المقالات الأخيرة

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية: الاطراد والتجريب

وصفتان لتطوير علومنا السلوكية:

الاطراد والتجريب

العلوم السلوكية Behavioural والذهنية Cognitive تطورت تطورًا مذهلًا في العقود الماضية، وانتقلت من كونها: تأملات فلسفية أو خواطر نفسية أو شذرات أدبية حول «الطبيعة البشرية»، إلى علوم متحاقلة (=بينية) تعتمد على: البيانات الدقيقة والملحوظات المتراكمة والأدلة الصلبة، بما في...

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

«رغم أنهم قد أحبوا، فـإنهم قتلوا أحبــــابهم»

في بداية علاقتي بالكتابة، كانت جملة «اقتل أحباءك» أو «اقتلوا أحباءكم»، Murder your darlings التي سمعتها على لسان العديد من أصدقائي الكتاب، وتعبر عن اتجاه متقشف في الكتابة من دون زخارف جمالية، والتي قالها الروائي الأميركي وليم فوكنر لإرنست همنغواي، سواء في سياق مباشر...

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

العبودية الفكرية الحديثة: بين أوهام التحرر وهيمنة الخطاب الدولي

قراءة في تواشج القانون والمعرفة والسلطة

في عالم اليوم، يعيش الإنسان حالة متناقضة من الحرية المقنّعة؛ فهو يخال نفسه حرًّا بينما تتسلل القيود الخفية إلى وعيه عبر الخطاب المؤسسيّ، والشاشات، وسائل الإعلام، والشبكات الاجتماعية، والبرامج التعليمية، والقوانين الدولية التي تُعرض كمعايير مطلقة. هذه الظاهرة، التي...

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

«كيفك أنت زياد الرحباني» لإبراهيم عبدالفتاح

طفل ينظر إلى العالم من نافذة مائلة

تصنف منشورات بتانة كتاب «كيفك أنت زياد الرحباني» للشاعر إبراهيم عبدالفتاح، الصادر حديثًا، أنه كتاب «سيرة». فهل كتب الشاعر المصري سيرة الموسيقار الراحل؟ أم إن إبراهيم عبدالفتاح يكتب سيرته التي ربما تقاطعت في بعض جوانبها مع حياة زياد الرحباني؟ انتفت تساؤلاتي بعد قراءة...

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

حين يُنصت الشعر إلى نفسه… ويطمئن العالم

ما مستقبل الشعر؟ لا يسأل المرء عن مستقبل ما لم تتزعزع ثقته به، ولا يتأمل مصير ما لم يُخَيَّل إليه أن الظلال بدأت تُزاحم الضوء؛ لذلك يبدو سؤال مستقبل الشعر أشبه بقلق طارئ، أو رعشة خاطفة تصيب يدًا تمسك بقنديل لم يُطفأ يومًا، حتى حين بدا وهجه ضعيفًا في أعين من ظنوا أن...

إدهام حنش: سؤال التجديد في الفن العربي الإسلامي

يقوم على المعرفة والمنهج لا على الإحياء والترميم

بواسطة | مارس 1, 2026 | فنون

على الرغم من تسارع التقنيات واختزال الفنون إلى وظائف، فلا يزال الخط العربي كائنًا حيًّا، نابضًا بالمعنى، متجذرًا في الروح، وممتدًّا في الذاكرة الحضارية للأمة. وبين من يكتب الحرف ومن يفكك بنيته، يقف الدكتور إدهام حنش بوصفه فيلسوف الخط العربي، لا كخطاط فحسب، بل كمفكر تأصيلي أعاد للخط العربي مكانته المعرفية، وحرّره من أسر الزخرفة إلى فضاء الفكر والجمال والهوية. فضلًا عن انشغالاته بالفنون العربية الإسلامية عمومًا، متأملًا في تحدياتها الراهنة وكيف يمكن أن تحافظ على أصالتها ومواكبتها للعصر.

في هذا الحوار لـ«الفيصل»، لا نكتفي بسؤال الحرف عن شكله، بل نسأل عن روحه، عن منطقه الداخلي، عن علاقته بالوجود واللغة والعمران، وعن موقعه ضمن منظومة الفنون العربية الإسلامية. نرافق الدكتور حنش في رحلة بدأت من كُتّاب جامع يحيى الإمام في الموصل، وامتدت إلى فضاءات التنظير الفلسفي، حيث تحوّل الخط من صنعة إلى علم، ومن علم إلى ثقافة، ومن ثقافة إلى نظام معرفي مستقل، يُجاور اللغة والفلسفة في بنيته وعمقه.

والدكتور إدهام محمد حنش، خطاط وباحث عراقي من مواليد الموصل عام 1961م. حاصل على دكتوراه في التراث العلمي العربي والمصطلح الفني من معهد التاريخ العربي ببغداد. شغل مناصب أكاديمية وإدارية عدة، منها عميد كلية الفنون والعمارة الإسلامية بجامعة العلوم الإسلامية العالمية، ورئيس القسم الأكاديمي في جامعات أردنية، وعضو هيئة تحرير لمجلات متخصصة في فنون الخط العربي. له مساهمات علمية بارزة في مجال الخط العربي، منها تحقيقات لمخطوطات نادرة، وتأليف كتب مثل: الخط العربي وإشكالية النقد الفني، والخط العربي في الوثائق العثمانية. نال جائزة الإبداع من وزارة الثقافة العراقية عام 1999م تقديرًا لجهوده البحثية والفنية.

الخط من مهارة إلى مشروع فكري

  كيف تشكّلت أولى ملامح علاقتك بالخط؟ وهل كانت البدايات تحمل بذورًا لما أصبح لاحقًا مشروعًا فكريًّا وفلسفيًّا وفنيًّا…؟

  بدأت علاقتي بالخط العربي منذ الطفولة، أثناء تعلمي القرآن الكريم في كُتّاب جامع يحيى الإمام بمدينة الموصل، حيث ظهرت موهبة الصنعة الخطية لديّ، وتطورت لاحقًا من خلال دراسة منهجية دقيقة لأصول الخط وقواعده على يد الخطاط الكبير يوسف ذنون الموصلي، الذي كان له دور بارز في رعاية تجربتي الفنية خلال مراحل الدراسة. مارست أنواعًا متعددة من الخط، منها الرقعة والديواني والنسخ والثلث والكوفي، وعملت في مطبعة جامعة الموصل وبعض الصحف المحلية، وهو ما عزز خبرتي العملية.

ومع مرور الوقت، تنبّهت إلى وجود فراغ نظري في فن الخط؛ إذ رغم كثرة الخطاطين، يفتقر هذا الفن إلى الباحثين والنقاد والمؤلفين الذين يتناولونه من زاوية فلسفية وجمالية. هذا الوعي دفعني إلى التحول من ممارسة الصنعة إلى التفكير في ماهية الخط العربي، والتنظير في بنيته المعرفية، والنقد في طبيعته الفنية.

أدركت أن الخط لا يقتصر على المهارة اليدوية، بل يتضمن ثلاثة أبعاد معرفية: الصنعة، والعلم، والثقافة. فهو فن يجمع بين الهندسة والموسيقا والبلاغة، ويتصل بفلسفة الحضارة وفقه العمران، ويُعد منتجًا ثقافيًّا يعكس عمق الهوية. هذا الإدراك كان نواة مشروعي الفكري الذي ركز على المفاهيم والنظريات والمناهج النقدية، سعيًّا لتأسيس رؤية معرفية لفن الخط تتجاوز التاريخ والأعلام إلى جوهر الفن نفسه.

  هل تعتقد أن الخط العربي يحمل بنية معرفية مستقلة؟ وهل يمكن عدّه «نظامًا معرفيًّا» كما هي الحال في اللغة أو الفلسفة؟

  الخط العربي يمتلك بنية معرفية مستقلة يمكن عدّها نظامًا معرفيًّا متكاملًا، شأنه شأن اللغة والفلسفة. فَهْم الخط لا ينبغي أن يقتصر على وظيفته التدوينية، بل يجب أن يُنظر إليه ككائن لغوي وثقافي وحضاري وجمالي ومعرفي حي، يعكس هوية الأمة وعمقها الحضاري، وبخاصة في ظل التحولات الكبرى والذكاء الاصطناعي.

السؤال الجوهري هنا هو: كيف نفهم الخط العربي؟ لا من خلال النظرة الوظيفية السطحية، بل عبر تأمل عميق في صورته الخطية وحقيقته الوجودية، التي تجسدت عبر مفهوم «حسن الخط» لدى الفقهاء والفلاسفة والعلماء والفنانين. فالخط هو صورة الكتابة، والكتابة قسيم اللفظ في تصوير المعنى، وهو ما يجعله كائنًا لغويًّا حيًّا.

كما أن الخط يحمل بعدًا ثقافيًّا مرتبطًا بالقرآن الكريم والمصحف الشريف، ويُعد رمزًا للهوية والخصوصية. وهو أيضًا كائن حضاري يتجلى في نوعين من الكتابة: الإنشائية والخطية، ويُعد عنصرًا أساسيًّا في الفنون الإسلامية التي تحمل قيمًا جمالية وتشكيلية. وقد صنّف طاش كوبري زاده العلوم الخطية ضمن سبع مراتب للعلوم الإسلامية، وقسمها إلى شعبتين: الأولى تتعلق بصناعة الخط وأدواته، والثانية بإملاء الحروف وتكوين أشكالها. ويمكن اليوم توسيع هذا التصنيف ليشمل علومًا جمالية وتعليمية وتنظيمية لفن الخط. وبذلك، يتضح أن الخط العربي يمتلك نظامًا معرفيًّا خاصًّا، تطور عبر التاريخ، ويوازي الأنظمة المعرفية الكبرى الأخرى.

الخط العربي امتداد وجودي للذات

  في محاضرة لك عن «المقياس الإنساني لأشكال الحروف»، ربطت بين صورة الحرف وصورة الإنسان. هل ترى أن الخط العربي يتجاوز كونه فنًّا بصريًّا ليصبح امتدادًا وجوديًّا للذات الإنسانية، ووسيلة لفهمها كما أرادها الخالق؟

  السؤال يطرح رؤية فلسفية عميقة تربط بين الخط العربي وصورة الإنسان، وتُبرز البعد الوجودي لهذا الفن، بوصفه امتدادًا للذات الإنسانية ووسيلة لفهمها كما أرادها الخالق. يرى بعض الفلاسفة المسلمين أن واضع الخط العربي اقتفى أثر حكمة الله، فجاءت أشكال الحروف محاكية لأوضاع الإنسان الجسدية، كالانتصاب والانحناء والاستلقاء، وهو ما يعكس صورة الإنسان في أحسن تقويم.

هذه العلاقة تنطلق من مفهوم المحاكاة في الفكر الإسلامي، الذي يختلف عن نظيره الغربي؛ فبينما تعتمد المحاكاة الغربية على نقل الظواهر الخارجية، تقوم المحاكاة الإسلامية على استلهام الجوهر الداخلي للأشياء، وهو ما يمنح الخط العربي بُعدًا تجريديًّا ورُوحيًّا.

الخط بذلك ليس مجرد وسيلة للتدوين، بل هو تعبير عن الروح والهوية، وصفة فردية وأممية، كما أشار أبو بكر الصولي والجاحظ. وهو أيضًا وسيلة لفهم الإنسان ومعرفة الله، كما يرى المتصوفة الذين جعلوا الخط حاملًا للكلمة الإلهية ورمزًا للقداسة في الثقافة الإسلامية. من هنا، يتضح أن الخط العربي يحمل بنية وجودية ومعرفية، تجعله أكثر من فن بصري، بل نظامًا يعكس العلاقة العميقة بين الإنسان والخالق، ويُجسد جوهر الحضارة الإسلامية في صورته الجمالية والرمزية، ويستحق التأمل والتفكر بوصفه لغةً للروح.

الخط العربي خارج دائرة النقد

  في كتابك «الخط العربي وإشكالية النقد الفني»، ما أبرز الثغرات التي لاحظتها في النقد العربي المعاصر لهذا الفن؟

  في كتابي «الخط العربي وإشكالية النقد الفني»، أبرزت أن فن الخط لا يزال مهمشًا في النقد العربي المعاصر؛ إذ لم يُؤسَّس بعدُ لما يمكن تسميته «نقد الخط»، كما هي الحال في النقد الأدبيّ أو الموسيقيّ أو التشكيليّ. يعود ذلك إلى النظرة السائدة التي ترى الخط مجرد صنعة تقليدية أو حرفة مهنية، لا فنًّا إبداعيًّا يستحق الدراسة والتحليل، وهو ما أدى إلى غيابه عن الأوساط الفنية والثقافية والأكاديمية. هذه الثغرة المنهجية والمعرفية الكبرى أنجبت العديد من الإشكاليات؛ أبرزها غياب النقد الجمالي الذي يتعامل مع الخط بوصفه لوحة تشكيلية معمارية، لا مجرد نص مزخرف. على الرغم من أن التراث النقدي العربي يحتوي على إشارات مهمة، مثل ما ذكره التوحيدي عن شروط حسن الخط، وما وصفه الصولي من جمالياته الهندسية، إضافة إلى كتاب «النجم الثاقب» لقُدامةَ بنِ جعفر في نقد الخط المنسوب لابن مُقلة، إلى جانب مؤلفاته الأخرى في نقد الشعر والنثر.

من أبرز الثغرات أيضًا غياب البحث العلمي في اتجاهات نقد الخط بين اللغة والفن والثقافة؛ إذ ظل النقد التراثي لغويًّا بامتياز، بينما نحتاج اليوم إلى توسيع هذا النقد ليشمل الفني والتاريخي والثقافي. كما يعاني النقد المعاصر نقصًا في المصطلحات النقدية الدقيقة، رغم وفرة المفاهيم التراثية، وهو ما يستدعي تطوير مصطلحات جديدة، مثل «النص الخطي» بدلًا من «اللوحة الخطية»، تأصيلًا لفكرة أن الخط هو ركن أساسي من أركان اللغة، وقسيم للفظ في التعبير عن المعنى. من هنا، تبرز الحاجة إلى تأسيس نقد خطي حقيقي يعيد العدّ لهذا الفن العريق، ويمنحه مكانته المستحقة ضمن منظومة الفنون والمعارف الإنسانية.

دولة الخطاطين

  من خلال بحثك في الوثائق التاريخية، والعثمانية خاصةً، كيف ترى أثر الخط العربي في تشكيل الهوية الإدارية والسياسية للدولة؟

  للخط العربي دور جوهري في تشكيل الهوية الإدارية والسياسية للدولة، بوصفه صورة الكتابة وقسيمًا للفظ في التعبير والبيان. منذ نشأة الدولة العربية والإسلامية، كان الكاتب من كبار رجال الدولة، وتزايد عدد الخطاطين والنساخ ليؤدوا وظائف متعددة في الحياة العامة، وهو ما جعل الخط علامة ثقافية بارزة.

تتجلى هذه الأهمية بوضوح في الدولة العثمانية، التي عُرفت بأنها «دولة الخطاطين»؛ إذ ضمت أكثر من ألف خطاط من السلاطين والوزراء والعلماء، وبرزت إبداعاتهم في منظومة الوثائق الرسمية التي تُعد من أكثر أنظمة التوثيق الحضاري تنظيمًا وجمالية.

اعتمد النظام العثماني على الخط العربي لترسيخ التراتبية الإدارية والسياسية، حيث تميزت كل وثيقة بنوع خط خاص يعكس مكانتها ووظيفتها. فالفرمان السلطاني، الأعلى رمزيًّا وإداريًّا، كان يُكتب بخطوط عالية القيمة مثل الديواني والجلي ديواني والطغراء، وهي تشكيلات فنية راقية. أما الوثائق الدينية كالحجج الوقفية والفتاوى، فكانت تُكتب بخط التعليق والنستعليق، في حين خُصصت خطوط الرقعة والسياقة للوثائق العامة كالعرضحال. بهذا، شكّل الخط العربي أداة تنظيمية وجمالية، وأسهم في بناء الهوية السياسية والإدارية للدولة، وجعل من الكتابة فنًّا وظيفيًّا يعكس سلطة الدولة ورقيها الحضاري.

رؤية جمالية جديدة

  غالبًا ما يُنظر إلى المخطوط العربي بوصفه وعاءً معرفيًّا، كيف ترى إمكانية إعادة اكتشافه ككائن جمالي؟

  غالبًا ما يُنظر إلى المخطوط العربي بوصفه وعاءً معرفيًّا، لكننا سعينا إلى إعادة اكتشافه ككائن جمالي يحمل قيمًا فنية وروحية فريدة. في مؤتمر جامعة كامبردج عام 2010م، قدمنا محاضرة بعنوان «صورة المخطوط»، تبعتها محاضرات أخرى في مؤسسات علمية مرموقة، وأسفرت عن تأليف كتاب «علم المخطوطات الجمالي»، الذي أسس لرؤية جديدة تعتبر المخطوط عملًا فنيًّا لا مجرد كتاب معرفي.

اقترحنا تصورًا جديدًا لبنية المخطوط يقوم على ثلاثة عناصر: الوعاء، والنص، والصورة، بدلًا من التعريف التقليدي الذي يقتصر على الوعاء والنص. فالمخطوط يتضمن فنونًا راقية كالخط والزخرفة والتذهيب والتصوير، تجعله في مصاف الأعمال الإبداعية الكبرى.

تقوم فرادة المخطوط العربي على قيم روحية مثل: المصداقية والكمال والجلال، وتتجلى بوضوح في المصحف الشريف، المثال الأعلى للمخطوط الإسلامي. أما القيم الفنية فتظهر في هندسة التصميم والتسطير والتخطيط، وفي العلاقة بين المتن والهامش، وفي إخراج النص بأساليب بصرية مبهرة، تبدأ من الغلاف حتى الصفحة الداخلية. بهذا، يصبح المخطوط العربي عملًا فنيًّا متكاملًا، يستحق التقدير والاقتناء، ويعكس روح الحضارة الإسلامية في أبهى صورها الجمالية والمعرفية.

مدرسة الموصل: تاريخ وتحولات

  ما أبرز التحولات التي شهدها الخط العربي في الموصل، كما رصدت في دراساتك؟ وهل يمكن عدّها نموذجًا لفهم تطور الخط في المدن الإسلامية؟

  شهد الخط العربي في الموصل تحولات فنية ومعرفية عميقة، جعلت منها واحدة من أبرز الحواضر الإسلامية في تاريخ هذا الفن. تعود جذور هذه التحولات إلى آلاف السنين، بدءًا من مكتبة آشور بانيبال التي استخدمت الخط المسماري الذي يُعد من أصول الخط الكوفي المربع من حيث هندسة الشكل. كما يُعتقد أن الخط الحَضَري، المنسوب إلى مملكة الحضر قرب الموصل، كان من المصادر الأولى للخط العربي، إلى جانب تأثير الخط الآرامي السرياني المنتشر في المنطقة.

في القرن السابع الهجري، برزت مدرسة الموصل الفنية التي أسهمت في تطوير فن التزويق في المخطوطات، ومن أبرز أعلامها يحيى بن محمود الواسطي. كما ظهرت أسماء لامعة في فن الخط مثل محمد بن أبي طالب البدري، وياقوت الموصلي، وزيد الحسيني، وازدهرت أنواع متعددة من الخطوط، منها المحقق والثلث والنسخ والكوفي، بما في ذلك نمط خاص يُعرف بخط «الترياق».

استمرت هذه المدرسة في العطاء عبر أعلامها المعاصرين، مثل: محمد صالح السعدي، ويوسف ذنون الذي جمع بين الفن والمعرفة والتأليف، وجعل من المدرسة الموصلية نموذجًا فنيًّا متميزًا. ويمكن عدّ تجربة الموصل نموذجًا لفهم تطور الخط العربي في المدن الإسلامية، من حيث التنوع الأسلوبي والامتداد التاريخي والثراء الثقافي.

الخط المغاربي والمشرقي

  في السنوات الأخيرة، لاحظنا توجهًا متزايدًا لدى الحروفيين المشارقة نحو استخدام الخط المغاربي، على الرغم من اختلافه عن الموروث البصري المشرقي. في رأيك، ما الذي يدفع هذا الانجذاب؟

  هذا التوجه لا يعكس فقط بحثًا عن أفق جمالي جديد، بل يكشف عن رغبة في استعادة التنوع الغني للهوية الخطية العربية، التي لطالما اتسمت بتعدد الأساليب والمدارس.

الخط العربي، على الرغم من وحدته الثقافية، فإنه يتميز بتنوعه الفني، حيث يجمع بين الهندسة الصامتة للحرف وإيقاعه الحركي في التشكيل والتلوين. هذا التفاعل بين الثبات والتجدد يمنح الخط طاقة إبداعية تسمح له بالتحول دون أن يفقد أصالته. ومن هنا، فإن استخدام المشارقةِ الخطَّ المغاربيَّ، أو استخدام المغاربيين الخطوطَ المشرقيةَ؛ يعكس انفتاحًا على تقاليد أخرى ضمن الهوية الواحدة.

لكن من المهم النظر إلى هذا التوجه بعين نقدية، فهو لا يُعبّر دائمًا عن بحث جمالي صرف، بل قد يكون انعكاسًا لصراع داخلي بين الذات الفنية للفنان التشكيلي، المتأثرة بالمركزية الغربية، وبين الموضوع الفني الذي يتجسد في الرسم والنحت من جهة، والخط العربي كفن أصيل من جهة أخرى.

الحرف في الفن الحروفي يُعامل كعنصر بصري مفتوح المعنى، بينما في الخط الكلاسيكي يُشكل جزءًا من نص متكامل له أبعاد شكلية ولفظية ومعنوية. وهذا الفرق يعكس اختلافًا في الفلسفة الجمالية، ويطرح تساؤلات حول مستقبل الهوية الخطية في الفن العربي المعاصر.

الفن العربي بين الأصالة والحداثة

  في رأيك، ما أبرز التحديات التي تواجه الفنون العربية الإسلامية اليوم في الحفاظ على أصالتها ومواكبة العصر؟

  لعل من أبرز التحديات التي يواجهها الفن العربي الإسلامي اليوم؛ هي:

عدم وضوح الهوية الثقافية على الرغم من أصالة هذا الفن وحيويته الجمالية، وعدم الاعتراف الأكاديمي به تخصصًا علميًّا خاصًّا ومتميزًا في مؤسسات التعليم العالي على الرغم من طبيعته المعرفية الواضحة، حيث لا تزال جامعاتنا تستثني الفن العربي الإسلامي من أعمالها الأكاديمية وبرامجها الدراسية وتخصصاتها المعتمدة حتى في كليات الفنون الجميلة؛ فضلًا عن أن تؤسس لهذا الفن أقسامًا أو كليات متخصصة. ومن التحديات عدم تداوله الوظيفي المناسب في تقاليدنا الاجتماعية المعاصرة على الرغم من طبيعته الاستعمالية الجميلة، وعدم الاستثمار الابداعي لإمكانيات هذا الفن الجمالية والتعبيرية في أعمالنا التصميمية ومشاريعنا الإعلانية المعاصرة على الرغم من طاقاته التواصلية الفاضلة وقدراته التقنية الفائقة على تلبية كل متطلبات العصر الفنية والتقنية والرقمية.

  في عصر العولمة البصرية، كيف يمكن للفنون العربية الإسلامية أن تحافظ على تميزها وهويتها الجمالية من دون الانعزال عن الحداثة؟ وهل هناك خطر من تحول هذه الفنون إلى مجرد «زخرفة تراثية» على حساب عمقها الفلسفي؟

  للإجابة عن هذا السؤال المهم؛ يجب أن نفرق بين مسألتين؛ الأولى: المعرفة بطبيعة الفن العربي الإسلامي وحقيقته من الداخل، والثانية: التصور الموضوعي لهذا الفن من الخارج. تنعكس هاتان المسألتان في القلق المشروع حول الفن العربي الإسلامي في عصر العولمة والذكاء الاصطناعي، فالمسألة الموضوعية أو التصور الخارجي لهذا الفن قد توحي بوجود خطر عليه، بينما المعرفة بطبيعته وحقيقته تقول: إنه مهما بلغت هيمنة العولمة الفنية التكنولوجية وطغت الصورة البصرية الرقمية، فإنها لن تستطيع أن تعزل الفنون الإنسانية عن بيئتها الثقافية المحلية وعن حضورها الإنساني العالمي؛ ذلك لأن هذه الفنون هي عبارة عن معارف ومهارات ورموز ثقافية صعبة الذوبان أو التلاشي، ولها من الإمكانات والقدرات والتطلعات ما يجعلها قادرة باستمرار على تجديد نفسها وتنميتها واستدامتها بحيوية الإبداع الإنساني المعاصر، ومنها الفن العربي الإسلامي.

رؤية مستقبلية

  كنتَ في زيارة لمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات بالرياض، وألقيت محاضرة عن الفنون العربية الإسلامية. ما أبرز انطباعاتك عن هذه الزيارة، وما الرسالة التي أردتَ إيصالها من خلال المحاضرة؟

  في زيارتي الأخيرة إلى مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في مطلع شهر ديسمبر 2025م، قدمت محاضرة افتتاحية وعددًا من الحلقات النقاشية حول موضوع «الفن العربي الإسلامي: من السردية الاستشراقية إلى المروية العربية»؛ لتكون هذه الحلقات النقاشية برنامج الدورة الثالثة لمبادرة المروية العربية التي ينظمها المركز بفكرة وتوجيه وإشراف الأمين العام للمركز صاحبة السمو مها بنت محمد الفيصل.

لقد تناولنا في هذه الحلقات النقاشية المروية العربية لموضوعات هذا الفن في محاور عدة؛ كان من أبرزها: المفهوم والمعرفة في الفن العربي الإسلامي، ونظريات هذا الفن وجمالياته، وإشكالياته التاريخية الداعية إلى بناء تاريخ جديد لهذا الفن، وأعماله وأشكاله وأساليبه ومدارسه وأعلامه المبدعين وطبقاتهم الفنية والمهنية والاجتماعية. وانتهت حلقات هذه الدورة الثالثة للمروية العربية بمحور خاص بعنوان: «سؤال التجديد في الفن العربي الإسلامي».

وأهمية هذا السؤال وضرورته هما المسألتان اللتان أردنا أن نوصله في هذه الحلقات النقاشية من خطاب ثقافي عربي إسلامي حول هذا الفن، وذلك بأن يكون يقوم هذا التجديد على شقين هما: المعرفة والمنهج، فالتجديد المعرفي يرتكز على قوة المعرفة الفنية العربية الإسلامية، وحيويتها واستدامتها الثقافية والحضارية والابداعية. وينطلق التجديد المنهجي من مغادرة الرؤية والمنهج والتناول الاستشراقي لهذا الفن. يتبنى التجديد المعرفي أفكار التأصيل والتنمية بدل أفكار الإحياء والحفاظ. ويتبنى التجديد المنهجي آليات الإبداع والابتكار بدل آليات الصيانة والترميم.

وذلك كله من أجل مستقبل زاهر لهذا الفن، ينهض به مبدعون معاصرون وحركات حديثة ومدارس جديدة تستوعب عصر الذكاء الاصطناعي وتدخل باقتدار إلى جامعاتنا من خلال الكراسي العلمية والكليات المتخصصة بتدريس الفن العربي الإسلامي.

  سؤال أخير. إذا طُلب منك تلخيص فلسفة الخط العربي في جملة واحدة، ماذا تقول؟

  فلسفة الخط العربي هي الإبداع في التقليد.

المنشورات ذات الصلة

مصطلح «فلسفة الموسيقا»: تاريخ موجز وبعض الاعتبارات الفلسفية(1)

مصطلح «فلسفة الموسيقا»:

تاريخ موجز وبعض الاعتبارات الفلسفية(1)

برز ما يُعرف بفلسفة الموسيقا بوصفه تخصصًا أكاديميًّا جديدًا في الجامعات الأميركية قبل نحو أربعة عقود، وكان يُعد فرعًا...

الكاتب والمخرج السينمائي علي سعيد: لا أفكر في العالمية بقدر ما أرغب في مشاركة العمل الفني مع الآخر في هذا العالم

الكاتب والمخرج السينمائي علي سعيد:

لا أفكر في العالمية بقدر ما أرغب في مشاركة العمل الفني مع الآخر في هذا العالم

المخرج علي سعيد من أوائل المخرجين السعوديين الذين درسوا السينما والمسرح والإخراج أكاديميًّا بكلية الإعلام بجامعة دمشق،...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *