كما أن للفكر «الجديد» مراجعه الكُتُبية الأقرب إلى الترجمة، كان له مجلاته الموافقة، ترحّبُ «بالأزمنة الحديثة» بأشكال مختلفة. فالشعراء «المجددون» عرفوا مجلة تدعى «أبولو»، وجورجي زيدان، الذي «خلط» الغريب بالمألوف، أنشأ مجلته «الهلال»، موحية بموضوعات أقرب إلى «العلمانية» وبتاريخ «جديد الكتابة» يتمرد على «الوثيقة» ويتوسّل «الخيال». واجتهد أحمد حسن الزيات في الإعلان عن مجلة مثابرة فتحت صفحاتها «للمتشبهين بالقدماء» وللمدافعين عن الجديد، شعرًا ونثرًا ونقدًا، فارتاح لها الشيخ التقليدي علي الطنطاوي وكذلك محمود عباس العقاد الشاب الثائر، الذي أضاع ثورته مع تقدمه بالعمر، ونشرت فيها الفلسطينية فدوى طوقان قصائدها الأولى.
«المجلة» التي هي عنوان فعل فكري جديد اعتنقها مجددون عرب مختلفو الألوان الكتابية والطبائع؛ ذلك أنها مثلت شكلًا حديثًا من الإنتاج والاستهلاك الأدبي، إن لم تكن تعبر عن سياسة اقتصادية في الكتابة تميل إلى الإيجاز وتؤالف بين المترجم والإبداع «المحلي» بلغة لطيفة التناول، لها عنوان أقرب إلى «المجاز» وموضوعات واضحة الهويّة، بل إنها بدت مرآة «للحداثة» وللداعين إليها، فلا هي «بالمجلّد» الهائل الصفحات» ولا بالصفراء المذهّبة الأطراف، العويصة اللغة.
بعد أن نشر طه حسين أعماله الكبرى، سعى إلى «تبسيط» أفكاره، فأصدر مجلة «الكاتب المصري»، التي جمعت بين الترجمة والتأليف ومقاربات المجددين والقدماء، واقتربت من أدب تربوي جميل العبارة. أما أحمد أمين، الذي آمن منذ البدء «بأدب أخلاقي يرضي الكبار والصغار معًا، فأصدر مجلة «الثقافة»، حيث العنوان يفصح عن مضمونه الأقرب إلى «القراءة العامة». اختصر جبران «وعظه الأدبي» في كتابين: «النبي» و«المجنون»، أرضيا أدونيس رضاء لا نقصان فيه. وواقع الأمر أن «المجلة» صيغة ثقافية حداثية مرنة، ترضي الأفراد والأحزاب والجماعات، حيث الفرد يبث فيها رسالته الواعية، حال أحمد أمين في مجلة الثقافة، مثلما أن «الحزب» يثقف بها أفراده ويخبر عن رسالة «أيديولوجية»، كأن يدعو اللبناني المهندس أنطون ثابت إلى «فكر تقدمي»، ينكر الاستبداد، وينشد العدالة، وينتهي إلى حزب «سياسي أيديولوجي» واضح العنوان والرسالة جسَّدَته مجلة «الطريق»، التي عاشت من أربعينيات القرن التاسع عشر إلى مطالع
القرن العشرين.
وقد تكون دار النشر طموحة تؤكد الجديد حال «دار العلم للملايين» التي أصدرت مجلة «العلوم»، في منتصف القرن الماضي تقريبًا. التصق طموح المجلة بمفكرين واضحي الغايات، كأن يأتي اللبناني ألبير أديب بمجلته «الأديب» في النصف الأول من القرن الماضي، وأن يخبر سهيل إدريس عن صوته القومي في مجلة «الآداب» في بداية خمسينيات القرن الماضي، واستمرت إلى مطلع القرن الحالي، ويُصدِر أدونيس مجلته «مواقف» مرتين: مرة أولى في الثلث الأخير من القرن المنصرم، ومرة ثانية في قرننا هذا من دون أن تعمر طويلًا.
أصدر سهيل إدريس مجلته «الآداب»، وكان أديبًا حاول الرواية، وأشرف محمود درويش على مجلة «نخبوية»: «الكرمل» التي صدرت في بداية ثمانينيات القرن الماضي وتوقفت قليلًا وعادت إلى الظهور في مطلع هذا القرن. مجلة أرادت أن تكون فلسطينية حداثية كونية المضمون تتعايش فيها نصوص متعددة الجنسيات وقصائد عربية جديرة بالقراءة. وكان محمود، قبل أن يُرحَّل من وطنه، ينشر في مجلة «الجديد» الحيفاوية التي أسسها وأشرف عليها الروائي والأديب محمد علي طه.
مشروعات تبدأ كبيرة وتنتهي باكرًا
كانت المجلات، في عهد مضى، أدبية المنشأ والرعاية والنزوعات الفكرية السياسية. ارتبط اسم اللبناني حسين مروة بمجلة «الطريق»، وكان فيلسوفًا محترفًا انشغل بالفلسفة الإسلامية في «نزوعاتها المادية». لم يكن بعيدًا في مساره وهواه من المصري محمود أمين العالم، الذي أنشأ في الربع الأخير من حياته مجلة «دراسات فكرية» أو «أوراق ثقافية» وأظن أن الذاكرة خدعتني في العنوانين، وهذه المجلة لم تعش طويلًا على الرغم من قيمتها الثقافية العالية.
يدفعنا الحديث في مجال المجلات والفلسفة التذكير بمجلة عاشت قليلًا بدورها، أشرف عليها المصري الدكتور زكي نجيب محمود، عنوانها: «الفكر المعاصر» التي تحيل، بشكل أو بآخر، إلى مجلة تشبهها في العنوان والمضمون، أصدرها مطاع صفدي، السوري الذي عاش طويلًا في لبنان ونقل معه فكره القومي العربي من مكان إلى آخر. وكان الأستاذ الجامعي (المؤقت دائمًا) أنطون مقدسي، في دمشق، قد حاول الارتقاء بمجلة «المعرفة» التي كانت تصدرها وزارة الثقافة السورية في زمن سبق «القهر الحزبي». كما أن المصري الدكتور حسن حنفي، حاول بدوره، إصدار مجلة: «الفكر الإسلامي المعاصر»، لكنه أغلقها سريعًا… لا الفيلسوف السوري (مقدسي) حقّق ما يريد، ولا الفيلسوف المصري (حنفي) لامس أهدافه.
وواقع الأمر أن المجلات الثقافية العربية ازدهرت قبل مجيء «الأنظمة الأحادية الصوت»؛ ذلك أنها رزحت بعد ذلك، تحت شكلين من الرقابة: رقابة سلطوية أولًا؛ تشوّه المضامين و«تقزّم» الأفكار، ورقابة دينية ثانيًا؛ ذلك أن بعض المتديّنين يحافظ بشدة على القاعدة القائلة: «من تفلسف تزندق»، ناهيك أن الارتقاء الثقافي، والمجلات أحد وجوهه، يحتاج دائمًا إلى بيئة ثقافية حوارية تتسم بالديمقراطية -الغائبة عن العالم العربي غالبًا- حتى لو كانت نسبية، كحال تعددية الأصوات التي تجعل منها السلطات السياسية المسيطرة شعارات فقيرة طاردة للحوار والثقافة معًا.
يمكن في النهاية، وبشكل مختزل، الإشارة إلى ثلاث ملحوظات «غير سعيدة»؛ أولاها: المجلات الثقافية في العالم العربي قصيرة العمر، وجمهورها غالبًا من الطلبة الجامعيين، وهو ما يجعل حضورها موسميًّا ومحدودًا. وثانيتها أنها خاضعة لأكثر من رقابة، وهو ما يفرض عليها مسؤولين فقيري القيم والثقافة. وثالثتها هناك الاستسهال والأخذ بالتلقين، وهو الأمر الذي يجعل من «الترجمة» دليلًا مريضًا لا بد منه، يميل إلى موضوعات «مدرسية» ويُلبّي حاجات متقشفة تتوسل إجابات جاهزة.
0 تعليق