«الأدب هو شكل من أشكال التحليل النفسي البديل، لكنه لا يحتاج إلى محلل أو عيادة» دانييل لاجاش
لا شيء في التجارب الإنسانية يماثل الحرب؛ فهي قادرة على إثارة طيف واسع من المشاعر المتناقضة. فالحرب لا تثير المشاعر السلبية فقط، بل تثير أيضًا الانفعالات الإيجابية، كالفرح بالنجاة من موت محقق أو النجاة من آثار الحرب التي قد تسبب حالة نفسية تستلزم دعمًا متخصصًا، وتعرف هذه الحالة باضطراب ما بعد الصدمة.
وقد تناول عدد من الأدباء السودانيين موضوع الحرب الدائرة في السودان منذ إبريل 2023م وتداعياتها، وفي هذه المقالة سنحاول استكشاف معالجة الأديب حسام الدين صالح لأعراض اضطراب ما بعد الصدمة في مجموعته «تكرارات الخرطوميين» (دار المصورات للنشر) أعد هذه المجموعة من النماذج الأدبية الثرية بتصوير الحالات النفسية لأبطالها، وقد شدني إليها تقديمها لمشاهد مكثفة، تستوفي المعايير التشخيصية لاضطراب ما بعد الصدمة التي وصفها الإصدار الخامس من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الذي تصدره الجمعية الأميركية للطب النفسي. ومن هذه المعايير: إعادة المعايشة للحدث، والتجنب، والتعديلات السلبية في المدركات والمزاج، والتغير في الاستثارة، ورد الفعل المرتبط بالحدث الصادم. وسنسعى لبيان ذلك بالتفصيل.
أعراض الذكريات الاقتحامية
يسترجع الشخص المصاب الحدث المؤلم على شكل ذكريات مؤلمة، كوابيس متكررة عن الحدث ورموزه، ومضات الذاكرة، حيث يشعر الشخص أو يتصرف كما لو أن الحدث يحدث أمامه من جديد. في مجموعة «تكرارات الخرطوميين» نلحظ أن عناوين جميع القصص تدل على التكرار؛ فكلها جاءت بصيغة التفعُّل، وهي توحي بمعايشة الأحداث. وهنالك أمثلة عديدة. ففي قصة «تلمُّع»، يعيد لنا الراوي ما مر به وهو في طريقه إلى ملجأ آمن. يقول: «دقت الواحدة فجرًا بساعة يد وحيدة نجت من نهب قطاع الطرق، وهطل علينا العيد، بمكان على تخوم ليبيا. تبللنا بالحزن بعرض الرمال اللامتناهية دون وطن يحمي الرؤوس، وسط الظلام وبين جموع اللاجئين. كانت الأخت الكبرى الوحيدة التي تسطع، كانت نجمًا لأنها كانت تكبرنا بمليون سنة شوقيّة». وفي قصة «تقوُّض» يسترجع الراوي مشاوير النزوح: «جررنا تعبنا جرًّا نحو مقهى متهالك على الطريق، كان مشوار النزوح مرهقًا، لم تفلح كل تكرارات الشاي على هزيمته، نمنا على مقاعدنا، وظل وحيدًا يشاهدنا التلفاز».
أعراض التجنب
غالبًا ما يحاول الأشخاص المصابون باضطراب ما بعد الصدمة كبت الأفكار، وتجنب المواقف والأشياء التي تذكرهم بالحدث الصادم بشكل شعوري أو لا شعوري، وذلك من أجل تجنب الشعور بالخوف، والغضب، والتجمد، والقلق، والتوتر، والحقد، وحماية الذات من الضغوط التي قد تنتج من تذكر الحدث الصادم.
يحاول النازحون عن قصد نسيان الذكريات، ففي قصة بعنوان «تَهرُّب» -وهو عنوان صريح يدل على التجنب- يُخبرنا الراوي: «تحلقنا في مركز إيواء النازحين من كل الخرطوم وود مدني والمدن المجاورة، وفي دواخلنا نشرة أخبار: فيضانات، كوارث، اتفاقات، بورصات، زيجات، حروب، فيضانات، طرائف… كنا لا نحكي الحكايات حين نريد للنوم أن يأتي مسرعًا، كنا نشاهد نشرات أخبارنا فيهرب النوم». ويحاول الناجون نسيان ما مر بهم ليتصالحوا مع الحياة، يحاولون بقدر الإمكان كبح الذكريات التي تقتحمهم. وفي المجموعة ينجح بعضٌ في النسيان لدرجة أن ينسى الصديق صديق الطفولة.
التغيرات السلبية في الأفكار والمشاعر
يصاحب اضطراب ما بعد الصدمة تغير في المدركات وتنشأ عنه أفكار ومعتقدات سلبية أو توقعات سلبية ومبالغ فيها حول الذات والآخر أو العالم. في قصة «تقلُّب» يرى الراوي الخفافيش- وهي رمز لقوى الظلام ومصاصي الدماء- فيرى أنها تمثل العالم الذي نعيش فيه كأنه وجد فيها إجابة لسؤال أرهقه طويلًا: «يا للحظ! الخفافيش الناعسة ترى العالم على حقيقته: مقلوبًا كما يجب». ونجد مثل هذه الرؤية أيضًا في قصة «تديُّن»: «في العالم ما قبل الآخر: يسرقك اللص ويطالبك بالتوبة، يقتلك السفاح ويدعو لك بالرحمة، ويعتقلك السجان ويصلي بحقوق الإنسان». كل شيء مقلوب ولا يشبه ما هو إنساني.
وفي قصة «توحش» يتجلى رفض الضحية لهذا الوضع حين يتذكر الطريقة التي ماتت بها إحدى النساء العزيزات على قلبه: «متذكرًا موتها، يرتدي فروة، عازمًا ألا يلبس جلد إنسان مرة أخرى». إنه يريد أن يعلن انشقاقه تمامًا عن عالم البشر القاسي بتغيير جلده وارتداء فروة حيوان، فالحيوان ربما أقل فتكًا وأقرب من البشر إلى القيم النبيلة في رأيه. أما الموت فيتحول في نظر أحدهم إلى توأم سيامي للمواطن السوداني، في قصة «تجنس» يقول: «كل النهار قضيناه تجوالًا نحن موظفو العدالة، صعب علينا التفريق بين الموت والمواطن في الشوارع، لقد استلم الموت الجنسية». وباستلامه الجنسية قد صار الموت رسميًّا مواطنًا سودانيًّا، وعلى الجميع -بشرًا وغيرهم- التعامل معه على هذا الأساس.
أعراض فرط التيقظ
يكون المصاب باضطراب ما بعد الصدمة متيقظًا دائمًا، يثيره أي شيء، يكون متوترًا يدخل في نوبات غضب وانفجارات، ويشعر بالخوف أو الفزع بشكل مبالغ فيه عند التعرض لأي منبه مفاجئ، كما أنه يعاني صعوبةً في التركيز واضطرابات في النوم.
من الأمثلة التي تتضمن هذه الأعراض قصة «تخوُّف»: «يرتعد منه الأرق. ابنه الذي يرفض النوم مبكرًا أصبح ينام بعد دقيقة واحدة من نشرة التاسعة. كان الأب يعاقب ابنه كل ليلة بنشرة الأخبار التي لا تتوقف عن القتل». الابن يعاني الأرقَ، والأبُ الذي يجهل أن ابنه في حاجة إلى علاج وليس إلى عقاب، يعاقبه على أرقه بمشاهدة أخبار القتل في نشرة التاسعة، ولكي يتجنب الطفل تلك الذكريات صار ينام باكرًا. ومن الأمثلة على فرط الاستثارة، نجد أن شيئًا عاديًّا كدخول الهواء إلى الأنف وخروجه يمكن أن يثير ذكريات عن الحرب.
ففي قصة «تنفس» يقول: «ما زلت أنتظر أن تحك الدبابة فوهتها لتعطسني أنا المحشور فيها منذ عام سابق. الدبابات كما الحروب نشهقها وتزفرنا. استقبلوني الآن أنا العائد إليكم فقد حطت الكراهية على أنفها الطويل». أنف الإنسان تذكره بفوهة الدبابة، ودخول الهواء وخروجه مثل تذخير الدبابة وإطلاق داناتها.
والأغرب من ذلك أن رؤية شخص ليده التي هي جزء منه يمكن أن تكون مثيرًا دائمًا يذكر بالحرب، يبث التوتر ويشتت الانتباه. نقرأ في قصة «ترحُّم»: «لا يعرف أن يضع يده، مشكلته مع العالم مكانية بحتة، توتره وتشتت انتباهه وتجعله مثل الأبله في عيون الآخرين. زيارة تاريخية إلى مسقط رأسه أراحته من يد، هي الحرب كيف نشكرها على ما لا نفعله نحن من أجلنا».
يبدو أن كاتب المجموعة يستند في منهجيته السردية إلى معرفته بالدراسات النفسية. ومما يدعم هذه الفرضية بعضُ الإشارات إلى البوح الذي تشهده العيادات، كأن القصص كلها يقصها شخص لطبيبه النفسي. فأحد الرواة يخبرنا بيأسه الذي شكاه للطبيب، فيقول في قصة توجُّع: «شكوت للطبيب وجع الوطن، فقال لي: انظر إليّ أنا مثلك تمامًا، ولا علاج لأوجاعنا إلا الموت». هذه العبارة التي قالها الطبيب قاسية جدًّا، وهي تبين مدى تأثر الناس بالحرب؛ حتى الأطباء النفسيون أيضًا يعانون أعراضَ ما بعد الصدمة، لدرجة تجعلهم لا يُخْفون مشاعرهم السلبية أمام مرضاهم الموجوعين.
0 تعليق