بواسطة معتصم الشاعر - روائي وناقد سوداني | مارس 1, 2026 | مقالات
«الأدب هو شكل من أشكال التحليل النفسي البديل، لكنه لا يحتاج إلى محلل أو عيادة» دانييل لاجاش
لا شيء في التجارب الإنسانية يماثل الحرب؛ فهي قادرة على إثارة طيف واسع من المشاعر المتناقضة. فالحرب لا تثير المشاعر السلبية فقط، بل تثير أيضًا الانفعالات الإيجابية، كالفرح بالنجاة من موت محقق أو النجاة من آثار الحرب التي قد تسبب حالة نفسية تستلزم دعمًا متخصصًا، وتعرف هذه الحالة باضطراب ما بعد الصدمة.
وقد تناول عدد من الأدباء السودانيين موضوع الحرب الدائرة في السودان منذ إبريل 2023م وتداعياتها، وفي هذه المقالة سنحاول استكشاف معالجة الأديب حسام الدين صالح لأعراض اضطراب ما بعد الصدمة في مجموعته «تكرارات الخرطوميين» (دار المصورات للنشر) أعد هذه المجموعة من النماذج الأدبية الثرية بتصوير الحالات النفسية لأبطالها، وقد شدني إليها تقديمها لمشاهد مكثفة، تستوفي المعايير التشخيصية لاضطراب ما بعد الصدمة التي وصفها الإصدار الخامس من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الذي تصدره الجمعية الأميركية للطب النفسي. ومن هذه المعايير: إعادة المعايشة للحدث، والتجنب، والتعديلات السلبية في المدركات والمزاج، والتغير في الاستثارة، ورد الفعل المرتبط بالحدث الصادم. وسنسعى لبيان ذلك بالتفصيل.
أعراض الذكريات الاقتحامية
يسترجع الشخص المصاب الحدث المؤلم على شكل ذكريات مؤلمة، كوابيس متكررة عن الحدث ورموزه، ومضات الذاكرة، حيث يشعر الشخص أو يتصرف كما لو أن الحدث يحدث أمامه من جديد. في مجموعة «تكرارات الخرطوميين» نلحظ أن عناوين جميع القصص تدل على التكرار؛ فكلها جاءت بصيغة التفعُّل، وهي توحي بمعايشة الأحداث. وهنالك أمثلة عديدة. ففي قصة «تلمُّع»، يعيد لنا الراوي ما مر به وهو في طريقه إلى ملجأ آمن. يقول: «دقت الواحدة فجرًا بساعة يد وحيدة نجت من نهب قطاع الطرق، وهطل علينا العيد، بمكان على تخوم ليبيا. تبللنا بالحزن بعرض الرمال اللامتناهية دون وطن يحمي الرؤوس، وسط الظلام وبين جموع اللاجئين. كانت الأخت الكبرى الوحيدة التي تسطع، كانت نجمًا لأنها كانت تكبرنا بمليون سنة شوقيّة». وفي قصة «تقوُّض» يسترجع الراوي مشاوير النزوح: «جررنا تعبنا جرًّا نحو مقهى متهالك على الطريق، كان مشوار النزوح مرهقًا، لم تفلح كل تكرارات الشاي على هزيمته، نمنا على مقاعدنا، وظل وحيدًا يشاهدنا التلفاز».
أعراض التجنب
غالبًا ما يحاول الأشخاص المصابون باضطراب ما بعد الصدمة كبت الأفكار، وتجنب المواقف والأشياء التي تذكرهم بالحدث الصادم بشكل شعوري أو لا شعوري، وذلك من أجل تجنب الشعور بالخوف، والغضب، والتجمد، والقلق، والتوتر، والحقد، وحماية الذات من الضغوط التي قد تنتج من تذكر الحدث الصادم.
يحاول النازحون عن قصد نسيان الذكريات، ففي قصة بعنوان «تَهرُّب» -وهو عنوان صريح يدل على التجنب- يُخبرنا الراوي: «تحلقنا في مركز إيواء النازحين من كل الخرطوم وود مدني والمدن المجاورة، وفي دواخلنا نشرة أخبار: فيضانات، كوارث، اتفاقات، بورصات، زيجات، حروب، فيضانات، طرائف… كنا لا نحكي الحكايات حين نريد للنوم أن يأتي مسرعًا، كنا نشاهد نشرات أخبارنا فيهرب النوم». ويحاول الناجون نسيان ما مر بهم ليتصالحوا مع الحياة، يحاولون بقدر الإمكان كبح الذكريات التي تقتحمهم. وفي المجموعة ينجح بعضٌ في النسيان لدرجة أن ينسى الصديق صديق الطفولة.
التغيرات السلبية في الأفكار والمشاعر
يصاحب اضطراب ما بعد الصدمة تغير في المدركات وتنشأ عنه أفكار ومعتقدات سلبية أو توقعات سلبية ومبالغ فيها حول الذات والآخر أو العالم. في قصة «تقلُّب» يرى الراوي الخفافيش- وهي رمز لقوى الظلام ومصاصي الدماء- فيرى أنها تمثل العالم الذي نعيش فيه كأنه وجد فيها إجابة لسؤال أرهقه طويلًا: «يا للحظ! الخفافيش الناعسة ترى العالم على حقيقته: مقلوبًا كما يجب». ونجد مثل هذه الرؤية أيضًا في قصة «تديُّن»: «في العالم ما قبل الآخر: يسرقك اللص ويطالبك بالتوبة، يقتلك السفاح ويدعو لك بالرحمة، ويعتقلك السجان ويصلي بحقوق الإنسان». كل شيء مقلوب ولا يشبه ما هو إنساني.
وفي قصة «توحش» يتجلى رفض الضحية لهذا الوضع حين يتذكر الطريقة التي ماتت بها إحدى النساء العزيزات على قلبه: «متذكرًا موتها، يرتدي فروة، عازمًا ألا يلبس جلد إنسان مرة أخرى». إنه يريد أن يعلن انشقاقه تمامًا عن عالم البشر القاسي بتغيير جلده وارتداء فروة حيوان، فالحيوان ربما أقل فتكًا وأقرب من البشر إلى القيم النبيلة في رأيه. أما الموت فيتحول في نظر أحدهم إلى توأم سيامي للمواطن السوداني، في قصة «تجنس» يقول: «كل النهار قضيناه تجوالًا نحن موظفو العدالة، صعب علينا التفريق بين الموت والمواطن في الشوارع، لقد استلم الموت الجنسية». وباستلامه الجنسية قد صار الموت رسميًّا مواطنًا سودانيًّا، وعلى الجميع -بشرًا وغيرهم- التعامل معه على هذا الأساس.
أعراض فرط التيقظ
يكون المصاب باضطراب ما بعد الصدمة متيقظًا دائمًا، يثيره أي شيء، يكون متوترًا يدخل في نوبات غضب وانفجارات، ويشعر بالخوف أو الفزع بشكل مبالغ فيه عند التعرض لأي منبه مفاجئ، كما أنه يعاني صعوبةً في التركيز واضطرابات في النوم.
من الأمثلة التي تتضمن هذه الأعراض قصة «تخوُّف»: «يرتعد منه الأرق. ابنه الذي يرفض النوم مبكرًا أصبح ينام بعد دقيقة واحدة من نشرة التاسعة. كان الأب يعاقب ابنه كل ليلة بنشرة الأخبار التي لا تتوقف عن القتل». الابن يعاني الأرقَ، والأبُ الذي يجهل أن ابنه في حاجة إلى علاج وليس إلى عقاب، يعاقبه على أرقه بمشاهدة أخبار القتل في نشرة التاسعة، ولكي يتجنب الطفل تلك الذكريات صار ينام باكرًا. ومن الأمثلة على فرط الاستثارة، نجد أن شيئًا عاديًّا كدخول الهواء إلى الأنف وخروجه يمكن أن يثير ذكريات عن الحرب.
ففي قصة «تنفس» يقول: «ما زلت أنتظر أن تحك الدبابة فوهتها لتعطسني أنا المحشور فيها منذ عام سابق. الدبابات كما الحروب نشهقها وتزفرنا. استقبلوني الآن أنا العائد إليكم فقد حطت الكراهية على أنفها الطويل». أنف الإنسان تذكره بفوهة الدبابة، ودخول الهواء وخروجه مثل تذخير الدبابة وإطلاق داناتها.
والأغرب من ذلك أن رؤية شخص ليده التي هي جزء منه يمكن أن تكون مثيرًا دائمًا يذكر بالحرب، يبث التوتر ويشتت الانتباه. نقرأ في قصة «ترحُّم»: «لا يعرف أن يضع يده، مشكلته مع العالم مكانية بحتة، توتره وتشتت انتباهه وتجعله مثل الأبله في عيون الآخرين. زيارة تاريخية إلى مسقط رأسه أراحته من يد، هي الحرب كيف نشكرها على ما لا نفعله نحن من أجلنا».
يبدو أن كاتب المجموعة يستند في منهجيته السردية إلى معرفته بالدراسات النفسية. ومما يدعم هذه الفرضية بعضُ الإشارات إلى البوح الذي تشهده العيادات، كأن القصص كلها يقصها شخص لطبيبه النفسي. فأحد الرواة يخبرنا بيأسه الذي شكاه للطبيب، فيقول في قصة توجُّع: «شكوت للطبيب وجع الوطن، فقال لي: انظر إليّ أنا مثلك تمامًا، ولا علاج لأوجاعنا إلا الموت». هذه العبارة التي قالها الطبيب قاسية جدًّا، وهي تبين مدى تأثر الناس بالحرب؛ حتى الأطباء النفسيون أيضًا يعانون أعراضَ ما بعد الصدمة، لدرجة تجعلهم لا يُخْفون مشاعرهم السلبية أمام مرضاهم الموجوعين.
بواسطة معتصم الشاعر - روائي وناقد سوداني | يناير 1, 2025 | كتب
«غراميات استثنائية فادحة» عملٌ سردي للروائي والمترجم والأكاديمي السوداني عاطف الحاج سعيد، صنَّفه مؤلفه في شكل متتالية حكائية، وقد فازت هذه المتتالية بمنحة الصندوق العربي للثقافة والفنون في عام 2023م، وصدرت عن منشورات عندليب. وعلى الرغم من أن الكاتب قد صنفها كمتتالية حكائية، فإنها تمتاز بكل مقومات الرواية من ناحية البناء والمعالجة السردية.
تتناول المتتالية حكايات مهاجرين إلى أوربا، يعيشون حول غابة كاليه، في انتظار فرصة لعبور المانش، وحياة أفضل في الغربة، مشردون جاؤوا من بلاد الدفء إلى بلاد الصقيع بلا خطة، بلا مال. وقد صكَّ الكاتب نصه بلغة جميلة، تمتاز بتداخل السرد مع الأسلوب الشعري، حيث ينسج الكاتب خيوط حكايات شخصياته بلغة تنبض بالحساسية والشعرية، والشعرية في هذه الرواية لا تقتصر على جمالية اللغة وحسب، بل تمتد إلى نواحٍ أخرى، مما يضفي على العمل أناقة تجعله أكثر حداثية.
وفي هذا المقال، سنستكشف كيف وظّف الكاتب الشعرية في بناء عالم المتتالية، وقدرته على تحويل اللغة إلى تجربة حسية تلامس العواطف، وتفتح آفاق الخيال، وتثير التساؤلات حول موضوعات النص المركزية: الحب، الفقدان، الحرمان، الهجرة، الغربة، الأحلام والوطن.
عنوان المتتالية يحمل ظلالًا شاعرية، فموسيقا العنوان «غراميات استثنائية فادحة» النابعة من التنوين والياء المشددة والألف، توحي بالتموج والترابط، مما جعله أقرب إلى مقطع من شعر التفعيلة، كما أن تركيب العنوان يوحي بالثقل الملقى على عاتق الغراميات عبر إضافة صفتي الاستثنائية والفداحة، وما يصاحب هاتين الصفتين من ظلال شعورية تسقط على ذاكرة القارئ. أما من ناحية الموضوع، فقد تغنى الشعراء بالغرام كثيرًا وصدحت الحناجر عنه بالأغنيات. ويبدو من التحليل السيميائي للعنوان، أننا أمام ثلاثة مفاهيم تعبر عن الحب والشغف، والتفرد والتميز، والخطورة أو الألم، ويقدم لنا تصورًا لعلاقات عاطفية قوية، نادرة في طابعها، ولكن نتائجها قد تكون ثقيلة أو مؤلمة، وهي دعوة للقارئ لاستكشاف طبيعة هذه العلاقات ونتائجها، وقد تثير في نفس القارئ ذكريات غرامياته الخاصة، التي قد تكون من بينها غراميات استثنائية أو فادحة، وقد تكون بفعل السحر الذي تجيده الغجريات.
شعرية الاقتباس
يحاول الكاتب تأسيس شاعرية نصه السردي، من عتباته النصية، بدءًا من العنوان والتصنيف الأدبي، إلى الاقتباس. يقتبس قصيدة جميلة من الشاعر الإسباني فيديريكو غارسيا لوركا، الذي يعرفه القارئ العربي بثوريته وشخصيته الاستثنائية ومعارضته للفاشية، التي أدت إلى إعدامه، وقد حظيت أعماله بترجمات عدة، ويتردد اسمه كثيرًا في السياق الثوري، مما جعله أقرب إلى الرمز، وهذا الاقتباس يؤسس للحالة المزاجية التي يتلقى بها القارئ النص:
«بأرواحٍ من الجلد اللامع/ يَأتون عَبْر الطريق/ مُحْدَودَبين وليليين/ وحيثما يَحلون/ يَنشرون صمتًا من المطاط الداكن/ ومخاوف من الرمل الناعم/ يمرون إذا شاؤوا/ مُخَبئين في رؤوسِهم/ فلكًا غامضًا/ من الغَداراتِ غير المُتَجسدة».
هذه القصيدة تحمل بين سطورها ما تعانيه شخصيات المتتالية من عنت الطريق، وشجن الليل ومرارة الاختباء.
من خلال التركيز على الإيقاع، والإيحاء، والتركيب الفني للجمل والكلمات، تعبر الشعرية عن جماليات اللغة وقدرتها على تجاوز التعبير العادي. وفي الغراميات يوظف الكاتب الجمل القصيرة، لخلق الإيقاعات المتسارعة، «تستيقظ صباح اليوم التالي، تنهض في الحال، تفتح سحاب الخيمة». إيقاع سريع أقرب إلى المونتاج السينمائي، أفعال في صيغة المضارع توحي بالآنية والحركة، وفي حالات التأمل يستخدم جملًا طويلة، تجسِّد النَّفَس الهادئ والروح الساكنة. مثلًا كودي يتذكر قريته: «كنت عندما أنظر إلى الجبال التي تحيط بها، وإلى الخضرة والغابات على السفح، وإلى الهواء الطازج الذي يبترد أكثر عند تخلله لأكواخ القش التي بللتها مياه الأمطار لأيام، كنت أظن أن قريتي هي المكان الأجمل على سطح الأرض».
الإيقاع من خصائص الشعر، وقد يكون الإيقاع داخليًّا، وفي النص الذي بين أيدينا، استخدام رائع للإيقاع، فبعض المقاطع تكاد تصل إلى درجة قصائد النثر. مثلًا هذا المقطع: «كان غيم اللامبالاة يتكاثف على سمائه؛ ليظلله في كل وقت من هجير الحياة، ينظر الماء الأجاج، يقعد على ركبتيه، يغرسهما في الرمل الرطب»، العبارات شاعرية، والمقطع يمكن إلقاؤه كقصيدة. وقد يتضمن النص إيقاعًا داخليًّا من خلال تكرار الكلمات أو الأصوات أو بناء الجمل بطريقة موسيقية تجعل القراءة تجربة إيقاعية، ومثال ذلك: «يتأمل الباحة الزرقاء الممتدة أمامه إلى ما لا نهاية، يتحسس الوجع في قلبه، يتحسس وقع غياب رندا على روحه المنهكة، يتحسر على ضياع عدميته التي سبقت لقاءه برندا». هنا الإيقاع ناتج من جرس الكلمات المتشابهة: «يتحسس»، «يتحسر»، ومن طول الجمل.
في مقطع آخر: «أنا أقاتل ليل نهار؛ لأثبت أني معافاة، لأثبت أني أقوى من تيار البؤس الذي يجرف حياتي، عندما أنظر إلى الناس في باصات النقل العام، أعرف أنّ خلف صمتهم مواتًا كبيرًا وبؤسًا مقيمًا». والجملة الأخيرة شطر بيت عروضي. إننا نجد الاهتمام بالإيقاع في معظم المقاطع السردية، لكنني أكتفي بمقطع أخير: «ليس وراء أمر الخلخال أسرار -لولا همزة وراء لكانت هذه الجملة شطر بيت عروضي- كنت في طفولتي أرى الريح وهي تمر، يرى الناس الريح من خلال ما تحدثه من أثر، لكنني كنت أراها حتى قبل أن تتجسد في انحناءة غصن، أو تأرجح مصرع نافذة، أو انفتاح تنورة واسعة، أو اصطفاف الموج في بحر الخريف، وحتى قبل التهامها لحبيبات العرق، على جبين مزارع يفلح حقله في نهار صيفي قائظ، كنت أطاردها على ممرات الحقول». يا للصورة البديعة! تكاد تجد مثل هذا الدفق الشاعري في كل صفحة، الإيقاع وحده يثير في النفس معاني شتى، توسع من دوائر النص الدلالية، وهنالك امتزاج بين الشعرية والسردية، وهذا أبعد النص من الغنائية وهي من صفات الشعر الخالصة.
كسر الزمن السردي
الرواية فن زمني، الزمن وعاء للحدث، بعكس الشعر الذي هو فن إيقاعي، في هذه المتتالية هنالك تقطيع في الزمن، مما يزيد من النزعة الشعرية فيها، تحدث أحداث أمام أعيننا عند روايتها بالزمن المضارع، ثم ننسحب إلى الوراء لنتأمل الماضي، ثم نقفز إلى آمال المستقبل، تعالج الرواية أيضًا تعاقب الفصول، وتوظف ذلك في إبراز الحالة النفسية للشخصيات، وقد نجد الفصول الأربعة في صفحة واحدة، «يمضي فترة ما قبل الظهيرة، في مواسم الصيف والربيع، في بلاس دآرم مواجهًا لتمثال شارل ديغول وزوجته إيفون… أما عندما يأتي الشتاء، فيضطر لقضاء المساء والليل في منزل مهجور… صيفًا يرتاد سيد راستا شاطئ كاليه الرملي».
تكمن الشعرية في الاستخدام الجمالي للغة والصور والأفكار لخلق تأثيرات فنية تتجاوز مجرد نقل المعاني. يستخدم الكاتب لغة تعتمد على التكثيف والمجازات والاستعارات ويرسم صورًا شعرية نابضة بالحياة والتأمل، ويورد تفاصيل كثيرة تثير الحواس الخمس مما يعمق التجربة الحسية، وهذا يتيح للقارئ فرصة تصور المشاهد والأفكار بوضوح وعمق أكبر؛ مما يمنح الرواية عمقًا وأكثر دعوة للتأمل. مثال في وصف راستا: «يمضي وقت طويل ضائع في طرقات هذه المدينة، مغبر ومنهك مثل حذاء جلدي قديم، دارت عليه فصول وهو ملقى على حافة طريق موحش»، الصورة تثير في النفس معاني التجاهل واللاقيمة والوحشة. وفي مكان آخر: «كان القمر ليلتئذ قابعًا في استحياء على فناء مداره يغالب عزلته الشهرية». يا للقمر الذي يستحي ولديه عزلة شهرية! إنه كائن بشري ضمن شخصيات الرواية. ويصور حالة حزن لأم، يقول: «تسحب حبات مسبحتها بإيقاع أسرع فيبدو لي وكأنها تدفع بالزمان إلى حافة الهاوية». ويصور أسى راستا وهو ينزع أوتار الغيتار، يقول: «ثم ينزعها بأسى مثلما تنزع أم عجلى أسنان طفلها اللبنية». هذه الصور تضاعف من الأثر النفسي عند القارئ بما تولده من مشاعر، وهذا النص حافل بذلك. يعالج الكاتب المشاهد الحميمية ببراعة، عبر لغة رفيعة تزيل عن مثل هذه المشاهد ثوب الابتذال.
لا تقتصر الشعرية في الغراميات على السرد، بل تمتد إلى الحوار أيضًا. يقول سائح إنجليزي موجهًا كلامه إلى سيد راستا: «لا تبتئس، يمكنك الانتظار هنا حتى حلول الليل، فقد تخرج حورية يائسة، فتقايضك يأسها، وتحملك على ظهرها نحو الضفة الأخرى». وهذا مقطع شعري بامتياز من ناحية كثافة اللغة والإيقاع والأخيلة، وفي حوار آخر: «أرغب بأن أهاجر»، «أين ستذهب؟»، «بلاد الله واسعة، ستضيع حياتي إن مكثت هنا، ربما سأذهب للحرب كما فعل أبي». هذا الحوار على الرغم من بساطته، فإنه يحمل شحنات شعورية، من دلالات الكلمات، الهجرة كحل صعب بعد انسداد الباب أمام حلول الوطن، الحيرة والخوف من المجهول بالسؤال عن الوِجهة، الخيارات المفتوحة التي هي في النهاية خير من الذهاب للحرب، وكلمة الحرب هذه تثير في النفس كل معاني القسوة الإنسانية.
هذا يكفي لإلقاء الضوء على شعرية الغراميات، ولولا أننا في عصر الاختصار لاستطردنا، وأمضينا وقتًا أطول مع هذا العمل الفني الغني، الذي يستحق الكتابة عنه من زوايا مختلفة، فهو عمل مفتوح -إذا استعرنا قاموس ألبرتو إيكو- قابل لقراءات وتأويلات متعددة.