لماذا الخوف من المستقبل؟

أم الزين بنشيخة المسكيني – باحثة تونسية
يبدو المستقبل اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، المكان الأكثر هشاشة وإثارة لمشاعر الخوف بين البشر الحاليين. فما يحدث على سطح الكوكب من اختلالات بيئية واحتباس حراري يهدّد بعالم غير قابل للسكن. وما يحدث من تطور غير متوقع للذكاء الاصطناعي قد يجعل ذكاء البشر في القريب العاجل مجرّد استعارة لغوية. أمّا الشيء الأكثر تهديدًا فهو السِّلْم العالميّ وحق جميع البشر في الحياة. إنّ الحروب الدائمة التي تجري اليوم أمام الجميع، تهدّد بتحويل الأرض إلى مذبحة. لم يعد التفكير في المستقبل إذن حلمًا بعالم أجمل، بل صار خوفًا كونيًّا من الكارثة.
قال الشاعر الفرنسي بول فاليري، في بعض نصوصه: «إنّ المستقبل لم يعد كما كان». وقال والتر بنيامين: «التقدّم هو الكارثة». وتكلّم سيوران عن «مرتفعات اليأس»، وحدّث أغمبان عن «الشجاعة على اليأس». إنّ كلّ هذه المواقف الفلسفية إنّما تدقّ نواقيس الخطر: إلى أين تسير الإنسانية؟ هل تسير إلى حتفها؟ هل نحفر قبورنا بأيدينا وعقولنا؟ أم إن ثمّة إمكانيات مغايرة للتفكير في الأمل، وإنْ وُلِدَ هذا الأمل على أعتاب الكارثة؟
لقد تعدّدت المقاربات حول الخوف من المستقبل: كتب إرنست بلوخ، منذ خمسينيات القرن الماضي، كتابًا ضخمًا حول «مبدأ الأمل» في «ما ليس بعدُ» وأجابه الفيلسوف الألماني هانس جوناس بكتاب عنوانه: «مبدأ المسؤولية» وفيه يقترح مبدأ الخوف من المستقبل كإستراتيجية عقلية نظرية تدفع الإنسانية إلى التفكير بشكل جدّيّ في إمكانية المستقبل من عدمه على كوكب الأرض. وفي كتاب مهمّ جدًّا بعنوان: «المستقبل، مقدّمة وجيزة»، للكاتبة البريطانية جينيفر م. غيدلي، نجد تصوّرًا كاملًا لضرب من «التفاؤلية» كحلّ لهذا الخوف العالمي من المستقبل. نقرأ: «نمتلك جميعًا المقدرة على إبداع ما نرغب فيه من المستقبليات.. وما دام المستقبل هو المكان الوحيد الذي نمتلك فيه شيئًا من الحرية، فإنّه موقع سلطة عظيمة»(1).
هل ثمة مستقبل في انتظارنا؟ أم نحن إزاء كارثة تهدد وجودنا نفسه؟ لماذا الخوف من المستقبل؟ وهل بوسعنا مواجهة هذا الخوف بدلًا من الانخراط فيه؟ كيف يمكننا إنقاذ المستقبل من التهديدات التي تحفّ به اليوم؟
تتوزّع خطّة هذا المقال على ثلاث مراحل نقوم فيها بمعالجة المسائل التالية: أولًا أي معنى لمفهوم المستقبل؟ ثانيًا ما أسباب الخوف منه؟ ثالثًا كيف بوسعنا إنقاذ إمكانية الحياة الكريمة في العالم وضمان مستقبل لأطفالنا الذين لم يولدوا بعدُ؟
أيّ معنى لمفهوم المستقبل؟
تعود ولادة السؤال عن المستقبل بحسب السردية الغربية إلى ظهور فكرة التقدّم التنويرية بوصفها جوهر المشروع الأخلاقي للحداثة. غير أنّ المتأمل في التاريخ البعيد للإنسانية القديمة يدرك أنّ فكرة المستقبل إنّما تعود إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد. لقد وُلدت هذه الفكرة كإمكانية للتنبؤ بما سيحدث مع العرّافات والكهنة في الشرق القديم، ثمّ استأنف الأنبياء هذا المفهوم على نحو مغاير في الديانات التوحيدية. وهو المعنى الذي يصرح به كتاب جينفر م. غيدلي التي تكتب حول المستقبل قائلة: «لقد استوحاه الأنبياء وتنبّأ به الكهنة، وجرى تخييله واستعمارُه والخوف منه والتكهّن به، ووضع إستراتيجيات له وخلقه»(2). إنّ المستقبل بهذا التوصيف هو مجال تزاحم حوله رجل الدين مع العالِم والفنان والسياسي معًا. فهو مجال للتنبؤ بما سيحدث، وهو أيضًا مجال للمخيلة الإبداعية تعلق الأمر بالخلق الفني أو بالاختراع العلمي، وهو أخيرًا مجال يجري استعماره والسطو عليه وبرمجته وفق إستراتيجيات وخرائط سياسية.
تعود إذن ولادة مفهوم المستقبل إلى أقدم الديانات الشرقية أي الزرادشتية (نحو 628 ق.م). وتُعَدّ محاورة «الجمهورية» لأفلاطون (380 ق.م) بمنزلة أول كتاب فلسفي يقترح يوتوبيا فلسفية لمدينة عادلة. ويظهر المفهوم في علاقة بمسألة الزمان في كتاب القديس أغوسطينوس «مدينة الله» (426م)، بوصفه أول من اشتغل على التصور الخطي للزمان من جهة ما يتضمن الماضي والحاضر والمستقبل.
وتمثل «مدينة الشمس» للفيلسوف الإيطالي توماسو كامبانيلا (1623م)، من أوائل الأعمال الأدبية اليوتوبية. ولقد استأنفت رواية «أتلانتس الجديدة» (1626م) للكاتب الإنجليزي فرانسيس بيكون هذا النوع من اليوتوبيا التي تقترح إمكانيات مغايرة للمستقبل. ولقد مثّلت كل الثورات السياسية والصناعية والرقمية والطبية والفنية إمكانيات رمزية لاختراع مستقبليات مغايرة. فالمستقبل هو ما لم يحدث بعدُ، أي هو ما يمكن أن يحدث في زمن آتٍ لا نعرفه إلا على سبيل التنبؤ أو البرمجة الافتراضية.
هنا يتنزل المستقبل ضمن زمان متخيّل يفصل بين الواقع والخيال. لكنّ هذا الزمان المتخيّل يمكنه دومًا أن يكون أفضل أو أكثر سوءًا من الواقع نفسه. ليس مفهوم المستقبل إذن مفهومًا يدعو إلى التفاؤل دومًا كما اعتقد طويلًا أصحابُ المشروعات اليوتوبية الحالمة بِغَدٍ أجمل. يمكن للمستقبل أن يتحوّل إلى كارثة أيضًا. ليس المستقبل إذن خبرًا سارًّا دومًا، إنّما هو مكان مخيف ومرعب ومدعاة للحزن أحيانًا كثيرة؛ لذلك اختصم الفلاسفة والعلماء والأدباء والفنانون والسياسيون أيضًا في شأن ما يكونه المستقبل: مجالًا للحلم أم مساحة لحدوث الكارثة؟ إمكانية للأمل في غد أفضل، أم خوف من انقراض العالم نفسه؟

لماذا نخاف من المستقبل؟
تعاني الإنسانيةُ الحالية ثلاثةَ أسبابٍ للخوف من المستقبل: الأزمة الإيكولوجية، ومخاطر الثورة الرقمية، وفظاعة الحروب الدائمة. أمّا عن الأزمة الإيكولوجية التي يهدد بها الاحتباس الحراري بكل أشكال الاختلال البيئي، فهي تمثّل مصدر قلق إنساني كونيّ خوفًا من الكوارث المناخية التي بدأت الإنسانية تعاني تبعاتِها منذ سنوات. وقد شُخِّصَتْ هذه الأزمة المثيرة للخوف من المستقبل منذ سبعينيات القرن الماضي حيث استشرف بعض المفكّرين الأورُبيين على ضرورة إعادة النظر في علاقة البشر بالطبيعة وذلك من جهة اقتراح ضرب من «الإيكولوجيا العميقة» (1973م)(3)، من طرف الفيلسوف النرويجي أرن ناييس.
وهي مقاربة استأنفها بشكل أكثر راديكالية الفيلسوف الألماني هانس جوناس في كتابه «مبدأ المسؤولية» (1979م)(4)، حيث شُخِّصَت الأزمةُ الإيكولوجية من منظور مفهوم «استكشافية الخوف» كدافع وجودي لتأسيس إتيقا حماية العالم من الانقراض. فالخوف من المستقبل يُستعمَل هنا كإمكانية موجبة لضرورة مواجهة أخطار الاختلال البيئي بما هي تهدّد إمكانية الحياة على الأرض مستقبلًا. وهذا الخوف إزاء مستقبل الحياة على الأرض، هو الذي يغذّي منذ سبعينيات القرن الماضي كل الحركات الإيكولوجية العالمية. وهو خوف وجودي جماعي كوني يجعل فكرة المستقبل فكرة غامضة ومثيرة للقلق، وهو ما يفسر حالات الاكتئاب الفردية والجماعية في عصر وصفه الفلاسفة بعصر الاكتئاب المعولم.
وهو اكتئاب لا يجد دوافعه في الأزمة البيئية فحسب، بل في الخوف من المستقبل مثلما تصمّمه اليوم الثورة الرقمية وتكنولوجيات الذكاء الاصطناعي. ففِيمَ يتمثل الخوف من سيادة العوالم الرقمية على عقولنا وعقول أبنائنا؟ وأي معنى لهذه الرغبة المسعورة في أعماق معظم سكّان الأرض في أن يكون المرء «متّصلًا»(5)؟ هل أصبح الجميع سجينًا للشبكة العنكبوتية وللعوالم الافتراضية؟ أي خطر للثورة الرقمية على حياة الناس وعقولهم؟ بعض العلماء دقوا ناقوس الخطر، وظهر مفهوم «الطفولة السامّة» أو «تآكل الطفولة»، وذلك هو أكثر الأشياء إثارة للقلق حول مستقبل أطفالنا.
لقد فقدت فكرة الطفولة نفسها معناها العميق: العلاقة بالحياة في عفويتها وحيويتها وطابعها المباشر وتعويضها بمرض العصر أي الإدمان الرقمي. هل ينبغي عد الذكاء الاصطناعي كارثة أم هو المستقبل الوحيد للإنسانية؟(6) ربّما ليس بوسعنا الإجابة عن أسئلة المستقبل، لكنّ الأسئلة العالقة إنّما تبقى دومًا بالنسبة إلى عقولنا مصدر خوف وقلق مما تخفيه لنا في غموضها العميق الذي يتجاوز أحيانًا قدراتنا الحالية.
أمّا عن الخوف من الراهن السياسي العالمي من جهة فظاعات الحروب على الشعوب المستهدفة، فربّما يكون أخطر أنواع المخاوف تجاه المستقبل. لقد عانت الشعوب، طيلة تاريخها، شتى أنواع الحروب، ولعلّنا قد أدركنا أكثرها فظاعةً. وعليه فإنّ الخوف من المستقبل، ليس مجرّد شعور نفسي فرديّ يمكن معالجته ببعض العقاقير والمهدّئات الخاصة بالأمراض النفسية، إنّما نحن إزاء خوف جماعي كوني لإنسانية أصبحت مهدّدة في إمكانية وجودها نفسه. بعض الفلاسفة وصف المجتمع المعاصر بمجتمع الفرجة(7)، وبعضهم وصفه بمجتمع الاحتقار(8)، لكن الكاتب الفرنسي كريستوف لمبار يرى أنّنا أصبحنا نعيش في مجتمعات الخوف(9)، وهذا الأمر قد يجعل البشر الحاليين أكثر الإنسانيات قلقًا وهشاشةً واكتئابًا.
كيف ننقذ المستقبل؟
إنّ مهمّة إنقاذ المستقبل من الكارثة رهين لثلاثة شروط أساسية:
أولًا: العمل على تغيير السياسات المناخية بهدف حماية المنظومة البيئية من أشكال الاحتباس الحراري. وذلك يستوجب إرادة سياسية تراهن على إنقاذ إمكانيات الحياة على الأرض، وإتيقا قائمة على المسؤولية تجاه السلامة الإيكولوجية للعالم، وإستراتيجية قائمة على التنمية المستديمة.
ثانيًا: العمل على برامج توعوية في أفق فلسفة رقمية مغايرة تهدف إلى خلق سلوك جديد إزاء أخطار الثورة الرقمية، وذلك بتحويل الذكاء الاصطناعي إلى إمكانيات موجبة لتنمية قدرات البشر على تحسين جودة الحياة وضمان سلامة أطفال المستقبل.
ثالثًا: مقاومة السياسات العالمية القائمة على الحرب باختراع إستراتيجيات ناعمة من أجل الحوار والمصالحة والاعتراف بالثقافات الأخرى، وذلك بغرض إرساء معاهدات سلم دائمة بين الدول.
خاتمة
من أجل ألّا يكون المستقبل مفهومًا مخيفًا؛ علينا إرساء خطّة رُوحية ورمزية عميقة تقوم على مقاومة القحط الروحيّ، وذلك عبر الاستثمار في مجال الفنون عامةً. إلى جانب ضرورة إعادة التفكير في أهمية العلوم الإنسانية عامّةً؛ حتى يستعيد البشر اقتدارهم على تغيير العالم، فنحن نرى أنّ الفنّ بوسعه المساهمة في تحرير الإنسانية من مشاعرها الحزينة، واستعادة قدرة البشر على الفرح. ليس مِثل الفنّ مجالًا لصناعة الأمل في إمكانية ابتكار عوالم جديدة ومستقبليات أقل فظاعة. من أجل ذلك يمكننا العمل على إنجاز مشروع تربية فلسفية تهدف إلى تدريب الناشئة على سلوك إيجابي ونشيط إزاء الحياة، وهو أمر يقتضي العودة إلى الطبيعة، والعناية بأنفسنا بوصفنا كائنات جديرة بالكرامة والسلم والفرح أيضًا.
وحدها خطّة تربوية مغايرة يمكنها إنقاذ البشر من الخوف من المستقبل، وإنقاذ المستقبل من التحوّل إلى كارثة مرّة أخرى. ما نحتاجه هو تحويل المستقبل إلى باحة كبرى لزراعة الأمل. «فما أضيق العيش لولا فسحة الأمل».(10)
مَخاوِف المجهول
على محكّ الفنون المعاصرة

بنيونس عميروش – ناقد مغربي
يظل الإحساس بالخوف من المجهول أحد الإحساسات المؤثرة التي رافقت وجود الكائن البشري على مرّ العصور. بينما تضاعفت عوامل الخوف من المستقبل بالكثير من التشخيص العلمي في العصر الحديث، بوصفه حالة نفسية تتولد نتيجة ضغوط القلق المفرط الناجم عن تصوُّر تَخْمينات وتوَقّعات سلبية لما سيأتي من وضعيات ومواقف وظروف خفية في غاية الإبهام، وبخاصة أنه قد ارْتجَّت القِيم الثقافية في مطلع القرن العشرين واستفحلت هواجس الإنسان بمُساءلة مصيره داخل زخم الاختراعات والتحولات الأيديولوجية التي وسمت حقبة ما بين الحربَيْن العالميَّتَيْن وما بعدها، بحيث انبثقت انتفاضة الغرب الأورُبي لتُعيد النظر في طبيعة العلم والفكر والفن، وفي مسالك الحياة نفسها.

السوسيولوجي فرانك فوريدي
من ثمَّ، لم تكن الفنون في معزل عن تناول وتشريح مظاهر الخوف من المستقبل وخلفياته بحسب طبيعة كل جنس فني وما يتضمّنه من خصوصيات وإمكانات تعبيرية، لغوية وسمعية وبصرية وسواها، وقد تحولت الإنسانية إلى حَشْد مذعور، تعوقه العديد من المحاذير، وأضحى مفهوم الخوف يَسِم طبيعة العاطفة التي ميزت القرن العشرين منذ حِقبة الاستقرار الهش، وفق ما خلص إليه عالم الاجتماع البريطاني فرانك فوريدي في كتابه «ثقافة الخوف» (1997م)، حيث يتساءل عن إمكانية الفهم المتعلقة بجَعْل الخوف شكلًا من أشكال الثقافة، فيما يسلط الضوء على أطروحة البُعد الاجتماعي للخوف الذي غالبًا ما يُختَزَلُ في آثاره الفردية.
تدخّل الفن في الطبيعة
تَمَثَّل ذلك بشكل ملموس من خلال تنفيذ تصورات المَباني السَّفْلِية، في الوقت الذي أمسى فيه الخوف قوة دافعة لإبراز التحولات المِعمارية والعُمرانية في ستينيات القرن الماضي التي عرفت توجُّسًا كبيرًا من أخطار الصِّراع النووي الموجود حينها في كل مكان، وهي الأخطار التي ولَّدت ذلك الحماس المُرعِب في بناء المَلاجئ المُضادَّة للذرات، كما صَمَّمها المهندس المعماري جاي سويزي في نيويورك، وقدمها في المعارض الدولية ولقيت إقبالًا مُلاحظًا (ومنها معرض نيويورك العالمي، 1964م)، حيث دافع عن فكرة العودة تحت الأرض بكيفية إيجابية، على وصف أن هذه العَودة تُجنِّب مواجهة عناصر الطبيعة، ما يضمن الحماية من الإشعاع الذّرّي ومن كل تهديد تقريبًا، وفق أنظمة بناء جيولوجي يكتفي بتصميم نوافذ زائفة تحت الأرض. هكذا يقترح سويزي حبس المرء نفسه في جوف الأرض، بوصف ذلك أكثر من تحصين داخل عالم الخداع البصري الذي يروم خلق عالم مرح في نظره.
وفي مقابل اشتغال علماء البيئة بدورهم على فكرة الخوف، وعلى عواقب التهديد بنُدْرة الموارد، سيُبْدي رُواد «فن الأرض» اهتمامهم بكل حركة إيكولوجية في الستينيات، بينما يواجهون عناصر الطبيعة التي يتدخلون في مجالها، ضمن إنشاء أعمال فنية ضخمة مباشرة في الطبيعة، باعتماد عناصرها من تربة وماء وصخور وأخشاب، وهي الأعمال الزائلة التي تُوَثَّق بالصور الفوتوغرافية والفيديو.
هكذا، أنجز روبرت سمثسون رصيفه الحلزوني الأكثر شهرة؛ حَوَّل من خلاله أطنانًا من التراب والحصى إلى غرب الولايات المتحدة في 1970م؛ لخلق بنيات ضخمة تتخذ أشكالًا حلزونية للتعبير عن «النظام والفوضى» و«الصدفة والضرورة» بوصفها ظواهر طبيعية. بينما شَيَّدت نانسي هولت بناياتها الصرحية التي تقوم على معطيات أَسْتروفزيائية؛ منها «أنفاق الشمس» (1973- 1976م) والحلقات الحجرية والأبراج (1977- 1978م).
ومن الأعمال الشهيرة في الألفية الجديدة، نشير إلى عمل النيوزيلاندي مارتن هيل «تَضامُن» (2009م) الذي بحث من خلاله عن وُجود ديمومة بين رابطة إنْسِيَّة وغير إنسِيَّة في إطار تركيزه على النَّحْت البيئي والعودة إلى الطبيعة. كما نستحضر في السياق «عُشّ كليمسون كلاي» بتوقيع الألماني نيلس أودو، ويجسد عشّ عصفور عملاق (131x 200 سم) يصل وزنه إلى ثمانين طنًّا، شُيِّدَ في 2005م بحدائق ساوث كارولينا التابعة لجامعة كليمسون باعتماد مواد نباتية طبيعية وجدها الفنان في الموقع؛ وبالنسبة إليه، يرمز العُشّ إلى الطبيعة الأم، بينما ينوب عن الأرض بوصفها بيتنا الناعم.

الرأسمالية المتوحشة على الخشبة
بمثل هذه الأبعاد المفاهيمية المُترجَمة عبر العديد من التعبيرات والبناءات الهائلة في الهواء الطَّلْق، بات فن الأرض، منذ ظهوره في نهاية الستينيات، يروم إعادة ترتيب العلاقة العضوية بين الإنسان والطبيعة، ويعمل على خلق حافزات للَفْتِ النظر إلى الحفاظ على البيئة التي طالها التَّصَحُّر والتَّدْمير. ومن ثمَّ، توجه الفنانون صَوْب المجال البيئي لتَبْديد القلق والخوف من حصار الآلة وهيمنة التصنيع، فيما جعلوا من الأرض قاعدة مُشتركة تُمَكِّنهم من البحث عن الذات عبر العمل المُمتدّ، حيث استبدلوا إطار اللوحة بإطار الوجود الذي يُتيح لهم أفقًا تشكيليًّا لا مُتناهيًّا، يتجاوز قاعة العرض ليشمل العالم.
في حين، ظهر «مسرح العولمة»، مع أشهر كُتّابه المخرج المسرحي الألماني فالْكْ ريشتر ضمن حرصه على مناهضة هيمنة النزعة المادية التي صار معها الإنسان مذعورًا، فاقدًا لوِجْهَته، وقد أصبح مجرد رَقْم داخل مُتوالية هائلة من المُعاملات الحِسابية المُتعاقبة التي وَسَمت طبيعة المجتمع الاستهلاكي في نهاية القرن العشرين، المُزْدانة بالقنوات الفضائية ومنَصّات الدعاية وشبكات التواصل الرقمي التي قلصت رقعة العالم. عِلمًا أن الفن المسرحي، منذ سوفوكليس إلى اليوم، دأب إلى جانب الأدب على استدراج الرؤية المشهدية القَمينة بتمثيل واقع الحياة والتفاعل مع تقَلُّباتها.

كان من الطبيعي أن يعتمد مسرح العولمة في بناء رؤيته الفنية على تيارَيْن رئيسِيَّيْن سابقَيْن، يتجسَّدان في المسرح التَّسْجيلي، والمسرح المَلْحمي الذي انتشر على يد رائده الشاعر والمسرحي الألماني برتولد بريشت؛ إذ وجد هذا الأسلوب التعبيري أكثر قابلية لاستيعاب مرحلة ما بعد الحرب بأبعادها السياسية والاجتماعية، فعَمِل على كَسْر الإيهام، واعتمد مفهوم «التغريب» الذي يروم تغريب أحداث اليومي التي تبدو عادية؛ لتكون مثيرة للدهشة والتفكير. فيما ارْتَكن المسرح التسجيلي مع الكاتب والمسرحي الألماني بيتر فايس إلى المنهج الجدلي، مُستنبطًا مادّته من الكتابات الصحفية والمحاضر والأحداث الموثقة، مع تَبَنّي البَساطة والدَّلالة الرمزية. بينما يَعتبِر فالْكْ ريشتر أن المسرح ذاته جزء من الشبكة العالمية، حيث تظل العولمة الرأسمالية بالنسبة له، تُخَطِّط أسلوب حياة خاضِع لنظام غير مناسب لأغلب الناس، وهو ما يستدعي مقاومة العولمة المتوحشة التي لا تتوقف عن تكريس الاستسلام والشعور بالعجز.

الفنان نيلس أودو
في مسرح العولمة، يقدم ريشتر «كوميديا مُرعِبة» يكشف من خلالها الوعي بحقيقة التكنولوجيا وضحاياها، وكيف يمكن لعمليات جامحة أن تنتج نظامًا مُنفلِتًا يؤدي إلى ضياع الذاكرة والتاريخ. تلك هي الرؤية التي يُعالجها بقدر من العُمق في أعماله («مَدينة إلكترونية»، «حالة استثنائية»، «سبع ثوانٍ» وغيرها) التي تنصبُّ في الأساس على الحياة المُعاصرة، وما يتعرض له الإنسان من قَلَق وأهوال خضوعه لمنظومة قاهرة، عليه أن يُسايِرَها من أجل البقاء، كما في مسرحيته «تحت الجليد» (2004م)، حيث عمل على تفكيك عميق لضراوة هذه المنظومة وكيف تبلع أتباعها، من خلال البطل (باول نيمان) «المستشار في شركة متخصصة في تصفية الشركات والمصانع» الذي يرفع تقارير لمتابعة الإنتاج وتَنْمِيته، مع الوقوف على مُواصفات العاملين وسَيْر المُنافسة والمُثابرة، وهو ما جعل حياته لاهِثَة بين المطارات والفنادق ومواعيد العملاء؛ بُغْيَة جَمْع حيثيات أحكام التَّسْريح أو البَقاء بين العُمّال؛ للحفاظ على دَوَران الماكينة الموصوفة بقسوة لا إنسانية.
في توالي هذا الإيقاع المُضْني، يكتشف البطل بامْتعاض أنَّ دَوْرَه قادم لا محالة، وقد كُتِبت عنه التقارير من مُراقبيه، ليصبح مُهدَّدًا ويشعر بانتهاء دوره (الطرد!)؛ هو المستشار المُرْتاع الذي أنْفَق عُمْره في الشركة إلى أن فاق الأربعين. أمسى وحيدًا مُنْهَك العقل، لا يمتلك إلّا أن يدخل في صراع مع الذات والتحَدُّث إلى نفسه، في الوقت الذي عليه أن يُشَكِّل بمُفْرَدِه الجماعة التي يرغب في أن يكون بينها، ضمن رَتابَة حياة فاقِدة للمعنى، سائرة في التلاشي أمام عالم يتفسَّخ من حولِه. في مشهد المَصير، يتساقط الجليد إبّان المونولوغ الأخير، يتَجَمَّد الممثلون في صمت رهيب؛ تلك عاقبتنا!

السينما واستشراف الكارثة
مثل هذه المصاير التي تُهدِّد الإنسان المعاصر، نجد لها الكثير من التصوُّرات في السينما التي تناولت أيضًا أهْوال الحروب وتكهُّنات نهاية العالم وما يتعلق بالتلوث والأوبئة، حيث يتحول الخيال والفانتازيا لدى المؤلفين إلى ما يُحاكي مَخاوفنا، كما عاشه العالم سنة 2020م في ظل انتشار جائحة كورونا (كوفيد 19). ومن بين الأعمال السينمائية التي جسدت تجليات تفشي وباء يروم القضاء على البشرية، نشير إلى «Outbreak, 1995» («انْدِلاع»، من إخراج وولفغانغ بيترسن)، «Days later 28, 2002» («بعد 28 يومًا»، من إخراج داني بويل) الذي يتناول انتشار فيروس غامض في إنجلترا ويكشف كيف حاول قِلَّة من الناجين إيجاد مأوى يَقيهم الإصابةَ.
من ثمة، ستَعرف «السينما الزُّومْبِية» طفرةً إنتاجيةً بعد سنة 2000م، وهي نوع من أفلام الرعب والخيال العلمي، تتمحور على كائنات «ميتة حية» تقتات على لحوم البشر؛ لتعكس بدورها أعراض الأوبئة وحروب الفيروسات، وما يليها من تَحَلُّل المجتمع وصور التَّوجُّس البشري. كما عُولِج ذلك في أعمال سينمائية مثل فِلْم «حرب الزومبي العالمية» «World War Z, 2013» (إخراج دافيد فينشر) الذي يُشَخِّص أطْوار سَفَر موظف الأمم المتحدة السابق حول العالم من أجل إيجاد علاج لفيروس فتاك يهدد بإبادة البشرية. وفِلْم «قِطار بوسان» «Train to Busan, 2016» (إخراج سانغ هو يون) الذي يتناول أحداث ركاب قطار في أثناء سفرهم ضمن محاولتهم النجاة من فيروس يَمْسَخ البشر، ويحولهم إلى موتى أحياء (زومبي) في كوريا الجنوبية.

المسرحي فالك ريشتر
وفي السياق ذاته، نستحضر سلسلة أفلام «Resident Evil» (أنجزت بين عامَيْ 2002م و2016م) التي استوحاها بول أندرسون من لعبة فيديو بالاسم نفسه، وتدور حول عملية، بِقِوى خارقة، تهدف إلى مُحارَبة شركة فاسدة صنعت سلاحًا عُضويًّا يحَوِّل البشر إلى موتى أحياء. ومُجمل هذه الأفلام تستشرف المستقبل بقدر ما تعود منه، فيما تفتح ذِهْن المشاهد على حقيقة أن هذا العالم الذي نعيشه باسم التقدم والبحث العلمي، لا يني يدفع المجتمعات نحو المجاعات والأوبئة والانْمِساخ، بينما يَهْدم أصول الأنْسَنَة ومُقوِّماتها.
في السياق ذاته، تنوعت مستويات التعبير عن الخوف من المستقبل في الموسيقا العالمية عبر المؤثرات، والإيقاعات المتسارعة، والأجراس المتنافرة، والنبرات العالية، ضمن توليف المقامات الصوتية المثيرة للريبة، وما يُرافقها من كلمات تُحاكي صُور الحروب والتدهور الاجتماعي والوجه السلبيّ للتكنولوجيا والقلق من المجهول عامة، كما في أنماط موسيقية مثل البانك والإلكترو.
وفي مقابل اعتماد التَّضادّات النغمية لخلق الإحساس بالخوف في الموسيقا الكلاسيكية، كما لدى سانت ساين وموسورجكي؛ نجد موضوعات غنائية ذات صلة، كما في قطعة «المستقبل» (1992م)، بتوقيع الموسيقيّ والشاعر الكندي ليونارد كوهين الذي يُصوِّر من خلالها مستقبلًا مظلمًا وفَوْضويًّا؛ وبصددها يُصرِّح بكَوْن حضارتنا وكل الأشياء الجميلة من موزارت إلى بوكوفسكي، تبقى مُجرَّد طلاء أظافر شرع في التَّشّقُّق لتظهر المخالب؛ وهذا ما نعيشه في عالم كشف عن مخالبه!
بناءً على ما سبق، تجدر الإشارة إلى لُزوم استدراج التساؤل عن مدى استثمار الذكاء الاصطناعي في الموسيقا والصوتيات واللغويات، كما في الفنون البصرية برُمَّتها، ومدى الإبقاء على جوهر الإبداع الإنساني، وما يتمتع به من حِسّ وِجداني ورُوحي ومُثُل عليا؟ والحال أن سنوات الألفية الجديدة قد ضاعَفت من حَجْم الارتياب من الآتي؛ إذ عرفت المزيد من احتداد النزاعات الإقليمية والتهديدات البيئية وتفاقم الانغماس في العالم الافتراضي، مع ما ولَّدَتْه جاذبية الخوارزميات من سلبيات تتصل بالتزييف، وانتهاك الخصوصيات، والهجمات السيبرانية، ورفع معدلات البطالة، في الوقت الذي لا يتم فيه استغلال الذكاء الاصطناعي كوسيلة جَسيمة لصالح الإنسان، بالانْتِفاع من كفاءته المُذْهِلة في تنفيذ المَهامّ وتَقْويمها.
الخوف من المستقبل: عندما تتحوّل حماية الطفل
إلى مصدر قلق وجودي للأسرة

ساري حنفي – باحث فلسطيني
في عالم يتّسم بتسارع التحوّلات الاجتماعية والسياسية، لم يعد الخوف من المستقبل شعورًا فرديًّا عابرًا، بل أصبح تجربة جماعية تعيشها مجتمعات بأكملها. هذا الخوف لا ينبع فقط من الحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل أيضًا من السياسات التي يُفترض أنها وُضعت لحماية الإنسان، لكنها قد تتحول -في بعض السياقات- إلى مصدر قلق وعدم يقين. ومن أبرز هذه الحالات ما يتعلق بسياسات حماية الطفل في بعض الدول الأورُبية، حيث يتقاطع الأمني بالاجتماعي، ويتحوّل القلق إلى شعور دائم بالتهديد لدى الأسر، وبخاصة المهاجرة منها.
من الطمأنينة إلى القلق: تحوّل وظيفة الدولة
تقوم الدولة الحديثة، نظريًّا، على توفير الحماية والرعاية لمواطنيها، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال، غير أن هذا الدور قد ينقلب في بعض الأحيان إلى مصدر خوف، عندما تُمارَس السلطة بشكل فوقي، وبمنطق قائم على الشكّ بدلًا من الثقة. ففي حالة السويد، مثلًا، تشير بعض الدراسات إلى أن تدخل الخدمات الاجتماعية في شؤون الأسرة، بما في ذلك انتزاع الأطفال من ذويهم، أصبح ممارسة متكررة، أحيانًا من دون توافق أو حتى فهم مشترك مع الأسر المعنية.
وفقًا للإحصاءات السويديّة الرسميّة لعام 2020م، والصادرة عن المجلس الوطني للصحة والرعاية، انتُزع 3486 طفلًا ومراهقًا من أُسَرهم، وأُسكِنوا في بيوت جديدة تابعة لقطاع الرعاية الاجتماعية من دون موافقة أسرهم، وهو ما يُسمَّى الرعاية القَسريّة بموجب قانون رعاية الشباب (LVU)(11). بدا لي هذا الرقم ضخمًا بالنسبة لدولة يبلغ سكانها 10 ملايين نسمة، لكنّني فوجئت بأنّه كان أضخم عام 2008م، حين أُخذ نحو 15800 طفل ومراهق (دون سن 18 عامًا)(12) من بيوت أهليهم؛ منهم 4800 وُضِعوا تحت الرعاية القَسريّة(13). وقد يكون الرقم الحقيقي أعلى كثيرًا بالنظر إلى أشكال القَسر الخفيّة التي لا نراها في السجلّات الرسميّة لما يُصنَّف رعاية طوعيّة(14). لكنّ انتزاع الأطفال من أهليهم قَسْريًّا مرارًا وتكرارًا ليس ظاهرة سويدية فقط، بل نجدها في دول أخرى مثل النرويج وألمانيا.
وفق مقال كتبه ستيفن بينيت لعام 2016م، «من بين كلّ 1000 طفل، هناك 101 منهم يسكنون في دور الرعاية البديلة التابعة [لخدمات رعاية الطفل النرويجية]، وفي 71 في المئة من الحالات يَحدُث ذلك من دون موافقة أهاليهم البيولوجيِّين. وللمقارنة، في ألمانيا، النسبة هي 9 بالألف و10 في المئة حالات القَسر، وفي السويد 8.2 بالألف و26 في المئة حالات القسر»(15). هذه الدول الإسكندنافية، ومعها ألمانيا، تختلف عن فرنسا اختلافًا كبيرًا؛ إذ ينخفض معدَّل انتزاع الأطفال بصورة كبيرة، ولا يكاد يحدث أيّ قسر. وفقًا لجوان-لامبير وسيرافين(16)، تبقى مرجعيّة الأهل قائمة في العلاقة مع الطفل إلّا في حالات الإخلال الخطير بالمسؤوليّات أو الإهمال المديد.
ولكن بالعودة إلى السويد، تشير تقارير حكوميّة إلى أنّ «الإساءة الجسديّة روتينيّة والتعنيف الجنسي شائع. ومن بين 798 فتًى وفتاةً في دور رعاية، ذكر 763 (96 في المئة) أنّهم تعرّضوا للتعنيف أو الإهمال؛ ومن بين 665 في المؤسَّسات، ذكر 462 (69 في المئة) أنّهم تعرّضوا للتعنيف أو الإهمال»(17).
هذا الواقع يخلق حالة من القلق العميق لدى الأهالي؛ إذ لم يعد المستقبل واضحًا أو قابلًا للتنبؤ. فمجرد شكوى من مدرسة أو جار قد تفتح بابًا لإجراءات قد تنتهي بفقدان الطفل. وهنا يتحوّل الخوف من المستقبل إلى خوف يومي: هل يمكن أن أفقد أطفالي؟ هل أُحاسَب على طريقة تربيتي؟ هل هناك معايير خفية لا أفهمها؟
الخوف كمنتج للسياسات الأمنية
يتفاقم هذا القلق عندما تتداخل السياسات الاجتماعية مع منطق الأمن. فقد أدى توسيع تعريف «الخطر» ليشمل تهديدات ثقافية أو سلوكية إلى ما يُعرف بـ«أمننة» العمل الاجتماعي، أي تحويله من خدمة إنسانية إلى أداة مراقبة وضبط. في هذا السياق، تصبح بعض الفئات -وبخاصةٍ المسلمون- موضوعًا للريبة، لا لشيء سوى لانتمائهم الثقافي أو الديني.
وهكذا، لا يعود الخوف مرتبطًا بسلوك فعلي، بل بهوية. الأسرة المهاجرة، تحديدًا، تجد نفسها أمام نظام لا يثق بها بالكامل، بل يراقبها باستمرار، ويعيد تفسير أفعالها وفق قوالب جاهزة. وهذا ما يخلق شعورًا عميقًا بعدم الأمان، ليس فقط في الحاضر، بل في المستقبل أيضًا.
تفكك الثقة: حين تصبح المؤسسات مصدر تهديد
أحد أخطر آثار هذا الوضع هو تآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات. فحين يشعر الأهل بأن النظام قد يتخذ قرارات مصيرية بناءً على معلومات ناقصة أو متحيزة، تتزعزع الثقة في العدالة. وقد أظهرت بعض التحليلات أن تقارير التحقيق في هذه الحالات قد تفتقر إلى الاتساق، وتعتمد أحيانًا على فرضيات مسبقة أو بيانات غير دقيقة. هذا النقص في الشفافية يعمّق الإحساس بالخوف؛ لأن المستقبل يصبح مرهونًا بقرارات غير مفهومة. فالأسرة لا تعرف كيف تُقيّم، ولا ما الذي يُعَدّ «مقبولًا» أو «مرفوضًا». وهنا يتحوّل الخوف من احتمال إلى حالة دائمة من التوتر الوجودي.
من أبرز مظاهر هذا القلق ما عبّر عنه بعض الأهالي من عجزهم عن ممارسة أبسط أشكال التربية؛ خوفًا من التدخل الرسمي. فحتى التوبيخ أو العقاب قد يُفسَّر كعنف، وهو ما يدفع الأهل إلى التراجع عن دورهم التربوي. هذا الوضع يخلق مفارقة خطيرة: الأسرة، التي يفترض أن تكون فضاءً للحنان والتوجيه، تتحول إلى مساحة خاضعة للمراقبة. والوالدان، بدل أن يكونا مصدر الأمان، يصبحان في حالة دفاع دائم. وهنا يظهر الخوف من المستقبل في صورته الأكثر عمقًا: فقدان القدرة على تربية الأبناء وفق القيم التي يؤمن بها الأهل.

الخوف الثقافي: صراع القيم والمعايير
يتعزز هذا القلق عندما يتقاطع مع اختلافات ثقافية. فالكثير من الأسر المهاجرة تجد نفسها أمام نظام يفرض نموذجًا معيّنًا للتربية والحياة، دون مراعاة كافية للتنوع الثقافي. وقد أشار بعض الباحثين إلى أن السياسات المتبعة غالبًا ما تكون فوقية، ولا تتيح للمهاجرين مساحة للتفاوض أو التكيّف الذاتي. في هذا السياق، يصبح الخوف من المستقبل أيضًا خوفًا من الذوبان الثقافي: هل سيُسمح لي بالحفاظ على هويتي؟ هل ستُعَدُّ قيمي تهديدًا؟ هل سيُنتزَع أطفالي لأنني أربيهم بطريقة مختلفة؟
من أكثر الجوانب إثارة للقلق هو ما يمكن تسميته «بناء صورة العدو». يطرح بو إدفاردسون، صاحب الخبرة الواسعة في تدريب العاملين الاجتماعيين في مختلف الجامعات السويديّة، عددًا من الأسئلة الثاقبة، مثل: «هل يصبّ هذا حقًّا في مصلحة الأطفال؟»، أو «هل نظريّة اصطياد الوحش مؤثِّرة في قرارات الخدمة الاجتماعيّة؟»(18). المقصود بـ«الوحش»، وفقًا لإدفاردسون، هو الوالدة أو الوالد، الذي ترسم له الخدمات الاجتماعيّة السويديّة صورة أبشع بكثير ممّا يقوله الواقع. ولفهم ذلك، طرح إدفاردسون مجموعة من الفرضيّات:
– الأهالي خَطِرون.
– الاضطهاد مشروع ما دام المحقِّق قد امتلك صورة ذهنية عن توحُّش الوالدَيْنِ البيولوجيَّيْنِ، وأراد إنقاذ ضحاياهما المزعومِين، أي الأطفال.
– يبدو أنّ تزوير الوثائق لغايات التحقيق مقبول.
– يقتصر التعامل، فقط، على المخبِرين المخلصين للنظريّة.
– يجري تجنُّب المخبِرين غير المخلِصين أو الأخبار المتناقضة.
– يجب أن تكون تقارير التحقيق إقناعيّة، وليست وصفيّة.
– في حالة حماية الطفل، يجب نشر نظريّة اصطياد الوحش لزيادة عمليّات الاصطياد.
– وجود النظريّة سيجلب داعميها. ستُجمَّع بيانات جديدة، وستبدو داعمة لفرضيّة الوحش، وسيُبلَّغ عنها لمنظمة الخدمات الاجتماعيّة. وسيؤدي الاستجواب المتكرِّر الموجَّه للأطفال إلى إجابات يمكن تفسيرها لتدعيم النظريّة.
– ثمّة مَن يفكر مليًّا في بناء إستراتيجيّات إقناعية واستخدامها.
– يجب اصطياد الأهالي المتوحِّشين الخَطِرين بعد انتزاع الأطفال.
– لا يجوز أن ينال الوحش معامَلة منصِفة.
– الخدمات الاجتماعيّة نادرًا جدًّا ما تعترف بأخطاء ارتكبتها في العمل الاجتماعي. ويبدو أنّ الاعتراف بوجود قصور مستحيل نفسيًّا بالنسبة إلى العاملين في الخدمات الاجتماعيّة(19).
هذه الرؤية تؤدي إلى ما يشبه «نبوءة تحقق ذاتها»؛ إذ تُفسَّر كل المعطيات بما يدعم الفرضية الأساسية، ويُتجاهَل ما يخالفها. في هذه الحالة، لا يعود الخوف من المستقبل مجرد شعور، بل نتيجة منطقية لنظام يُنتج القلق ويعيد إنتاجه.
الإعلام والشائعات: تضخيم الخوف
يلعب الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًّا في تضخيم هذا الخوف. فغياب المعلومات الدقيقة يفتح المجال للشائعات، التي تنتشر بسرعة وتزيد من حالة الذعر. وعندما تُقابل هذه المخاوف باتهامات بالتطرف أو التضليل، يتعمّق الشعور بالعزلة وانعدام الثقة. وهكذا، يصبح الخوف من المستقبل ليس فقط نتيجة للسياسات، بل أيضًا للخطابات التي تحيط بها.
في جوهره، يعكس هذا الوضع أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الحداثة نفسها. فالمجتمعات الحديثة، التي قامت على الفردانية والاستقلالية، تجد نفسها في مواجهة تحديات تتعلق بالتماسك الاجتماعي ودور الأسرة. وفي هذا السياق، قد تتحول بعض السياسات إلى أدوات لفرض نموذج معيّن للحياة «الجيدة»، حتى على حساب التنوع.
في فِلْمٍ وثائقيّ لإريك غانديني «نظريّة الحبّ السويديّة»، نجد انتقادًا شرسًا للفردانية المؤسَّسِيّة في السويد، بحسب مصطلح لارس تريغارد. ويبدو أنّ هذا النظام أنتج تكتُّلًا توافقيًّا هائلًا، وخصوصًا على مستوى الخطاب السياسي العام الذي تُديره السلطات الحكومية (بما في ذلك فروعها من شركات ناشئة تعمل في مجال رعاية الأطفال اليوم). هذا التكتّل يشتغل ضدّ كلّ من يرفضون وجود تصوُّر تغلُّبي للخير تفرضه الأكثرية الثقافيّة. لقد بذل عالم الاجتماع هانس زيتربيرغ جهدًا كبيرًا في قيادته لمشروع «الدولة الاجتماعيّة» الذي يدعو إلى تبنِّي «أفكار جماعاتيّة مثل الكرامة الإنسانيّة، والاعتماد على الذات، والمسؤوليّة الشخصيّة، ورعاية المجتمع المدني بديلًا عن رعايَتي الدولة والسوق»(20)، إلّا أنّ الفردانيّة بقيت جزءًا من ثقافة الدولة السويديّة، ولا تزال النموذج النظري الحاكم في البلاد.
وهنا يصبح الخوف من المستقبل تعبيرًا عن صراع بين رؤيتين: رؤية ترى في الفرد وحدة مستقلة، وأخرى ترى في الأسرة بنية أساسية للحماية والدعم.
نحو تجاوز الخوف: الحاجة إلى حوار
إذا كان الخوف من المستقبل هو النتيجة، فإن الحل لا يمكن أن يكون أمنيًّا أو تقنيًّا فقط، بل حواريًّا. فالمطلوب هو إعادة بناء الثقة بين الدولة والأسرة، من خلال الاعتراف بالتعددية، واحترام الاختلافات الثقافية، وتعزيز الشفافية في اتخاذ القرار. كما أن علم الاجتماع، وبخاصة في مقاربته التحاورية(21)، يمكن أن يلعب دورًا مهمًّا في فتح نقاشات جادّة حول هذه القضايا، بدلًا من تركها رهينة للخطابات المتطرفة أو التبسيطية.
خاتمة: بين الخوف والأمل
في النهاية، يكشف هذا النقاش عن مفارقة أساسية: السياسات التي تهدف إلى حماية المستقبل (الأطفال) قد تتحول إلى مصدر خوف منه. وهذا يدعونا إلى إعادة التفكير في معنى الحماية، وفي العلاقة بين الدولة والأسرة، وفي كيفية إدارة التعددية في مجتمعات معقدة.
فالخوف من المستقبل ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خيارات وسياسات يمكن مراجعتها. وبينما يبقى القلق حاضرًا، فإن إمكانية تجاوزه تظل قائمة؛ إذا ما أُعيد بناء الثقة، وفُتح باب الحوار، ووُضع الإنسان، لا الأيديولوجيا، في مركز الاهتمام.
هوامش:
(1) جينفر م. غيدلي، «المستقبل: مقدمة وجيزة»، ترجمة رندة بعث، بيروت، 2018، ص. 203.
(2) نفسه، ص. 201.
(3) Arne Naess, L’Ecologie profonde, Paris, P.U.F, 2021.
(4) Hans Jonas, Le principe responsabilité, Traduit de l’Allemand par J.Greisch, Paris, Le Cerf, 1997.
(5) Connected.
(6) انظر: كتاب: ستيفان فيال، «الكينونة والشاشة: كيف يغيّر الرقمي الإدراك ؟»، ترجمة إدريس كثير، بيروت، هيئة البحرين للثقافة والآثار، 2018.
(7) Guy Debord, La société du spectacle, Paris, Buchet- Chastel, 1967.
(8) Axel Honnet, Société du mépris, Paris, La découverte, 206.
(9) Christophe Lambert, La société de la peur, Paris, Plon, 2007.
(10) الطغرائي، «لامية العجم».
(11) https://www.thelocal.se/20220222/fact-check-what-is-swedens-lvu-and-how-does-it-work. Access 12/4/2024.
(12) سأستخدم في هذا المقال مصطلح الأطفال للإشارة إلى الذين تقلّ أعمارهم عن 18 عامًا.
(13) Bo Edvardsson, “Child Protection Investigations in the Swedish Social Services – Are They Really Children ́s Best Interests? Is a ‘Hunting the Monster Theory’ Influencing Social Work and Decisions?,” School of Law, Psychology and Social Work, University of Örebro, 2010. https://shorturl.at/B6Djm.
(14) Gustav Svensson and Staffan Höjer, “Placing Children in State Care in Sweden: Decision-Making Bodies, Laypersons, and Legal Framework,” in: Kenneth Burns, Tarja Pösö and Marit Skivenes (eds.), Child Welfare Removals by the State: A Cross-Country Analysis of Decision-Making Systems (Oxford University Press, 2016), pp. 65–88, https://doi.org/10.1093/acprof:oso/9780190459567.003.0004.
(15) http://www.barnefjern.org/secrets-and-lies-inside-barnevernet/. Access 12/4/2024.
لإجراء تحليل مقارَن أكثر شمولًا حول نزع الأطفال من أسرهم في دول الرفاه الليبراليّة، يُنظر: Burns, Pösö, and Skivenes (2016);
وبما يخص الأخطاء والهفوات في حماية الطفل ينظر: Biesel et al. (eds.), ibid.
(16) Hélène Join-Lambert and Gilles Séraphin, “Dysfunctions in French Child Protection,” in: Judith Masson et al. (eds.), Errors and Mistakes in Child Protection: International Discourses, Approaches and Strategies (Bristol University Press, 2020), p. 195, https://doi.org/10.46692/9781447350927.011ed. Judith Masson et al. (Bristol University Press, 2020.
(17) Höjer and Kjellberg, “The Political- Administrative and the Professional Approach,” pp. 139–40.
(18) Edvardsson, “Child Protection Investigations in the Swedish Social Services.”
(19) Ibid.
(20) Rune Ervik and Nanna Kildal, New Contractualism in European Welfare State Policies, 1st ed. (Farnham, Surrey: Routledge, 2015), p. 15.
(21) ساري حنفي. ضد الليبرالية الرمزية: دعوة إلى علم اجتماع تحاوري. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. 2025م.
0 تعليق