدأ فوق لبنان الممتدة إلى سوريا بسطوع الانفجارات والقصف. كان الغزو الصهيوني الشامل 1982م، والبالغ العنف والتدمير، قد بدأ ضد منظمة التحرير الفلسطينية التي اتخذت من لبنان بؤرة الانطلاق في حربها ضد الدولة العبرية المحتلة. قواعد ومقاتلون فوق الأرض اللبنانية من بيروت إلى الجنوب، وتحت الأرض في أنفاق معبأة بالأسلحة والملاجئ والمقاتلين.

بعد سنوات أخبرني القيادي شفيق الحوت بأنه ورفاقه، وعلى رأسهم أبو عمار، كانوا يلجؤون ليلًا إلى أنفاق الصرف الصحي؛ بعد أن صار الصهاينة يمطرون أنفاق الملاجئ وبعض عمارات (حي الفكهاني) بالقنابل الفراغية الخارقة للتحصينات. واجه الفلسطينيون الحرب الضارية ببسالة وروح كاميكازية لا تعرف التراجع والخوف، مسنودين بأحزاب الحركة اللبنانية تحت قيادة كمال جنبلاط. وفي دمشق بدأ الفلسطينيون، والطلبة في مقدمتهم، يتوافدون من كل أنحاء العالم للتطوع والقتال دفاعًا عن قضية شعبهم. حينها التقيت بعض الذين أعرفهم؛ منهم الشاعر خالد درويش، والإعلامي والأكاديمي الدكتور محمد العلي، العامل حاليًّا في قناة (الجزيرة نت).

حين عاد خالد من بلغاريا، لم يعد إلى سوريا، بل ذهب إلى رام الله ليلتحق بوكالة (و.ف.ا) الفلسطينية. التقينا بعد قدومهم من العاصمة البلغارية حين كنت برفقتهم هناك. وفي مقهى بالصالحية اتفقنا على الذهاب إلى مكتب جبهة النضال الشعبي التي يقودها الدكتور سمير غوشة، والتي كان محمد العلي كادرًا منظمًا فيها وناطقًا باسمها في بلغاريا. أبديت رغبة حماسية في رفقتهم للتطوع، فذهبنا نحن الثلاثة، ودخلنا المكتب الذي كان كبقية المؤسسات والمرافق الفلسطينية يموج بالحركة والأخبار الكثيفة المتلاحقة من جبهات القتال. وحين طرح العلي على رفاقه رغبتنا في التطوع لنصرة القضية، أجاب مسؤول المكتب مُرحبًا وشاكرًا لكنه أردف: أنتم لستم مدربين على السلاح وستكونون عبئًا أكبر؛ فالواقع في مثل هذه الشروط الاستثنائية يتناقض مع النيات والرغبات مهما كانت صادقة. قال: إنهم لا ينقصهم المقاتلون، والمشكلة أن قصف الطيران الصهيوني المكثف من كل الجبهات لا يترك لهم فرصة استراحة أو تفكير…

تلك كانت واحدة من أعظم الملاحم في تاريخ الفلسطينيين واللبنانيين وتاريخ العرب الحديث، ولو لم ينسحب المقاتلون الفلسطينيون من لبنان لاستمرت الحرب لعام أو أكثر أمام ضراوة المقاومة والتضحيات الجسام. لكن أدرك الفلسطينيون، عبر التفاهم مع شركائهم اللبنانيين، أنهم في نهاية المطاف -مهما كانت قوة الروابط بينهم- ضيوف على هذه البلاد التي ستدمر عن بكرة أبيها، وبخاصة بيروت وضواحيها. وهو موقف أخلاقي وإنساني يتعالى على الجراح.

مشاهد من ملحمة 1982م

في هذه المواجهة الملحمية هناك مشاهد يمكن أن تصور في أفلام سينمائية وروائية وقصائد تراجيدية… مثل مشهد استشهاد الشاعر (علي فودة) في (حي الفكهاني). كان فودة قبل ذلك قد أصدر صحيفة أدبية مع رسمي أبو علي بعنوان: «الرصيف»، وفي أثناء الغزو حولوها إلى نشرة يومية توزع باليد مباشرة، وكانت تغطي أخبار الحرب وشؤونها. حينها التهمت قذيفة الشاعر وكتبت الصحف عن موته، لكن بعد وقت قصير اكتشفوا أنه ما زال حيًّا في برادات الموتى.

وقد أخبرنا الصحفي الجزائري محمد بوخروبة، وكان صديقًا لأمين الزاوي وواسيني وربيعة جلطي، ولي -وهو الاسم الحقيقي للرئيس القوي هواري بومدين الذي بعده ظهرت مراكز قوى عسكرية بقيادة الجنرال خالد نزار وصعد الإسلام السياسي المتطرف وأدى الصراع إلى مذبحة العشرية السوداء- أخبرنا حين تأكدوا من موت صديقهم في المرة الثانية أنه ذهب مع آخرين لتأمين قبر له.

حفروا القبر، وحين أتوا بشهيد الشعر وجدوا القبر وقد دفن فيه شهيد آخر. استطرد بوخروبة أن مثل هذه المشاهد والمفارقات المأساوية كثيرة جدًّا ولا يجود بمثلها الخيال السينمائي والأدبي إلا قليلًا. وفي الأثناء ذهبت لزيارة (أبو الوليد) في مخيم اليرموك فوجدت عنده أخاه الأكبر (أبو النور)، إضافة إلى أخيه الأصغر حسن سامي اليوسف، الكاتب والسيناريست. كان أبو النور قائد فصيل في فتح، وجاء ليومين لزيارة لأهله. روى لنا كيف أن المخابرات السورية العسكرية المسيطرة على الحدود لم تحرك ساكنًا أمام القصف الإسرائيلي، مع أنه طالها ودمر قواعدها في البقاع، لكن أفرادها كانوا يهينون الفلسطينيين الداخلين إلى لبنان والخارجين منه. أخبرنا أيضًا أن أحدهم رفع يده ليصفعه فأمسكها وصرخ في وجهه لا شعوريًّا؛ وكأنما هي صرخة الألم الفلسطيني بكامله: «لو عملتها ما راح أنساك أنت وعيلتك».

ومن الأدباء الفلسطينيين، الأصدقاء، الذين خاضوا غمار المعركة، عز الدين المناصرة (أبو كرمل) الذي عرفته مع خالد درويش والدكتور العلي في صوفيا، يوم لم يكن كرمل قد جاء إلى الحياة بعد، وكان المناصرة مدربًا على السلاح قبل الغزو. بعد سنوات كنت جالسًا مع نصري حجاج في الحمراء في فندق (ماي فلور) وكان معنا الرسام اللبناني محمد علي شمس الدين. أخبرني نصري أنه بصدد إنجاز أفلام عن قبور الفلسطينيين وقد أنجز جزءًا من المشروع ورحل هو الآخر إلى فيينا التي هاجر إليها، وكنا نتحدث هاتفيًّا كلما سنحت الفرصة.

كان المشروع عن قبور الفلسطينيين المبعثرة بين شتات الخارج في القارات والمدن وشتات الداخل الذي تهيمن عليه قبضة الصهيونية بالعنف والتطرف؛ عن القبور الفردية بحفرياتها المتفرقة المتنوعة، سواء لأسماء معروفة مثل محمود درويش وأخرى ليست كذلك لكنها كانت أكثر حظًّا من أصحاب المقابر الجماعية التي غطت لاحقًا مساحات من بلاد الشام ولبنان حتى العراق. ومثل هذا الأمر حدث في بلاد كثيرة في العالم مثل مقابر البوسنة والهرسك؛ إثر الإبادات الجماعية التي قام بها المتطرفون الصرب تجاه المسلمين في البلاد البلقانية.

«وقبرُ حرب بمكان قفر/ وليس قرب قبر حرب قبرُ». «صاحي هذي قبورنا تملأ اللحد/ فأين القبور من عهد عاد». «خفف الوطءَ ما أظن أديم/ الأرض إلا من هذه الأجساد».

ها أنا في دمشق من جديد أتسكع في الشوارع والمقاهي. الوجوه ازدادت كآبة وحيرة وثمة رغبة مُلِحّة في الهجرة خصوصًا في وسط من أعرف من سوريا ولبنان والعراق؛ والعراقيون كانوا أكثر في البلدين المتجاورين. فكرت أن أقدم لمنحة أو بعثة لإحدى الدول الاشتراكية ومن أجل تسريع وإنجاز الأمر لجأت إلى الصديق السياسي أحمد عبدالصمد، الذي أتذكر فرادته بين رفاقه في القراءة والهدوء والاتزان العقلاني في التعاطي مع السياسة بوجوهها المختلفة… وحين عدت إلى عُمان أواخر الثمانينيات سألت عنه فقيل لي: إنه أصيب بمرض خطير في الدماغ أفقده الذاكرة إلا أقلها. وقد رافقه في منحته العلاجية إلى ألمانيا أو النمسا الدكتور سالم الزنجي وهو من قدماء الطلبة في سوريا وحلب تحديدًا، وقد تعرفت إلى المدينة العريقة عبره حين كنا ننزل في بيته الواقع في حي العزيزية، الأرمني في معظمه.

صوفيا: وجوه من جهات العالم

سافرت إلى العاصمة البلغارية بموجب المنحة التي توسط فيها عبدالصمد رحمه الله. وها أنا في صوفيا وشتائها الجليدي الذي كان يغطي (دار فينيتسيا) حيث يقيم الطلاب من كل جهات العالم. أمامك يربض (فيتوشا بلانينا) أو جبل اليابان الذي يتحول إلى كتل ثلجية عملاقة وكأننا على قمة إيفرست. كان الثلج المنهمر بكثافة طوال الليل يصل إلى الشرفة في الدور الثالث ويقضي على المؤونة التي ندخرها في غياب الثلاجة التي لا حاجة إليها. مشهد لم أره من قبل بهذه الكثافة بطبقاتها البيضاء المتراكمة إلا في الأفلام السينمائية الروائية والوثائقية، التي سأواصل شغف مشاهدتها عبر مُخرجين بلغار مثل كريستو كريستوف وغيره، من بلاد أوربية شرقية وأخرى غربية أيضًا.

كريستو كريستوف

في تلك المدة بدأت النقاشات والسجالات تغلي حول الحريات المفقودة، حريات التعبير على الأخص، بين أوساط المثقفين والأدباء وأوساط الصحفيين والطلاب والأكاديميين. لقد ضاقوا ذرعًا بالقيود والأغلال المفروضة منذ أرخت الحرب العالمية الثانية أثقالها وصارت هذه المناطق ضمن الحيز السوفييتي الشيوعي الشاسع؛ لذلك عُرضت أفلام سينمائية من إيطاليا وفرنسا وغيرهما. لكن السينما البلغارية لها إبداعها الخاص الذي يندرج ضمن الموجات الطليعية للشرق الأورُبي حتى الغرب. ونتيجة لهذا الولع والشغف المتجدد بالسينما ذهبت إلى صوفيا لدراسة السينما دراسة أكاديمية، فسجلت في معهد السينما الشهير (الفيتز) بمقره الواقع في قلب العاصمة بعيدًا من السكن الطلابي الواقع على الأطراف. وكانت ثمة عروض نوعية في قاعات سينما المعهد وكنا نشاهد الكثير منها.

لكن قبل الالتحاق الفعلي بالمعهد علينا إنجاز عام لتعلم اللغة البلغارية التي بدأنا فيها بعد وصولنا بفترة قصيرة وقطعنا شوطًا فيها. وكان معي في فصل اللغة طلبة عرب من أنحاء كثيرة في العالم، من بينهم (فابيان) وأخته اللذان أباد الديكتاتور الفنزويلي آنذاك عائلتهما ودمر الحي الذي يسكنانه. كان الطلبة يأتون عبر الأحزاب الشيوعية واليسارية الموثوقة لدى الدولة البلغارية التي كان يرأس حزبها الشيوعي -التابع للقيادة المركزية في موسكو- (جيف كوف) بصفته أمينًا عامًّا. وقد ظل بعد سقوط الشيوعية يشارك في الشأن العام لما يتمتع به من روح مرحة منفتحة على عكس الصورة النمطية لقادة الأحزاب الشيوعية الذين كانوا يفتعلون العبوس والجدية والوقار. أو أنهم كانوا فعلًا كذلك، على نقيض الميوعة الرأسمالية والبرجوازية وفق السائد آنذاك.

في رحاب السينما البلغارية

كانت في صف اللغة البلغارية معي «تهامة الجندي» ذات النزوع الأدبي والسياسي، وعائلتها المتحدرة من بلدة (السلميّة) حافلة بكبار السياسيين، مثل: عبدالكريم الجندي، الذي نحره رفيقه حافظ الأسد ضمن من نحر وأباد، ووالدها خالد الجندي، الذي مات في غزة حيث هرب لاجئًا إلى أبي عمار الذي عينه مستشارًا له هناك، وعلي الجندي، الشاعر المعروف، والطبيب والسفير والمترجم سامي الجندي، الذي حين أدركته الشيخوخة عاد من فرنسا إلى بلدته (السلميّة) ليفتح عيادة تعالج المرضى بالمجان. وقد وجدوه ذات صباح ميتًا في قلب العيادة التي تفرغ لها امتنانًا لربوع طفولته وأهله؛ هو الذي كان صديقًا ومقربًا من الجنرال شارل ديغول ووزير ثقافته الأديب أندريه مارلو، حين كان سفيرًا هناك.

كنت أحيانًا أقطع حصصًا من تعليم اللغة وأذهب مع تهامة الجندي؛ لمشاهدة أفلام تعرض في قاعة معهد السينما -أو غيره- الذي سندخله فعلًا بعد عامٍ من فصول اللغة المتجسدة في ذلك الكتاب الأصفر ودراسته من الجلدة إلى الجلدة. هناك أيضًا تعرفت، كما أشرت في سياقات أخرى، إلى الأصدقاء عز الدين المناصرة، وجواد الأسدي وكذلك خالد درويش ومحمد العلي الذين كانوا يشكلون الوسط الذي أعيش معهم أكثر من الآخرين. وكذلك المخرج اليمني حاتم -ولا أتذكر اسمه الثاني- الذي التقيته بعد عقود في صنعاء في سفارة أجنبية، ويمارس الإخراج السينمائي على نحو موسمي.

كريستو كريستوف هو الأبرز في السينما البلغارية، وسينما أوربا الشرقية عامة، وله حضور عالمي عبر مسابقات وجوائز الغرب، وقد نافس على الأوسكار ذات عام في فئة «أفضل فِلم أجنبي». وأعتقد أن عدم فوز مخرج بأهمية كريستوف بإحدى الجوائز الكبرى سببه الصراع بين المعسكر الغربي والشرقي وتهميش معايير الإبداع والثقافة. اختار المخرج البلغاري -أسوة بزملاء في الشرق الأوربي مثل (أنجيه فايدا) وآخرين كثر- البقاء في وطنه والحفر الفكري والجمالي داخله في إطار سلطة شمولية قابضة على الحياة والمصاير.

كان بإمكان هؤلاء الرحيل إلى الغرب بمساحاته الحرة، مثلما فعل بولانسكي وميلوش فورمان وغيرهما من رواد السينما والأدب والفلسفة. نجمان في ثقافة الغرب والعالم قرأناهما مترجمان من الفرنسية ينتميان إلى بلغاريا، تودروف وجولي كريستيفا.

ومن بين خيارات ومصاير متشابكة، اختار المخرج البلغاري -الأستاذ في أكاديمية السينما ورئيسها لاحقًا في ظني- البقاء في بلاده الخاضعة لنير الحزب الواحد والرأي الواحد حافرًا مع أقرانه مسارًا فنيًّا جماليًّا لا يقل أهمية عن إبداعات زملائه في الغرب والعالم وبصعوبة أكبر ونضالٍ أشرس. أفلامه كانت علامات تنير الطريق طارحة أسئلة الحياة والوجود والمصير بجماليات من العلو والعمق مثل: فلم «السيكلوب»، و«الحاجز»، وفلم «الحافلة»، وغيرها كثير.

كريستو كريستوف: الحياة والمصير والمعنى

فِلْم «الحاجز» -الذي عرض سابقًا بنادي السينما في دمشق- يصور حياة موسيقار يكابد العزلة والتهميش، وتبلغ معاناته ذروتها بين إبداعه وأحلامه الكبيرة وانفصاله عن المجتمع الذي تحكمه سلطة كلية. لكن تنبلج من حلكة هذه الظلمة، المحتدمة بالهواجس والأشباح، تلك المرأة بجمالها بالغة الرهافة والأثيرية جسدًا وروحًا، وكأنما تجسد حلم الخلاص المنقذ من هلاك هذا المأزق الوجودي بأبعاده الاجتماعية والتاريخية.

نتذكر في هذا السياق فِلْم فيلليني «8 ونصف» عن مخرج -أدى دوره « مارتشيلو ماستروياني»- يعاني هاجسَ الجفافِ الفني، ويكافح من أجل الإبداع. هنا تختلط الأحلام بالوقائع والأطياف، كما في أفلام كريستوف، لكن هذا الأخير لا تطوله شبهة تقليد؛ إذ يحفر أسلوبه البالغ الفرادة في الأرض العصية مقارنة بإيطاليا والغرب.

في فِلْم «السيكلوب» يصل كريستوف إلى ذروة تأملاته الفلسفية الوجودية في الوضع البشري انطلاقًا من مجتمعه وتاريخه؛ ليشمل وجود الإنسان بأسئلة الحياة والمصير، وذلك الضباب المعتم الكابوسي الواقعي الذي يجثم على كل شيء وليس من يقين جازم يشكل زادًا للطريق. ودائمًا هناك المرأة، حلم الخلاص، الرمز والواقع والطيف العابر للأزمان؛ إذ تختلط هذه العناصر وتتشابك في المشاهد السينمائية المتدافعة إضاءة وتصويرًا وألوانًا في لُحمة واحدة وبناءٍ عضويّ يتشتت ليلتئم في مناخ نفسي وصوري واحد؛ فليس هناك حبكة خطية تقليدية.

«السيكلوب» ذلك الكائن الأسطوري ذو العين الواحدة لدى الإغريق يتحول في الفضاء الكريستوفي إلى كائن بشري يرى الأمور والحياة والوجود بعين واحدة. رؤية ناقصة منحرفة وملتبسة يطرح المخرج البلغاري من خلالها سؤال الهوية إزاء التحولات الاجتماعية والعمرانية الزائفة الحداثة والبناء المقولب ضمن الرؤية الواحدة الناقصة الشائهة. فهو ضمنيًّا يرى التحولات هذه، ذات الطابع القصري، تحمل عناصر تدمير واجتثاث السياقات تاريخًا واجتماعًا، ويخلق بدائل شائهة.

وهنا يلتقي مع الروائي التشيكي ميلان كونديرا الذي يرى -انطلاقًا من تأملاته في الأنظمة الشمولية السائدة آنذاك- أن تحطيم الذاكرة هو تحطيم للشعب والأمة، تدميرًا لوجودها أو تدميرًا للوجود برمته؛ فإذا أردت أن تقضي على أمة عليك أن تنطلق من الذاكرة لتصل إلى الهدف المنشود… وهذا ما نلحظه على مستوى شعوب الأمة العربية من محاولة تحطيم لذاكرتها وبالتالي وجودها بكامله، وتتضافر لتحقيق هذا الهدف قوى العدوان الداخلي والخارجي.

في فِلم «الحافلة» ينزل كريستوف من علياء تأملاته الوجودية وشطحه السوريالي إلى أسلوب الحياة اليومية بلغتها وتفاصيلها راصدًا وغائصًا في ثنايا تلك التفاصيل البشرية والحياتية عبر سائق الشاحنة بلغته ومفرداته وبنسيج وجوده اليومي، من غير أن يقطع بالطبع مع سياق أفلامه الرئيس، بل ظل سؤال الحياة والمصير حاضرًا لكن عبر لغة الشارع بنفسِهِ وحركته.

أصدقاء على طرق الشتات

مرة، كنت في وسط مدينة صوفيا مع خالد درويش، دخلنا محلًّا لشراء ملابس للشتاء. وبالمناسبة لم نلحظ في إنتاجهم المحلي البلغاري، أو القادم من بلاد أوربية شرقية اشتراكية، من ملابس وغذاء، فرقًا كبيرًا مع نتاجات الغرب المهيمنة على السوق العالمي، عدا ما يشبه «عقدة الخواجة» الكاسحة لديهم وفق التعبير المصري. فيكفي أن تقول لزملاء بلغار أو من بجوارهم: إنك زرت باريس أو لندن ليتجمعوا حولك بالأسئلة الحائرة والنظرات المعجبة، دعك من ملبسٍ أو بضاعة أخرى. بنطلون (الجنز) مثلًا كان يمتلك سحرًا لا مثيل له عندهم. فعلًا بالقوة الناعمة الأكثر فتكًا وتدميرًا من السلاح هزم الغربُ الشرقَ، وعلى طريقة الجيوش الزاحفة بهدوء وصمت حتى انهار البنيان الحديدي مثل إمبراطورية من كرتون، وفق بعض المحللين.

كان خالد درويش يتقن اللغة البلغارية ويترجم منها؛ إذ ترجم آنذاك اليوناني (يانيس ريتسوس) إلى العربية. حينها أشار خالد إلى رجل طويل أنيق بلباس الشتاء قائلًا: إنه المخرج كريستو كريستوف. وأعتقد أن خالدًا الذي عاد إلى ولده من أم بلغارية ليعيش هناك بعدما ضاق عليه الشرق، فلسطين وسوريا التي ولد فيها. وكان محمد العلي من فلسطينيي لبنان، وعز الدين المناصرة من فلسطينيي الأردن وهناك فلسطينيو فرنسا والأميركيتين والكون، يجمعهم الشتات وتلوعهم فرقة الفلسطينيين والعرب مقابل وحدة الأعداء.

وكان ممن يدرسون الإخراج السينمائي في صوفيا، وسبقونا بأعوام، السوداني علي عدلان الذي تخرج وجاء إلى دمشق، لكنه لم يجد عملًا، وبعد سنوات رأيته في أبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة يعمل مسؤولًا في قسم السينما في المجمع الثقافي. بعد تشردٍ في الإمارات الخمس، شاركته بعض فصولها حين اختلفت مع حبيب الصايغ صاحب مجلة (أوراق) رحمه الله، وعدت أكتب بالقطعة غير مستقر في مكان. عدلان الذي كان يحلم بإخراج رواية مواطنه الشهير الطيب صالح؛ الطيب مثل اسمه والعميق. وحين كنت ألتقي الطيب في مكتبه بمبنى اليونيسكو بباريس وأيضًا في أصيلة المغربية التي كنا نذهب إليها كل عام في شهر أغسطس صيفًا، حيث ينعقد مهرجانها السنوي تحت إشراف الأستاذ محمد بن عيسى.

مرة حملت إليه رسالة من علي عدلان حول حلمه في إخراج الرواية فأبدى قبولًا بكل طيبة قلب كعادته بعيدًا من تعالي بعض الكتاب المعروفين بشكل مفتعل وزائف. لكن الحلم السوداني ظل حلمًا فقد سمعت أن عدلان هاجر إلى الدنمارك نهائيًّا.

بينكا زيليازكوفا: السينما في مواجهة اليقين الأيديولوجي

لا يمكنني القفز على المخرجة البلغارية العظيمة في السينما البلغارية والعالمية شرقًا وغربًا (بينكا زيليازكوفا) وفِلمها المفصلي «الاستحمام الليلي الكبير»؛ فهذه المخرجة -التي ولدت في عشرينيات القرن الماضي- كانت من أوائل مخرجات العالم في صناعة الأفلام الروائية، ليس من باب التاريخ الأرشيفي للريادات والانطلاقات الأولى فحسب، بل أيضًا من ناحية طليعية أفلامها وعمقها التأملي والفلسفي والفني في مسائل الحياة والموت، والحب والكراهية وغيرها من الثيمات التي حار فيها المفكرون والفنانون منذ مطالع التاريخ البشري إلى عصور الحداثة وما زالوا حائرين.

بينكا زيليازكوفا

وفي سياق الأهمية إبداعًا وابتكارًا في الإخراج السينمائي وطليعيته التي لا تخطئ عين الناقد المحترف، أو المشاهد مثلي، يتضح مدى عمقه واختلافه عن السائد في ظل هيمنة المنظومة الاشتراكية ووعيها الحاكم المحدود لدور الفنون والأفكار كونها لا تتعدى الدعاية والتمجيد للإنجازات الاشتراكية والحزبية المتحققة والواعدة بآفاق الفردوس الأرضي. المخرجة البلغارية (بيينكا) لا تتجاوز هذه الرؤية المسيطرة فحسب بل تتجاوز الصنيع السينمائي الغربي الأميركي السائد أيضًا لتمتد بصلة الإبداع واختراق المحرمات الفنية والفكرية إلى الحقبة الإيطالية الذهبية الكبرى مرورًا ببرجمان وتاركوفسكي والموجة الطليعية الجديدة لاحقًا في فرنسا وغيرها من البلاد الأوربية الموّارة بالاختلاف والتعدد؛ بسبب الحرية المتاحة التي من تخومها ومتنها ينبلج أفق الإبداع الإنساني الجمالي والمغامرة غير المحدود بسقف وقرار رسمتهما مؤسسة بيروقراطية.

الفِلم يمتد بأواصر عميقة مع هذا الإرث من غير أن يرتهن إليه. من هنا معاناة الشرقيين أيضًا سينمائيين وأدباء وفلاسفة في السير بهذا الهامش الشائك الذي سيتحول مع تقادم الزمن إلى متن مضيء ومتين… أتذكر مع خروج بوسترات الدعاية للفِلم، وهي نادرة في تلك البلاد وتحديدًا الملصقة على واجهات دور السينما، وبهذا العنوان الذي يحمل شيئًا من الصدمة والشاعرية والغموض قررت دخول «الاستحمام الليلي الكبير» مع بعض الأصدقاء ولا أستطيع تبين ذلك المكان الذي تجري فيه أحداث الفِلم، وهو في البحر الأسود: هل هو في مدينة (فارنا) أو قريبًا منها؟ فارنا التي كنا نذهب إليها كل صيف حتى حين كنا في القاهرة في سبعينيات القرن المنصرم؛ إذ إن أسعار الرحلة كاملة لم تكن تتجاوز مئة دولار أميركي. وظلت فارنا في ذاكرتي أجمل مصيفٍ في العالم أو من أجملها؛ حتى حين زرت مدينة (كان) الشهيرة تذكرت مدينة فارنا البلغارية، كم هي أكثر دهشة وجمالًا! لولا البرستيج وهيمنة البروباغندا الغربية على مساحات الكوكب البشري وذلك المهرجان الكبير.

حكاية فِلم ومرحلة كاملة

ينطلق فِلم «الاستحمام الليلي الكبير» من بؤرة ذلك المكان على البحر الأسود، ويتحول ذلك التجمع الحميم، الذي يفترض أنه للترويح والترفيه والتسلية، إلى محرق هواجس وأسئلة وجودية متفجرةٍ من أعماق هذا الليل، ليل البشر مجتمعين في هذه الزاوية المفتوحة على المدارات والمياه والأسئلة التي تقض الهدوء بصمتها المحتشد، ليل البشر وتأملاتهم في الوجود والطبيعة وحلم الخلاص أو وهمه وأسطورته التي تمنح عزاءً عابرًا للكائنات المحشورة في ليل المياه والمضيق. من هذا الليل تبدأ معاناة المخرجة البلغارية، لكن من غير تسليم ولا استسلام، بل مواصلة التأمل والنقد والإبداع، حيث منعت السلطات معظم أفلامها الروائية في عموم المنظومة الشيوعية الحاكمة وقت ذاك، وأفرجت أخيرًا عن هذه التحفة التي ما زالت حاضرة في تاريخ السينما وبنظارة وتجدد دائمين.

كانت القبضة السوفييتية الحديدية تطبق على أرجاء البلاد التي أفرزتها خرائط الاقتسام بعد الحرب العالمية الثانية ومؤتمر (يالطا) المعروف. تطبق على التفاصيل اليومية لهذه البلدان حتى إني أتذكر، ويتذكر معي رفاق آخرون، تلك المرحلة، حين أراد الحزب الشيوعي البلغاري وأمينه العام (جيفكوف) أن يتصرف بتفصيلة صغيرة من دون الرجوع إلى المرجعية الموسكوفية فسمح بما يشبه السوق الحرة أو نواة تجريبية لها بالعملة الأجنبية وبمبلغ محدود جدًّا من البضاعة الأجنبية. سرى الخبر بين الطلبة الكثر الذين يشرف عليهم (الكومسمول) إشرافًا تنظيميًّا يتضمن البعد الأمني أو يتقدمه، صار التهافت على شراء المستورد. لكن لم تكتمل هذه البادرة ولم تبلغ أسبوعها الأول حتى جاء الأمر الصارم من موسكو بالإغلاق؛ كي لا تفتح نافذة لتسلل الإمبريالية وقيمها.

كانت اللغة الروسية يعرفها الجميع إلى جانب لغة البلد المحلية، وكان الطب يدرس باللغة البلغارية في هذا البلد الذي يغلب عليه الطابع الزراعي أمام بلدان قطعت شوطًا في التصنيع بكل مجالاته مثل تشيكوسلوفاكيا، وبولندا، وألمانيا الشرقية بالطبع. في البلاد العربية حتى الآن كليات الطب والعلوم تدرس باللغة الإنجليزية الغالبة والفرنسية في البلاد المغاربية، باستثناء سوريا التي اشتغلت النخب الأكاديمية فيها على التعريب منذ الاستقلال. والبلغارية غير قابلة حتى للمقارنة أمام فضاءات اللغة العربية وتاريخها وثرائها القابل لمواكبة واستيعاب كل التطورات والانعطافات العلمية والتقنية.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *