المقالات الأخيرة

ضحكة ميدوزا النسوية وميلاد كتابة جديدة

ضحكة ميدوزا

النسوية وميلاد كتابة جديدة

سأتحدّث عن «الكتابة النسوية»: عمّا ستنجزه، وعمّا ستفعله. ينبغي للمرأة أن تكتب ذاتها؛ أن تكتب المرأةُ عن المرأة، وأن تستدعي النساء إلى الكتابة، تلك التي أُبعدن عنها بعنف لا يقلّ عن العنف الذي أُبعدن به عن أجسادهنّ؛ وللأسباب نفسها، وبالقانون ذاته، وللغاية المميتة نفسها....

فرناندو بيسوا والإسلام

فرناندو بيسوا والإسلام

يمكن القول: إن أول نص يتطرق بشكل صريح إلى انشغال فرناندو بيسوا بالعالم الإسلامي نُشر خلال حياته. هذا النص هو مقال مميز بعنوان: «نبوءات عربي» للكاتب البرتغالي ماريو دومينغيز، نُشر في البرتغال، في صحيفة «ريبورتر إكس» بتاريخ 4 مايو 1931م. ومن المهم أن نلحظ أن بيسوا نشر...

سوء استخدام مُفَكّري ما بعد الحداثة للعلم

سوء استخدام مُفَكّري

ما بعد الحداثة للعلم

إذا كانت الإبيستمولوجيا تَقوم بأداء دورها على أكمل وجه، بحيث لا تتردد في إخبارنا متى نملك الحقّ -من وجهة نظر إبيستمولوجية خالصة- في الاعتقاد، فلماذا إذًا، نُقحم الأخلاق، بل بالأحرى، لماذا نُمَارس فعل الوعظ الأخلاقيّ حين يتعلّق الأمر بالحياة الفكرية والعلمية؟ يَظَلّ...

خطاب العمى في مذكرات البردوني

خطاب العمى في مذكرات البردوني

يقولون «إن من يكتب عن ذاته يعدُّ نفسه لوقت ما محور العالم أو على الأقل محورًا لعالم ما». وهذا الرأي ينطلق من مسلمة مركزية الذات في الكتابة، ذلك الحق الذي يمارسه الكاتب بحرية تامة في بناء صورة له في الكتابة قد تدفع به للجنوح نحو التخييل الذاتي، أما في المذكرات والسير...

الذكاء الاصطناعي.. الاستعمار الناعم

الذكاء الاصطناعي.. الاستعمار الناعم

إن قراءة الاستجابة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي من الإنسان ربما تتجاوز -على نحوٍ ما- صدمة ظهور الشبكة العنكبوتية، كما الهاتف الذكي؛ من منطلق أن الذكاء الاصطناعي قد عمل على توليد ما يمكن أن ننعته بذكاءٍ شبه موازٍ للذكاء البشري -إلى حد ما- ولا سيما على المستوى اللغوي، كما...

لطفية الدليمي:

انحازت إلى قضايا المرأة ورسخت تجربة إبداعية متفردة

بواسطة | مايو 1, 2026 | شخصيات

لم تكن لطفية الدليمي مجرد كاتبة، لكنها كانت محركًا ثقافيًّا عظيمًا في مجتمعها ولحظتها التاريخية. فضلًا عن كتابتها القصة والرواية والمسرح، كانت مترجمة وصحفية كبيرة ومؤسسة منتدى ثقافي معني بشؤون المرأة وإبداعها. شغلت لطفية الدليمي، في أعمالها، بقضايا المرأة فدافعت عن حقها في الاختيار، وتحديد مستقبلها بنفسها، وتبنت العديد من المواهب، ودعمت كثيرًا من الكتاب، وصنعت الأمل لأسماء ووجوه كثيرة.

كانت لطفية الدليمي تاريخًا ممتدًّا من الكتابة، بدأته عام 1970م حين أصدرت مجموعتها القصصية الأولى «ممر إلى أحزان الرجال»، واستمرت في الكتابة مدة خمسين عامًا بلغة رصينة استقتها من كونها في البدء معلمة لغة عربية، ثم محررة في مجلة الطليعة، ثم مديرة تحرير مجلة الثقافة الأجنبية، ثم رئيسة لتحرير مجلة «هلا» النسائية، فأنجزت العديد من المجموعات والأعمال الروائية من بينها: عالم النساء الوحيدات، من يرث الفردوس، بذور النار، موسيقا صوفية، ما لم يقله الرواة، شريكات المصير الأبدي، خسوف برهان الكتبي، ضحكة اليورانيوم، يوميات المدن، سيدات زحل، مسرات النساء، عُشّاق وفونوغراف وأزمنة، وكتاب «مُدُني وأهوائي» الفائز بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي عن فئة أدب الرحلات عام 2017م. ودخلت إلى مجال المسرح والترجمة مشمولة بروح المغامرة، والقدرة على الولوج إلى المناطق الصعبة، وإثارة الأسئلة الكبيرة. كما كان لها اهتمام بالعلوم والفلسفة وكتبت وترجمت أكثر من كتاب في هذه المجالات، وهو اهتمام يكاد يكون نادرًا في أوساط الأدباء العرب. وبعد رحلة قصيرة مع المرض قررت الرحيل، لتمضي سريعًا كما لو أنها عاشت يومًا واحدًا يبدأ من 7 مارس 1939م حتى 8 مارس 2026م؛ لتترك لنا أعمالًا مهمة، وذكريات محفورة في أذهان أصدقائها ومحبيها.

لطفية‭ ‬الدليمي‭ ‬في‭ ‬نصوصها‭ ‬وفي‭ ‬حياتها

الجوهر‭ ‬المضيء‭ ‬في‭ ‬أقاليم‭ ‬الجمال

لؤي‭ ‬حمزة‭ ‬عبّاس‭ – ‬روائي‭ ‬وناقد‭ ‬عراقي

ليس من المصادفة أن يكون آخر مقال للكاتبة لطفية الدليمي بعنوان: «نعمة العيش بقلب لا يعرف الضغينة»، إنها كلمتها الختاميّة قبل أسبوع من تغوّل المرض الذي أطفأ الشعلة وطوى الصفحة وأفرد القلوع للرحيل، لكن من الغريب أن تكون كلمتها تلك تلخيصًا باهرًا وإيجازًا حكيمًا لمسيرة حافظت على تطلّعها لما هو جوهري في الكتابة والحياة، من (بهرز) في محافظة ديالى حيث وُلدت عام 1943، إلى (عمّان)، فضاء رحيلها، المدينة التي اختارتها مستقرًّا بعيدًا من بيتها، جنّتها المنهوبة في عامريّة بغداد.

كأنها في صُلب اختيارها الهجرة اختارت أن تكون في المكان الذي تتمكن منه من أن ترى العراق وتتنفّسه، وترى بيتها وترانا فيه، نحن الذين تذوّقنا رفعته وعشنا عذوبته، وعرفنا معنى أن يبني المرءُ بيتًا يعبّر عن هندسة أحلامه وروعة أمانيه، إنه البيت الذي لم تغادره مطلقًا، على الرغم من خسارته في مرارات الزمن العراقي.

تقول في نعمة العيش: «نحوز في حياتنا أشياء لو أدركنا قيمتها لخشينا فقدانها كما نخشى على أعمارنا: سلام الروح، وسكينة القلب، نبدّدهما بنزق غريب في خصومات لا ضرورة لها، وفي كراهية مستعجلة، وفي أزمات نصنعها بأيدينا، ثم نشكو ثقلها الضاغط على صدورنا». كلمات تُضيء بنور الحكمة وهي تجعل سلام الروح وسكينة القلب من جواهر الحياة الإنسانية التي لا يمنحها الإنسان ما تستحق من البصيرة والتأمّل، الأشياء الرفيعة التي طالما بخسناها وتعاملنا معها بقوة الاعتياد، لكن لطفية شقّت طريقًا فريدًا في فهم الحياة والتعاطي معها، الطريق الذي قادها إلى الجوهر الفريد، لتتنفس ضوء الحياة الناصع وتتلقّى إشاراتها البليغة، وهو الأمر الذي عمّق الإحساس بالصدمة لرحيلها، ففكرة الموت بدت لزمن ليس بالقصير غير متناسبة مع سيدة احترفت الجمال في أكثر معانيه سموًّا وتعاليًا، ووهبت حياتها للنور، ولم تكن حبيسة زمن مثقل بالهموم والآثام، إنها المرأة التي عاشت في قلب اللحظة العراقيّة وأدركت مبكّرًا عسر تناقضاتها، وحافظت، في الوقت نفسه، على حضورها بعيدًا منها، فكانت تغرف حكمتها من مياه سومرية أبديّة الجريان دفاعًا عن الحياة في مواجهة موت مجاني عميم.

الحق في مواجهة التوماهوك

في عام 2000م وكان قد مرَّ على العراق ما يقارب العقد من سنوات الحصار، أصدرت كتاب نصوص بعنوان: «ترنُّ الهواتف: لن نموت»، وهو الكتاب الذي أراه اليوم دفاعًا تفصيليًّا عن الحق في الحياة في مواجهة (مهرجان الدمع والتوماهوك) الذي أحاط بالعراق سنوات طويلة، في تلك السنوات كتبت خطابها «لمن يهمه الأمر»، وهو منذ اللحظة التي كُتب فيها كان موجهًا للّحظة الراهنة وللتاريخ على السواء، وقد عاشت فيه دورًا مركَّبًا مثل أية أم عراقيّة، دور الشهود والشهادة، كما يعبّر عنوان إحدى قصص مجموعتها (التمثال، 1977) التي تحكي فيها مشاهد من صلب الحسين بن منصور الحلاج، زمن الخليفة المقتدر، يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من ذي القعدة 309 للهجرة: «ها هو الليل يهبط بسكون تشوبه الرهبة، وجو عاصمة الخلافة ثلوّثه التهم التي يصبّها الشهود المحترفون على جسد أبي المغيث الحسين بن منصور الحلاج الصوفي، وأوجه المحبين تنتظر بأسى انقضاض الخبر الصاعق: اليوم يُصلب».

خطاب لطفية الدليمي ينبثق من لحظة تاريخية فارقة ليسكن الراهن معبّرًا عن تجربة «مشتركة في مملكة الوجود الإنساني»، كما تكتب في القصة نفسها. إن التفصيلات التي سعت نصوص (ترنُّ الهواتف) لالتقاطها والتعبير عنها، تفصيلات الحياة العراقيّة اليومية المبدّدة بين ظلامين؛ ظلام السلطة القامعة، وظلام العدوان، وفي قلب هذه التفصيلات ينبض شعور عميق بالحياة ويجدُّ في الدفاع عنها، «نحن، عيّنة من فضاء غير أرضي، يهيّئون لنا مصاير من ثمار حرب النجوم.

ألسنا أسلاف عبدة الشمس والقمر والمياه؟

ألسنا وارثي المدن المقدّسة التي ولدت من سرّة الزمان؟

ها هم يصنعون من أجسادنا المرّصوصة في المحارق كوكبًا شرقيًّا في كون مائل».

في مجمل أعمالها في الرواية والقصة القصيرة والرحلة والمسرح والبحث والمذكرات، كتبت لطفية الدليمي ذاكرة الخوف والاشتهاء، ودوّنت حكايا مدن تتقلّب على ضفاف الليل والنهار وسط أمواج من وجوه وأسماء ومصاير وأحلام ونبوءات؛ ليحقق العمل الأدبي شهادته على قدرة الكلمة على السيرورة والحياة في ظلِّ التراجع والخراب، وهو ما عملت رواية (سيدات زحل، 2012) على مواجهته، وهي توثّق سردها بوقائع نصيّة يلتحم فيها الواقعي مع المتخيل، حتى ليبدو الواقع، في عنف تفصيلاته ووحشية عناصره، ضربًا من الوهم والهذيان، وصولًا للحظة يتبادل فيها كلٌّ من الواقع والخيال دوريهما وهما يدفعان بالرواية في طريقين متضادين تنبثق لحظة السرد بينهما نقطةً للتلاحم، ومساحةً للرصد والمعاينة، فقراءة سيرة مدينة مثل بغداد تتطلّب، بالضرورة، ذهابًا بعيدًا في تضاعيف الزمان، ونظرًا قادرًا على الفصل بين الحلم والاشتهاء، فالمنصور «لم يؤسّسها ولكنه حين اشتهاها، شاء أن يفتضّها كما يفعل بالجواري العذراوات كلَّ ليلة وينام على رائحة الدم وريق الإناث وعبق عرقهن.. فكَّ أسرها من قبضة الدهر، وكانت حيّة تنبض في رعشة الطين وتتنفس في حمحمة الحريق، وتكابد طوفان دجلة في خفاء الزمان»، إن المنصور لم يكن منفصلًا في لحظة التأسيس نفسها عن سلسلة العنف ودورة الاستبداد، فقد كان «كمثل جميع المستبدين قد اخترع مدينةً عظمى من رغباته الملكيّة وعنفه الدموي».

سرديات بيتها البغدادي

ومثلما شكّل الخليفة لحظةً مؤسّسةً في تأريخ المدينة، فإن لحظات أُخر ستوطّد نسيج الحلم والدم وصولًا لصورة المدينة الراهنة حيث تلتقط (حياة البابلي) إشاراتها وتهيئ قدراتها للسرد والمواجهة، فالسرد نفسه يتجسّد ضربًا من المواجهة والسؤال، تنزل حياة في زمن العنف إلى سرداب بيتها البغدادي، بما يضيئه من حضور رمزي بدرجاته الأربع عشرة ومرايا جدرانه وخزانة كتبه ومخطوطاته، محاولةً استعادة قدرتها على النطق وقد استغرقها السكوت، إنها تجلو في نزولها ما يحدث حولها، تكتشفه وتزداد بصيرة فيه، ليمثل النزول إلى السرداب نزولًا إلى الذاكرة، فسرداب البيت هو خزانة المدينة، روحها المكنوزة وحرفها المخبوء، وهو الموضع الذي تتقاطع فيه طرق الزمان؛ لتشهد الوقائع نوعًا من التكثيف يُهيئ للراوية فرصة أوسع لإضاءة تفاصيل قد تبدو خارج انشغالاتها، لكنه المأوى الأعمق في الوقت الذي يشهد البيت فيه تعديًا واختراقًا (يذكّر ببيت لطفية نفسه).

وهو، مع ذلك، يشهد اعتراض حياة وعنف مواجهتها حين تُعلن مغادرة المدينة؛ لتواصل لطفية الدليمي، عبر حياة البابلي، أو آسيا كنعان، أو زبيدة، سردها مدونةً مصاير أناس آمنوا بها، فاستأمنوها على حكاياتهم، مترقّبةً من خلالها مصير البلاد وما يمكن أن تؤول إليه قبل أن تتهاوى وتختفي؛ إن حدثًا فاصلًا مثل دخول القوات الأميركية بغدادَ لا يقف وحده خطًّا حاكمًا في بندول السرد، بل ينتسج مع مجموعة من الخيوط التي تتبرعم من الشجرة.

فإذا كانت الرواية تخضع في تحبيكها لمنطق محدّد، واضح ومعلوم، يكشفه السرد وينبئ عنه، فإن الحياة، بدورها، تتحرّك على وفق منطق لا يقبل التجزئة أو الفصل، وهو ما عملت الرواية على تأديته في مراقبتها حركة المدينة بين صعود وهبوط، ومتابعة أثر تحولاتها في مصاير شخصياتها، مثلما تراقب ماكنة الدكتاتورية وهي تجرّ البلاد، في اندفاعة وحش أعمى، من نفق معتم إلى آخر، فترسم ظلال الصراع على الجدران أشلاءً بشريّةً مهروسةً وأرواحًا محطّمة، الدور الذي أكملت تأديته ماكنة الغزو وعنف الجماعات المسلحة؛ ليؤكد السؤال أهميته، مثلما تكشف الإجابة قسوة براهينها: فكيف يمكن لعمل أن يختصر تاريخ الألم، وهو يأمل، بالمقابل، أن يوقظ ممكنات الجمال، ولو من خلال الرؤى والأحلام، لتحمل الكراسة الأخيرة في الرواية عنوان: «زهرة أوكيناوا أو الجمال»، لا لتقف عند زهرة الجمال الإنساني أو زهرة النجاة فحسب، بل لتخبئ حياة البابلي بذرتها الهلالية السوداء، في واحدة من ذرى العنف والألم، بانتظار زمن قادم بعد أن تموت الحروب وتتجلّى لها العلامة كما تجلّت لآخرين من قبل.

انفتاح الحكايات واتساعها

بين الكرّاسة الأولى من الرواية وكرّاسة الختام الخامسة والثلاثين لا تسرد حياة البابلي حكايتها وحدها، بل تنفتح الحكايات وتتسع بما يتهدّدها من اختفاء الأسماء وزوال أصحابها: «أنا حياة، وهذه كراساتي التي شرعت بكتابتها منذ سنوات ودوّنت فيها حكاياتنا، حكاية عشقنا الصاعق، قصص الفقد وأوجاع السجن والاختفاءات، عار الخصاء وبتر اللسان، خزي اغتصاب البنات، دوّنت أكثر من ثلاثين كرّاسة طوال كارثة الحصار وحرب الاحتلال، وكنت كلّما أنهيت واحدةً منها وعدت إليها أُفاجأ باختفاء الأسماء…»، وصولًا إلى لحظة لا يُعد اختفاء الأسماء فيها يعني حياة وهي تُدير عجلة الروي، فالحكايات، كما تصرّح، لنا جميعًا ونحن نتداول الأحزان والمسرّات والموت بتبادل مواقعنا.

فالأسماء «إرث نتقاسمه مع الزوال والنسيان»، لكن الحوادث تظلُّ، على الرغم من ذلك، موصولةً بأسماء أصحابها وهم بدورهم يُكملون فسيفساء المشهد مؤكدين تواشجه في سعي ملحمي لا تغدو الرواية معه «ملحمةً فرديّةً يتخذ فيها المؤلف حريّة تصوير الإنسان على طريقته»، بحسب تعبير غوته، بل ملحمة الجماعة وبيان حياتها التي لا تُعد حياة البابلي فيها غير العين الناظرة واللسان الناطق، وهي تتلبّس في فصول العذاب ما تروي من انكسار العلاقات، وانقلاب القيم، وتحوّل الطبائع والأحوال، متحمّلةً مخاطرة أن تروي، مدركةً ما ثبّته عبدالجبار النفري في موقف التيه بأن «في المخاطرة جزءًا من النجاة».

إنه وجه آخر من وجوه شهرزاد التي تُدافع عن الحياة بالحكاية، وتُعيد من خلال الحكاية بناء الحياة عبر وقائعها الحزينة المعتمة حيث «الجرحى يتراكضون -وقد انفجرت العبوة الناسفة قرب البيت- ويتركون وراءهم سطورًا من الدم»، السطور التي تنتظم من فصل إلى آخر، ومن شخصية إلى سواها، فلكلِّ شخصية مرآة حكايتها التي ترى حياة البابلي فيها تفاصيل حياتها وموتها، وهي في صلب ذلك، تترك لشخصياتها مهمّة ملاحقة الماضي الذي لا يتجلى بوصفه وثائق مجزوءة ووقائع متشظية بقدر ما يوطّد بلحمته نسيج الحاضر، فما بدّده الراهن تعمل رؤية الماضي على مقاربته وربط عناصره؛ لتظلَّ دائرة الصراع مفتوحةً، بعيدًا ممّا ارتهنت المدينة له من طوالع فلكية، فللحب، في النهاية، حضوره الطيفي في لجّة الخراب. ترحل لطفية الدليمي بعد أن كتبت كلمتها في سِفر الحياة العراقية، وكافحت طويلًا من أجل زمن يُعلي قيم الثقافة والجمال.


عبرت إلى ضفة النعيم الأبدي

ميسلون هادي – كاتبة عراقية

أقل ما يقال عنها: إنها ساحرة، نابضة بالحياة والعاطفة، فواحة بالعطور، منغمة بموسيقا مشهدية رفيعة المستوى. هذا التفوق المشهدي في سردها يعود لأسباب عديدة، أهمها تشبع الكاتبة على مدى تاريخها بشتى المجالات المعرفية؛ من الموسيقا إلى الأدب إلى الفلسفة، ومن علم النفس إلى علم الاجتماع والتاريخ، فكانت تضع غلال هذه الحقول فوق مساحات كبيرة من أرضها التي فرشتها تحت الضوء، ثم دوزنت عصاها السحرية لاستعمال شذرات هذا الخزين في المكان والزمان المناسبين.

عمق التاريخ

وفقًا لباختين فإن «كل متكلم إلا ويحمل أفقًا اجتماعيًّا معينًا يعينه على اختيار الكلمات المناسبة». ولطفية الدليمي لا ترسم في كتاباتها حافات المياه أو الأشياء، بل ترمي بكل ثقلها في عمق التاريخ والجغرافيا والأنثروبولوجيا، وستفتح لك باب الدخول إلى التاريخ العراقي، ثم باب الخروج منه إلى حديقته الخلفية، حيث نجد في كل كتاباتها، منجمًا من الروائح والأزمنة والأصوات والأطعمة والحواس. وهي التي تموّن أبطال رواياتها بالذوق الرفيع، والحكمة الناهلة من خزنة معرفية ووجدانية وتاريخية، تقدمها الكاتبة من خلال انتمائها الكوني العميق. تقول عن ذلك: «على غير ما درج الناس في أنسابهم، أحسّني أنتسب إلى سلالة مائية: سلالة أولئك السومريين الهابطين إلى دلتا النهرين من فردوس مفقود، قد أكون كاهنة من كاهنات القمر، أنا سليلتهم التي ضلّت في متاهات التاريخ، قد أكون إحدى الناجيات من حقب الطوفانات العظمى، أنقذني أتراحس، «نوح السومري»، في فلكهِ المحبوك من القصب، والمطليّ بالقار، وأتى بي من زمن إلى زمن. وجدني وحيدة عند معبد أور في برهة انهيار دويلات المدن السومرية، وانتشلني من لجج الغمر المائي، وأنا أحمل تمائمي وتعاويذي المتمثلة بالنبع الفوّار والقمر والبرق، وألقى بي في وحشة الزمن المعاصر وحيدة أيضًا، كما وجدني هنا».

في رصيد لطفية الدليمي 33 مؤلفًا؛ في القصة والرواية والمقالة والفكر الفلسفي، و25 كتابًا مترجمًا، و7 أعمال درامية، وعشرات الدراسات عن المرأة العراقية. كانت من أكبر المدافعات عن حقوق المرأة، والباحثات في أوضاعها الاجتماعية، ويشاء القدر أن ترتبط ذكرى رحيلها باليوم العالمي للمرأة في 8 آذار. عبرتْ لطفية الدليمي إلى ضفة النعيم الأبدي، وظلتْ أوراقها مزهرة في عنان المسافات الطويلة.


سيدة زحل في ارتقائها الأخير

رشا الربيعي – كاتبة وناقدة عراقية

ما زلتُ أتذكر أول جملةٍ كتبتها لي الكاتبة والمترجمة القديرة لطفية الدليمي، عام 2013م، حينما كنتُ أكتب مراجعاتٍ عن الكتب في مجموعةٍ ثقافية تحمل عنوان: «أنفي يطلق الروايات». حينها كنتُ أكتب للمتعة لا أكثر. كتبت قائلة: «عزيزتي رشا، أرى فيكِ بذرة كاتبة موهوبة، لا بد أن تُرعى، وأنا سأتحمل مسؤولية رعايتك بكل أمانةٍ ومحبة». ومنذ تلك اللحظة، غيّرت هذه الجملة مفهومي للكتابة والقراءة على حدٍّ سواء؛ فحينما تتبنّى كاتبة قديرة مثل (لطفية الدليمي) كاتبةً شابة، فلا بدّ أن تأخذ الأخيرة الكتابة على محمل الجدّ.

إعادة تشكيل

كانت تكتب لي بين حينٍ وآخر، تقترح عليّ قراءة كتبٍ مهمة، أو تُنقّح لي نصًّا أرغب في نشره. ومع مرور الوقت صار تواصلنا يوميًّا، ولمراتٍ عدة في اليوم. لم تكتفِ ملهمتي الخالدة بإعادة صياغة موهبتي فحسب، بل أعادت تشكيل شخصيتي، وعملت على تشذيب طباعي وتعزيز نقاط القوة فيها. تابعت، بكل ما تحتويه الأم من قدرة على العطاء، كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ فيَّ. كانت تقسو في أحيانٍ كثيرة حبًّا وحرصًا، رأت فيَّ ما لم يره الأقربون دمًا، فاستبشرت بولادة كاتبةٍ ناقدة، مثلما كانت تقول لي دائمًا: «ستتكرّسين كناقدة، شئتِ أم أبيتِ».

الصالون الثقافي

بعد خمس سنواتٍ من ذلك، تجاوزنا مرحلة المعلّم والتلميذ لننتقل إلى مرحلةٍ أجمل، هي الأمومة والصداقة. أسّسنا ما يشبه الصالون الثقافي، نتشارك فيه قراءة الكتب والمقالات، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات العالمية، ونتبادل مقاطع من الموسيقا الكلاسيكية، وأخرى لعمر خيرت، ونقرأ نصوصًا من المسرح العربي والعالمي.

من يعرف لطفية الدليمي عن قرب، يعرف مدى انضباطها العالي؛ فلولا دستورها الصارم الذي وضعته لنفسها، والتزمت به منذ عقود عدة، لَمَا غدت ظاهرةً ثقافية لا تتكرر في المشهد الثقافي العراقي والعربي. حينما يرد اسم الدليمي، فنحن نتحدث عن مشروعٍ متكامل يندر أن تجد له مثيلًا، عن تاريخٍ تجاوز الخمسين عامًا من الإبداع المتواصل في مجالاتٍ عدة، تنوّعت ما بين القصة والرواية والمسرح والترجمة والمذكرات وكتابة المقالات العلمية والفكرية والنقد الأدبي والثقافي. ركّزت الدليمي في مشروعها السردي على المرأة؛ لا بوصفها جزءًا من المجتمع فقط، بل بوصفها ربّة الحياة وملهمة الخلق والقوة. وفي روايتها «سيدات زحل»، وظّفت المرأة، عبر بطلة الرواية (حياة البابلي)، كذاكرةٍ للوطن، ومدوّنةٍ لكراساته التاريخية. تتميّز بطلات الدليمي غالبًا بامتلاكهن سمة الإصرار والعزيمة، وتمسّكهن بالأمل والحلم حتى في أصعب الظروف وأقساها.

الدفاع عن المرأة

لم تكتفِ لطفية الدليمي بالدفاع عن حقوق المرأة عبر نساء رواياتها ومجموعاتها القصصية، بل كانت ثيمة مشروعها السردي مرآةً لمشروعها الثقافي الشخصي؛ فتبنّت، منذ لحظة ظهورها الثقافي الأول، مشروع الدفاع عن المرأة وحقها في العيش الذي تختاره، وحقها بالرفض والقبول اللذين تقرّرهما هي، لا الآخر (الرجل). لكن ذلك لم يحدث عبر الخطابات النسوية المستهلكة، بل عبر فعلٍ ثقافي لا يعوّل على الضجيج الإعلامي، ليتحوّل هذا الفعل، فيما بعد، إلى مشروعٍ ثقافي راسخ ممتد عبر السنين.

يقول الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه: «نملك الفن كي لا نهلك بالحياة»، وأعتقد أن لطفية الدليمي ردّت على خسارات الوطن المتكررة، واغترابها القسري عن بغدادها التي تُحب، وعن منزلها وحديقتها الأثيرة، بالكتابة والترجمة والنقد؛ فلم تهلك يومًا حيّة، ولا أعتقد أنها ستهلك يومًا بعد ارتقائها الأخير.


لطفية الدليمي: سيدة الحرية

نرمين المفتي – كاتبة ورئيسة تحرير مجلة الشبكة العراقية

كنت أتابع كتابات النساء العراقيات باهتمام، فجذبتني سريعًا كتابات لطفية الدليمي. رحت -بصفتي صحفية- أبحث عنها حتى التقيت بها في أحد مهرجانات المربد، في نهاية الثمانينيات. وفي عام 1991م قررنا أن نؤسس «منتدى المرأة الثقافي». كانت الأجواء في ذلك الوقت أشبه بأجواء النكسة في مصر، عام 1967م، تدعو إلى اليأس من كل شيء، لكننا قررنا أنه لا داعي لليأس. تجمعنا معًا، نحو 35 امرأة من مجالات ثقافية مختلفة، من بينهن كاتبات وصحفيات ومغنيات وباحثات وناقدات، قررنا تأسيس المنتدى على أمل أنه لا يأس مهما كانت الخسارات.

وقتها أجريت حوارًا مهمًّا (للأسف لا أملك منه نسخة الآن، ففي عام 2003م أُحرقت الصحف ومقارها). كان حوارًا رائعًا بين شخصيتين نسائيتين هما الكاتبة والمترجمة الراحلة ناصرة سعدون، والكاتبة والمترجمة لطفية الدليمي. وقتها كنا قد بدأنا نتخلى عن اليأس، ورأينا أن يكون الكاتب هو هوراشيوس (من أعظم شعراء الرومان في القرن الأول الميلادي) الذي يقول الحقيقة فيما يعبر.

جروح في شجرة النخيل

في عام 2006م، وبمبادرة من الصليب الأحمر العراقي، أصدرنا كتاب «جروح في شجرة النخيل». صدر الكتاب عن دار رياض الريس، تحت إشراف الأستاذ نادر الدوماني، وضم عددًا من الشهادات لكتاب وإعلاميين ورسامين عراقيين مقيمين في العراق، كان من بينهم أحمد خلف وحسن العاني وأحمد سعداوي وسلوى زكو وأسماء محمد مصطفى وإرادة الجبوري ونرمين المفتي. وكانت شهادة لطفية الدليمي من أجمل الشهادات، وقد قدم للكتاب الروائي اللبناني الشهير أمين معلوف، بمقدمة حملت عنوان «شهادات من عراقيين ما يزالون في العراق».

وفي عام 2004م أسست لطفية مركز «شبعاد» لدراسات حرية المرأة، وفي عام 2005م رأست تحرير مجلة «هلا» النسائية، التي صدر منها أربعة أعداد فقط، قبل أن تتوقف عام 2006م. بعدها سافرت لطفية إلى فرنسا، ثم قبرص، ثم عادت لتستقر في عمان.

في مقالي «فنجان محبة» أسميت لطفية سيدة الحرية، وقلت: إنني لا أتذكر متى قرأت لها أول مرة، فقد كان ذلك قبل أن أتعرف عليها بسنوات، ولا أدعي أنني قرأت كل منجزها سواء بالتأليف أو الترجمة أو دراساتها، لكنها كاتبة تعرف كيف تجعل اللغة الصعبة طوع يديها، وتخرج لنا روايات نتفاعل مع شخصياتها وكأننا نتحاور معها، وبخاصة شخصياتها النسائية. ففي كل واحدة منهن شيء منها ومني ومن أية امرأة عراقية. أما ترجماتها فأهميتها توازي أهمية رواياتها وقصصها؛ لأنها دقيقة في اختيار العناوين، مهما كانت صعبة. ولطفية ليست كاتبة ومترجمة وباحثة من طراز خاص، هي أيضًا امرأة من طراز خاص، فهي سيدة بيت رائعة، تعرف كيف تفرح بضيوفها، وتسقيهم شاي الياسمين. وهي سيدة متصالحة مع نفسها، تعرف كيف ترد على من يناقضها أو يرفضها. امرأة تعشق الحرية وتحترم الآخر وتتقبله، لذلك أطلقت عليها لقب «سيدة الحرية»؛ لأنها من المدافعات عن الحرية بشكلها الصحيح، وبالأخص حرية المرأة في الاختيار.


أيقونة عراقية نادرة

عبد الأمير المجر – قاص وصحفي عراقي

لم تكن لطفية الدليمي أديبة فقط، كانت مثقفة من الطراز الرفيع، وهو أمر يكاد يكون نادرًا في أوساطنا الأدبية العربية عامة، والعراق خاصة؛ إذ تجد كثيرين من أصحاب المواهب في الشعر والسرد، لكنهم لا يتمتعون بثقافة عالية، بحكم انغماسهم في عالم الأدب وغوصهم في جمالياته. وهناك قلّة من المبدعين ممن يتمتعون بثقافة رصينة، لسعة اطلاعهم وانفتاحهم المستمر على النتاج الثقافي والفكري العالمي. وهؤلاء تجد أعمالهم مثقلة بالرؤى والأسئلة العميقة. ولطفية الدليمي تنتمي لهذا النوع من المبدعين المثقفين، فهي إضافة إلى اهتمامها الأدبي، الذي بدأته في عام 1970م بمجموعتها القصصية الأولى «ممر إلى أحزان الرجال»، ظلت متدفقة؛ إذ أصدرت العديد من الأعمال القصصية والروائية، وكذلك كتبت في المسرح. ولم يتوقف نشاط هذه المرأة التي بدأت حياتها مدرّسة للغة العربية؛ فكانت رصانتها في لغتها الأم مدخلًا لرصانة مماثلة في الترجمة، حيث ترجمت إلى العربية كثيرًا من الأعمال الأدبية والفكرية العالمية التي يصعب حصرها في هذه السطور.

سيدات زحل

في روايتها «سيدات زحل»، التي عرضت فيها لمظلومية المرأة العراقية، تناولت ما حصل للعراق من حروب وكوارث، تلمّستها بطريقة تنم عن سعة اطلاع وحساسية عالية، إضافة إلى مقدرتها على السرد الرشيق والمتلاحق. كنت وأنا أقرأ هذه الرواية، أتساءل مع نفسي: كم قرأت لطفية الدليمي، وكم دونت من ذكريات ومواقف قبل أن تبدأ رحلتها الكتابية؟ أو كم بلغ حجم قراءاتها قبل أن تكتب هذه الرواية؟!

فهي لم تكتب فقط عن بغداد، التي عاشت أهوال الحروب منذ أكثر من ثلاثة عقود، بل كتبت عن بغداد التاريخ القديم والحديث، ورموزها الثقافية المختلفة، وعن محنها الكثيرة والأهوال التي شهدتها على مرّ التاريخ. «يرى الشيخ قيدار أن بغداد تديم حياتها من بين نار ومذبحة وطاعون حتى يختم هولاكو عمرانها ببرج من جماجم، ويقيم تيمورلنك مئذنة من رؤوس أهلها، ويطلب من كل مغولي أن يأتي بعشرة رؤوس لرجال بغداديين، ولما لم يعثروا على المزيد من الذكور فقد عمدوا إلى جزّ رؤوس النساء وجعلوا رؤوسهن في عداد رؤوس الرجال!».

فهي تستعير، حكاية الطالع السيئ لكوكب زحل، وتسقط عليه ما حصل لبغداد، أو ما حصل لسيداتها اللواتي يتوزعن أحداث الرواية: «كان طالع بغداد يشتبك أمامي بطالع فتنة، وأنا أبصر في سماء المدينة ذلك الكوكب الرهيب الأزرق، وأشفق من النظرة الثانية إليه، لا أريد أن أصدق ظهوره في طالع المدينة، فذلك يحملني من الهم ما لا طاقة لي به، وأنا جاوزت الستين من عمر العناء».

لقد تجاوزت لطفية الدليمي مسألة الاهتمام بالمرأة، وإن حضر هذا في بعض نتاجها الأدبي، كونها باتت مثقفة كبيرة تحمل همًّا إنسانيًّا شاملًا.

المنشورات ذات الصلة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *