مهيب البرغوثي يكتب كما يمشي العابر في مدينة يعرف أنها ستتغير، فيحاول أن يحفظ ملامحها بالكلمات. قصيدته ليست صرخة، بل نداء خافت، يزداد وضوحًا كلما أعدنا الإصغاء إليه. إنه شاعر التفاصيل التي تصير وطنًا، وشاعر الأسئلة التي لا تبحث عن إجابة بقدر ما تبحث عن معنى الاستمرار. بهذا المعنى، يمكن النظر إلى تجربته بوصفها محاولة دائمة لإنقاذ الإنسان من قسوته اليومية، وإعادة الاعتبار للحساسية الشعرية في زمنٍ يزداد خشونة؛ لذلك يبقى شعره شاهدًا على قدرة اللغة، حين تكون صادقة، على أن تحوّل الألم إلى جمال، والذاكرة إلى شكلٍ آخر من البقاء.
أعرف مهيبًا منذ سنوات طويلة، جاء الى رام الله مع عائدي أوسلو، جاء كعاصفة، لم يكن يعرفه أحد، خلال ستة أشهر كانت رام الله كلها صديقته؛ فئرانها ومكتباتها وشوارعها ورهبانها وبائعو خضارها ومتشردوها وشعرائها الرديئون وغير الرديئين، مقاهيها، نساؤها البشعات الكبيرات في السن، ووزراؤها وتجار التبغ فيها، ويساريُّوها ومؤذنو مساجدها، وطالبات مدارسها اللواتي يعشن على حد انفجار حسي، منذ أول يوم، شتم مدخل المدينة، وشكك في أهلية مهندس شارع ركب، ثم دخل مطعمًا وصفع صاحبه على قفاه صائحًا به: ماذا تفعل الفئران في مطبخك يا جرذ؟ وفي حادث غريب تعرض مهيب لضرب عنيف من قوى الأمن الفلسطينية.
كان البرغوثي يحتفل بأول يوم له في بلاده، كان فقط يمشي بعد منتصف الليل وحده، يغني بصمت وينظر إلى نوافذ البيوت، ولما كانت بشرته شديدة الشُّقْرة ورأسه صلعاء يشبه صلعات يهود تكساس، أوقفته دورية شرطة فلسطينية، حدث جدل كبير حول الهوية ومن أنت وماذا تفعل هنا، لم يجب مهيب، ولم يتكلم، واصل الغناء، ظنه جنود الدورية مستوطنًا، أمسكوه مما تبقى من شعر رأسه، جرّوه إلى الدورية وهو يغني، فقط في المخفر عرفوا أنه فلسطيني عائد، مشكلته فقط أنه يتعرف إلى ليل بلاده.
اعتذروا له، عزموه على قهوة، شربها وهو يغني. أثناء خروجه من المخفر وجد شرطيًّا يجرُّ شابًّا ممزق الملابس، كان الشاب يصرخ متوجعًا، اقترب منه مهيب، شده من أذنه وانفجر في وجهه: ويلك! يا أهبل غنِّ.. غنِّ، الغناء هو الحل.
لم يكن لمهيب مهنة، سوى التجوال وركل أبواب نصوص الآخرين البلاستيكية كما سماها، والتعرف إلى معالم بلاده، وكسر نوافذ الشعر الكلاسيكي المنافق والمفبرك، واقتحام مكتبات رام الله وسرقة (على مرأى من صاحب المكتبة) ما لذ من شعر، وما طاب من فلسفة.
بوكوفسكي رام الله
صار مهيب إذن شاعر رام الله الغريب، كثيرون أطلقوا عليه اسم بوكوفسكي رام الله، تدفق حوله الشبان الذين ضجروا من الجملة المملة، لم يرحب بهم مهيب وصرخ في وجوههم: ابتعدوا، لا أُومِنُ بالتلمذة ، لست أستاذًا، أنا رجل بجوارب مثقوبة.
كان مثقفًا كبيرًا ودودة كتب، كان يعيش في الكتب، ومعها وحولها. من الصعب رؤية مهيب دون كتاب، أو الحديث معه عن موضوع غير مواضيع الأدب، ومن السهولة جدًّا أن يصبح مهيب صديقًا لشخص يحب الكتب. بدأ مهيب ينشر هنا وهناك، شعرًا غريبًا منفصلًا عن السياق كله، فاجأ مهيب الشعرية الفلسطينية، بلغة مختلفة شتّامة، فضّاحة، وقحة ومجنونة وبلا عقل، ولا تعترف بتراث لغوي سابق أو بنية إيقاعية.
كان «عتم» أول كتب مهيب الشعرية، كان معتمًا إلى حد الضوء المنفجر، تحلق حول تجربته العشرات من عطشى التجديد. أهدى مهيب ديوانه إلى جواربه، وكان هذا الإهداء فاتحة أو عنوان مشروعه الشعري التدميري المتكئ على الهامشي والمقصي والمعتم والشريد من الأشياء والعالم، وتوالت دواوينه، تتطور بالأدوات لكنها ثابتة في الإحساس والعزلة والبوح الكاسح.

كتابة داخلية
تندرج تجربة مهيب عامةً في كتبه كافة، ضمن سياق الشعر الفلسطيني الحديث الذي انتقل من مركزية الخطاب الجمعي المباشر إلى مساءلة الذات الفردية بوصفها مدخلًا لفهم الجماعة. فقصيدته لا تنشغل بتسجيل الحدث بقدر ما تنشغل بأثره النفسي والوجودي في الإنسان، وهو الأمر الذي يجعل نصوصه أقرب إلى كتابة داخلية تستنطق الذاكرة والقلق والأسئلة المفتوحة أكثر مما تقدّم أجوبة جاهزة.
تقوم البنية الشعرية في كتابه «طلقة في الاسم» الصادر حديثًا عن منشورات المتوسط على اقتصاد لغوي واضح، حيث تميل الجملة إلى البساطة الظاهرة التي تخفي تحتها توترًا دلاليًّا عميقًا. وهذه السمة تضعه ضمن تيار شعري يراهن على الإيحاء بدل التصريح، وعلى الصورة الهادئة بدل المشهد الصاخب. فالمكان في شعره ليس مجرد خلفية، بل كائن حيّ يشارك الشاعر تجربته، ويتحوّل إلى وسيط بين الخاص والعام، بين الذاكرة الفردية
والذاكرة الجمعية.
جاء هذا الديوان في مئة صفحة من القطع المتوسط، وكتب على غلافه الأخير مقطعًا من قصيدة تناولت الحرب على غزة يقول فيها:
«لولا هذه الحرب اللعينة/ لكان هناك الكثير من الأطفال/ يلعبون تحت نافذتي».
يضمّ الديوان قصائد تنتمي إلى ما قبل اندلاع الحرب وإلى الحرب، يشي بأن الشاعر الفلسطيني مهما أحس بالاطمئنان فإن معادلة «الجمال والواجب» لن تنأى عن لغته ومجازاته.
يقول الناقد سمير اليوسف «في القصائد السابقة للبرغوثي هناك ما يشي وكأن الشاعر كان يتوقع الانفجار الكبير والدمار الشامل في أية لحظة، حتى وهو في المقهى يتأمّل الفراغ خلف دخان الأركيلة».
في قصيدة حملت عنوان «من أين تأتي القصيدة؟» نجد كل الإجابات أسئلة:
«من الدم؟ من الألم؟ أم من تلك الزاوية في ذاكرة المنزل؟»
تلك الزاوية هي المكان الذي يدل على الزمن الذي أحسسنا فيه، وإن بشكل مؤقت، بالاطمئنان، قبل أن يحصل انفجار يحطّم أي إحساس زائف بالأمان.
أما في قصيدة «خيال الوقت» فيبدو الشاعر وكأنه يصور الخيال ككاميرا مراقبة مثيرة للفضول، لكن حينما نصل إلى السطر الأخير ندرك أن للخيال مهمّة أخرى مثيرة للرعب:
«الخيال يصعد الجبل مع الغروب/ يراقب من طرف عينه اليسرى/ يرى الجميع/
يعتاش على ظل الحجارة في الوادي/ وينام في صدى الصوت/ وفي آخر الليل نسمع صوته وكأنه قطار/ قادم وفي صوته بكاء الأطفال».
ثيمات الغربة والانتماء
من الناحية الموضوعية، تتكرر في نصوص كتابه الأخير «طلقة في الاسم» ثيمات الغربة والانتماء والبحث عن المعنى، لكنها لا تُطرح بصيغة شعاراتية، بل من خلال تفاصيل يومية صغيرة: بيت، طريق، وجه عابر، أو لحظة انتظار. من خلال هذه التفاصيل ينجح الشاعر في تحويل التجربة الشخصية إلى أفق إنساني أوسع، وهو ما يمنح قصيدته قابلية للتلقي خارج الإطار المحلي الضيق.
أما على المستوى الفني، فتتسم قصائده بنزوع تأملي واضح، حيث يتراجع الإيقاع الخارجي لصالح إيقاع داخلي قائم على تتابع الصور وتنامي الفكرة. وتبدو القصيدة عنده أقرب إلى حركة شعورية متدرجة، تبدأ من مشهد بسيط وتنتهي بسؤال مفتوح، وهو ما يترك القارئ في حالة مشاركة تأويلية لا مُتلقٍّ سلبيّ.
وقد لاحظ النقاد أن أهمية تجربة البرغوثي تكمن في حفاظها على توازن دقيق بين الحس الإنساني والهمّ الوطني؛ فالوطن حاضر في نصوصه بوصفه إحساسًا دائمًا بالفقد والبحث، لا بوصفه موضوعًا خطابيًّا. وهذا ما يقرّب شعره من التجارب التي ترى في الشعر مساحة لإنقاذ الإنسان من قسوة الواقع، لا مجرد وسيلة للاحتجاج عليه.
كما يُحسب له ابتعاده من الاستعراض اللغوي، واعتماده على نبرة هادئة تمنح النص صدقيته. فقصيدته لا تسعى إلى الإدهاش السريع، بل إلى التراكم الشعوري الذي يتكشف مع إعادة القراءة، وهو ما يجعل أثرها ممتدًّا في ذاكرة القارئ.
يقول الناقد شاكر فريد حسن «إن القارئ لأشعار وقصائد مهيب البرغوثي لا يستشف أي ملامح أو نزعات تضعها في سماء الشعر الفلسطيني، فهو لا يصور بيارات البرتقال أو حقول الزيتون أو أزقة المخيم، كما هو الحال في قصائد شعراء الوطن الفلسطيني، في إبراز هذه الصور، فهمّه بالأساس هو همّ جماعي إنساني عام، وانحياز للمهمشين والفقراء وأبناء الأرصفة والشوارع وبسطاء الشعب والناس. وكثيرًا ما يلعن ويلفظ التعصب الديني ويمقت التيارات الدينية المتشددة المتعصبة، وكل المظاهر الفاشية الخانقة لحياة الجماهير الشعبية المسحوقة. إنه يمتاز بنزعته وروحه الإنسانية وذاته المعذبة المسكونة بالهموم العامة».
ويقول عنه الشاعر زهير أبو شايب: «مهيب البرغوثي لا يكتب بوصفه شاعرًا ذا سلطة، بل بوصفه ذلك المخلوق البدائي الضالّ الذي يجوس في ليله الشخصيّ ويدخل إلى العبارة على هيئة الزوبعة، مسببًا الفوضى في اللغة والوجدان، ومحملًا بالغبار والعواء والشتائم والروائح البرية.
في المحصلة، يمكن النظر إلى تجربة مهيب البرغوثي بوصفها محاولة لكتابة قصيدة تنحاز للإنسان أولًا، وتعيد الاعتبار للتفاصيل الصغيرة بوصفها حاملة للمعنى الكبير. إنها تجربة تتقدم ببطء وثقة، وتؤسس لصوت شعري يفضّل العمق على الصخب، والتأمل على اليقين، وهو ما يمنحها حضورًا خاصًّا داخل المشهد الشعري الفلسطيني المعاصر.
بهذا المعنى، يمكن النظر إلى تجربته، وبخاصة في ديوانه الأخير، بوصفها محاولة دائمة لإنقاذ الإنسان من قسوته اليومية، وإعادة الاعتبار للحساسية الشعرية في زمنٍ يزداد خشونة؛ لذلك يبقى شعره شاهدًا على قدرة اللغة، حين تكون صادقة، على أن تحوّل الألم إلى جمال، والذاكرة إلى شكلٍ آخر من البقاء.
0 تعليق