كان بعضُنا في الماضي يشتكي ندرةَ دُور النشر في العالم العربي، وبتنا الآن جميعًا نستغرب تكاثرَ دور النشر. فلا يمر فصلٌ إلا ونسمع عن ظهور دار نشر جديدة، وهذا أمرٌ جيد بالنظرة الشاملة إلى حال النشر والثقافة في العالم العربي، لكن ما نستغربه هو الطفرة التي تجعل الموضوعَ حديثَ الساعة؛ لذا نخشى أن يتضاءلَ أو يخبو نهائيًّا بعد مدة. والحقيقة أن ما نخشى تضاؤله وخبوه ليس دور النشر في حد ذاتها، إنما نشاطها وقدرتها على التطور والامتداد.
في هذا الوضع الغريب، تحدث معنا بعضُ الأمور العجيبة التي يصعب على المرء أن يفهمها: ظواهر تستحق الوقوف عندها. فعلى سبيل المثال، يتواصل معي شاب ناشطٌ في ترويج الروايات على وسائل التواصل، ويطلب مني أن أرشحَ رواية إيطالية لدار نشر عربية عريقة، عريقة جدًّا، ويلحّ إلحاحًا شديدًا في طلبه، حتى إنك تود أن تترك كل أعمالك ومشاغلك لتحققَ له طلبه. وبعد ذلك، تتواصل معي الدار العريقة ونتفق على ترجمة الكتاب الذي رشحته بنفسي للشاب الناشط. ثم يصدر الكتاب، ثم لا شيء، يتبخر إلحاحُ الشاب الناشط، ويتبخر الشاب نفسه، وتنشغل الدار العريقة بكتب أخرى، لا تجد من يقول رأيه عن الكتاب، لا سلبًا ولا إيجابًا. لا يبدو أن الدار العريقة مهتمة حتى في الإعلان عن الكتاب على صفحاتها أو مواقعها. تبخر المشروعُ كله.
مسألة معقدة
ولكن ليست هذه هي المشكلة، فانتشار الكتاب من عدمه هي مسألة معقدة ولا تسلك الكتبُ كلها المسلكَ ذاته، كما أننا في معظم الأحيان نترجم لتأمين الكتاب في المكتبة العربية، لا نهتم كثيرًا في موضوع الانتشار. فإن انتشر الكتاب فالحمد لله، وإن لم ينتشر فقدرَ الله وما شاء فعل. المشكلة أن الدار العريقة تتلكأ في إرسال النسخ التي نص عليها العقد إلى المترجم، بحجة أنهم لا يشحنون كتبهم خارج بلدهم إلى عناوين خاصة، بمعنى أنه يجب على المترجم أن يحجز تذكرة طيران وإقامة وفيزا وخسارة أسبوع على الأقل ليذهب إليهم، إلى مكتبهم، ليحصل على حقه في الكتاب الذي ترجمه. فهل هذا معقول؟ أين العراقة في مثل هذه التصرفات؟
والمشكلة الأخرى، وهذا ما يثير العجب: يظهر الشاب الناشط بعد مدة على صفحته قائلًا: إنه ترجم كتابًا عن لغة معينة، وسيصدر بإذن الله عن دار نشر معينة، ليست هي نفسها التي تواصل معي من أجلها، التي ينبغي أنه يتعاون معها على التوسط بينها وبين المترجمين، بل دار نشر أخرى. كنت أريد أن أسأله عن رأيه في الكتاب الذي ترجمته بناء على إلحاحه، لكنه مشغول بالتعاون مع هذه الدار وبترجمة كتب لدور نشر أخرى. فما هذه الحالة؟ من هؤلاء؟ ماذا يريدون؟ ولماذا يتصرفون بهذه الطريقة؟ لماذا كل هذه الفوضى في سوق النشر؟ وكيف يستطيع المرءُ أن يعمل وسيطًا لدى دار، ومترجمًا عند دار أخرى؟ ولماذا في الأساس كل ذلك الإلحاح على الطلب من مترجم معين ترجمة كتاب، أي كتاب يريده، ثم لا تعلن الدار نفسها عن إصدار هذا الكتاب؟
أعتقد أن هذه الدُّور لا تهتم بموضوع الاحترافية. يبدو أن أصحابها معنيون في الأساس بالحصول على منحة مالية كبيرة، وحالما حصلوا عليها فإن آخرَ ما يهمهم هو الكتاب، ولعل التلكؤ في إرسال نسخة للمترجم مردّه أن الدار لم تطبع أكثر من خمسين نسخة، بالحد الأقصى، ترسل نسختين منها للجهة المانحة، لإثبات أنهم عملوا واجتهدوا فاستحقوا المنحة، ونسختين أو ثلاثًا لمشاركة شكلية في معارض الكتاب، وتبقى النسخ المتبقية في المستودعات. أما لغز الشاب الناشط الوسيط، فعلمه عند الله!
معوقات الاحتراف
المعوقات التي تحول دون بلوغ بعض الدُّور الناشئة مرحلة الاحتراف كثيرة جدًّا، لكن أهمها يكمن في استعجال الربح المادي، والاستخفاف بمهمة النشر، وغياب الرؤية والخطة الأساسية لنشر كتاب دون غيره، أو للتعريف بكاتب دون غيره. أضف إلى ذلك أن معظم هذه الدُّور تقدم نفسها أنها مكتبة، تجد فيها كل ما تريد، وتبتعد من التخصص في نشر مواد معينة، وتتلافى التركيز على خط أدبي أو فلسفي مميز. وبطبيعة الحال، هذا لا يعني أن تنشر الدارُ نمطًا أدبيًّا واحدًا، أو أن تكون موردًا لعلومٍ معينة؛ لأن التنويع جميل أيضًا، لكن ما نقصده هنا هو اتخاذ هوية تتفرد بها، وتشكيل شخصية نشرية تساعدها في أن تكون علامة في هذا المجال. ونسأل الله التوفيق لكل الناشرين!
أما الرقابة، فهذه قضية أزلية أبدية في عالم النشر العربي، وتتضح معالمُ أزمتها مع الكتب المترجمة؛ ذلك أنك لا تملك سلطانًا كاملًا على ما يريد الكاتب الكولومبي أو البريطاني أو سواهما أن يقول. تبقى الرقابةُ في معظم البلدان العربية مهيمنةً على نشاط النشر، وتتحكم كثيرًا في توجيه الذوق. والمشكلة أننا لا نستطيع فرضَ ذوقنا على أدباء العالم أجمعين، ولا يجوز للمترجم العربي في القرن الحادي والعشرين -وبعد أن قطعت دراساتُ الترجمة وعلومُها وفنونُها أشواطًا كبيرة- أن يزيل ويضيف ويحور ويحرف بناء على هوى الرقيب، الذي غالبًا ما تكون دوافعه كيدية.
ولا نفهم أساسًا ما الذي تعنيه الرقابة في عالمٍ منفتحٍ ومتاحٍ كالذي نعيشه اليوم، سوى أنها تقطع طريقَ الناشر وتُنغص عملَ المترجم وتُبطئ سرعةَ التواصل الثقافي والحضاري بين الشعوب والمجتمعات. هذا لأننا لا نعلم رأي الرقيب، وفي الأمر تقصيرٌ من الصحفيين أيضًا، الذين كلما أرادوا الخوضَ في قضية الرقابة، توجهوا بأسئلتهم إلى الكُتاب والمترجمين والناشرين، فتغيب عنا وجهةُ نظر الرقيب. نتمنى أن يكون هناك تواصلٌ أعمق لفهم الأسباب والدوافع… قد يفيدنا صديقي الشاب الناشطُ في التوسط لدى الرقيب كذلك!
0 تعليق