في زمن تتسارع فيه وتيرة النسيان، وتواجه فيه الثقافة الإنسانية أخطار الحرب والنهب والإهمال، تنهض مبادرات استثنائية تسعى لصون الذاكرة المكتوبة للبشرية. من قلب دير رهباني في ولاية مينيسوتا انطلقت عام 1965م مكتبة هيل للمخطوطات (HMML)، في مشروعٍ بدأ بتصوير تراث الرهبنة البيندكتية المهدد بالضياع في أوربا، وسرعان ما توسّع ليشمل كنوز المخطوطات من مختلف الديانات والثقافات، من إثيوبيا إلى العراق، ومن الهند إلى اليمن وسوريا.
تتبنّى HMML رؤية عابرة للحدود والانتماءات، تقوم على مبدأ الشراكة مع المجتمعات المحلية؛ لتصوير المخطوطات في أماكن حفظها، وإتاحتها رقميًّا للعالم، مساهمة بذلك في إنقاذ تراث عظيم طالما عانى أهوالَ الحروبِ أو وطأةَ الإهمالِ. في هذا الحوار مع «الفيصل»، يستعرض مدير المكتبة الدكتور كولومبا ستيوارت قصصًا ملهمة عن تحديات البناء في بيئات مضطربة، ونجاحات صغيرة وكبيرة في استعادة ما كاد يُنسى، ونكتشف كيف يمكن لمؤسسة بدأت بتوثيق التراث الرهباني أن تتحول إلى أكبر مكتبة رقمية للمخطوطات في العالم، حاملة رسالة إنسانية شاملة: الحفاظ على الذاكرة التراثية للبشرية.
من المخطوطات الرهبانية إلى التراث العالمي
● بدايةً، ما الدوافع وراء إنشاء هذا المتحف أو المكتبة لحماية تراث المخطوطات، وكيف استقبلت الجهات المعنية رسالته؟
■ تحافظ مكتبة ومتحف المخطوطات الرهبانية (HMML) على التراث الخطي العالمي وتشاركه، بهدف إلهام فهم أعمق لحاضرنا ومستقبلنا. وتتكون مهمتنا من ثلاثة محاور رئيسة: الحفاظ الرقمي على المخطوطات النادرة والمهددة بالزوال، وأرشفة المخطوطات وفهرستها ومشاركتها عبر الإنترنت، وتعزيز البحث العلمي حول الفكر والثقافات التي تمثلها هذه المخطوطات.
تأسست مكتبة المخطوطات الرهبانية (HMML) في عام 1965م. وقد انطلقت فكرتها عام 1964م تحت اسم «مشروع التصوير الميكروفيلمي الرهباني» بهدف تصوير مكتبات الرهبنة البيندكتية في النمسا وألمانيا. كانت ذكريات الحرب العالمية الثانية لا تزال حاضرة، ومع تزايد الخوف من اندلاع حرب نووية في أوربا، أعربت القيادة الرهبانية في دير وجامعة سانت جون في كوليجفيل بولاية مينيسوتا عن قلقها من احتمال تدمير التراث البيندكتي.
لاحقًا في عام 1964م، أصبح المشروع برنامجًا تابعًا لجامعة سانت جون، تحت اسم «مكتبة الميكروفيلم الرهبانية للمخطوطات» (MMML). وبدأ التصوير الميكروفيلمي في النمسا في إبريل 1965م، وسرعان ما توسّع العمل ليشمل مكتبات دينية وغير دينية في أنحاء أوربا. وفي السبعينيات، انطلق مشروع حفظ كبير في إثيوبيا، ومنذ عام 2003م، بدأنا بالعمل في إفريقيا والشرق الأوسط وجنوب آسيا أيضًا.
في عام 1975م، تغير اسم المنظمة إلى «مكتبة هيل الرهبانية للمخطوطات» (HMML) تكريمًا لرجل الأعمال والمحسن جيمس ج. هيل، الذي قدمت مؤسسته العائلية دعمًا أساسيًّا للمشروع في سنواته الأولى. وفي عام 2005م، عُدِّلَ الاسم ليصبح «متحف ومكتبة هيل للمخطوطات» (Hill Museum & Manuscript Library – HMML)، اعترافًا باهتمام المكتبة بمخطوطة «إنجيل سانت جون» وعرضها لها، إضافة إلى مجموعات الكتب النادرة والفنون التابعة لجامعة سانت جون. يعكس الاسم الجديد بشكل أوضح أننا لا نعتني فقط بالمخطوطات الرهبانية، بل بجميع أنواع التراث الخطي الذي يتوافق مع رسالتنا.

● هل يمكن أن تحدثنا عن آلية العمل وكيف تتم؟
■ تبقى المخطوطات في حوزة المكتبات أو الجهات الحافظة لها؛ إذ تعتمد HMML منهجية تقوم على الشراكة مع هذه المكتبات والمراكز، حيث تُصوَّر المخطوطات في أماكنها، ثم تُنشر صورها الرقمية على الإنترنت؛ لضمان الحفظ الرقمي طويل الأمد وإتاحة الوصول إليها.
يبدأ عملنا بتوقيع اتفاقيات شراكة مع كل مكتبة أو جهة حافظة، تتيح لنا هذه الاتفاقيات تصوير المخطوطات رقميًّا ومشاركة هذه الصور مع الجمهور العام. ونستعين بِفِرَقٍ محليةٍ لتصوير المخطوطات في أماكن حفظها، وإنشاء نسخ رقمية لكل مخطوطة ضمن المجموعة. وإذا كانت المخطوطات في خطر مباشر أو يصعب الوصول إليها ماديًّا، فإن أي قرار بشأن نقلها يعود بالكامل إلى المكتبة أو الجهة المالكة للمخطوطات. وتُسلَّم نسخ رقمية من الصور للمكتبة أو الجهة الحافظة، كما تُرسل نسخ أخرى إلى مقرنا في ولاية مينيسوتا. وهناك يعمل مفهرسون وموظفون متخصصون على توثيق الصور الرقمية، وضمان دعمها وإتاحتها على المدى الطويل، وتوفيرها مجانًا للجمهور من خلال موقعنا الإلكتروني المعروف باسم «غرفة القراءة».
ليست كل الأبواب مفتوحة
● في رأيك، ما التحديات الرئيسة التي تواجه مشروعًا كهذا؟
■ يُعد بناء علاقات ثقة مع أمناء مجموعات المخطوطات التحدي الرئيس دائمًا. ولحسن الحظ، حققنا نجاحًا كبيرًا في ذلك.
● مؤسس هذا المشروع شخصية دينية مرموقة. هل أثار ذلك أي شكوك لدى جماعات دينية متشددة في أنحاء مختلفة من العالم، وهل شكّل عائقًا أمام عملكم؟
■ كان مؤسسونا عام ١٩٦٥م رهبانًا بينديكتين كاثوليك، وكان التركيز الأساسي على المخطوطات البيندكتية. وسرعان ما انتشر نشاطنا ليشمل جماعات علمانية ومسيحية أخرى، مع بذل جهود كبيرة في إثيوبيا في سبعينيات القرن الماضي، وفي الشرق الأوسط والهند منذ عام ٢٠٠٣م، عندما توليتُ منصب المدير التنفيذي. في عام ٢٠١١م، بدأنا في التعاون مع مجموعات من المخطوطات الإسلامية، وحظينا بترحيب حار من المسلمين من مختلف الأديان في إفريقيا والبوسنة والهند وباكستان. نسعى دائمًا إلى استقطاب من يشاركوننا قيمنا والتزامنا بدراسة التاريخ على نطاق واسع وشامل.
● هل تتلقون دائمًا ردود أفعال إيجابية من المؤسسات التي تستهدفونها؟ هل تشعرون بوجود إيمان حقيقي وقناعة راسخة بالمشروع الذي كرّستم له عقودًا من حياتكم؟ وما المؤسسات التي أبدت تعاونًا مثاليًّا معكم؟
■ لا نبني دائمًا شراكات ناجحة. ننجح مع من يشاركوننا قيمنا في حرية الوصول إلى المعرفة من جميع الثقافات. يمكنكم الاطلاع على قائمة شركائنا هنا: https://hmml.org/collections/repositories/

● يرسل متحفكم فِرَقًا إلى المناطق النائية. كيف تُموّل هذه المشروعات؟ وهل تُساهم المؤسسات والمراكز والمكتبات التي تتعاونون معها في هذا التمويل؟
■ تُعد مكتبة ومتحف هيل للمخطوطات (HMML) منظمة غير حكومية وغير ربحية. وتعتمد في تمويلها بالكامل على سخاء المؤسسات، والشركات، والمتبرعين الأفراد الذين يدعمون رسالتها. أما الرسوم التي تُفرض على الباحثين مقابل الحصول على نسخ من المخطوطات، فلا تمثل سوى أقل من 1٪ من الإيرادات السنوية للمنظمة، في حين تُتاح أغلبية المخطوطات مجانًا عبر الإنترنت أو من خلال زيارات مباشرة.
داعمونا الرئيسون هم صندوق أركاديا (لندن) ومعهد باكارد للعلوم الإنسانية (كاليفورنيا). معظم شركائنا غير قادرين على المساهمة ماليًّا في المشروعات، مع أنهم يوفرون المرافق، وفي بعض الحالات، الموظفين اللازمين للعمل. يمكن معرفة المزيد حول هذه المسألة من خلال تصفح صفحة «الدعم» في موقعنا.
● هل تقبلون أي تمويل يُعرض عليكم؟ هل سبق أن تلقيتم عرضًا من متبرع بشروط محددة؟
■ نحن نحرص على قبول الهدايا بحذر، ولا نقبل الهدايا التي تتضمن شروطًا تُخالف سياساتنا. مع ذلك، يُمكن تقديم الهدايا لمشروع مُحدد، ونحن نُراعي نية المتبرع.
● لا يقتصر دوركم على الرقمنة فحسب، بل تقدمون أيضًا خدمات تعليمية، وتطبقون تقنيات تصوير متنوعة، وتقدمون رواتب ودعمًا ماليًّا للفرق العاملة على المخطوطات في البلدان التي تواجه أوضاعًا قاسية. كيف يمكنكم إدارة كل ذلك؟
■ لدينا فريق متخصص من الموظفين في الولايات المتحدة وفروع دولية في كل منطقة نعمل فيها، يُمكّنون من إنجاز العمل. بفضل تفانيهم، نجحنا في تحقيق مهمتنا.
العمل في بيئات مضطربة
● في أثناء كل هذه السنوات من العمل، هل يمكنكم مشاركة أمثلة محددة على مخطوطات تمكنتم من حفظها عبر الرقمنة؟ وكيف ساعد التصوير في تأكيد ملكيتها؟
■ دُمّر أو فُقِدَ العديدُ من المخطوطات التي رقمناها مع شركائنا في العراق خلال أزمة 2014-2017م في شمال العراق. وفي إثيوبيا، حيث راعينا التصوير بالميكروفيلم في السبعينيات وأوائل الثمانينيات، فُقِدَ أو سُرِقَ العديدُ من المخطوطات المصورة بالميكروفيلم. وفي بعض الحالات، أكدت الميكروفيلمات الملكية وأدت إلى إعادة المخطوطات إلى بلدها الأصلي.
● يمتد عملكم إلى دول تعاني الحروبَ والصراعاتِ والاضطراباتِ الأهليةَ، مثل: لبنان وباكستان والهند ومصر وسوريا واليمن وغيرها. في بعض هذه الدول، تتنافس جهات متعددة على الإمساك بالسلطة. كيف يمكنكم بناء شراكات في مثل هذه البيئات؟ وهل من الممكن إبرام اتفاقيات دون موافقة هذه الجهات المتنافسة؟
■ نتعاون مع منظمات ومجتمعات محلية تمتلك مجموعات مخطوطاتها الخاصة. نحن منفتحون على جميع المجتمعات الراغبة في العمل معنا.

● كيف تتعامل السلطات المحلية معكم عادةً في الدول التي تعملون فيها؟ هل تواجهون أي صعوبات معها؟
■ نعتمد على شركائنا في إدارة علاقاتنا مع السلطات المحلية.
● لا يقتصر خطر الحروب والنزاعات على المخطوطات، بل يشمل أيضًا الإهمال. حتى في الدول المتقدمة التي تمتلك تقنيات حفظ متطورة، تفتقر أحيانًا إلى الرعاية المناسبة. كيف تتعاملون مع هذا النوع من الإهمال؟
■ نقدم بعض النصائح الأساسية، وقد تعاونّا أحيانًا مع منظمات متخصصة في رعاية وحفظ مجموعات المخطوطات؛ لتوفير المزيد من الموارد. كما نرعى أحيانًا ندوات تدريبية تُدعى إليها مؤسسات مختلفة في بلد معين.
● كيف تضمنون سلامة فريقكم في الدول المتضررة من النزاعات والحروب؟ هل واجه أيٌّ من أعضاء فريقكم مواقف تُهدد حياته؟
■ نعتمد على شركائنا المحليين لتقديم المشورة لنا بشأن الوضع الأمني، ونتخذ الاحتياطات اللازمة في أثناء وجودنا على الأرض. في إحدى المرات، وجدنا أنفسنا فجأةً محاصرين في هجوم في تمبكتو، مالي، لكننا استطعنا الاعتماد على اتصالات الأمم المتحدة لضمان سلامتنا.

● ما حجم الضرر الذي ألحقته الحروب والنزاعات بمجموعات المخطوطات؟ هل فُقدت أو دُمرت مخطوطات نادرة وقيّمة نتيجةً لذلك؟ إلى أي مدى استطعتم المساعدة في إنقاذ المخطوطات في مختلف أنحاء العالم؟ وهل هناك مخطوطات لم تتمكنوا من الوصول إليها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا؟
■ فُقِدَتْ مخطوطاتٌ على مر التاريخ أكثر مما حُفظ حتى يومنا هذا. وكانت الحرائق والحروب والتدهور البيئي والإهمال الأسباب الرئيسة لذلك. لقد تعاونّا مع مئات المكتبات في أربع قارات العالم لتصوير مخطوطاتها. في بعض الحالات، لم نتمكن من إقامة شراكة، لكننا لم نستسلم قط.
● زرت المملكة العربية السعودية مؤخرًا، وكان برفقته وليد مراد، مدير العمليات في المكتبة. إلى جانب مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض، ما المؤسسات والمراكز الأخرى التي زرتموها؟ كيف كانت تجربتكم بشكل عام في السعودية، وهل أدت الزيارة إلى أي شراكات مفيدة؟
زرنا أيضًا مكتبة الملك فهد الوطنية، ومكتبة الملك عبدالعزيز العامة، والمتحف الوطني، ومركز الملك عبدالعزيز التاريخي. استمتعنا بجميع هذه الزيارات ونأمل أن نواصل بناء علاقات جيدة.
0 تعليق