لا تكتفي رواية «أصل الأنواع»، لأحمد عبداللطيف (منشورات حياة – 2025م) باستعارة عنوان داروين؛ بل تُجادله من الداخل وتفككه؛ إذ تُبرهن الرؤية السردية فيها أن التطور الإنساني لا يسير نحو كائن أسمى وأقدر، بل نحو كيان أعزل منتقَص تتآكل فيه كل سمات «الإنسانية» التقليدية: الجسد، واللغة، والعاطفة، والذاكرة، والإرادة. وفي هذا المسار، يغدو السؤال الجوهري للرواية ليس «من أين جئنا؟» بل «إلى أي نوع نتحوّل؟» والجواب الذي يمكن أن نفهمه من مسارات السرد أننا نسير باتجاه «ما بعد الإنسان»، باتجاه كيان في طريقه لفقد الشرط الإنساني، من دون ضوضاء، من دون احتجاج، من دون أن يبكي أحد على ما ضاع. فالمهندس الذي يفقد شعره، ربما يتساوى مع بائع الفاكهة الذي كان يومًا لصًّا وتساقطت أصابعه دون أن يدري هل سُرقت منه خلسة أم اقتُلِعَت دون حرج أو دم يسيل أو ندوب تتبقى، ويتساوى الاثنان مع لاعب الكرة الشهير الذي فقد أصابع قدميه. جميعهم تقبلوا التغير الجديد غير المنطقي وغير الإنساني، بل تعايشوا معه في صمت.
تساقط الجسد: فقدان الشرط البيولوجي
في الفضاء الروائي لـ«أصل الأنواع»، يبدأ فقدان الإنسانية بفقدان الجسد لأجزائه. أصابع بتشان تختفي دون أثر، من دون دم، من دون جرح. هذا الفقدان لا يُحيل على الحادث العرضي، بل على انسلاخ تدريجي وصامت من أدوات التفاعل مع العالم. فالأصابع في سيميولوجيا الرواية هي مركز التلقي والعطاء والحرفة والكتابة والإمساك، أي مركز الوجود الإنساني الفاعل. حين تتبخر بلا تفسير، يغدو الجسد جسدًا بلا تشابك مع الواقع؛ كيانًا يحتل الفضاء دون أن يُعيّنه: «حين همّ بتشان بمد يده لتعبئة البرتقال في كيس اكتشف أن أصابع يده اليمنى اختفت وأن يده ليست إلا كفًّا مسطحة فحسب ارتعبت السيدة ورجعت بظهرها للوراء» (ص27).
والأخطر من ذلك أن الرواية تكشف كيف يتفشى هذا الفقدان ليصير ظاهرةً، وكأن الأصابع صارت تتآكل بشكل جماعي، وهو ما يحيل إلى انتفاء الشرط الإنساني. فكل شيء سوف ينهار تدريجيًّا، ما يعني محو الشرط الجسدي من استحالة العمل الإنساني في العالم. فيحيى الحافي لاعب الكرة الشهير، وفي لحظة تحقق وإنجاز بعد أن سجّل هدفًا للفريق، كان الجمهور يهتف باسمه، وفجأة شعر بتخاذل وسقط على ركبتيه، فحضر له مدرب الفريق ليتكشف الأمر: «لقد اختفت أصابع قدميه بالفعل، وغدت قدماه مسطحتين من دون أثر سابق لأصابع ومن دون أثر لبتر ومن دون دم، فكانت كل قدم مغلقة كأنها خُلقت هكذا منذ البداية» (ص43).
أما رام، فيكتشف أن شعر جسده تساقط، في مشهد مركزي تتعدد قراءاته، وتحيل إلى كثير من الدلالات التي تصب جميعها في فقد الشرط الإنساني. وفي المشهد ذاته، يوازي بين جسده الذي يتداعى والمدينة التي يسعون لهدمها، حتى مقابرها الأثرية. فتساقط الشعر هنا لا يُحيل على الشيخوخة أو المرض، بل على محو الطبقة الخارجية التي تُنبت الهوية وتمنح الجسد تمييزه وأثره الحسي في العالم. والرواية تُصرّح بذلك مباشرة. أي أن انسلاخ الجلد من تفاصيله ليس انسلاخًا بيولوجيًّا فحسب، بل هو انسلاخ لغوي: الكائن الذي لا يتقن لغة جسده، لا يتقن لغة حضوره في العالم.
الاكتشاف الصاعق، الذي يفجّر إحدى المفاصل السردية الكبرى، هو اكتشاف ناريمان وباتشان أن عضوَ الرغبة الجنسية قد فقد حياته الداخلية. لم يعد ضامرًا بمعنى الفقدان العارض، بل تحوّل إلى شيء آخر تمامًا، لا ينتمي إلى دائرة الحيّ. هذا المشهد هو ربما الأكثر جرأةً في الرواية؛ لأنه يُحيل مباشرةً إلى انتفاء الشرط التكاثري، أحد تعريفات الحياة البيولوجية وجوهر نظرية داروين في الانتخاب الطبيعي. الكائن الذي لا يستطيع التكاثر هو، وفق المنطق الدارويني، كائنٌ خارج دورة الحياة، «نوعٌ» في طريقه إلى الانقراض.
ما بعد الإنسان الصامت
يُعدّ فقدان اللغة ثيمةً متوازيةً مع فقدان الجسد في الرواية، وكلاهما وجه لعملة واحدة هي انمحاء الحضور الإنساني. رام يشاهد مشهدًا تلفزيونيًّا تتحرك شفاه من يتحدثون فيه دون صوت، أجسادهم تتكلم بأصابع مبتورة، دون جمل. وقد صارت هذه اللغة الموصوفة كـ«بيت تهدم حجرًا حجرًا حتى يغدو مجهولًا». يقدم أحمد عبداللطيف تعريفًا ضمنيًّا لكل شخصيات الرواية: كل منهم يفقد تدريجيًّا قدرته على القول والمشاركة والتأثير في الآخر.
يلجأ رام إلى جدران غرفته البيضاء، يرسم عليها خرائط مدينةٍ خيالية، منغلقًا في وحدته، بعد أن فقد القدرة على ترجمة تصوراته إلى لغةٍ منطوقة. لم يعد الكلام وسيطًا ممكنًا بين الداخل والعالم، فاستحال الرسم بديلًا هشًّا للقول. أمّا بتشان، الذي طالما احترف الإقناع وتلاعب بالآخرين، عبر بلاغة «الكلام الحلو»، فينتهي إلى عجزٍ شبه كامل؛ لا يملك ما يمكنه حتى من الإشارة إلى ما يريد، كأن الجسد ذاته يتمرّد على وظيفته التواصلية. وفي المقابل، يكتشف الدكتور إدوار، الذي شيد سمعته على «الكلام الطيب» والوصفات الشفهية، أن ما كان يمارسه لم يكن طبًّا بقدر ما كان نوعًا من سحر اللغة؛ وحين ينطفئ هذا السحر، تتداعى هويته وتفقد مهنتُه معناها.
معظم شخصيات الرواية تفتقد أو تغيب عنها اللغة التي هي معادل وجود الإنسان: «من بين أشياء عديدة لاحظها يحيى الحافي مع اختفاء أصابع قدميه ومن بعدها أصابع يديه عجزه عن التعبير عن نفسه بشكل كاف، كأن اللغة بحروفها وكلماتها بدأت تتلاشى من ذاكرته شيئًا فشيئًا، لكنه ليس لهذا النوع من الخرس أو إطباق الفم إنما البحث الكثير عن عبارة تقول ما في ذهنه وما يملؤه من توتر. لقد لاحظ ذلك بقوة حين قرر أن يرصّ لـ«ليلى» أسبابه الواضحة لفسخ الخطوبة، وهي ليست فَقْد الأصابع والقضاء على مستقبله فحسب، بل شعوره العارم والعميق بالدونية» (ص159).
في خواتيم الرواية، يتبدّى المشهد أكثر قتامة: يتوقف الناس تدريجيًّا عن الكلام في الشوارع، لا بوصفه عجزًا فرديًّا فحسب، بل هو تحول جمعي شامل. تنشأ طبيعة جديدة قوامها الصمت المحكم والحركة الآلية، حيث يُعاد تعريف الكائن البشري خارج شروطه التواصلية والعاطفية. هكذا لا يصبح الصمت مجرد غياب للصوت، بل علامة على انزلاق الإنسان نحو طورٍ ما بعد إنساني، يتجرد فيه من لغته، ومن ثم من إنسانيته ذاتها.
بعد أن رصدت الرواية تآكل الشرط البيولوجي والرمزي والنفسي والوجودي، لا تتجه إلى اقتراح بديلٍ مكتمل المعالم أو يوتوبيا تقنية، بل تلمّح إلى تشكّل كيانٍ جديد يتأسس على التكيّف مع النقصان ذاته، واتخاذه طريقةً مغايرة للسكن في العالم. فــ«ما بعد الإنسانية» هنا لا يُبنى على فائض القوة، بل على اعتياد الفقد، وعلى إعادة تنظيم الوجود وفق شروطه المنهارة.
إعادة تدوير الإنسان
في المشهد الختامي، يسير الجميع -أحياءً وأمواتًا- في حشدٍ هائل، بلا وجهة واضحة، وبلا سؤال عن الغاية. هذا الحشد، في حركته الصامتة المستمرة، يجسد الكيان ما بعد الإنساني في صورته الجمعية: كيانٌ لا يعرف إلى أين يذهب، ولا لماذا يمشي، لكنه يمشي. إن الحركة المنفصلة عن الغاية تصبح هنا التعريف الأدق لما يولد من رحم انهيار الشرط الإنساني.
ولا تقف دلالة المشهد عند حدود العبث الحركي، بل تتجلى أيضًا في تلك اللامبالاة الجمعية إزاء اختلاط الأحياء بالأموات. فالمشهد، على فداحته، لا يُقابل بالدهشة أو الفزع، بل بنوعٍ من التكيّف البارد. هذه اللامبالاة لا تعني إنكار الواقع، بل تعني امتصاصه؛ أي أن الكائن الجديد قد فقد القدرة على الاندهاش، وهي القدرة التي كانت تؤسس وعيه وتمنحه معيار التمييز بين الطبيعي والعجيب.
وإذا كان الشرط الإنساني التقليدي يقوم على وعيٍ حادّ بثنائية الحياة والموت، فإن الرواية تعمل على تفكيك هذه الثنائية بصورة منهجية وجذرية. ففي الفصل الأخير، حيث يتشابك الأحياء والأموات في مشهدٍ كليّ، لا تعود الفروق قائمة على حدود الوجود أو العدم، بل تنزاح إلى مجرد اختلاف في «الجهة» أو الموقع. وهكذا، لا يعود الموت نقيضًا للحياة، بل امتدادًا باهتًا لها، وتغدو الإنسانية -كما عرفناها- حالةً منقضية، حلّ محلها كيانٌ هجين، متصالح مع انمحاء الفوارق، ومقيم في منطقةٍ رمادية بين الكينونة واللاكينونة.
الرواية تُقيم توازيًا منهجيًّا بين تطوّر المدينة وتطوّر الإنسان: كلاهما يهدم قديمه ليبني جديدًا، وكلاهما يُهجّر سكانه الأصليين إلى الهامش. المهندس مار يُدرك في نهاية مسيرته أن التطوير الحضري الذي كرّس له حياته كان لأن تحديث المدينة يعني في واقع الأمر محو الذاكرة الجمعية لسكانها، وتحويلهم إلى كائنات جديدة لا تعرف أحياءها القديمة. المدينة-الحداثة هي الأداة التي تُنتج الإنسان الـ«ما بعد إنساني» دون أن تُعلن ذلك.
تُكثّف هذه الصورة البيان الأخير الذي تُفصح عنه الرواية: الكيان «ما بعد الإنساني» لا يُدفن ولا يُحتفى به، بل يُعاد تدويره بوصفه مادةً خامًا لكيانٍ آخر. يتحول إلى وجودٍ وظيفي، صامت، يشبه الخشب الذي يُصنع منه الأثاث؛ نجلس عليه جميعًا دون أن يخطر لنا أننا نستند إلى بقايا حياةٍ انطفأت في موضعها، دون أن تمرّ بطقس أو ذاكرة.
وهنا تبلغ الرواية ذروة قسوتها التأويلية: فالإِنسانية لا تنتهي بانفجارٍ مدوٍّ، ولا بنداءٍ أخير، ولا حتى ببكاء. إنها تنسحب بهدوء، عبر صمتٍ كثيف، وتكيّفٍ بطيء، حتى يجد الإنسان نفسه وقد عبر إلى طورٍ آخر دون أن يلحظ لحظة العبور.
«أصل الأنواع» لأحمد عبداللطيف رواية تُفكّر في «ما بعد الإنسانية»، ليس من زاوية الخيال العلمي بالذكاء الاصطناعي والطفرات الجينية، بل من زاوية أعمق وأكثر خوفًا: الإنسانية تتآكل من الداخل، جزءًا جزءًا، بصمت المدينة وضجيجها في آنٍ. الأصابع، والشعر، والرغبة، والحزن، والدهشة، واللغة، كلٌّ منها يتساقط في مكانه دون أن يُحدث ضجّةً، دون أن يُغلق بابًا أو يفتحه. والكائن الذي يخرج من هذا التساقط ليس وحشًا ولا آلة، بل هو إنسانٌ ناقص يواصل حياته بكفاءة مدهشة، يتعلم مع اليد الجديدة، ويسكن مع الأشباح، ويمشي نحو قِبلة لا يعرفها، وربما هذا هو الأكثر رعبًا؛ أن ما بعد الإنسان لا يعرف أنه ما بعد إنسان.
0 تعليق