مهما حاولنا تعريف شكل العالم، فإننا بكل تأكيد نحاصره بصور نمطية؛ كفضاء شاسع ومدى لا ينتهي. لكن قد لا يخطر ببالنا أن الوجود بكل شُسُوعه قد يتكثف في أركان غرفة واحدة: «غرفة الأم»؛ وأنها وحدها ما يشكل أفقنا الشخصي الذي يتسع من خلاله المدى خارج جدرانها تلك. لكن، ماذا لو فقدنا ذاك العالم؟ كيف سيكون شكل المكان، وكيف يمكن أن ننظر مجددًا إلى الحياة؟ هل تتغير نظرتنا للأمور، أم إننا نعيد ترتيبها بحسب درجة الفقد؟
تجيب ليلى الجهني عن هذه التساؤلات في روايتها «غرفة الأم» (دار أثر)، التي تنطلق من ألم الفقد إلى تلك المشاعر التي يحدثها غياب من نحب؛ حيث لا تعود الغرفة مكانًا، بل مواجهة مع الوجع الذي قد لا يأتي بالصورة التي نألفها، فالحياة تفاجئنا دائمًا بمنطقها الخاص؛ إذ نكتشف أن لكل تصور مسبق هيئة أخرى قد تكون أشد قسوة مما تخيلناه.
حتى «زمن الفقد» يلعب دورًا جوهريًّا في تشكيل هويته النهائية في أذهاننا؛ تلك الصورة التي تمر بمراحل عدة لتصل إلى شكلها الأصيل. نعم، للفقد صور شتى؛ فالحزن الذي يسبقه استعداد نفسي ليس كذاك الذي يطرق الباب فجأة، فيسلبنا القدرة على البكاء الذي ينفجرُ دفعة واحدة ثم يهدأ، تاركًا خلفه أثرًا لا يمحى؛ وهو الأثر الذي تشكل الكاتبة ملامحه انطلاقًا من المكان، حيث يتوقف الفقد عن كونه غيابًا؛ ليصبح حاضرًا في كل شيء.
تقول الكاتبة على لسان الراوية: «كان ترتيب غادة الثانية بين إخوتها، فحدث ما حدث وصارت الكبرى». هذا التحول لم يكن عابرًا، بل صار قدرًا رتب على غادة مسؤوليات لم تكن تتوقعها يومًا. وتسترسل الرواية: «كانت تمضي مع تيار الحياة السلس، فوجدت نفسها فجأة في وسط دوامة كادت أن تبتلع كل شيء. كانت تأمل مثل كل مراهقة في أيامها المقبلات؛ فغدت تخاف وتقلق من كل ما هو آت، ولم يعد يخيفها شيء بقدر ما صار يخيفها أن يكون الموت كامنًا فيما هو آت».
نقرأ في نص الجهني عن وجوه الفقد جميعها؛ تلك التي لم تبتدئ فصولها برحيل الأم، بل بموت زياد؛ الشقيق الذي علّم رحيله في أفراد عائلته. ومن هنا، منحت ليلى الجهني صوت الرواية لغادة، بوصفها الشاهدة على انقلاب حال عائلتها. وعن صدمتهم الأولى: «عندما فتحتِ درج التسريحة العلوي رأيتِ صورة لزياد موضوعة هناك. تناولتها وطفقتِ تتأملين وجهه الذي لم تمسسه الأعوام، وقد خطر لك أنك في كل مرة ترين فيها وجهه أو تتذكرينه ستفكرين في أنه قد مات مراهقًا، وأنه سيظل مراهقًا حتى ينفخ في الصور».
لم يكن رحيل زياد حدثًا عابرًا، بل هو ما رسم ملامح التصدّع في جدار العائلة؛ إذ غرقت الأم في حزنٍ لم تتخلص منه، إلا حين التحقت ببكرها، وانقلب حال الجميع؛ هجر الأب عائلته دون انفصال رسمي، بينما اختارت عالية السفر نافذةً للهروب. عن هذا التحول الموجع نقرأ في الرواية: «تغيرت عالية، أجل، ومن ذا الذي لا يغيره الموت؟ يبدو لك الأمر الآن وكأنما جعلها فقد زياد تفقد جزءًا من روحها المرحة، وتتوجس من كل تعلق، فجعلها ذلك تبدو شابة غامضة قليلًا، أو غير مفهومة؛ لأن كل شعور كانت تحس به، كان يعتمل في أعماقها، هناك في الغور البعيد الذي لا يصله أحد». لكن دور غادة لم يتوقف عند هذا الحد؛ إذ حلت بعد رحيل الأم محل «الجميع»؛ صارت هي الأم، وهي الأب الغائب الذي تخلى عن كل التزام تجاه عائلته. وهنا تحديدًا، نرى نموذجًا أقسى للفقد؛ فقد الأحياء، فقد الصورة الأنقى للحنان، وفقد السند حين تضيق بنا السبل.
شواهد حية ترفض الغياب
واجهت غادة كل أشكال الغياب التي امتدت لتصل إلى «هجران الذاكرة»؛ فصورة الأب لم تكن حاضرة بالهيئة المعتادة، بل بدت كنوع من التنصل، الذي اختاره الأب ليُخلي نفسه من أعباء المسؤولية؛ إذ إن فقدان الذاكرة شيء، وهجرانها شيءٌ آخر تمامًا. تصف الكاتبة هذا الخذلان: «تحبين أباك. أجل، لم تشعري يومًا بغير ذلك؛ لكن الحب العظيم لم يمنعك من لومه، منعك فقط من أن تصرخي به في وجهه. لقد بلعتِ لومك إياه؛ فنشب في حلقك كما تنشب شوكة سمكة كنت تأكلين منها بتلذذ؛ فتسلب منك سكينتك».
وفي المقابل بقيت محاصرة داخل غرفة أمها، تتلمّس المسافة الفاصلة بين الذاكرة والذكريات. إذ لم يكن إفراغ «غرفة الأم» بالنسبة لها مجرد إخلاء لمكان رحل أصحابه، بل كان مواجهة مع أشياء استمدت حياتها من ملمس يد أمها ورائحتها؛ فخزانة الثياب، وغطاء السرير، وعلبة المناديل المعطرة، وصورة زياد، حتى تلك التفاصيل الصغيرة المهملة، لم تكن مجرد هوامش، بل كانت شواهد حية ترفض الغياب. كانت تفرغ محتويات الأدراج ومعها تفكك ذاكرتها قطعةً قطعةً. تدرك وهي تواجه ذاكرتها أن الزمن يمكن أن يمر؛ لكن الأحداث قد لا تفعل الشيء ذاته، بل تبقى مثل برد ينخر العظم: «ها أنت أمام الذاكرة والذكريات، تقلبين طرفك في غرفة أمك، وتدركين أن الزمن يمكن أن يمر؛ لكن الأحداث قد لا تمر معه، بل تبقى كامنة تحت غطاء الأيام بانتظار أن ينكشف عنها؛ كي يتقد جمرها من جديد».
تفصل الكاتبة بين الذاكرة والذكريات انطلاقًا من المكان؛ بوصفه شاهدًا على ماضي أهله، وبخاصة غرفة الأم التي تجسد ذاكرة العائلة. ففي مثل هذه المساحات الضيقة، نختبر ما وصفه رولان بارت بعد رحيل أمه: «أحيانًا أرى ظلها في زاوية الغرفة، فأدرك أن ذاكرتي لم تمت». لكن، كيف سيكون حال هذا البيت حين يغادره أصحابه؟ هل يتجرد أيضًا من ذكرياته ليصبح متاحًا لاستقبال حياة جديدة، أم يظل مخلصًا لماضيه؟
تحيلني هذه التساؤلات إلى ما ذكره الكاتب الإسباني خافيير مارياس في إحدى رواياته: «كل شيء يحدث مرتين على الأقل، مرة في الواقع ومرة في الذاكرة، وفي الثانية يكون أكثر وضوحًا وألمًا»؛ وكأن مارياس يفسر لنا سر ذلك «الظل» الذي رآه بارت؛ فنحن لا نستعيد الماضي كما وقع، بل نعيد صياغته بصورة أكثر ألمًا. وهذا تمامًا ما فعلته غادة وهي تعيد ترتيب ذكريات أمها، حيث اصطدمت بحقائق مختلفة عما عاشته سابقًا؛ مؤكدة ما ذهب إليه الكاتب الأورغوايي كارلوس ليسكانو: «الأمكنة لا تتغير، نحن الذين نتغير»، ويبدو أننا نتغير بفعل الزمن، وبفعل الفقد أيضًا.
الهروب من الذاكرة
واجهت بطلة الرواية كل تلك التفاصيل التي توقظ الذاكرة وتؤلمها في الوقت ذاته؛ فحين تفقد الديار أصحابها تصبح بلا روح. وحين يفقد بيت العائلة أحد أركانه يتحول إلى أكثر مكان في الدنيا يستحيل العيش فيه؛ لذا نهرب من الأمكنة الضاجّة بالذكريات؛ كأنها أشباحٌ تلتفت يمينًا وشمالًا في فضاءٍ كان يومًا يجمع الأحبة… وهو ما عبرت عنه ليلى الجهني أدبيًّا من خلال غادة وهي تُعاين الفقد وجدرانه؛ معاينةً تكشف لنا أن الأمكنة قد تستقبل وجوهًا جديدة وحياةً أخرى، لكنها تظلُّ في ذاكرتنا نحن كقصة توقفت ولن تبدأ من جديد.
جمالية رواية «غرفة الأم»، تكمن في تلك الغرابة المدهشة لبساطتها؛ إذ استطاعت الكاتبة أن تقربنا من فهم الحياة التي نعيشها ولا نلاحظها، إلى درجة لا ننتبه فيها لقيمة الأشياء الحقيقية إلا حين تغادرنا ويصبح استرجاعها مستحيلًا؛ ربما لأننا لم ندرك نعمة وجودها، أو لأن «طُمأنينة الاعتياد» كانت تعمينا عن عيش اللحظة بكل ما أوتينا من حضور. وفي الوقت ذاته، تقدم لنا الكاتبة صورة أخرى للفقد، ذاك الذي ينتزعنا من أماننا ويضعنا أمام مسؤوليات أكبر من قدرتنا على استيعابها.
تتكثّفُ هذه «النوفيلا» في صفحاتٍ لا تتجاوزُ السبعين، لكنها تفوقُ في أثرها حجمها، وكأنها تتجددُ مع كل قراءة؛ فحكايتها تنفلت من النهاية، لتبدأ رحلةً جديدة في خيال القارئ. وهنا تستدرجنا الكاتبةُ بِخِفّةٍ نحو ذكرياتنا مع غرف الأمهات والجدات؛ تلك «الهويات الصغيرة» التي تحمل في تفاصيلها وروائحها انتماءنا الأول، قبل أن تتحول في نص الجهني إلى صورة مؤلمة للفقد؛ إذ ينقلب المشهد برحيل الأم، ويتحول الحيز الذي كان وجهةً للطُمأنينة إلى شاهد صامتٍ على الحزن. وبينما أكتبُ مقالي هذا، رحلت والدةُ صديقةٍ لي؛ ففكرتُ كيف ستقرأُ هي هذا النص؟ ما أعرفه أن هذا العمل يحملُ لكل قارئٍ رقمَهُ السرِّيّ وزمنه الخاصّ، وفي هذه النقطة تحديدًا يلتقي زمنُ الفقدِ بأنسنةِ النقد.
0 تعليق