تُعدُّ تجربة الدكتور سعيد السريحي (1953- 2026م) واحدة من أبرز التجارب النقدية والفكرية في المشهد الثقافي السعودي والعربي المعاصر؛ فقد دعا، خلال عدد من الكتب المهمة، إلى إعادة النظر في علاقة اللغة بالوجود الإنساني، وإلى كشف المضمرات الكامنة خلف الخطابات الثقافية والتاريخية والاجتماعية، متجاوزًا حدود النقد الأدبي التقليدي إلى فضاء تحليل ثقافي أعمق، لتصبح اللغة- إضافة إلى كونها وسيلة للتعبير- أداة كشف وتأويل للخطاب، ومنهجًا يقظًا يحرّر المعرفة من السبات، ويُعيد تشكيل الوعي بماهية النص وثقافته وعلاقته بالإنسان والواقع.
والسريحي لم يكن ناقدًا فحسب، إنما أيضًا كان شاعرًا وكاتب سيرة متفردة، وكل هذا أعطى تجربته زخمًا وحيوية خاصة. مارس السريحي حضوره النقدي والأدبي والإبداعي والإنساني طوال عقود من الزمن، عاصر واشتبك مع لحظات مفصلية وشديدة الحساسية في تاريخ المشهد الثقافي السعودي. وهو ليس ناقدًا وأديبًا ومبدعًا، إنما كان شاهدًا على مرحلة ثقافية هي من أهم المراحل في تاريخ الثقافة العربية.
سعيد السريحي توأم الروح والذاكرة
صلوح السريحي – ناقدة وأكاديمية
لن أتحدث عن سعيد بوصفه المثقف والناقد والشاعر والأديب والكاتب، ولن أتحدث عن مؤلفاته ودراساته التي تشهد له بالثراء وعمق الفكر، وإنما سأتحدث عن سعيد أخي وأستاذي ومعلمي، عن سندي وعضدي، عن سعيد توأم رحلة العمر والفكر، عن سعيد الذي شاركني مسيرة الحياة والعلم والتعلم. أتحدث عن ذاكرتي التي تختزن ما فات وما تحمله من آمال وذكريات، عن سعيد الذي يمثل جذوري التي أنتمى إليها، وامتدادي الذي أسير عليه. فبعد وفاة أمّنا ثم أبينا ثم أختينا، ازددنا قربًا؛ وكأنما يفرغ كل منّا على الآخر ما فقدناه بفقدهم. فكنت أرى فيه روح أبي وريحه وملامحه وحبه لي، وكان يرى فيّ جزءًا من أمّنا وأختينا اللاتي فقدناهن وافتقدناهن. كان كل منّا يرى في الآخر امتدادًا يربطنا بجذورنا ويعيدنا إلى ذواتنا ويصحح مسيرة تربطنا معًا. وكلما مر بنا العمر وسارت بنا سنواته ازداد أخي شبهًا بأبي حتى غدا أبي ذاته بملامحه وروحه وحبه وحنانه، أخي الذي كان أبي بعد وفاة أبي، ثم كان أبًا لأبنائي بعد وفاة أبيهم -رحمه الله- فكان نعم الأخ الأب والخال.
الآن وأنا أتحدث عن أخي يقف الألم والخوف وخشية الفقد بيني وبين استرجاع سنين العمر. يقف الألم بيني وبين استرجاع طفولة وذكريات لم تكن إلا معه، وحياة لم أعشها إلا برفقته، ووجود لم يكن إلا به، وذات لم تكتمل ملامحها إلا بصنيعه وصياغته، ومرآة لا تنعكس عليها صور حياتي إلا هو فيها. أسترجع حياة أرقب فيها أخي شريك بداياتي، وذاكرتي الأولى، ومرآة ذاتي، أخي الذي تتبعت خطاه وسرت على دربه. أخي الذي زرع فيَّ ذاتي، وكوّن شخصي، وأشعل في داخلي هاجس حب الكتب والقراءة والكتابة، حين جعل من القراءة متطلبًا رئيسًا في حياتنا. كنت أتّبعه مقلدة له راضخة لأوامره حينًا، ومحبة لها حينًا آخر؛ حتى استقام أمامي الطريق، واستوى الدرب، واتضحت أمامي الرؤية. علَّمَني أهمية تتبع الحلم والتشبث به وتحقيقه، كان، ولا يزال، ساعدي الذي أستند عليه، وعصاي التي أتوكأ عليها وأهش بها على أفكاري وأحرفي وكلماتي وسائر أمور حياتي. أخي سعيد كان، ولا يزال، وطني وكهفي الذي آوي إليه إذا تاهت بي السبل، وغمت عليّ الطرق، واستعصى عليّ الدرب والفكر.
عندما أتحدث عن سعيد أخي، توأم روحي وذاكرتي، وتوأم حياتي، أترك مساحة تحضر فيها العائلة؛ فقد كان سعيد بالنسبة لها المركز وقطب الرحى. كان قِبْلة المجلس وجوهره، كان نعم الجليس؛ إذا تحدث أنصت له الجميع، وإذا صمت التفت له الجميع، بحضوره يكتمل اللقاء، وينعقد بقدومه المجلس. وكانت إمكانية حضوره الأسبوعي حالة ترقب كبار العائلة وصغارها محط سؤال يتردد: هل سيحضر سعيد؟ متى يأتي خالي؟ جدي سعيد تأخر اليوم. بحضوره يكتمل عقد العائلة وإذا خلا منه الحضور وتعذر عليه اللقاء -ونادرًا ما يتعذر- ينحل عقد المجلس ويصبح ناقصًا ومبتورًا؛ وإن كنّا مجتمعين، فلا يطيب مجلس إلا به، ولا يحلو الحديث إلا بوجوده، ولا يطيب لقاء العائلة إلا بحضرته. كان ولا يزال مؤثرًا في العائلة بكل المقاييس. كان مؤثرًا بالحب والاهتمام، ومؤثرًا بالتفقد والرعاية للصغير والكبير. تحسبه بعيدًا مشغولًا بكتبه وكتاباته ورحلاته وأسفاره وتتفاجأ بمتابعته وحنانه ورفقه وأحيانًا لصلابته؛ إذا احتاج الأمر.
سعيد السريحي واليقظة من السبات اللغوي الدوغمائي
عبدالله الخطيب – ناقد وأكاديمي
في تمهيده لكتابه المُتفرِّد «تحرير المجاز.. هامش على جهود لطفي عبدالبديع اللغوية» يقول الدكتور سعيد السريحي: «حظيتُ بالتلْمَذة على يدي لطفي عبدالبديع وجلست إليه طوال اثني عشر عامًا جلوس المُريد إلى شيخه». لقاء سعيد السريحي بأستاذه لطفي عبدالبديع عامل أساسي لفك شفرة مسيرته المعرفية والفكرية. أثبت الزمن -رغم ما تعرَّض له من ألوان الأذى والتفتيش المتلبِّس بالأكاديمي- أن هذا اللقاء، وما نتج عنه من تشييد مفكِّر نوعي استوعب مبكرًا أخطار السير في الطرق المُعبَّدة مسبقًا، شكَّل المنعطف الأهم في تجربته الفكرية. انتقل إلى الاشتغال على اللغة انطلاقًا من قدرتها الفائقة على الكشف عن وجود الإنسان، وأنها مشيَّدة بطبيعتها على الرموز أكثر من تعبيرها عن الأشياء صراحةً.
غرس لطفي عبدالبديع في سلوك السريحي المعرفي مُفارقة الكليات والجزئيات التي تطرَّق لها القدماء. تحوَّل -عبر استبطان الحدود الفاصلة بينها- من مُتلقٍّ (تقليدي) إلى حامل لـ (منخل) معرفي لا يعتد ولا يعترف إلا بما يتَّسق مع قيم المعرفة الحقة (التجرد، والعقلانية، والتحقق). الجزئيات وظروف إنتاجها وتأويلاتها المحتملة هي التي جعلت سعيد السريحي بارعًا في اختراق العبارات «الحمْليَّة التي تخفي خلفها قضايا وجودية».
منعطف لطفي عبدالبديع، قبل كل شيء، منعطف (المنهج) الذي حمله معه على إثر سنوات إقامته في (تشيلي) وتمازج معه، ومع ما استجدَّ في فضاء الدرس النقدي هناك. بطرحه للمنهج النقدي (المخالف) للمؤالف الذي اقترحه دون أن يفرضه في جامعة أم القرى آنذاك، أيقظ سعيد السريحي من سُباته اللغوي الدوغمائي (إذا جاز لنا استعارة هذه العبارة من كانط). يقظةٌ طوَّرت وحوَّلت رؤيتَه لعلاقة اللغة بالشعر وبالخطاب الشعري من متلقٍّ (مقيَّد) إلى كاشف لـ «كينونته» وانفتاحه على فضاء اللامنتهي من المعاني والدلالات. غدت مقارباته العميقة للغة الشعر أحد أنجع أدواته لتقريب الإنسان من حقيقته وسرِّ وجوده. أصبحت اللغة وسيلتَه الأسمى لتفكيك تجربة الإستطيقا وعلاقتها في فهمنا للواقع. يقظةُ المنهج وتجاوُز السُّبات اللغوي (التقليدي) حوَّله إلى فاعل مسكون بإيجاد التوازن بين كُنه العقل وعاطفة القلب.
هل توقف السريحي عند رؤية لطفي عبدالبديع من إعادة «اللغة إلى الشعر» و«الشعر إلى اللغة» كما كان جُلُّ همِّ لطفي عبدالبديع؟ من يتأمل نصوصهم ومؤلفاتهم، يلحظ -دون عناء كبير- أنه تجاوز إلى حدٍّ ما أستاذه في الانخراط في زحزحة النصوص نحو فضاءات تأويلية؛ مستدعيةً ظروف إنتاج هذه النصوص التاريخية، والاجتماعية، والثقافية؛ كما فعل في كثير من مقالاته، وبخاصة كتاب «ما لم يقله الشاهد» الذي يعد مرجعًا في تكثيف الحسابات التأويلية التي لا تنمو إلا في فضاء الجزئيات واللامُتوقَّع.
سألت سعيد السريحي، في اللقاء المفتوح الذي عُقد معه في جمعية الثقافة والفنون قبل سنوات، عن المقدس في قلبه تماهيًا مع مقولة أمبيرتو إيكو: «لا يخلو قلب إنسان من مقدَّسٍ ما»؛ فأجابني: «إن كان ثمة ما هو مقدس في قلبي (دون المقدس الديني) فهي اللغة». علاقة السريحي باللغة علاقة من نوع خاص: بصمته الخاصة التي يستدرج بها الآخرين حتى أولئك الذين ليس لهم اهتمامات فكرية أو معرفية بما يطرح (يحبونه للغته ومن أجل لغته)، هي فتنته، وهي سلطته التي يقمع بها عند الحاجة إلى إعادة بعضٍ إلى أماكنهم الطبيعية. كما أن اللغة هي نواتُه الصلبة للاستفزاز، انطلاقًا من أن للاستفزاز جماليات، غالبًا ما تأخذنا في فضاءٍ ثريٍّ من اللامُتوقَّع.
سعيد السريحي القارئ النهم والنصوح الذي لم يغرر بنا!
محمد حبيبي – شاعر وأكاديمي
تستحق تجربة الدكتور سعيد السريحي الأدبية وأطروحاته النقدية تسليط الضوء عليها لما تنطوي عليه من تميّز وثراء، بدءًا من جهوده في تأصيل جذور التحديث في الشعر العربي منذ بداياته الأولى، عبر أطروحتيه عن أبي تمام، وأشعار المحدثين وريادته في «النقد الثقافي» حيث كان له السبق في الحفر الثقافي فيما وراء جماليات النص الشعري، وما يدور حوله وينتج عنه من أنساق ثقافية واجتماعية، بداية من كتابه «أركيولوجيا الكرم». ويضاف إلى ذلك رصيدٌ من المؤلفات الجديرة بالقراءة وإعادة النظر، بما يجعل مشروعه النقدي ثروة معرفية مفتوحة على قراءات متعددة ومن زوايا مختلفة.
لكنّ ثمة جوانبَ وأبعادًا سيرية لم يثبتها الدكتور سعيد في كتاباته ولقاءاته! يعرفها فحسب من جمعتهم به علاقة في مرحلة ما من مراحل رحلته العلمية والأدبية الثرية. وهنا سأتحدث عما عرفته وشهدته بنفسي من بدايات تعرفي على «سعيد السريحي» و«سعيد مصلح السريحي»!
حينما بدأنا الدراسة الجامعية، في عام 1407هـ بجامعة أم القرى بمرحلة البكالوريوس، كان «سعيد السريحي» عضو هيئة تدريس بكلية اللغة العربية. وعلى الرغم من أني لم ألتقه مباشرة في قاعات الدرس بالكلية، فإني كنت أعرف اسمه منذ السنة الأولى من خلال ترديد معظم الزملاء لاسمه وامتداح تدريسه؛ إذ كانت تلك الطريقة «السؤال عن أستاذ المقرر» هي المتبعة في المفاضلة بين أساتذة المقررات والتسجيل في شعبها؛ لكن لماذا هذا الأستاذ، الذي يمتدحه الطلاب، لا يدرس المقررات التخصصية في الأدب والنقد؟!
في السنوات الثلاث الأخيرة من مرحلة الدراسة تلك، ومع انفتاحنا على قراءة الصفحات الثقافية والملاحق الأدبية أخذ اسم سعيد السريحي «الناقد» يتكرس ويتبلور في أذهاننا أكثر فأكثر، وزاد ذلك من خلال حضورنا، ونحن طلبة بمرحلة البكالوريوس، فعاليات نادي جدة الأدبي، التي كانت تقام آنذاك في فندق العطاس. وكان بعضنا قد بدأ النشر لكتاباته، وبدأت أسماؤنا تظهر في بعض الصحف.
في سنتنا الأخيرة 1410هـ، حدث أول لقاء مباشر بيننا -وهنا أتحدث عن نفسي خاصة؛ إذ ربما بعض الأصدقاء من زملائنا قد تسنى له الالتقاء بالدكتور سعيد في قاعات الدرس، أو على هامش بعض الفعاليات- غير أن هذا اللقاء الذي تم على طاولة ورشة نادي جدة الأدبي في تلك السنة، كان أول لقاء مباشر يجمعني بالدكتور سعيد السريحي، وما زال سؤاله في بداية ذلك اللقاء يصدع في ذهني إلى الآن: «ما الذي يدفعكم للانخراط في هذا التيار برغم كل ما ترون وتسمعون من هجوم عليه؟!».

أجاب كل منا عن السؤال بطريقته، ثم تحدث هو بكل شفافية، عن أن من سبقونا لم يواكب بداياتهم مثل هذا الهجوم، وأن فرص الحضور والمشاركة في الفعاليات لم يعد لها ذلك الوهج، والانتشار! وأننا قد نعاني كثيرًا التبعاتِ والصعوباتِ والعراقيلَ والمضايقاتِ! ثم ختم حديثه المتعلق بهذا السؤال بكلمات مشجعة جدًّا لنا؛ إذا قُدِّر لنا الاستمرار في هذا المشوار! كانت تلك الحقبة تشكل ذروة «الصراع حول الحداثة». عقب ذلك اللقاء تيقنت من إجابة السؤال: «لماذا لم تكن تسند لسعيد السريحي مواد تخصصية؟» إنهم يخشون أن يؤثر هذا الحداثي في فكر الطلبة من خلال التصور السائد بأن الحداثة قطيعة مع التراث!
ما سبق هو المرحلة الأولى من معرفتي بالدكتور سعيد السريحي، أما المرحلة الثانية فكانت مع بداية التحاقي بالدراسات العليا ببرنامج الماجستير بكلية اللغة العربية بجامعة أم القرى، بداية من عام 1411هـ. وهنا بدأت علاقتي بمكتبة الجامعة المركزية تتوثق أكثر، فقد كانت نادرة في مرحلة البكالوريوس؛ وأصبحت مختلفة تمامًا. كنت أقضي أوقاتًا مطولة في المكتبة، متنقلًا بين كتب الأدب والنقد والبلاغة ودواوين الشعراء القدامى، وبدأت أستعير العديد من الكتب لقراءتها خارج المكتبة.
لفت نظري تكرر اسم «سعيد مصلح السريحي» بهذه الصيغة الثلاثية؛ بينما المكرس في ذهني الاسم بصيغته الثنائية «سعيد السريحي». فهل هو «سعيد مصلح السريحي» الذي يتكرر معي في بطاقات استعارات الكتب التي تكون ملصقة في ظهر جلد الغلاف الأخير من كل كتاب، وفيها تجد أسماء من استعاروا الكتاب من قبل، بخط أيديهم؟! ظننت للوهلة الأولى أن الاسم ربما مختلف! أو أنها مصادفة في كتابين أو ثلاثة. في البداية كان تركيزي على ما أحتاج إليه من كتب متعلقة بطبيعة الموضوع الذي سأبحث فيه -كنتُ في مرحلة الاختيار والمفاضلة بين أكثر من موضوع لأطروحة الماجستير- لكن عندما تكرر الأمر في المرتين الثانية والثالثة، حيث أجد في جلّ الكتب التي استعرتها من المكتبة اسم «سعيد مصلح السريحي»!
وهنا استبدّ بي الفضول أكثر، لأتأكد أولًا من أن صيغتي الاسمين كلاهما تشيران للدكتور سعيد السريحي. وتأكدت أنه هو نفسه! بعدها زاد بي الفضول أكثر؛ فلم أعد أدقق في الكتب التي سأستعيرها فحسب، وإنما صار فضولي مع كل كتاب أراه في رف ويقع في يدي أن أستبق النظر إلى الغلاف الأخير حيث ملصق بطاقات الاستعارة! لعلي أجد كتابًا لم يستعره قبلي «سعيد مصلح السريحي»!
وهنا شهادة حق أني طيلة أربع سنوات، لم يحدث أن احتجت كتابًا لأستعيره من مكتبة جامعة أم القرى المركزية، ولم يستعره قبلي «سعيد مصلح السريحي»! باستثناء كتب قليلة جدًّا؛ وباستثناء الكتب التي عليها عبارة «للمطالعة فقط، ممنوع الاستعارة».
أي سعة اطلاع وطاقة قرائية كانت لدى ذلك الرجل المدعو «سعيد مصلح السريحي»! وهل كان يدرك من حجروا تدريسه على المقررات «العامة» أنه من أكثر من اطلعوا على كتب التراث الذي يتهمونه بمقاطعته لتوجّهه «الحداثي»!
أما المرحلة الثالثة من علاقتي بالدكتور سعيد السريحي فكانت في أثناء كتابتي لرسالتي العلمية! وكان قد بات يعرفني شاعرًا وباحثًا؛ ويتفضل عليّ بالمعاملة بصفتي زميلًا وصديقًا -وهو بمنزلة أستاذ لي- وفي هذه المرحلة كنت مدينًا له بالنصح والتوجيه؛ حيث كان وقتها قد ناقش رسالته للدكتوراه، ومُنِح درجة الدكتوراه «علنًا»، ولكنه أصر على ألا يرضخ لمقترحات المناقشين. وهنا بدأت شرارة الإجراءات المتعاقبة التي انتهت بتراجع إدارة الجامعة عن قرار استكماله إجراءات منح الدرجة. ولذلك كان ينصحني بألا أكرر ما ألزم نفسه به! بأن أتحاشى قدر الإمكان في الرسالة كل ما يبدو فيه بحسب «آراء أساتذة القسم» توجهات حداثية من مصطلحات ومراجع وأسماء مؤلفين! وأن أتحلى بالمرونة في التعامل مع مقترحات مشرفي ومقترحات المناقشين، فيما أثبته من آراء تحليلية! «والرضوخ» والتسليم إن اقتضى الأمر بما يرون تغييره واستبعاده من مقاطع في الرسالة. وهمس لي ببيت الشعر: ودارهم ما دمت في ديارهم.. وجارهم ما دمت في جوارهم!
وبالفعل، كان لنصائحه أثر كبير في مستهل مشواري العلمي الأكاديمي.
النقد بوصفه ضرورة حضارية
مستورة العرابي – شاعرة وأكاديمية
الدكتور سعيد السريحي ليس ناقدًا عابرًا في المشهد الثقافي، بل هو مشروع معرفي، تزخر سيرته العلمية والفكرية بالنبل والعطاء والحصافة، ويتميّز بحضور مهيب، وفكر عميق، وطرح رصين، ولغة آسرة، وانزياحات أسلوبية متفرّدة جعلت من كتابته فعلًا معرفيًّا وجماليًّا في آنٍ معًا. لقد قدّم للوطن وللثقافة رصيدًا معرفيًّا متنوعًا، أسهم في توسيعِ أفقِ النقدِ الأدبيِّ، وفي إعادةِ مساءلةِ المسلَّماتِ، وفتحِ أبوابٍ جديدةٍ للتفكير والتأويل.
بدأ السريحي مشروعه النقدي مبكرًا بكتابٍ تأسيسي مهم هو «شعر أبي تمام بين النقد القديم ورؤية النقد الحديث»، كشف فيه عن وعي منهجي حاد، وقدرة لافتة على الموازنة بين التراث النقدي العربي ومناهج النقد الحديث، بعيدًا من القطيعة أو التبسيط. ثم توالت أعماله الفكرية والنقدية التي اتسمت بالجرأة المعرفية والاشتباك العميق مع الأسئلة الثقافية، كما في «غواية الاسم: القهوة وخطاب التحريم»، حيث تتقاطع الثقافة بالأنساق الاجتماعية والدينية، ويتحوّل اليومي إلى نص قابل للتفكيك والتحليل.
وفي كتبه الأخرى مثل «الرويس»، و«عتاب التهجي»، و«العشق والجنون»، و«الكتابة خارج الأقواس»، تتجلّى ملامح ناقد لا يكتفي بالتحليل الأكاديمي الصارم، بل ينفتح على الكتابة بوصفها تجربة فكرية ووجدانية، تتقاطع فيها الذات مع النص، ويصبح النقد ممارسة ثقافية تتجاوز حدود التصنيف التقليدي. وقد بلغ هذا المنحى ذروته في كتابه «الحياة خارج الأقواس»، الذي يقدّم فيه نموذجًا مميزًا لكتابة التخييل الذاتي، حيث تمتزج السيرة بالفكر، والنقد بالحياة، في نصٍّ مفتوح على التأويل والأسئلة.
ولم تقتصر إسهامات الدكتور سعيد السريحي على نتاجه العلمي والنقدي الغزير، بل سبقته وصاحبته مشاركة فاعلة ومؤثرة في الحراك الثقافي والفكري العربي والمحلي، من خلال حضوره في المؤتمرات والملتقيات، ومشاركته في المنابر الأدبية والثقافية، فضلًا عن كتاباته الصحفية المتميزة التي تناولت الشأن الثقافي والاجتماعي برؤية نقدية واعية، ولغة مسؤولة، وموقف فكري واضح.
لقد كان الدكتور سعيد السريحي أحد روّاد التحديث الأدبي والثقافي، ممن آمنوا بأن النقد ليس ترفًا معرفيًّا، بل ضرورة حضارية، وبأن الثقافة الحية هي تلك التي تطرح الأسئلة، وتراجع ذاتها، وتنفتح على التحوّل. ولا تزال إسهاماته سارية في تشكيل الوعي الأدبي والثقافي والفكري في بلادنا.
سعيد السريحي، الفنان لا الناقد!
علي زعلة – ناقد
في مطلع عام 1989م، وفي إثنينية الراحل عبدالمقصود خوجة، اجتمع أشياخ الأدب ورواده من رؤساء الأندية الأدبية وغيرهم. ليلتها دعا مضيفهم عبدالفتاح أبو مدين الشعراء منهم ليلقوا قصائدهم في نهاية النقاش، وكان أن ألقى جملة من الشعراء قصائدهم، مثل: الأساتذة عبدالله بن إدريس، ومحمد هاشم رشيد، ومحمد العيد الخطراوي، وسعيد السريحي، ومحمد زايد الألمعي، وعبد المحسن حليت. ألقى الدكتور سعيد السريحي قصيدة عمودية وأخرى من شعر التفعيلة، ولم يبدُ أنه أُقحِم في غير مكانه شاعرًا بين الشعراء، أي لم يكن ناقدًا يتعاطى الشعر أو يقرضه أو يجرب قدراته الإبداعية من خلاله. وكان مما ألقى الدكتور سعيد ذاك المساء قصيدة عمودية، مما جاء فيها:
إني رأيت ملاك الشعر محتضرًا وقد تسرب في أوصاله الخدرُ
ونحن نجلس في المركاز، شاعرنا كهلٌ تجمّع فيه الكِبْرُ والكِبَرُ
لا يحسب العِلم إلا أنه نتفٌ من الأحاديث، يُستحلى بها السمرُ
وفتيةٍ عن سبيل العلم قد نشزوا: فما يبالون ما قالوا وما سطَروا
لم يعرفوا الضاد حرفًا عزّ مطلبه فليس يدرون ما المفعول والخبرُ
تسوّروا الشعر لما عزّ ناصرُه فأين؟ لا أين، ما خطّوا وما نشروا
انظر صحائفهم، يُنبيك ظاهرُها بموسم القحط؛ لا زهرٌ ولا ثمرُ
ما أريد قوله هنا: إن سعيد السريحي الشاعر/ الفنان توارى وانزوى عن الباب والشرفة إلى حوافّ التجربة لا صدرها، إلى هوامش الناقد والمثقف الذي استبدت بمتونه شعرية أبي تمام وبنيوية شعراء بني العباس والنقد الجديد. انتظم خلال ذلك كله أكاديميًّا وصحافيًّا وإذاعيًّا، محسوبًا على رموز الحداثة، غير مدّعٍ لمزية النضال أو صفة الريادة أو التضحية الثقافية أو الفكرية ضد المحافظة أو التشدد الفكري. وبرغم ما لاقاه من أشكال العنف الثقافي والاجتماعي في الجامعة والمجتمع والفضاء المحافظ، فإنه لم ينسب لنفسه ريادةً ما، وظلّ يصرح بتواضع الكبار أنه ليس ذلك المناضل الذي أراد زعزعة شيء أو التمرد على آخر.
كل ما هنالك أنه أراد أن يقول ما يهجس به، ويجرّب من الأمر ما يعتقد أنه يتقنه، مُحاذِرًا تكرار ما قد قيل سلفًا، أو أن يُثقل المكتبة العربية بمحتوى مكرور أو مستنسخ عن سابقه. وكان في ذلك يستحضر وصية أستاذه الناقد الراحل الدكتور لطفي عبدالبديع، في الابتعاد من الطرح المستعاد والقول المألوف.
التقيت السريحي في حلقة من برنامجي «المتن والهامش» على الثقافية السعودية عام 2014م، كان سعيد قد جاوز الستين من عمره يومها. سألته: أما زلت تكتب الشعر؟ فأجاب: يكتبني الشعر أحيانًا، لكنني لا أستطيع أن أجيب أما زلت أم لا، أنا لا أعرف.
سألته: لم تصدر أي مجموعة شعرية؟ فقال: ولن أصدر.
قلت: لماذا؟ أجاب: هناك عدم رضا؛ أتذكر لأبي تمام بيتًا من الشعر:
ويسيء بالإحسان ظنًّا لا كمَن هو بابنه وبشعره مفتونُ!
ثم أضاف: ترعبني فكرة أن أكون مفتونًا بما أكتب. وأن أجمعه في ديوان هو غاية الفتنة. إذا كان فيما نشر لي -داخل المملكة أو خارجها- خيرٌ فسيجد متثوّبًا يجمعه، أمّا أنا فحسبي أن ارتكبتُ إثمَ أن نشرته مفرّقًا هنا وهناك!».
قال لي سعيد أيضًا: «يشغلني أنني حين أستعيد ما يتجاوز الثلاثين عامًا لا أجد فيما أنجزت ما يمكن أن يشكّل رضا عن نفسي. أحاول جهدي أن أنتهز ما تبقى من العمر -ولستُ أعرف ما الذي تبقى منه- في أن أنجز مجموعة من الأعمال التي ما زالت معلقة».
في السنوات التي تلت حوارنا ذاك، أغدق سعيد بعطاءات فنية إبداعية ونقدية مختلفة تمامًا، أرى أنها أقرب إلى روحه البدوية الحرة، ومواقفه الذاتية والمعرفية من العالم، ونبله الحفي بالإنسان والمكان والتقاليد الجمالية العليا، من كل طروحاته النقدية المميزة السابقة، أعني تلك الكتب الصادرة منذ عام 2013م: «الرويس» والهوية المنشطرة، «عتبات التهجي»، تلك القراءة التأويلية الحرة المذهلة في تجربة محمد الثبيتي، السيرة الطباقية المشغولة بمتعة وألم كبيرين في «الحياة خارج الأقواس»، وصولًا إلى روايته (جدة 915هـ) آخر أعماله الصادرة قبل أن يفجعنا به المرض رده الله من مخالبه!
حين أتيح للفنان أن يتحرر من كماليّته، وللمفكر أن يتخفف من صرامته ويصطنع منهجيته الخاصة، عرفنا من أبي إقبال صوتًا متفرّدًا؛ قدّم مقاربات نقدية أقرب إلى النص وإلى المجتمع، وأنتج سردًا ممتعًا حكيمًا محكَمًا، في أكثر من كتاب. ويمكن النظر إلى هذا المنجز بوصفه فصلًا جديدًا ومستقلًّا تمامًا، يوازي ما سبق من نتاجه، إن لم يتفوق عليه، فصلًا يضاف إلى تجربة الدكتور سعيد السريحي ومشروعه المعرفي الممتد على مدى نصف قرن؛ ذلك لأن نسغ الفن أصيل بداخله؛ لأنه في الأساس روحُ فنّانٍ اغتنت بالفكر النقدي، وليس ناقدًا قرّر أن يجرّب حظّه في الفنون!
سعيد السريحي: من المطابقة إلى الاختلاف
فخري صالح – ناقد ومترجم فلسطيني
الصديق الناقد والباحث سعيد السريحي كان، وما زال، أحد أعلام التحديث الثقافي والنقدي، على صعيد الفكر والنظرية والرؤية، في المملكة العربية السعودية. فعندما تحضر الأسماء التي ساهمت في تحويل المشهد النقدي، في المملكة، فإن السريحي يكون في مقدمة هذه الأسماء، إلى جانب ثلَّة قليلة سعت إلى تحديث النص وتحديث الرؤية. لقد كانت تجربته النقدية، وكتاباته، في صحيفة عكاظ، وكذلك في مجلة «علامات»، علامةً على الانتقال بالنقد الأدبي، وكذلك بالفكر النقدي، الذي يوجه هذا النقد، من التقليد إلى الحداثة، ومن المطابقة إلى الاختلاف، ومن استعادة فكر الماضي، وترداد أقوال السابقين، دون إضافة أو فحص لهذا الفكر، وقابليته للكشف عن تجارب الحاضر، إلى البحث عن أشكال جديدة من النظر، وقراءة التجارب والنصوص الأدبية الجديدة استنادًا إلى كشوف النظرية المعاصرة.
بهذا المعنى، فإن اشتغال سعيد السريحي على النصوص القديمة، أو النصوص الجديدة، تأسس على فكرة الاختلاف في الأساس، وعلى قدرة الناقد المعاصر على الكشف عما تنطوي عليه النصوص من إمكانات التأويل وثراء المادة النصيَّة، التي تعرض نفسها أمام عين القارئ المعاصر، الذي يعثر في النصوص القديمة على ما لم يعثر عليه أسلافه من النقاد العرب. وهو ما يجعل النص الأدبي قابلًا للكشف بصورة مستمرة عن طبقاته الخافية: الدلالية والنصيَّة والثقافية، من خلال استخدام أدوات لسانية وتحليلية، نصيَّة وثقافية، جديدة لم تتوافر للناقد العربي القديم. ولعل هذه الرؤية، التي ترى في النص بنيةً غيرَ قارة، وعملًا ما يفتأ يكشف عن معانيه، وتعدديته، هي التي تجعل عمل سعيد السريحي، وعددٍ قليل من مجايليه وأقرانه، من النقاد ودارسي الأدب في السعودية، ينفتحون على النظريات اللسانية والنصيَّة الحديثة في العالم، عبر الاتصال بتلك النظريات، من خلال الاطلاع عليها في لغات إنتاجها، أو عبر الترجمات؛ ليعيدوا النظر في النص العربي القديم، ويسلطوا ضوء تلك النظريات على النصوص الجديدة، كذلك.
من التقليد إلى الحداثة
يتمثَّل فضل السريحي، وثلَّة قليلة من أقرانه، ومن ضمنهم عبدالله الغذامي وسعد البازعي وميجان الرويلي ومحمد العباس، وغيرهم، في أنهم استطاعوا أن ينتقلوا بالنقد والبحث الأدبي في المملكة العربية السعودية من التقليد إلى الحداثة، ومن نظرية المحاكاة إلى أفق الاختلاف والتعدد. وهو ما جعل النصَّ الأدبي السعودي، شعرًا ورواية وقصة قصيرة، يتحوَّل هو نفسه، ويدخل زمان الحداثة، في شكلٍ من أشكال التلازم، والتطور المتبادل، بين النص الحديث والنقد الحديث. وقد كان سعيد السريحي واحدًا ممن قاتلوا بضراوة على صفحات الصحف والمجلات، كما في مؤلفاته، التي تناولت الأدب العربي القديم، والنص الجديد؛ لكي يحدث هذا الانتقال بالرؤية النقدية، وأشكال الاشتغال على النصوص الأدبية، من القدم إلى الحداثة، ومن النسقية إلى الخروج على الأنساق؛ أي من المطابقة، التي تحكم الفكر النقدي غير الحديث، إلى الاختلاف، الذي يسم النصَّ والنقدَ والنظريةَ في زمن الحداثة.
السريحي مشروع ثقافي مفتوح
فوزي عمر الحداد – ناقد وأكاديمي ليبي
بدت لي تجربة الشاعر والناقد الدكتور سعيد السريحي منذ تعرّفي المبكر إلى منجزها، واحدة من أكثر التجارب العربية إثارة للأسئلة، وأشدّها وعيًا بإشكاليات الكتابة والقراءة في آنٍ معًا. إن الحديث عن السريحي هو حديث عن مشروع ثقافي يتجاوز حدود الشعر أو النقد ليقارب سؤال الثقافة بوصفه سؤالًا مفتوحًا لا يهدأ. ففي تجربته الشعرية الطويلة لم أجد قصيدة تسعى إلى إرضاء الذائقة السائدة أو تكرار أنماط مألوفة، بل وجدت كتابة قلقة متأملة تراهن على المعنى العميق أكثر من الرنين البلاغي. قصيدة السريحي لا تُقرأ على عجل، إنها تطلب قارئًا شريكًا، قادرًا على الإصغاء إلى ما تقوله اللغة وما تواريه في آنٍ واحد. وقد شدّني في هذه القصيدة ذلك التوازن الدقيق بين التكثيف والغموض المنتج، حيث لا يتحول الغموض إلى إبهام ولا تنزلق المباشرة إلى تقرير.
ولعل من أهم ما يلفت النظر هو حضور التراث في شعر السريحي بوصفه ذاكرة حيّة لا مخزونًا جامدًا. فالمرجعيات التراثية لا تظهر عنده كعلامات ثقافية جاهزة، بل تدخل في نسيج النص لتؤدي دورًا دلاليًّا يفتح أفق التأويل بدل أن يغلقه. وهنا تتجلى علاقة الشاعر بالتراث بوصفها علاقة سؤال وحوار، لا علاقة تبعية أو قطيعة. غير أن فهم هذه التجربة الشعرية يظل ناقصًا إذا لم يُقرأ في ضوء المنجز النقدي للسريحي. فمن خلال كتبه يتضح أن ما يكتبه في الشعر يجد جذوره العميقة في وعي نقدي حاد، منشغل بإعادة النظر في مفاهيم الحداثة، وإشكالية التراث وحدود القراءة والتأويل.
لقد وجدتُ في هذه الكتب خطابًا نقديًّا لا يكتفي بالوصف، بل يسعى إلى التفكيك والمساءلة بلغة تجمع بين الدقة والقدرة على الإقناع. ومع ذلك، فإن ما يحسب للسريحي هو قدرته على عدم جعل وعيه النقدي سلطة تضغط على تجربته الشعرية، فالناقد لا يطغى على الشاعر، كما أن الشاعر لا يميع صرامة النقد. هذا التوازن في تقديري، هو أحد أهم أسرار فرادة مشروعه، وهو ما يجعل نصوصه عصية على التصنيف السهل. لقد ارتبط اسم سعيد السريحي بعدد من السجالات الثقافية التي أثارتها مواقفه الجريئة من قضايا الحداثة والتأويل ونقد الخطاب التقليدي، على مثال كتابيه: «العشق والجنون: دولة العقل وسلطان الهوى في الثقافة العربية»، و«كي لا نصحو ثانية: تفكيك خطاب الصحوة وآليات الهيمنة على المجتمع». ومن زاوية متابعتي لهذه السجالات، لم أجد فيها نزوعًا إلى الصدام من أجل الصدام، بقدر ما وجدت إصرارًا على قول ما يراه ضروريًّا، مهما كانت كلفته الثقافية وهذا ما يمنح تجربته بعدًا أخلاقيًّا إلى جانب بعدها الجمالي والمعرفي.
إن شهادتي هذه لا تدّعي الإحاطة بتجربة الدكتور سعيد السريحي، لكنها تؤكد قناعتي بأننا أمام مثقف عربي كتب الشعر بوصفه معرفة، وكتب النقد بوصفه فعلًا إبداعيًّا، وجعل من العلاقة مع التراث سؤالًا مفتوحًا لا يقينًا مغلقًا. وهي تجربة أراها جديرة بقراءة متأنية، وبحضور دائم في النقاش الثقافي العربي المعاصر.
سعيد السريحي: الناقد المتعدد
شعيب حليفي – ناقد وأكاديمي مغربي
تحتاج الثقافات الوطنية دائمًا إلى مثقفين متعددي المهام، يحملون قضايا الثقافة على كاهلهم، من خلال تجديد الأسئلة الثقافية ووصلها بما يمنحها القدرة على العبور بين الأجناس بحثًا عن أسئلة متجددة تروم الدفاع عن الإنسان والمجتمع.
وتختزل سرديات سعيد السريحي صورة المثقف والناقد والأديب الذي ينهض بتجربة تستحق الانتباه في قدرته على عدم الارتكان إلى المكرور من الأسئلة، واختياره الزوايا الصعبة والمقلقة التي تعكس تعدده المعرفي الذي يقارب به أسئلته النقدية في مجالات نقد النص الأدبي، شعرًا ونثرًا، بين الرؤية الأكاديمية الرصينة وبين الانفتاح على النقاش الهادئ مكسرًا الحواجز بين النقد والفكر والسرد، مع لغة تجمع الصرامة المفهومية والحسّ الأدبي.
كما منح المقال الثقافي شرعية معرفية، وحوّل الناقد من مجرد شارح إلى فاعل ثقافي يشتبك مع القيم والمجتمع.
تعرية المسكوت عنه
وتكمن الجِدّة في كتابات السريحي في قدرته على التحوّل من النقد الوصفي إلى النقد الإشكالي وطريقة الاشتغال التي قارب فيها النصوص بأدوات التفكيك والحفريات وكسر الحدود بين الأجناس، وبنقل النقد من النخبوية الأكاديمية إلى المجال العمومي دون تسطيح. كما تتمثل حداثته في تعرية المسكوت عنه، القيمي والأخلاقي، داخل الخطاب، وفي تعامله مع التراث بوصفه خطابًا تاريخيًّا قابلًا للتأويل لا مخزونًا مقدسًا، وهو ما جعل مواقفه تميل إلى مساءلة القيم السائدة: سلطة التراث، أخلاق الامتثال، وخطاب الهوية المغلق، من دون السقوط في عداء لهذا التراث أو افتتان بالغرب. كتاباته الصحافية تمثل امتدادًا لهذا الوعي، فقد نقل النقاش الحداثي من الحقل الأكاديمي إلى المجال العمومي، رابطًا الفكر بالسؤال الاجتماعي، ومؤكدًا أن الحداثة ممارسة نقدية مستمرة.

الوجه الأكثر وضوحًا واكتمالًا للخطاب الفكري الليبرالي
عادل ضرغام – ناقد مصري
يمثل سعيد السريحي، الناقد والمفكر السعودي، مرحلة مهمة من مراحل تطوّر الخطاب الثقافي عامةً، والخطاب النقدي خاصةً، في المملكة العربية السعودية. ويعد مع الغذامي ومعجب الزهراني ومحمد العبّاس، وآخرين بالضرورة، المرايا العاكسة لحالة التناحر التي كانت موجودة وساخنة في حقبة سابقة، والتي سادت بين خطاب الليبرالية والصحوة الإسلامية، وبخاصة حين كان خطاب الصحوة مهيمنًا في ظل سطوته وتأثيره الكبير، لدرجة أن كثيرين كانوا يداهنون هذا الخطاب. فهؤلاء المفكرون -وإن كانوا ينتمون إلى أجيال مختلفة، ويتبعون أساليب ومنطلقات مختلفة في إسدال الفكر الليبرالي أو الحداثي في مواجهة الخطاب الآخر- لهم التأثير الكبير في زحزحة الأصولية من عرينها، في مقارباتهم للشأن الثقافي العام، بل كان لهم تأثير، بنسب متفاوتة، في التأسيس للخطاب الفكري الليبرالي، فأصبحت له هوية ووجود ملموس على أيديهم، في ظلّ منجزهم الكتابي.
الوجه الرائق
يمثل سعيد السريحي الوجه الرائق لهذا الخطاب، أو الوجه الأكثر وضوحًا واكتمالًا، ومنجزه هو الأكثر حضورًا لفكرة الحداثة في المملكة العربية السعودية، وربما يكون أكثر المفكّرين تضررًا؛ لأنه دفع ثمنًا غاليًا، لإيمانه بأفكاره، وتمسكه بها دون شبهة التخلي عنها أو التنصل منها، بالرغم من المحاولات العديدة التي بذلت في هذا السياق.
لكن مشروعه الفكري أو النقدي، بالرغم من كونه مشروعًا، لم يترك له المجال للتأثير بسهولة في عقول الأجيال اللاحقة؛ لأن أصحاب الاتجاه الأصولي كانوا يمارسون نوعًا من التعتيم والتشويه المتعمّدين لهذا الخطاب، وقد حكى لي كثير من طلابه، الذين ارتبطوا به وبمنهجه في التفكير، في مرحلة الجامعة، كيف كانوا يجلّونه، ويحترمونه، وينظرون لأفكاره بكثير من القداسة، وبخاصة هؤلاء الطلاب الذين كان لديهم ميل إلى الكتابة الإبداعية؛ لأنهم يعرفون قيمة الحرية، وينفرون من القيود،؛ فقد عوّدهم على أن يقاربوا الجديد ويعاينوه دون خوف من سلطة المحو أو الانسحاق. وبوسع أي باحث لتاريخ حركة الحداثة في المملكة أن يتوقف عند هؤلاء الطلاب ودورهم المغاير في مقاربة الأمور.
في أثناء حديثي مع طلابه، الذين صاروا أساتذة، أدركت كثيرًا من الأمور الغريبة، وعرفت بعضًا من أسماء الأعلام المتورطين في هذه المشكلة التي لا يدفع ثمنها، من جهده وعقله وراحته، إلا كل مغاير، أو كلّ صاحب نظرة أو توجه مختلفين عن السائد. فمنهجه في كل ما كتب جاء محمّلًا بالرغبة في نفض الغبار عن كل الخطابات الأصولية المتكلّسة، وموجّهًا نحو مقاربة كل الأمور في سياق وجهة نظر تحتمي بالعقل والمنطق، بعيدًا من المعاد والمكرّر غير القادر على تحريك الساكن، أو غير القادر على بثّ الحياة في الأجزاء التالفة أو الميّتة. فقد كشفت نظرته للتراث عن عين انتقائية في البحث عن الأشياء المهمة؛ لينقلها إلى منزلة مغايرة داخل خطابه الذي يعيد تخصيبها مرّة أخرى وفق توجّه جديد يتساوق مع اللحظة الراهنة.
0 تعليق