الكتابة صِنْو الذاكرة
في روايته الجديدة «الكهل الذي نسي» الصادرة عن دار نوفل – هاشيت أنطوان، ببيروت (2026م)، ينطلق سمير قسيمي من سؤال إشكالي مركّب: «هل النسيان حقًّا ضياع؟ أم إنه المساحة البيضاء الضرورية لنعيد رسم ملامحنا بعيدًا عن ضجيج التاريخ الرسمي؟» وهو ما يحيلنا منذ البداية إلى أسئلة النسيان والذاكرة، الهوية والاغتراب، والحقيقة التاريخية في مقابل الوجع الإنساني المقيم.
هذا ما كتبه أيضًا الناشر على صفحة غلاف الكتاب: في هذا العمل الذي تدور أحداثه في الجزائر العاصمة، ينسج سمير قسيمي سردًا دائريًّا محكمًا، تتوالد فيه ثلاث روايات داخل رواية واحدة: حكاية مريض نفسي يطارد اسمه الضائع بين هويّات فُرضت عليه، وحكاية «دائرة الكتّاب المجهولين» حيث يواجه البطل الفشل في طقسٍ غرائبي يشبه الاعتراف؛ لتفتح الاثنتان الباب أمام رواية ثالثة، أعمق وأكثر خطورة، عن تاريخٍ مطموس يُستعاد عبر عمارة مسكونة، وأبٍ مختفٍ، وأسماءٍ شُطبت عمدًا من الذاكرة الرسميّة، من أحداث أكتوبر 1988م مرورًا بالعشريّة السوداء وصولًا إلى الحاضر.
يتكئ قسيمي في كتابة روايته الجديدة على أدواتٍ سردية طوَّرها على مدار ما يقارب عقدين من الزمن، ليفرد على مدى 296 صفحة بناءً روائيًّا متعدّد المستويات، يمزج بين التحليل النفسي والاستقصاء التاريخي والتخييل الذاتي أو المحاكاة الذاتية، التي يتداخل فيها اسم السارد مع اسم الكاتب الحقيقي، في مزيجٍ بين الواقع والخيال، ولا سيما حين يدعم الروائي هذا المنحى بتقنية الميتاسرد، وهو ما يجعل النصَّ واعيًّا بذاته، كاسرًا الجدار الرابع بين الواقعي والخيالي في لعبة سردية تُشرك القارئ في هواجس الكتابة، وأسرارها الخفية والغامضة.
ففي مصحّةٍ غامضة يبحثُ مريضٌ نفسيٌّ عن ذاته، عن اسمه، وعن ذاكرته المفقودة، تحت إشراف طبيب عسكري وبمتابعة سلطةٍ غير مرئية يمثلها العقيد الذي ترسلُ إليه تقارير الطبيب تباعًا، ولتأتي الأوامر على شكلِ جملٍ قصيرة: «اكتُبْ حتى تتذكّر»، فالكتابةُ هنا صِنْو الذاكرة، هي أشبه بالاعتراف بالحقائق المخفية، هي الخريطة الوحيدة التي تُنجي صاحبها من الضياع، وسط هويات مفروضة عليه، وسلطة بأذرع كثيرة سالبةٍ لكل فعلٍ حرّ، تتحكّم في المصاير وترسمُ بنفسها النهايات. وفي هذا الجزء من الرواية ينجح قسيمي في استدراجنا لنتعاطف مع بطله التائه المنفصم، ونمضي معه في رحلةٍ بحثٍ ذاتية لا تكاد تجدُ إجابة حتى تصطدم بسؤالٍ جديد.
دائرة الكتّاب المجهولين
«هذه الرواية هي رحلتي في دائرة مغلقة، حيث الكلمات هي السلاح الوحيد ضد المحو، وحيث يتشارك الجميع عبء الحقيقة المنسيّة»، هكذا وصفَ سمير قسيمي تجربته الأدبية الجديدة، ففي الرواية التي أهداها لكل من ضلّ الطريق ليجد نفسه، مسارات سردية مكثفة، تدور وتلتقي مشكّلةً دائرة تتابعُ فيها الأحداث والذكريات والهواجس، تتسع وتضيق وتستحيل أحيانًا مجرّد نقطة. لا يمكن الإمساك بخيطٍ منها دون أن يكون متصلًا بما سبقه، فالشخصيات الطيفية التي تظهرُ، ثمَّ تغيب، ثم تعاود الظهور مرّة أخرى، ما هي إلا رحلة البطل الشاقة في إكمال القطع الناقصة من لوحةٍ فسيفسائية صادقة عن جزائر لا يعرفها الكثيرون.
في «الكتاب الأول: دائرة الكتّاب المجهولين» التي انتسب إليها مجبرًا ربّما، الكهلُ الذي نسي؛ عليه أولًا الاعتراف بأنه كاتب فاشل؛ بسببِ إدمانه الرضى عن أعماله الروائية التسعة التي أنجزها ولم تُحقق شيئًا يذكر، في مقابل تطلّعه لكتابةِ عملٍ حقيقي ينقلُ الشكَّ والتحرُّر إلى القانعين الآخرين بكتاباتهم الهشّة. وهنا تتقاطع مصاير شخصياتٍ غامضة أخرى، تنتقلُ من حالتها الواقعية لتكون كائنات حبرية والعكس، ومن مرآة إلى أخرى تتعدد الأطياف المهمّشة، التي تفتقد لمن يكتب عنها، وعن حقيقتها، دون تزييفٍ ولا محاباة. لتأتي هذه الدائرة كما وصفها المسؤول عنها كـ: «ثورة صامتة على هذا النسيان المتعمّد، سعي حثيث لاستعادة أصواتِ نصوصٍ أُجبِرتْ على الصمت، على الموتِ قبلَ الولادة».
في جزء «بين الكتابين: خلفة الأقنعة» يكتشف البطل، الذي اسمه «سمير» عدد الأقنعة التي لَبِسَها أو أُلبِست له، وتعدّد الأصوات من حوله، فيعترف: «جميع من تراءى لي كائنات حبر اخترعتُها: سمير الآخر، المدير، خديجة، وحتى عبدالله طرشي نفسه… كلهم كانوا أنا. كلهم أقنعتي، جنودي، شياطيني، وملائكتي الحارسة في هذه الحرب الأهليّة التي تدور رحاها في عقلي». لكن هل هذه هي كلّ الحقيقة؟
عبء الحقيقة المنسية
يعود سمير قسيمي بالذاكرة الجزائرية إلى نهاية الثمانينيات من القرن الماضي وبداية التسعينيات والأحداث الدموية التي مرَّت بها البلاد وعانتْها فئات المجتمع الهشّة، بين العوز والخوف، بين الألم والموت. بتفاصيل لا تغفل تاريخًا ولا مكانًا، بين الريف والمدينة، في الشوارع والأزِقّة المعتمة، وخلف الجدران الخائفة، تتجلّى الأحداث في «الكتاب الثاني: عمارة الوِصْفان» بشكلِ لا يفقدها غموضها، حين يستعيد سمير طفولته مع أبيه وأمه وجدّه وصديقه يوسف الذي كان صريحًا معه: «العاصمة مريضة يا سمير، ألا تشعر؟».
وسمير لا يفعل شيئًا سوى أنه ينبش الذاكرة، منذ ابتلع دخانُ أحداث أكتوبر 1988م أباه، فيما ظلّ جدار عمارة الوِصْفان أخرسَ من الفقد. ويوسف الذي سيختفي هو الآخر يلحّ عليه: «يا سمير، هذا الجدار… مثل قلوبنا تمامًا، مليء بالحكايات المكسورة والندوب التي لا تندمل»، فكيف الهروب من واقع قبيح؟ هل التلاشي هو الحلّ أم الصمود؟ هنا يسرد قسيمي وباقتدارٍ قصصًا مؤلمة عن تلك الحقبة المفصلية في تاريخ الجزائر، منحازًا لذاكرة الناس وآلامهم.
فالحربُ لا تخترق الكهل وطفولته كاسرةً بابَ الذاكرة فحسب، إنما تستعيد مشاهدها الدموية بلا ضجيج، كأنها شاشة ملوّنة بلا صوتٍ، تسيلُ الدماء من كل زواياها بلا صراخ أو عويل. هكذا يستحيل الحبُّ وجهًا آخر من أوجه الحرب، حين يلتقي سمير الجامعي بخديجة؛ لتشتعل بينهما قصة حبٍّ وألمٍ وخيبة، قبل أن يفترقا بسببِ الأشباح التي تسكنه، وهو يبحث عن حقائق الماضي والتاريخ المغيّب.
الكهل الذي تذكّر أخيرًا
يستعيد الكهلُ وعيه وذاته في آخر الرواية: «في الخمسين من عمري وما زلتُ سجينَ بيتٍ قديمٍ في شارع طنجة، أرى العالم بعينَيْ طفلٍ في التاسعة، شاهدًا على سرٍّ يهمس به المكان بصمتٍ عتيق، جعلني أدرك أن الحياة فصل عابر في رواية». وهو يكتب لا بحثًا عن مجدٍ أدبيٍّ، ولا ليقدِّم إجابات نهائية، بل ليُقاوم الخواء الذي يهدد بابتلاع كل شيء. الكتابة هنا كما ينسجها سمير قسيمي بحرفيةٍ وحدسٍ إنساني عالٍ هي مقاومة ضدَّ النسيان الذي يمحو، النسيان الذي يطمس الوجوه والقصص والأسماء، كما أنها جرحُ طفولةٍ لا يندمل!
هنا تتسّق جملة خوزيه ساراماغو من كتاب «كل الأسماء» التي صدّر بها الكاتب روايته مع حالة الاستلاب في النصّ: «أنتَ تعرف الاسم الذي أطلقوه عليك، لكنّك لا تعرف الاسم الذي هو لك». ويتضح أكثر الإهداء الذي خصّ به قسيمي الطفل الذي كانَهُ متسائلًا: أما زلت تكتبُ قصّتي؟
0 تعليق