المقالات الأخيرة

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

مجلات صنعت زمنها وصنعت خيالنا

كما‭ ‬أن‭ ‬للفكر‭ ‬‮«‬الجديد‮»‬‭ ‬مراجعه‭ ‬الكُتُبية‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الترجمة،‭ ‬كان‭ ‬له‭ ‬مجلاته‭ ‬الموافقة،‭ ‬ترحّبُ‭ ‬‮«‬بالأزمنة‭ ‬الحديثة‮»‬‭ ‬بأشكال‭ ‬مختلفة‭. ‬فالشعراء‭ ‬‮«‬المجددون‮»‬‭ ‬عرفوا‭ ‬مجلة‭ ‬تدعى‭ ‬‮«‬أبولو‮»‬،‭ ‬وجورجي‭ ‬زيدان،‭ ‬الذي‭ ‬‮«‬خلط‮»‬‭...

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

محاضرة لجائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد

الموسوي: العصر الإسلامي الوسيط يجب أن يُقرأ بعيدًا من التصورات الأوربية المهيمنة

أثار الدكتور محسن جاسم الموسوي، الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية، عصفًا نقديًّا في تبديد النظرة السائدة بين المؤرخين والباحثين والمستشرقين بشأن الآداب في العصور الوسطى، في محاضرة نظمتها جائزة الملك فيصل العالمية في مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، في المملكة...

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

حفل “أقرأ” الختامي: مهرجان ضخم ومتنوع

حوارات وورش وتكريم غازي القصيبي بعرض فني موسيقي ولقاء للفائز بنوبل النرويجي يون فوسه

عقد من الزمن يمر اليوم، على انطلاق النسخة الأولى لمهرجان أقرأ، الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء، بالظهران، المهرجان الذي بدأ في المنطقة الشرقية في السعودية، ثم توسع ليشمل بقية المناطق السعودية، إلى أن أضحى مهرجانًا عربيًّا كبيرًا، يتقدم إليه...

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال: بوصلتنا الاستمرارية في «البحث وسط الخراب عما ليس خرابًا»

نهلة الشهال، كاتبة وباحثة ورئيسة تحرير أسبوعية «السفير العربي»، لها مواقفها المعلنة ورأيها الصلب في القضايا الكبرى. وهي ابنة لأم عراقية حقوقية ساهمت في تأسيس ثانوية البنات في طرابلس وأب لبناني طبيب، وكان كل منهما مثقفًا يساريًّا. انضمت نهلة إلى ما عرف عالميًّا...

«كافكا لا يُريد أن يموت» للفرنسي لوران سيكسيك الحفاظ على ذاكرة كافكا ومُساءلة إرْثِه الأدبي

«كافكا لا يُريد أن يموت» للفرنسي لوران سيكسيك

الحفاظ على ذاكرة كافكا ومُساءلة إرْثِه الأدبي

تتكون النواة المركزية للبنية الروائية في رواية «كافكا لا يريد أن يموت»، للكاتب الفرنسي لوران سيكسيك، (2023م)، من ثلاث شخصيات رئيسة: روبِرت كلوبستوك، ودورا ديامنت، وأوتْلا. ومن خلالها تنسج الحبكةُ فنطل على عالَم كافكا، الذي يتجاذبه قطبان: الوجود المأساوي الذي يَسِمُه...

العلمانية أسُسها في القرآن وجذورها في التراث القديم

بواسطة | يناير 1, 2026 | الملف

حسن حنفي – مفكر مصري | أغسطس 31, 2017 | الملف

انتقل إلينا هذا الموضوع «الدين والعلمانية» من الثقافة الغربية بعد انتشارها في الثقافة العربية وكمصدر ثانٍ للفكر الإسلامي المعاصر. فالموضوع غربي. نشأ في سياق الثقافة الغربية الحديثة، نشأة وتطورًا. فقد تسلطت الكنيسة على الفكر الغربي. واضطهدت المفكرين الأحرار منذ مارتن لوثر وحركة الإصلاح الديني في القرن الخامس عشر حتى إسبينوزا وفولتير في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وكان الدين كما تعرضه الكنيسة دينًا عقائديًّا. يصعب فهمه بالعقل الصريح الذي اعتمد عليه الغرب في بداية عصوره الحديثة منذ ديكارت في القرن السابع عشر.

فماذا يعنى التثليث والتجسد، وابن الله، وأم الإله؟ وهل يجوز صلب الأنبياء في التوراة والإنجيل؟ وماذا تعني الطقوس الكنسية السبعة من أول طقس العماد حتى طقس الزواج؟ ولماذا سلطة الكنيسة والمعبد وهما مؤسستان تاريخيتان من صنع البشر بحثا عن السلطة الدينية في مقابل السلطة السياسية، سلطة الأباطرة والملوك، وكلاهما يتسلط على رقاب الناس، ويتحكم في عقولهم، ويدخل في قلوبهم لتحديد من المؤمن ومن الكافر وكأنهما قد شقّا قلوب الناس؟ وهي معصومة من الخطأ. وهو الدين الغيبي الأسطوري، دين الخطيئة والخلاص، وحصار الإنسان العاقل الحر بين ذنب لم يرتكبه؛ خطيئة آدم، وخلاص لم يسع إليه، والإيمان بالمسيح أو بشعب الله المختار. فاليهود هم أبناء الله وأحباؤه، والعودة إلى أرض الميعاد.

حركة المفكرين الأحرار

فكان من الطبيعي أن تنشأ حركة المفكرين الأحرار في كل مكان في فرنسا وألمانيا وإنجلترا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا وأميركا دفاعًا عن العقل والبرهان وعن مركزية الإنسان في الكون. فنشأ الصراع بين الدين والعلمانية. وتعني العلمانية، الاتجاه نحو العالم Mundus وليس الاتجاه إلى خارج العالم في الغيبيات والأساطير والخرافات التي مثّلتها المسيحية واليهودية في العصور الوسطى الكنسية. هذا هو السياق التاريخي الغربي الذي نشأت فيه العلمانية في صراعها  ضد الدين. ثم أسقط المتغربون، أنصار الثقافة الغربية، هذا السياق على التاريخ الإسلامي وقرؤوه من منظور السياق الغربي. فأخفقوا مرتين: الأولى، إخراج الموضوع من سياقه الغربي. والثانية، إسقاط السياق الغربي على السياق الإسلامي المختلف تمامًا عن السياق الغربي.

أما الإسلام فإنه منذ البداية وكما عبّر عن ذلك القرآن الكريم مرات عدة فإنه دين العقل الذي دافعت عنه العلمانية ضد الخرافة والجهل. وهو ما عبّر عنه القرآن صراحة في مئات من الآيات مثل: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. وهو ما ظهر في التراث الإسلامي وبخاصة عند المعتزلة وبعض الفقهاء في صيغة العقل أساس النقل. ومن قدح في العقل فقد قدح في النقل. وهو ما ظهر أيضًا عند الفقهاء، وبخاصة عند ابن تيمية في «موافقة صريح المنقول لصريح المعقول»، ووضع مبادئ للمنطق الإسلامي الذي يعتمد على العقل والبرهان مثل «ما لا دليل عليه يجب نفيه». والدليل العقلي هو الذي يجعل الإيمان راسخًا في القلوب كما سأل الله تعالى إبراهيم عليه السلام: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. بل إن الفلاسفة أطلقوا على الله اسم «العقل والعاقل والمعقول». والاجتهاد وهو المصدر الرابع من مصادر التشريع يقوم على العقل الذي يقوم باستنباط العِلّة من الأصل قبل أن يجدها في الفرع. والعقل هو مناط التكليف. فالمجنون لا يُكلف.

والإسلام دين العلم. يقوم على النظر والمشاهدة والتجربة؛ لذلك تتكرر آيات النظر في الأرض مثل: ﴿فَانْظُرُوا﴾، ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ﴾. ولما طلب إبراهيم عليه السلام الدليل على قدرة الله أعطاه الله دليلًا تجريبيًّا وهو قطع الطير أربع قطع. ونثر كل قطعة في اتجاه ثم يأتينه ويعدن طيرًا بإذن الله. ولما أراد أن يعطي إبراهيم عليه السلام قومه دليلًا على أن الأصنام ليست آلهة قام بتكسيرها، وعلق الفأس في رقبة كبير الأصنام. ولما سأله قومه ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُون﴾. يعتمد الإسلام على النظر في ظواهر الطبيعة مثل: الشمس والقمر والنجوم والكواكب بل يُقسم بها. ولا يعتمد على المعجزات بمعنى خرق قوانين الطبيعة مثل قلب العصا ثعبانًا أو إنزال مائدة من السماء كما طلبت بنو إسرائيل من عيسى. فالمعجزة للإبهار والدهشة.

والإسلام دين العقل والتجربة ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾. ويعتمد المصدر الرابع في أصول الفقه على التعليل. وهو وجود العلة من الأصل في الفرع، ومعرفة علة الفرع بالتجربة. فالخمر مسكر في الأصل. ومعرفة هذا الشراب مسكر أم لا يتم بالتجربة. فإذا ثبتت علة السكر في الفرع أخذت حكم الأصل. وعندما ادعت امرأة أن رجلًا ضاجعها بدليل وجود منيه على ثوبها فركه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيديه واكتشف أنه زلال بيض. لذلك ازدهر العلم التجريبي في التراث القديم مثل: الطب والصيدلة والنبات والحيوان، والرياضيّ مثل: الهندسة والجبر، والموسيقا والفلك. فإذا كانت العلمانية تقوم على العلم كما قامت على العقل فإن الإسلام كذلك. والعلماء ورثة الأنبياء.

مركز الإنسان في الكون

وإذا كانت العلمانية تعني مركزية الإنسان في الكون والدفاع عن حرية إرادته، وتأسيس المجتمع الديمقراطي الاشتراكي الحر، فإن هذه الأهداف تنبع من الإسلام. فالإنسان هو خليفة الله في الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾. وقد ذُكر الإنسان خمسًا وستين مرة في القرآن الكريم مما يدل على أهميته. كما يركز القرآن على مجتمع المساواة والعدالة ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ. فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ. وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِين﴾، ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾. وفي الحديث «ليس منا من بات شبعان وجاره طاوٍ». وهذه هي دلالة الصيام والزكاة، الإحساس بالآخر.

وقد نادى الصحابي أبو ذر الغفاري بمجتمع المساواة عندما رأى البون الشاسع بدأ يظهر بين الأغنياء والفقراء. وعند الأصوليين لقد وضعت الشريعة ابتداءً حفاظًا على الحياة ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾٭، ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ. بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ والحفاظ على العقل بالرغم من النسبة العالية للأمية في بلادنا، والحفاظ على الدين أي الحقيقة المطلقة ضد الحقائق النسبية والأهواء البشرية والمصالح الشخصية، والحفاظ على العرض أي على الشرف والكرامة والحياء، والحفاظ على المال ضد تبديد الثروات وبخاصة تلك التي في باطن الأرض في مظاهر الاستهلاك الذي لا يفيد، وليس في بناء المستشفيات والمدارس. والمجتمع الإسلامي مجتمع ديمقراطي حر. الأمر شورى بين المسلمين ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾. وهو مجتمع حر يقبل المعارضة والرقابة على الحكام طبقًا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، المبدأ الخامس من مبادئ التوحيد عند المعتزلة مثل العدل، والاستحقاق، والحسن والقبح العقليين. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فوق المنبر: «رحم الله من أرشدني إلى عيوبي»، فأجاب أحد المصلين: «والله لو رأينا فيك عيبًا لقومناه بسيوفنا». ونذكر ذلك دائمًا والمعارضة ضعيفة عندنا، في السجون والمعتقلات أو هاربة إلى الخارج.

لذلك لما كان الإسلام آخر الأديان فقد احتوى كل القيم العلمانية فيه: العقل، والعلم، وحقوق الإنسان، وديمقراطية الحكم. المصلحة مصدر للتشريع طبقًا لمبدأ «لا ضرر ولا ضرار»، «وما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن». والكافر العادل خير عند الله من المسلم الظالم. والإنسان بعمله. هكذا نادى الفقهاء القدماء والمصلحون المحدثون. فأي إيهام بتعارض الدين والعلمانية هو نسيان لجذور العلمانية في التراث القديم وأسسها في القرآن الكريم أو التبعية للثقافة الغربية وإخراجها من سياقها، وإسقاطها على سياق آخر طبقًا لعقلية التعارض بين الصوري والمادي، العقلي والتجريبي، الأنا والآخر، الدنيا والآخرة، من دون الجمع بين الحسنيين.


المرأة والنساء في ضوء دراسات الجندر

فتحي المسكيني – كاتب تونسي | نوفمبر 1, 2017 | الملف

إذا كانت اللغة منزل الوجود كما قال هيدغر ذات مرة، فهذا يعني أنّ اللغة تكون قد سبقتنا دومًا إلى ما نعتزم التفكير فيه، ولا سيّما إذا كان مشكلًا ليس فقط يتعلّق في نواته العميقة بهويّة أنفسنا، بل على الخصوص بذلك الجزء المسكوت عنه من الإشارة عندنا إلى «الإنسان» بعامة بقولنا: «هو» وليس «هي». فنحن نتكلّم لغة(1) هي قد تعوّدت من دهرها أن تعتبر أنّ «الذكر» هو أصل «التجنيس» في التعبير عن صيغة الجمع: إنّ أنثى أو أكثر إذا دخلت على جماعة من الذكور لا تغيّر من جنسهم (النساء والرجال قائمون)؛ في حين أنّ ذكرًا واحدًا يمكنه أن يذكّر جماعة من الإناث (الفتيات والولد قدموا). إنّ الإناث لا تكون إناثًا صرفة إلّا في غياب الذكر. أمّا الذكور فإنّهم لا يُجمعون جمع المؤنّث أو يُفردون إفراد المؤنّث إلّا إذا كانوا ذكورًا «غير عاقلة». وتعريف «غير العاقل» هو كلّ ما ليس إنسانًا. وهكذا تبدو اللغة العربية وقد حسمت أمرها «نحويًّا» فيما يتعلق بمعنى «الفرق بين الجنسين» بحيث تصبح مساحة التفكير الأخلاقي في المسألة ضيّقة جدًّا أو هكذا يبدو.

ثمّة أطروحة أولى علينا بسطها: لا تكون الأنثى أنثى صرفة نحويًّا إلّا في غياب أيّ مخالطة لها مع الذكر. وفي المقابل لا يمكن تأنيث الذكور نحويًّا إلّا إذا كانوا غير عاقلين أي لم يكونوا بشرًا. إنّ النحو قد بلغ شوطًا مربكًا في رسم خطّ هوويّ بين الذكور والإناث بحيث لم يبق أمام الفقه بعد ذلك سوى استنباط القيم التي تتساوق مع هذه الحدوس اللغوية الصامتة أو البدائيّة، المعطاة سلفًا للمخاطبين والمتكلّمين. كأنّ النحو قد أمرنا سلفًا بحصر الإناث في دائرة هووية مغلقة في حين أنّه سمح للذكور بإمكانية الولوج إلى هذه الدائرة بل بإمكانية «تذكيرها» من دون خوف يُذكر على هويته. وعلى الباحث أن يحلم عندئذ بأنّه قد يمكن يومًا بناء لغة محايدة إزاء التأنيث والتذكير(2). وعلينا أن نسأل: هل يمكن فعلًا تحرير اللغة العربية من طابعها الذكوري؟ وماذا لو أنّ هذا الطابع هو سمة أنثروبولوجية لا تخلو منها اللغات السامية بعامة؟ أو اللغات القديمة جميعًا؟ قد لا نعثر لأوّل وهلة على تعريف «نحوي» صلب لدلالة المذكّر أو المؤنّث أكثر من اسم الإشارة إذْ يُعرّف المذكّر بأنّه «ما يصحّ أن تشير إليه بقولك: «هذا»، مثل رجل، كتاب»؛ كما يُعرّف المؤنّث بأنّه «كل اسم دلّ على مؤنث، ويُشار إليه بــ«هذه»، نحو: هذه الشجرة»(3). وهذا اصطناع نحويّ لا يوحي بأيّ تأسيس أخلاقي.

أمّا من ناحية لغوية فإنّ فقهاء اللغة يؤسّسون تأويلات أخلاقية يقدّمونها على أنّها طبائع لغوية للذكور والإناث ومن ثَمّ للرجال والنساء، وأخيرًا للمجتمع برمّته. إنّ لسان العرب مثلًا، لا يثبت من المعاني المحايدة في تعريف الجنسين سوى مجرّد التناسب: فتعريف الذكر ليس سوى هذا: «الذكر خلاف الأنثى»؛ وفي المقابل فإنّ تعريف الأنثى ليس سوى هذا: « الأنثى خلاف الذكر من كل شيء»؛ أمّا بقيّة التعريفات في الحالتين فهي تحمل أحكامًا أخلاقية مربكة في التذكير والتأنيث تبلغ حدًّا مزعجًا بحيث تهدّد بتدمير هويّة الأنثى وتؤسس لعلاقة ذكورية متسلطة لا غبار عليها. فيُقال «يوم مذكّر» إذا وُصف بالشدة والصعوبة وكثرة القتل؛ و«طريق مذكّر» أي مخوف صعب، في حين يُقال: «سيف أنيث» أي الذي ليس بقاطع، و«الأنيث من الرجال» المخنّث، بل إنّه يُقال للموات الذي هو خلاف الحيوان: «الإناث». لكنّ ذلك لا يعني أيّة دعوة للمرأة قد تتشبّه بالذكر، فإنّ العرب تلعن «المرأة الذَّكِرة والمذكَّرة والمتذكِّرة». ذلك أنّ الذكورة هي شأن خاص يحتكره الذكور، ويُمنع على المرأة المزاحمة أو الطمع فيه. ليس ذلك من باب عداوة المرأة أو الأنثى بل من باب أنّ العرب قد خصّصوا لكلّ جنس مزايا من نوعه لا يخرج عنها: إنّ الذكر يُمنع من أن «يتأنّث» بنفس الحدّة التي تُمنع فيها الأنثى من أن «تتذكّر». بالطبع لا يجدر بنا أن ننكر أنّ سلّم القيم السائد كان يحثّ على أوليّة الذكر على الأنثى صراحةً. نقرأ في لسان العرب: «وفي حديث الميراث: لأَوْلى رجلٍ ذكرٍ؛ قيل: قاله احترازًا من الخنثى؛ وقيل: تنبيهًا على اختصاص الرجال بالتعصيب للذكورية». لكنّ التعصّب للذكورية هو أمر يدخل في سياسة الهوية ولا يتناقض بالضرورة مع أفق الانتظار الذي يقع رسمه تلقاء الأنثى: إنّ «الأنوثة» ليست سبّة أو تهمة، بل يمكن أن تُعامل باعتبارها نوعًا من الكمال الخاص بالمرأة. إذْ «يُقال: هذه امرأة أنثى إذا مُدحت بأنها كاملة من النساء، كما يُقال: رجل ذكر إذا وُصف بالكمال». وفي هذا الصدد يُقال: «بلدٌ أنيثٌ أي ليّن سهل». بل إنّ علماء اللغة قد بذلوا وسعهم في تأسيس هذا المعنى التأويلي لتحديد دلالة المرأة. إذْ جاء في لسان العرب: «وزعم ابن الأعرابي أن المرأة إنما سمّيت أنثى، من البلد الأنيث، قال: لأن المرأة ألينُ من الرجل، وسُمّيت أنثى للينها». والعرب تؤنّث العطور وتذكّرها حسب التصنيف الهووي بين الجنسين، وليس حسب خصائصها أو استعمالاتها.

مفهوم النساء

في ضوء هذه الإشارات النحوية واللغوية علينا أن نواجه أسئلة تأويلية معاصرة (لا سيّما بعد ظهور المذاهب النسوية وبخاصة بعد انبثاقة الدراسات الجندرية) من قبيل: هل فعلًا نستطيع أن نتحدّث عن خطاب عن «المرأة» عند العرب القدامى؟ أم أنّهم لم يعرفوا سوى مفهوم «النساء»، كما هو مثبت في سور القرآن وفي كتب الفقه؟ ثمّ ما الفرق في آخر المطاف بين خطاب المرأة وخطاب النساء؟ هل يتعلق الأمر بمجرد فرق بين المفرد والجمع؟ أم أنّنا أمام نواة إشكالية أو جندريّة ما زالت تستعصي على الامتحان النظري والتاريخي.

علينا أوّلًا التمييز بشكل واضح بين تقاليد الحركات النسوية المعاصرة، والنظرة الجندرية للــ«مرأة» كنوع اجتماعي.

تقول جوديث بتلر في تصدير الطبعة الثانية (1999م) لكتابها مشكلة الجندر: النزعة النسويّة وتقويض الهويّة: «منذ عشر سنوات، أنهيت مخطوط كتابي مشكلة الجندر وأرسلت به إلى دار راوتليدج بغرض النشر. لم أكن أعلم أنّ النصّ سيكون له جمهور بهذا القدر الواسع الذي كان له، ولا كنت أعلم أنّه سيشكّل «تدخّلًا» استفزازيًّا في النظرية النسوية أو سيتمّ الاستشهاد به باعتباره واحدًا من النصوص التأسيسية لنظرية الكوير أو الشذوذية»(4).

يبدو أنّ مخاطبة المرأة في المفرد يختلف اختلافًا مربكًا عن مخاطبة النساء في الجمع. لنلاحظ بشكل مؤقت فيما يخصّ ثقافتنا أن الأفكار النسوية العربية، التي تمتدّ جذورها «الرجالية» إلى قرن ونيف(5)، هي في صميمها أجيال أو موجات «سياسية» أو حقوقية من الاحتجاج على وضع النساء في المجتمع التقليدي. وهي تنخرط في تقاليد النسوية الحديثة منذ إعلان وثيقة الثورة الفرنسية عن الحقوق المدنية للإنسان والمواطن، وعلى مدى القرنين التاسع عشر والعشرين؛ إنّها تناضل من أجل طيف من «الحقوق» المدنية ما لبث يتوسع حسب محطّات الحياة الحديثة (من حرية ومساواة وتعليم وشغل وانتخاب…). وهي في الأغلب تحثّ «النساء» على التحرّر من سلطة «الرجال» في الجماعة التقليدية باسم تصوّر فردانيّ وليبرالي لشخص «المرأة» بوصفها «إنسانة» من حقّها المساواة مع «الرجل»، وكأنّ الرجل هو كائن معياريّ مستقرّ ونموذجي يجب على المرأة أن تفتكّ منه الاعتراف الحقوقي بها. وهو تاريخ نسويّ من نوع تنويري صاحب العرب المعاصرين سواء في حقبة النضال ضد الاستعمار أو حقبة معارك الاستقلال ما بعد الكولونيالي عنه(6). وما لبث أن تطوّر في كل مهجة، وبخاصة منذ التسعينيات من القرن الماضي، وصار لدينا كتابات حول «الأدب النسوي» و«النقد النسوي» و«الشعر النسوي» و«الرواية النسوية»، … إلخ(7) في خلط غير متفكَّر فيه بين مسائل «النساء» و«المرأة» و«الأنثى»، والحال أنّها مساحات معيارية وهوويّة مختلفة إلى حدّ مزعج. إلّا أنّه علينا أن ننبّه إلى أنّه ليست كلّ كتابة عن «المرأة» هي كتابة نسويّة. إنّ كتابات «الرجال» عن المرأة ليست «نسويّة»، بل تتنزّل في إطار نقدي وتنويري أوسع (ولا ضرّ إن كان علمانيًّا أو إسلاميًّا) قد لا تؤدّي فيه النساء أيّ دور تأسيسي، إذْ يردّ «المرأة» إلى «الإنسان» من أجل جعلها قابلة للنقاش في علاقة بنيوية مع «الرجل» ولكن دون أن تشارك فيه. إنّ مؤلّفات الطاهر الحداد(8) والشعراوي(9) أو بوعلي ياسين(10) أو نصر حامد أبو زيد(11) أو عبدالوهاب المسيري(12)، وغيرهم هي لا تدافع عن حقوق «المرأة» إلا «بقدر ما تقبل الردّ الماهويّ إلى مفهوم «الإنسان» وبالتالي بقدر ما يمّحي الفاصل الجندري الذي يفصلها عن «الرجل» في معنى محو الفرق بين «الأنثى» و«الذكر» باسم «جنس» الإنسان الذي يشملهما.

أسئلة غير مسبوقة

أمّا الدراسات الجندرية فهي تطرح أسئلة غير مسبوقة حول جنوسة «المرأة» يقع تصنيفها عادة على أنّها تمثّل الجيل الرابع من الحركة النسوية العالمية التي اشتدّ عودها في التسعينيات من القرن الماضي في أميركا. لم يعد يتعلق الأمر بالدفاع الحقوقي عن «المرأة» بالمعنى النسوي (والذي ظلّ على ما يبدو يفهم الجندر في إطار المطالبة النسوية بإزالة التمييز بين الجنسين(13)) بل بتفكيك تداولي لمفهوم «المرأة» ومفهوم «النساء» نفسه وذلك باعتباره مجرّد «بناء اجتماعيّ» يجدر بنا أن نبحث عن بناه ومفاعيله في كل الميادين، من النحو إلى التاريخ، ومن الاقتصاد إلى الدين، ومن القانون إلى الأخلاق، ومن أنظمة القرابة إلى الأدب. بذلك التفكيك فقط يمكن إعطاء المرأة فرصة التعبير عن هويتها الخاصة بوصفها قادرة وتملك الحق في رسم هويتها الجندرية. لم يعد المشكل «حقوقيًّا» أو «مدنيًّا» (رغم أنّ بعض البحوث النسويّة المطعّمة بالدراسات الجندرية قد وجدت نفسها مضطرّة لمواصلة التنوير النسوي، وتحت وطأة نقد أنظمة التمييز ضد المرأة ظلّ التأصيل الجندري محدودًا) بل صار متعلقًا بضرب غير مسبوق من «سياسة الهويات» (اختيار النوع الاجتماعي، تكسير التقابل البيولوجي بين الذكر والأنثى، بلورة هوية جندرية حرّة، التحوّل من جنس بيولوجي إلى آخر… إلخ).

ما يهمّنا في هذا المبحث هو مدى إمكانية مراجعة الفرق بين المرأة والنساء في ضوء الدراسات الجندرية. لا يتعلق الأمر بالدفاع النسوي التنويري عن حقوق المرأة، بقدر ما يتعلق بالعمل النقدي على بلورة سياق مناسب لفهم تجربة هوية الأنوثة في ثقافتنا العميقة. وهو أمر يستوجب إرساء تقاليد بحث جندرية طويلة النفس تحفر في تاريخ تقنيات الذات وأشكال الذاتية منذ ما قبل الإسلام إلى اليوم(14). لكنّ الدراسات الجندرية ليست نزعة نسوية بالضرورة. إنّها موقف نظري وإشكالي أوسع نطاقًا من التنوير النسوي. إلّا أنّنا قد نلاحظ أنّه لم يتحقّق الكثير على هذه الطريق اللّهم إلّا بعض تجارب النقد السردي الرشيق(15) أو بعض الوثائق التأسيسية حول النوع الاجتماعي للمرأة(16) أو ترجمة بعض الكتب التأسيسية حول المرأة(17).

– وبعامة لا تزال أبحاثنا الراهنة بالعربية تميل إلى مواصلة الدفاع النسوي عن الأنثى بواسطة الدراسات الجندرية عن المرأة(18). والحقّ أنّ ذلك قد يؤدّي إلى تأمين استعمال أداتي وخارجي للمكاسب المعيارية التي تحقّقت بفضل الدراسات الجندرية، لكنّ صعوبات نظريّة عميقة ما زالت تعسّر الذهاب قدمًا وبلا قيد أو شرط أخلاقوي أو ديني في تبنّي أو احتمال الوعود الأخلاقية لفيلسوفات الجندر، من قبيل جوديث بتلر، وهي وعود تقويضية وتفكيكية من طراز رفيع. وفي صيغة فلسفية مزعجة يمكننا أن نتساءل: إلى أيّ حدّ يمكن للدراسات النسوية العربية أن تحرّر النساء (ضدّ تاريخ التفاوت الحقوقي بين الجنسين) من دون تحرير الأنثى داخل المرأة (باسم حقّها في سياسة هوية خاصة «ما- بعد- أنثوية») من تاريخها النسوي؟ ذلك بأنّ تحرير النساء هو معركة حقوقية وسياسية مع مجتمع الرجال وسلالم أخلاقهم وتاريخهم الاستبدادي،… إلخ، في حين أنّ تحرّر جندر المرأة (النوع الاجتماعي أو الجندر) أو جندر الأنثى (الكائن الهووي المفرد والمستقل) هو مشكل ذاتي وما- بعد- نسويّ تمامًا. إنّه يخص طبيعة الجندر بما هي كذلك، كما هي مختفية في حُرمة الجسد ما- بعد-النسوي واستعمالات الرغبة الخاصة وحرية التعبير الفردي واختيار الشخصية الجندرية وسياسات الهوية،… إلخ. طبعًا، للغة رأي آخر علينا استحضاره والتعامل معه. إنّ العربية لا تفرّق كثيرًا بين «المرأة» و«النساء» فليست الثانية غير صيغة الجمع للأولى كما أنّ الأولى هي صيغة المفرد للثانية. والجواب الشائع هو أنّ النساء أو النسوة هو جمع المرأة من غير لفظه. ومن الجدير بالباحث أن يتساءل: هل ثمّة معنى لأن تكون «النساء» جمع امرأة «من غير لفظها»؟ من غير لفظه يعني لا مفرد له من لفظه.

هشاشة التسمية

علينا أن نلاحظ هنا هشاشة التسمية: إنّ «امرأة» هي مؤنّث «امرئ»؛ كما أنّ «النساء» هي جمع المرأة من غير لفظها. كما نرى، إنّ الأصل هنا هو الذكر. تأنيث «المرء» (ومعناه الإنسان) هو الذي أعطانا لفظ «المرأة». إنّ السلسلة الاصطلاحية هشّة لأنّها لا تملك منطلقها: لا «امرأة» من دون «امرئ»؛ ولا «نساء» من دون «امرأة وامرأتين وأكثر». قد يعني ذلك أنّ المعالجة النحوية للقرابة المعنوية بين المرأة والنساء هي تعمية اصطلاحية على مشكل معياريّ عميق لا نراه. فقد قيل: إن دلّ الاسم على جمع ولا واحد له من لفظه سمّوه «اسم جمع». هذا يعني أنّ تسمية النساء هي قرار لغوي خطير نابع من سياسة هووية واعية بنفسها، لم يفهمها النحاة ولذلك اضطرّوا إلى تبريرها بالحيل الاصطلاحية المتاحة.

إنّ العرب يؤنّثون ويذكّرون كلّ شيء حتى الجمادات. ومن ثمّ هم «يجندرون» العاقل وغير العاقل. لا نعني التأنيث والتذكير النحوي، فلا معنى لأن يكون البحرُ مذكّرًا والشمس مؤنثة، بل نعني التأنيث والتذكير الذي من شأنه سحب الصفات الاجتماعية لنوعيِ «المرأة» و«الرجل» (الصفات الجندرية) على الصفات البيولوجية لجنسيِ الأنثى والذكر (الصفات ما قبل الجندرية) ليس فقط لدى البشر والحيوانات بل حتى لدى الجمادات أيضًا. بلا ريب، ليس كلّ تأنيث وتذكير «جندرة»، فالنحو لا «يجندر» أحدًا، بل فقط ذلك التأنيث والتذكير الذي ينقل «النوع الاجتماعي» (الجندر: المرأة / الرجل؛ النساء/ الرجال) إلى مناطق كينونة أو عوالم حياة، لئن كانت تؤنَّث وتذكَّر (بيولوجيا: مثل الحيوانات)، فهي لا تتضمّن أيّة تصنيفات «جندريّة» معطاة سلفًا (حسب النوع الاجتماعي: رجل/ مرأة، نساء/ رجال). الحيوان لا «يجندر»: ثمة في عالم الحيوانات أنثى وذكر فقط، لكن ليس ثمّة مرأة/ رجل، أو نساء/ رجال. إنّ المشكل الجندري ينبع من الخلط المتعمّد بين معجم حيواني (أنثى/ ذكر) ومعجم اجتماعي (مرأة/ رجل، نساء/ رجال). وهو خلط لا علاقة له بالطبيعة، بل هو موقف إنجازي لنوع من السلطة. وبالتالي فإنّ المشكل الجندري لا يمكن طرحه بشكل مناسب إذا بقينا في حدود الدفاع المدني عن حقوق «المرأة» ضدّ سلطة «الرجل»؛ لأنّ ذلك يفترض أنّنا قبلنا بالتقسيم الجندري السائد، حيث لا تخرج «المرأة» عن مفهوم المرأة ولا يخرج «الرجل» عن مفهوم الرجل إلّا حقوقيًّا فقط. الجندر ليس مشكلًا حقوقيًّا إلّا عرضًا، بل هو مشكل هوويّ.

ربما نعثر هنا على بعض إجابة عن هكذا سؤال: بأيّ وجه يجدر بنا أن نفهم أنّ القرآن المدني قد تضمّن «سورة النساء» وليس سورة «المرأة»؟ حتى لغة القرآن المكّي هي لم تذكر «المرأة» بالتعريف بل جعلتها في أغلب المواضع القصصية مضافة إلى «زوجــ»ها (امرأتي، امرأة فرعون، امرأة نوح…). وما بقي من المواضع هي «امرأة» (أو امرأتان) في صيغة التنكير، وليس «المرأة» ككائن مخاطَب لذاته. قد يُقال: إنّ هذا المفهوم حديثٌ وقد تشكّل في نطاق ثقافة «الفرد» التي ندين بها إلى أفكار التنوير والحداثة. في حين أنّ النساء هو مصطلح قديم ينتمي إلى الثقافات التقليدية للجماعة. ومع ذلك فهذا التبرير ليس مقنعًا.

إنّ مدوّنة الحديث لا تخلو من استعمال لفظة «المرأة» هكذا بالتعريف وذلك في تقابل جندريٍّ صريح مع «الرجل» بالتعريف، حيث ورد الحديث عن «شهادة المرأة» كيف هي «نصف شهادة الرجل»، وذلك بالتوازي مع التقابل الذي يفصل بين «النساء» و«الرجال». وهذا يعني أنّ المفهوم كان متاحًا، لكنّ قرارًا من نوع أكثر خطورة هو الذي وجّه أفق الأنثى نحو مفهوم «النساء» وليس مفهوم «المرأة». ومع ذلك فإنّ تعليل ذلك من الداخل ليس يسيرًا.

ثمّة –مثلًا- في لسان العرب ضعف مربك في المادة اللغوية الخاصة بفعل «نسا» التي اشتُقّت منها كلمة «نساء»، حيث لا نعثر إلّا على معانٍ متنافرة من قبيل عرق النّسا، والنسيان بمعنى الترك، والنّسي في معنى الشيء المطروح الذي لا يُذكر،… إلخ. وهي عناصر دلالية لا تصلح لبلورة معنى إيجابي لمفهوم «النساء». نحن لا نملك فقهًا للمرأة بل فقط فقهًا للنساء. وعلينا أن نتساءل: لماذا فضّلت حضارتنا مخاطبة النساء في الجمع؟ هل كان هناك تعمّد في تحاشي مخاطبة المرأة في المفرد؟ باعتبارها جندرًا مستقلًّا معياريًّا عن منزلة «الرجل»؟ وكيف يجدر بنا أن نفهم جهود الإسلاميين المعاصرين من أجل كتابة كتب عن «فقه المرأة» (كما فعل الشعراوي مثلًا في كتابه «فقه المرأة المسلمة» حيث لا نعثر إلّا على فقه النساء وليس على فقه المرأة)؟ هل يحقّ لنا أخلاقيًّا أصلًا أن نخاطب المرأة خارج أفق النساء؟ وكيف يمكننا أن نستفيد اليوم في إيضاح عناصر هذا النقاش من الدراسات الجندرية التي ثوّرت الخطابات النسوية حول العالم؟

ما نلاحظه هو أنّ المساهمات النسوية العربية قويّة وعريقة. لكنّ توتُّرًا خفيًّا صاحبها منذ بداياتها: إنّه التوتّر بين مواصلة فقه النساء (الذي تعجّ به المكتبة الإسلامية التقليدية) وبين بلورة خطاب تحرّري أو جديد أو حداثيّ أو ما بعد تقليدي عن «المرأة». وكانت نتيجة هذا التوتّر الخفيّ هي إنتاج خطابات نسويّة شبه- «رجالية» في مقابل خطابات جندريّة للمرأة، وهو تقابل حادّ وإشكالي خفيّ بين مواقف نسويّة حقوقية قابلة للتطعيم بمصادر أخلاقية أو فقهية غير حداثيّة (تتحدّث عن النساء في صيغة الجمع دون التخلص من هواجس عدائيّة ضدّ سيطرة الرجال) ومواقف أنوثيّة ما-بعد-نسوية(19) أو جندريّة راديكالية (تنطق باسم اختلاف مفتوح للمرأة في المفرد، غير مغلق على هوية الأنثى البيولوجية ودونما إحالة ضرورية على دور الرجل كبؤرة سلطوية بعينها، بل على مساحات هوويّة مغايرة ومتنافرة مثل «التقاليد الجنسية» و«تقنيات السلطة» و«أشكال الذاتية» و«المعايير الاجتماعية»،…).

إنّ تعويل الحركات النسوية على التشريعات المدنية وحتى الفقهية التي تساعد على تحسين الوضع الحقوقي للمرأة، كما في مسألة الإرث في تونس راهنًا، وتحصينها ضدّ العنف بجميع أشكاله (ولا يغرّنّك ما ترى من التنوير فإنّ الغرب نفسه لا يزال مدرسة كبيرة في تعنيف النساء وحتّى قتلهن تحت اسم «العنف الزوجي»، مثلًا ثلث النساء في أميركا تعرّضن للاغتصاب والعنف والتحرّش)،- هو يضعها على حافة مشكلة الجندر لكنّه لا يسمح لها بالدخول إلى إشكاليته العميقة. لا ندخل منطقة الجندر إلّا عندما نطرح السؤال غير المسبوق عن هوية الجندر؛ وعندما نميّز بشكل جذري بين «الجنس» البيولوجي و«الجندر» أو النوع الاجتماعي، وألّا نؤسّس «الجنسانية» (في معنى الميول الجنسية بحيث ينقلب الجندر إلى دفاع عن الاستعمال الإباحي للأجساد(20)) على «الجنس» (في معنى الوضع البيولوجي). والحال أنّ هذا التوجّه لا بدّ أن يؤدّي إلى مشاكل تفكيكية من طراز غير مسبوق. مثلًا: الزعم بأنّ المرأة ليست أنثى إلّا بالعرض وليس بالذات؛ وبشكل موازٍ، أنّ الرجل ليس ذكرًا إلّا بالعرض وليس بالذات، وأنّ المرأة ليست قدرًا أخلاقيًّا على الأنثى؛ وأنّ الأنثى ليست قدرًا بيولوجيا على المرأة. وبشكل موازٍ، أنّ الرجل ليس قدرًا أخلاقيًّا على الذكر؛ وأنّ الذكر ليس قدرًا بيولوجيًّا على الرجل. إنّ الجندر (أي النوع الاجتماعي: رجل، امرأة،..) يمكن بل يجب أن يكون اختيارًا حرًّا وليس نوعًا اجتماعيًّا معطى نهائيًّا؛ لأنّه محتوم بوضع بيولوجي لا يمكن تغييره. وأخيرًا، إنّ التحوّل من جندر إلى آخر هو ليس فقط ممكنًا طبّيًّا بالنسبة إلى كلّ جسم عضوي (تحوّل الأنثى إلى ذكر أو العكس، أو تحوّل هوويّ يُحدّد لاحقًا…)، بل هو حقّ أخلاقي أو إمكان معياريّ مفتوح أمام أيّ نوع اجتماعي تقليدي (من امرأة إلى رجل، أو من رجال إلى نساء، أو إلى أنواع اجتماعية أخرى…).

تخريب مذهب الفرق بين الجنسين

نحن نشهد انتقالًا غامضًا من دعوى «المساواة بين الجنسين» (وهو لبّ المعجم النسوي) إلى دعوى «المساواة في الجنادر» أو الأنواع الاجتماعية (وهو محور المعجم الجندري). ولو أخذنا مسألة الإرث في الإسلام مثالًا، لوجدنا النسويّة المعاصرة تطالب بالمساواة في الإرث «بين الجنسين»، وذلك في نطاق النضال الحداثي ضدّ هيمنة ثقافة الرجال/ الذكور، ورثة عقيدة الإله الواحد والزعيم الهووي وسلطة الأب،… إلخ. في حين أنّ دراسات الجندر إنّما تصبو أصلًا إلى «تخريب» مذهب الفرق بين الجنسين، ومن ثمّ فتح الباب أمام «تعدّد الجنادر» لأكثر من «اثنين»، وذلك في إطار النضال نحو «دمقرطة» أشكال الهوية الحميمة، وفصلها ليس فقط عن التقسيم الجندري الاجتماعي الثنائي التقليدي (رجال/ نساء) بل حتى عن التحديد البيولوجي الوراثي (ذكور/ إناث).

ولو أخذنا بجدّية ما يسمّى «نسبة الجنس» (sex ratio)، أي نسبة الذكور والإناث في تعداد السكان في العالم راهنًا، ووضعنا في الحسبان وجهًا من الشذوذ في نسبة الذكور، مثلًا في الدول الغنيّة حيث قلّت بشكل طفيف عن نسبة الإناث، فإنّه يمكن عندئذ أن تفاجئنا مشاكل غير مسبوقة: سوف تظهر دعوات «بيو- سياسية» للمساواة «في الرجال» وليس دعوات «هووية» للمساواة «مع الرجال»، كشرط مزعج للصمود على مستوى «سياسة حفظ النوع». كأنّ المشكل الديمغرافي سوف يصبح أكثر حسمًا في رسم ملامح الهوية المستقبلية للنوع البشري من المشكل الأخلاقي- القانوني- الديني، حيث سوف يفرض إعادة صياغة المسألة النسوية: سوف ينقلها من المطالبة بـــــ«المساواة» بين الجنسين إلى المطالبة بتوفير «حماية» ديمغرافية لأحد الجنسين دون الآخر. لكنّ دراسات الجندر سوف تجد نفسها معفاة من هذا الضرب من النقاش؛ إذْ بالاستغناء عن الفرق التقليدي بين الجنسين، هي سوف تستغني أيضًا عن مؤسسة الزواج التقليدية، وبالتالي لن يكون ثمّة اختلال في نسبة الجنس بين الذكور والإناث، حيث ستتعدّد «الجنادر» إلى ما لا نهاية. ومع ذلك، علينا أن نسأل: ألا تواصل النسويّة لدينا هيمنة الرجل؟(21) إنّ بعض النسوية ليس لها من هدف أقصى سوى تحرير «العذراء من القفص»(22). إلّا أنّ هذه معارك أخلاقية لا علاقة لها بمشكلة الجندر. بل: هل النسوية أمر مفيد بالنسبة إلى المرأة العربية؟(23) أم أنّ النسوية نزعة لا تخلو من سوء فهم لجندر المرأة؟

ثمّ: كيف نحرّر المرأة من العلاقة المزعجة بين النسوية الإسلامية والإسلام الأصولي؟(24) قد يجد البعض أنّ عبارة «النسوية الإسلامية» مجرد «تناقض في الألفاظ» (!)(25) كيف نقطع المسافة الأخلاقية داخل نفس الثقافة بين «نسوية الحجاب» و«نسوية الفيمن» (الحركة النسوية الأكرانية) التي طالت بعض مدننا؟ تقع «النسوية المسلمة» غالب الأحيان في موقف دفاع هوويّ عن النفس، ضدّ خطاب «استشراقي» عن «المرأة المسلمة». لكنّ من يكتفي بالدفاع عن نفسه لا «يؤسّس» لأيّ تجاوز عميق لجندر المرأة التقليدي(26). وحين تتحوّل النسوية الإسلامية إلى دفاع «ما بعد حديث» عن فقه المرأة المسلمة دفاعًا عن النظرة الاستشراقية للجسد «المشرقن» بوصفه جندر المتعة الذكورية، هي تؤدّي فقط إلى انبعاث «نسوية محافظة- جديدة» لا تحرّر شيئًا من جندر المرأة التراثي(27). يبدو أنّ تأصيل الجندر في ثقافتنا -نعني قطع المسافة المشكلة والمركّبة من «الجنس الآخر» (سيمون دي بوفوار) إلى «حلّ الجندر(28)» (جوديت بتلر)(29)– هو عندنا معركة فلسفيّة يبدو أنّها لم تبدأ بعد.


هوامش:

  1)  عن هذا النوع من الاستشكال قارن: ناصر حامد أبو زيد، دوائر الخوف- قراءة في خطاب المرأة (بيروت: مؤمنون بلا حدو، 2014م)، الفصل الأول «أنثروبولوجية اللغة وانجراح الهوية»، ص 30 وما بعدها.

  2)  قارن: زليخة أبو ريشة، اللغة الغائبة: نحو لغة غير جنوسية (عمان: مركز دراسات المرأة، 1996م).

  3)  د. محمد التونجي، معجم علوم العربية (بيروت: دار الجيل، 2003م) ص ص 386 و 405.

  4)  Judith Butler, Gender Trouble : Feminism and the Subversion of Identity (New York: Routledge Press, 1999), p. VII.

  5)  قارن: رفاعة الطهطاوي، المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين (1872م)؛ قاسم أمين، تحرير المرأة (1899م)؛ والمرأة الجديدة (1900م)؛ الطاهر الحداد، امرأتنا في الشريعة والمجتمع (1930م).

  6)  قارن: نوال السعداوي، المرأة والجنس (القاهرة: دار ومطابع المستقبل، 1990م)؛ دراسات عن المرأة والرجل في المجتمع العربي (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط. 2، 1990م)؛ المرأة والدين والأخلاق (دمشق: دار الفكر، 2000م).

  7)  مثلًا: محمد عبدالمطلب: بلاغة السرد النسوي (القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2007م).

  –  شيرين أبو النجا، عاطفة الاختلاف (قراءة في كتابات نسوية)، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1998م).

8)  الطاهر الحداد، امرأتنا في الشريعة والمجتمع (1930م). جاء في مقدّمة الكتاب: «المرأة أم الإنسان… فإذا كنا نحتقر المرأة ولا نعبأ بما هي فيه من هوان وسقوط فإنما ذلك صورة من احتقارنا لأنفسنا… غير أننا قد اعتدنا في نظرنا للمرأة أن نراها منفصلة عن الرجل لا شأن لها في تكييف نفسه وحياته».

9)  محمد متولي الشعراوي، فقه المرأة المسلمة (القاهرة: المكتبة التوفيقية، ) ص 5: «وكلمة امرأة تعني أن لها مقابلًا وهو الرجل، امرأة تعني أنثى ورجل يعني ذكرًا لو نظرنا إليهما… وجدنا أن هناك جنسًا يجمعهما وهو ‹إنسان›».

10)  بوعلي ياسين، ، أزمة المرأة في المجتمع الذكوري العربي ( سوريا: دار الحوار، 1992م).

11)  نصر حامد أبو زيد، دوائر الخوف. قراءة في خطاب المرأة، مذكور سابقًا، 137-138.

12)  عبدالوهاب المسيري، قضية المرأة بين التحرير والتمركز حول الأنثى (القاهرة: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ط. 2، 2010م)، ص 3-4، 14-16.

13)  قارن: شيرين شكري وأميمة أبو بكر، المرأة والجندر: إلغاء التمييز الثقافي والاجتماعي بين الجنسين (دمشق: دار الفكر، 2002م).

14)  قارن: آمال قرامي، الاختلاف في الثقافة العربية الإسلامية: دراسة جندرية (بيروت: المدار الإسلامي، 2007م).

  –  إيفون يزبك حداد وجون ل. سبوزيتو، محرران، الإسلام والجنوسة والتغيّر الاجتماعي، ترجمة أمل الشرقي (عمان: المكتبة الأهلية، 2003م).

  –  Leila Ahmed, Women and Gender in Islam. Historical Roots of a Modern Debate ( Yale University Press, 1992).

15)  قارن: محمد نور الدين أفاية، الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش (الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، 1988م).

16)  منذ مؤتمر بكين 1995م أخذت وثائق الأمم المتحدة تدمج مصطلح الجندر في معجمها العام. ومنذ 2010م قررت المنظمة إنشاء هيئة تشرف على تطبيق مسائل الجندر لدى مختلف الدول، وأخذت اسم الأمم المتحدة للمرأة.

17)  قارن: سيمون دي بوفوار، الجنس الآخر. في النوع: الذكر والأنثى بين التمييز والاختلاف. – ترجمة محمد قدري عمارة ( سلسلة العلوم الاجتماعية – مكتبة الأسرة، 2006م).

  –  جوديث بتلر، الذات تصف نفسها. ترجمة فلاح رحيم (بيروت: دار التنوير، 2015م).

  –  جوديت بتلر: مشكلة الجندر. (تصدير الطبعة الثانية) ترجمة فتحي المسكيني، موقع الأوان، 10 أكتوبر 2016م:

  –  http://alawan.org/content/%D8%AC

18)  قارن خاصة: رجاء بن سلامة، بنيان الفحولة ــ أبحاث في المذكر والمؤنث (تونس: دار المعرفة للنشر، 2005م)؛ نقد الثوابت. آراء في العنف والتمييز والمصادرة (بيروت: دار الطليعة، 2011م).

19)  Cf. Modleski, Tania. Feminism without Women: Culture and Criticism in a “Postfeminist” Age ( New York: Routledge, 1991).

20)  Cf. Strossen, Nadine, Defending Pornography: Free Speech, Sex, and the Fight for Women’s Rights(Prentice Hall & IBD, 1995).

21)  Stefanie Sanches, “Disempowering Feminism in the Middle East: how the polarization of Islam and Feminism perpetuates male dominance”, in: Annual Human Rights Conference Nottingham 2014 Mind the Gender Gap, https://www.nottingham.ac.uk/hrlc/documents/student-conference-2014/sanches-arab-feminism-paper.pdf.

22)  Ali, Ayaan Hirsi, The Caged Virgin: An Emancipation Proclamation for Women and Islam (New York: Free Press, 2004).

23)  Golley, Nawar Al-Hassan (2004) ‘Is Feminism Relevant to Arab Women?’ Third World Quarterly 25(3): 521-536.

24)  Moghissi, Haideh, Feminism and Islamic Fundamentalism (London: Zed Books, 1999).

25)  Ambar Ahmed, “Islamic Feminism- A Contradiction in Terms ?”, THE FRIEDRICH-EBERT-STIFTUNG IN INDIA.

26)  Zahira Sarwar, Exploring Muslim Feminisms: A Response to Orientalist Discourses About Muslim Women.

27)  Cf. Moghissi, Haideh. Feminism and Islamic Fundamentalism: The Limits of Postmodern analysis (Oxford University Press, 1999).

28)  Cf. Butler, Judigh, Undoing Gender (New York and London: Routledge, 2004).

29)  Butler, Judith. “Sex and Gender in Simone De Beauvoir’s Second Sex.” Yale French Studies, no. 72 (1986): 35-49.

وبالعربية: جوديث بتلر، «الجنس والجندر في الجنس الآخر لسيمون دي بوفوار». ترجمة: لجين اليماني. موقع نَظَرْ 19 مارس، 2016م:

https://nthar.net/جوديث-بتلر-الجنس-والجندر-في-الجنس-الآخر/


فرقنا الكروية.. أوطاننا الجديدة

عبدالسلام بن عبدالعالي – كاتب مغربي | مايو 1, 2018 | الملف

يكتفي بعض بأن يطرح قضية كرة القدم طرحًا أخلاقيًّا فيستنكر الأهمية التي قد تغدو مبالغًا فيها في بعض الأحيان، وتُعطَى للكُوَيْرة الصغرى على حساب قضايا الكرة الكبرى. وهو لا يقتنع بهذا المنحى الذي اتخذته هذه الرياضة التي أصبحت «تشغل الإنسان اليوم عن أمور أخرى أكثر جدية وأعلى أهمية»، فيرى أن هذه اللعبة، رغم أنها تروّج الملايير وتشد الجماهير وتجند الطاقات، فإنها تظل لعبة في نهاية الأمر، ولا ينبغي لها أن تنسينا حروبنا وتلهينا عن صراعاتنا ومبارياتنا «الحقيقية». وعلى الرغم من ذلك فإن أصحاب هذا المنظور يظلون عاجزين أن يثنونا عن الاعتقاد بأن ما ينعتونه بـ«مجرد لعبة»، يشكل اليوم إحدى النوافذ الأساسية التي يمكن أن نطلّ منها على الحياة المعاصرة. وعلى أية حال، حتى إن لم نعدّ اليوم الرياضةَ بصفة عامة، وكرةَ القدم على وجه الخصوص، مفتاحًا من أهم المفاتيح لفهم العالم المعاصر، فلن يكون من السهل علينا، على الأقل، نفي أهميتها الاقتصادية والسياحية، بل دورها السياسي.

لا يكفي، بطبيعة الحال لإدراك ذلك، الاستدلال على أهمية الرياضة على العموم، وكرة القدم خاصة، وإبراز فوائدها الصحية ودورها في تربية الأجسام والعقول، بل في تطوير القدرات الجسدية والتحطيم المطرد للأرقام القياسية؛ إذ إن الأمر الذي يعنينا هنا لا يكاد يتعلق بالرياضة الكروية بهذا المعنى حيث كان بإمكان جميع أطفال العالم، مهما كان وضعهم الاجتماعي والجغرافي، أن يصنعوا كرة من قش ويضعوا قطعتي حجر على جنبات الطريق ويخوضوا في مباراة تستغرق الساعات.

كرة القدم التي تعنينا هنا «لعبة» في غاية الجدّ، حيث غدا لاعبُها اليوم مهووسًا بقضايا لا علاقة لها إطلاقًا بـ«اللعب»؛ إذ المطلوب منه، أوّلًا وقبل كل شيء، أن يحقق الانتصار، ومن الأفضل أن يكون «انتصارًا ساحقًا»، وهذا الانتصار يقدَّر كمّيًّا قبل كل شيء، فهو عدد من الإصابات. لا يهمّ، لبلوغ ذلك، مختلف أشكال التحايل التي سيلجأ إليها من إضاعة للوقت، أو خروج عن قواعد « اللعبة»، أو مراوغة للحكم، أو حتى تعنيف الخصم. المهم هو النتيجة، ولا شيء غير النتيجة (حتى إن اقتضى الأمر دفع الكرة نحو المرمى باستعمال الأيدي كما فعل أحد اللاعبين، مضلِّلًا الحكم). النتيجة هي التي سترفع من قيمة اللاعب في«سوق» اللاعبين، هي التي سترفع ثمنه وتفتح له أبواب النوادي الكبيرة، وهي التي ستجلب لقميصه أغلى الإعلانات، هي التي ستبرز الوطن الذي ينتمي إليه وترفع «رايته» بين الأعلام الدولية. بل إنها قد تُوجِد ذلك الوطن إيجادًا فلا يعود «تلك البقعة الصغيرة المنسية على خريطة العالم». «لاعبنا» إذًا لا يلعب، ولا يحق له حتى ابتكار أساليب جديدة، بل عليه أن«ينضبط» ويمتثل للخطط المرسومة، و«الأهداف» المتوخاة. وهي أهداف تتجاوزه كلاعب، وكفرد ما دام يمثّل بلدًا بأكمله، إنه ليس لاعبًا بل هو قميص له لون ويحمل إعلانات. وإنجازه سيتخذ قيمة اقتصادية وسياحية بل سياسية. لذا فهو متيقّن من أنه يقدّم لبلده أنجع الخدمات الدبلوماسية، فهو ليس سفيرها في وطن بعينه، إنه سفير في العالم بأكمله.

يظهر إذًا أن ما يتحكم في كرة القدم في عالمنا المعاصر يكاد لا تكون له علاقة بالرياضة، أو على الأقل بالرياضة بالمعنى الذي كنا نقبله. كرة القدم ومبارياتها ومهرجاناتها ولقاءاتها تحيل اليوم إلى الرياضة بمعنى مخالف تمام الاختلاف، لا إلى الرياضة كلعبة، إنما إلى الرياضة كمؤسسة لها إدارتها وحُكّامها، والحاكمون فيها وعليها، مؤسسة لها قوانينها وبنياتها، وموازين قوة تتباين وفق البلدان والمناطق، وفق الجغرافية والسياسة. وهي مؤسسة يحكمها الاقتصاد وتحكم هي الاقتصاد، مؤسسة لها أسواقها وبورصاتها ومنطقها الاقتصادي الخاص.

ليونيل ميسي والكرات الذهبية

بُعد ميتافيزيقي

هذه «الرياضة» لم يكن لها وجود حتى وقت قريب. قد يقال: إن الألعاب الرياضية مغرقة في القدم، هذا صحيح، لكنها بالضبط كانت «ألعابًا»، ولم تكن تخضع لقواعد دولية، يسهر على تنفيدها حكام دوليون، وتنظّم على صعيد دولي، وتتبارى فيها الدول والأنظمة، بل تتصارع الأيديولوجيات، وتتنافس لنقلها كِبَار القنوات كي تخلق النجوم وترسّخ العلامات وتحتكر الإعلانات. بل إن بإمكاننا أن نذهب أبعد من ذلك بكثير، ونقول: إن لهذه الرياضة اليوم بُعدًا ميتافيزيقيًّا من ناحية أنها تروّج الفانتاسمات وتخلق الهويات، أو تكرّسها على الأقل، فتؤجج الانتماءات، وتسوّق وهْم الولاءات، وتحدد موازين قوى وتضبط علائق. وفي هذا الإطار ما زلنا نذكر ما راج في فرنسا في المونديال سنة 2006م إذ تحدّث بعض عن المفعول السياسي البعيد لذلك المونديال الذي قيل: إنه أنزل مكانة زعيم الحزب اليميني المتطرف لوبين وقتئذ درجات كثيرة، بل قيل: «إن مونديال 2006م عمل على توحيد الفرنسيين وصيانة هويتهم التعددية» لما شملته الفرقة الفرنسية من نجوم ذوي أصول متنوعة. وربما بإمكاننا أن نذهب إلى القول بأننا نعيش هذا التعدد، هذه الولاءات المتعددة، عند كل مونديال، حيث يعرف كل منا تجربة هوية لا محدودة. فقد يجد الواحد منا نفسه اليوم مع هذا البلد وهذا الفريق، كي ينتقل في الغد القريب إلى فريق آخر ربما كان هو خصم الأمس. لا يعود هذا فحسب لما يسمى عادة روحًا رياضية بقدر ما يرجع إلى «تعدد الألوان» التي تتسم بها الهوية بما هي كذلك؛ إذ تكشف الولاءات أن كلًّا منا باستطاعته أن يغير بين يوم وآخر موقعه داخل دوائر متمركزة فيخرج من إحداها ليقتحم أخرى، وهو الأمر الذي يجعلني أنتصر للفريق العربي ضد الفريق الإفريقي اليوم، لكنني سأجد نفسي مع الفريق الإفريقي غدًا ضد بلد أوربي، بل مع البلد الأوربي مرة أخرى ضد بلد أوربي آخر.

تمثال لدينيس بيركامب

فكما لو أن الكرة «بنية تحتية» لا تكتفي بأن تحدد التراتبات الاجتماعية وترسم العلائق الدولية وتعلي من دول وتحط من أخرى، إنما تذهب حتى أن تحدد الهوية وترسم الأوطان. وهي لا تكتفي بأن تفعل في السياحة والاقتصاد، إنما هي التي تحدد اليوم الجغرافية السياسية والعلائق الدولية والولاءات للأوطان، إلى حد أن فرقنا الكروية غدت اليوم هي أوطاننا الجديدة.

في كتاب إ.غاليانو عن كرة القدم، نقرأ ما يلي: «هناك نُصْب في أوكرانيا يذَكّر بلاعبي فريق دينامو كييف في 1942م. ففي أوج الاحتلال الألماني، اقترف أولئك اللاعبون حماقة إلحاق الهزيمة بمنتخب هتلر في الملعب المحلي، وكان الألمان قد حذروهم: «إذا ربحتم ستموتون» دخلوا الملعب وهم مصمّمون على الخسارة، وكانوا يرتجفون من الخوف والجوع، لكنهم لم يستطيعوا كبح رغبتهم في الجدارة والكرامة. فأعدم اللاعبون الأحد عشر وهم بقمصان اللعب، عند حافة هاوية، بعد انتهاء المباراة مباشرة».

نادرون جدًّا اليوم لاعبون مثل هؤلاء الذين في مقدورهم أن يرتكبوا مثل هذه «الحماقة» ويُظهروا مثل هذه «الاستماتة» في ميدان اللعب (ليس بالمعنى المجازي هذه المرة). لا يقول الكاتب إنهم فعلوا ذلك من أجل الانتصار، إنما لكونهم «لم يستطيعوا كبح رغبتهم في الجدارة والكرامة». إنهم «دخلوا الملعب وهم مصمّمون على الخسارة»، إلا أنهم سرعان ما وجدوا أنفسهم يلعبون من أجل اللعب، سرعان ما «أخذهم اللعب» مثلما «يأخذ» منظر طبيعي «أخّاذ» الفنان وهو يرسمه، أو مثلما تأخذ المقطوعة الموسيقية العازف وهو «يلعبها». فكأنما نسوا أنفسهم، بمجرد أن دخلوا الملعب، ليضحوا غارقين في اللعبة، لا شيء يشغلهم إلا فنّها. لا يظهر أن مؤلف كتاب «كرة القدم في الشمس وفي الظل» يغفل الوجه السياسي للّعبة. وهو يبرز ما كانت هذه اللعبة قد اتخذته عند النازيين منذ الثلاثينيات من القرن الماضي «عندما أصبحت كرة القدم قضية دولة». لقد حذر النازيون فريق دينامو كييف من أن هزيمة الفريق الألماني تعني هزيمة النازية، وأن الكرة تعني بالنسبة إليهم استمرارًا للحرب داخل ميدان اللعب. إلا أن الكاتب قد أصرّ على أن يبين بالضبط عجز التفسير الأحادي عن فهم هذه اللعبة، وضرورة عدم اختزال كرة القدم في بعد واحد. فهو لا يدّعي مطلقًا نفي الأوجه الأخرى لهذه اللعبة، وأعني هنا الوجه الأيديولوجي والسياسي، لكنه لا يرى أنها لم تعد لعبة لتغدو سياسة أو اقتصادًا أو مهرجانات احتفالية، إنما يحاول أن يبيّن، أنها، إذ تتخذ كل تلك الأوجه، فهي تظل لعبة، وأن اللاعب سرعان ما يتحرر مرة مرة من ضغوطات العالم المعاصر وأسواقه وإعلاناته ويتنصل من الخنوع والخضوع و الانضباط والامتثال؛ كي يسترجع في شخصه الفنانَ الذي يسكنه، فيُؤخذ في لحظة ما باللعبة، لينسى، ولو مؤقتًا، الأرباح ونشيد الوطن، ويسترق لحظات يخوض فيها في «الرقص مع الكرة».


المرأة في الفضاء الصوفي

قد تصل إلى «رتبة القطبية» وهي بمنزلة الخلافة في «الدولة الروحية»

سعاد الحكيم – أكاديمية وباحثة لبنانية | يوليو 1, 2019 | الملف

تَنَعَّمَت المرأة المسلمة بطيب مذاق المجد النسوي في العصر الذي وصفه رسول الله عليه صلوات الله بأنّه خير العصور.. في ذاك العصر، الحاضر في الذاكرة والمحفوظ جزء منه في دواوين الحديث النبوي الشريف وأجزاء كثيرة في روايات الصحابة الكرام، كانت النساء بحقّ شقائق الرجال، في السلم والحرب، وفي البيت والمسجد. فرأينا السيدة خديجة رضوان الله عليها في المرحلة المكية، وبشهادة رسول الله عليه صلوات الله، أنموذجًا راقيًا للمرأة التي نظرت بعين العدل والإنصاف والمحبة والحنوّ إلى مَعْدِن زوجها الإنساني فرأت من صدقه وأمانته وعظمة خُلُقه ما جعلها تؤمن به إنسانًا؛ فرفعت الحدود المالية فيما بين ملكيتها وملكيته، وشاركته في كل ما أشركها به. وعندما أخبرها نبأ جبريل عليه السلام كانت أول من آمن به نبيًّا رسولا صلوات الله عليه، واستعدت لأن تكون معه في كل شأن ولأن تصبر معه على كل ظرف وإن تعرّض بدنها الطاهر لما يؤثر على صحته وعافيته. ورأينا السيدة عائشة رضي الله عنها –عبر النصوص التأسيسية والدراسات الكثيرة– أنموذجًا نبيلا للمرأة العالمة المعلّمة، والفقيهة المجتهدة، والحافظة والمحدّثة بما سمعته عن رسول الله عليه صلوات الله، والناقدة الممحّصة التي لم تقف عند مرحلة الرواية بل أعملت ميزان النقد في كل ما تسمعه من الصحابة عن رسول الله عليه صلوات الله، واستدركت –بالرفض وبالتصحيح– تسعة وخمسين استدراكًا (59 استدراكًا) على ثلاثة وعشرين من الصحابة. وقد ألّف الزركشي كتابًا في هذا الموضوع عنوانه: «الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة». ورأينا سيدات صحابيات كريمات في مجالس العلم، وفي ساحات الحرب بين القتلى والجرحى، وفي الأسواق يَرْقُبْنَ عمليات البيع والشراء، وفي المسجد موطن صنع القرار يشاركن في النقاش «السياسي» ويدافعن عن حقوقهن الشرعية.. نماذج أصيلة للمرأة الخطيبة والمجادِلة والمداوية والفقيهة والتاجرة والمحتسبة وغير ذلك.

أَسوقُ هذا الكلام كلّه، لأقول: إن الحراك النسائي كان نشطًا في العقود الأولى من تاريخ المسلمين، وإنّ الإسلام–نصًّا وتطبيقًا– بريء من تهميش المرأة، ومن حبسها في صورة نمطية، ومن حرمان الفضاء العام من مشاركتها العلمية والفكرية والاجتماعية والإنسانية. وإننا نثمِّن غاليًا جهود جميع العاملين –اليوم– على إظهار فاعلية المرأة المسلمة ومشاركتها الرجل في صنع حضارة الإسلام، ونقدّر عاليًا عمليات الحفر في التراث للكشف عن وجوه نسائية برزت –عبر التاريخ– في ميدان الفقه والحديث والرواية والدراية، وجلست للتعليم ونقل المعرفة لأجيال من طلبة العلم، أو لتظهير وجوه نسائية اشتُهرت ببذل المال والحليّ في مجال أبدعه الإسلام ولم يكن معروفًا لدى العرب وهو مجال الأحباس والأوقاف، فبُنيت –بأموال النساء– مدارس ومكتبات عامة ومساجد ومستشفيات ودُور لطلبة العلم وخوانق (جمع خانقاه) لإقامة العبّاد والزهاد والصوفية واستقبال الفقراء وعابري السبيل وأربطة (جمع رِباط) للنساء العابدات الصوفيات انتشرت في بلاد المشرق العربي، وبخاصة في بغداد وحلب ودمشق والقاهرة، وأيضًا في بلاد المغرب العربي..

ونشارك في عمليات الحفر في التراث، للكشف عن تمثُّلٍ مختلف للمرأة، تمثُّل يتّسم بالمحبة والرحمة والحكمة والتقدير الذاتي بعيدًا من المواجهات والمجادلات والسجالات وصراع الأدلة والعلاقات السلطوية.. هذا التمثُّل هو: وجود المرأة في الفضاء الصوفي.

وننظر إلى هذا الوجود من نافذة تطل على تجليات المرأة الصوفية وصورها في المدونة الصوفية.

تجليات المرأة الصوفية

إن أخبار النسوة الصوفيات مخزونة في موسوعات تاريخ المسلمين ومنها: تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وتاريخ دمشق لابن عساكر. وفي كتب الطبقات والتراجم ومنها: صفة الصفوة لابن الجوزي، وحلية الأولياء لأبي نُعَيْم الأصفهاني، وسير أعلام النبلاء للذهبي، وذكر النسوة المتعبدات الصوفيات للسلمي. ومع تزايد الاهتمام بالفكر الصوفي وبالمرأة الصوفية، منذ نصف قرن تقريبًا، صدرت عشرات الكتب والدراسات باللغة العربية وبلغات أجنبية حاكية عن حضور المرأة في الفضاء الصوفي وخصوصية سعيها الروحي، وعن نظرة الرجل الصوفي المتسمة بالمساواة الإنسانية والرحمة الشاملة إلى المرأة سواء كانت شريكًا في التجربة الروحية أو شريكًا في الحياة الدنيا.

وعندما نفتح هذه الكتب المذكورة –أو ما توافر منها– تضيء الصفحات التي تثوي في حروفها أخبار هؤلاء النسوة، وتحكي عن وجودهن في تاريخ المسلمين وحاضرهم.. ومنهن المقيمات في بيوت صوفية معروفة، بصحبة قامات روحية عالية، بصفتهن إما الزوجة أو الأخت أو الابنة، ومنهن السائحات العابدات الزاهدات اللواتي لم تكن أخبارهن لتصلنا لولا تدوين كبار رجال الصوفية أقوالَهن، ومنهن المؤدبات المربّيات اللواتي تركن بصماتهن على الحياة الروحية لكبار رجالات الصوفية، ومنهن الأميات العارفات اللواتي يتصدَّيْنَ لإنشاء الكتب بالإملاء على قريب عارف بالقراءة والكتابة، ومنهن العالمات صاحبات المدونات الصوفية والمرجعيات الكبرى، ومنهن المقيمات ضمن جماعات صوفية في الأربطة المخصصة للنساء، ومنهن الشيخات القائدات لتجمعاتهن الصوفية أو الممثلات لشيخ الطريقة في محيطهن الجغرافي أو النسائي، ومنهن الباحثات المؤرخات المفكرات..

من هذا المشهد الذي يمتد إلى ما يزيد على أربعة عشر قرنًا، نختار الكلام بإيجاز عن أربعٍ من النسوة الصوفيات.. ولا ندّعي أن هؤلاء النسوة الأربع يجمعن صور المرأة الصوفية الآن وعبر التاريخ؛ لأن كل واحدة من النسوة الصوفيات المعروفات والمجهولات هي أنموذج متفرد ولا يمكن تكراره. ولكن الدافع لاختيارنا هو قدرة هذه النماذج الأربعة على إظهار الانفتاح الديني والإنساني في البيئة الصوفية، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن هذه النماذج الأربعة ليست من التاريخ المنسي أو المتروك بل تتمتع بطاقة حيوية حملتها عبر أحقاب التاريخ وأظهرتها بصور متعددة ومختلفة.

أولًا– الزاهدة العاشقة

(السيدة رابعة العدوية 100هـ – 180هـ)

لمع اسم السيدة رابعة شرقًا وغربًا، ولم تعد جزءًا من الوجود الصوفي الإسلامي العربي فقط، بل صارت جزءًا من الثقافة الإنسانية العالمية، وغدت قصائدها في الحب الإلهي زهرة السماع الفني الراقي. تتلخّص قصة حياتها في أنها فتاة ضاعت من أهلها في زحمة السوق في العراق، في زمن فوضى ومجاعة، فخُطفت وبيعت. عاشت معاناة الرقّ فتعلّمت العزف على الناي، حتى إذا اضطرتها الظروف إلى الوجود في «سهرات الأنس» كانت تشارك بالعزف فقط. إلى أن انتبه من يملكها إلى حقيقة حالها، فأعتقها. وما إن امتلكت زمام أمرها حتى سكنت في غرفة متواضعة في مدينة البصرة، غرفة لا تحوي من أشياء الدنيا إلا إبريقًا وصحفة وحصيرة ومخدعًا من اللَّبِن.

وفي مقابل أقوال الدارسين، بأن المرأة في تاريخ المسلمين وإن برزت في مجال علمي إلا أنها ظلت تابعة علميًّا ولم تؤسس مدرسة.. نقول؛ لقد أسست السيدة رابعة مدرسةً في التصوف الإسلامي، فهي أول من أدخل لغة الحب على الحياة الروحية، وهي –في حدود معرفتنا– أول من توجّه إلى الله قائلًا: أحبك. وهي أول من ميّزت بين حُبَّيْنِ لله تعالى: حب الهوى، وحب الاستحقاق (الحب الذي يستحقّه الله تعالى لذاته العليّة وأسمائه الحسنى). وهذان الحُبّان عندها –كما نقدّر– من الضروري أن يكونا متلازمين في المسيرة الروحية؛ لأن حب الهوى وحده قد يوقع المرء في الرعونة، وحب الاستحقاق وحدة قد يغرق المرء في الهيبة والجلال، تقول:

أحبُّك حبّين: حـبَّ الهوى،

وحُبًّا لأنـك أهـلٌ لذاكـا

فأمّا الذي هو حـبُّ الهوى

فشغلي بذكرك عَمَّن سـواكـا

وأمّا الـذي أنت أهـلٌ له

فكشفك للحجب حتى أراكـا

فلا الحمد في ذا، ولا ذاك لي

ولكن لك الحمدُ في ذا وذاكـا

وإن المدرسة التي أنشأتها السيدة رابعة، هذه العاشقة العابدة الزاهدة، لم تنطفئ بموتها بل حملها التاريخ في طياته إلى بقاع من الأرض وحقبات من الزمان، ولم تنحبس في بيئة نسوية بل مشى عدد كبير من أعلام التصوف في قافلتها.. وها هو سَرِيّ السَّقَطيّ (ت: 253هـ) يبيِّن فعل العشق في بَدَنِه النحيل، فيقول:

إذا ما شكوتُ الحبّ، قالت: كَذَبتنَي

فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا؟

فلا حبّ حتّى يلصـق الجلد بالحشا

وتذهل حتّى ما تجيـبَ المناديـا

والشِّبليّ أيضًا، صديق الجُنَيْد والحَلَّاج، يصف فناءه في العشق، فيقول:

قد تخلّلـتَ مسلـك الـرّوح منّي

ولـذا سُمّـي الخليـل خليـلا

فـإذا ما نطقـتُ كنتَ حديثـي

وإذا ما سكـتُّ كنـتَ غليـلا

والحلّاج يردد كثيرًا هذه الأبيات:

سقوني وقالـوا لا تغـنّ، ولو سقوا

جبـال حُنَيـن ما سقونـي لغنـت

تمنّـتْ سُلَيْمـى أن نمـوت بحبهـا

وأسهـل شـيء عندنـا ما تمنّـت

ولا تزال القافلة تَجِدُّ في سيرها عبر الأزمنة والأمكنة، تضع رحالها مرة في مشرق ومرة في مغرب.. وفي كل مرة تطرب الأسماع والأرواح بشدو العشق الشريف.

ثانيًا– الأم الروحية ومشيخة المرأة

(السيدة فاطمة بنت المثنى، عاشت في القرن السادس الهجري)

هي سيدة مغمورة، وما كنا لِنَعرِفَ شيئًا عن وجودها على الأرض لولا أن خدمها بنفسه ولمدة سنتين شيخ الصوفية الأكبر محيي الدين بن عربي (560– 638هـ). ومما يخبر عنها ابن عربي نعرف أنها قدّمت إضافة في تاريخ التربية الصوفية. فعلى حين أن المعلم الصوفي –في السائد– يقوم بتربية مريده بالرياضات والمجاهدات حتى يصبح نقيًّا صافيًا من الصالحين (أي المُنتَج هو إنسان نقيٌّ تقيٌّ عابد زاهد…). نراها توجّه بَصَرَ «وَلَدِها الروحي» نحوَ الوجود، نحو الآفاق، لتتكوّن لديه رؤية للكون وللإنسان وللعلاقة بالله تعالى. ويمكن القول: إنها أبدعت وبشكل غير مسبوق، لما يمكن أن نسمّيه «تربية العارفين» في مقابل «تربية المريدين»، وهي تربية «بالنظر في الآفاق» في مقابل تربية «بالنظر في الأنفس».

وقد عرف ابن عربي مكانة هذه المعلِّمة الاستثنائية، عندما قالت له: «أعطاني حبيبي [أي الله تعالى] فاتحة الكتاب تخدمني، فوالله ما شغلتني عنه». ويفسّر لنا ابن عربي معنى قولها هذا، بأنها كانت عندما تقرأ فاتحة الكتاب، لأمر من الأمور، تنشئها بقراءتها صورة مجسّدة هوائية ثم تخاطب هذه الصورة وتبعثها لتؤدي المهمة التي تطلبها منها.. إنه عطاء إلهي عجيب لواحدة من النسوة المتعبدات الصوفيات الأُمِّيَّات المنقطعات في فَلَوَاتٍ من الأرض.

وهذا الأنموذج للمرأة الصوفية، المربِّية الروحية للنساء والرجال معًا، التي تمثل «سلطة مرجعية عليا» في زمانها داخل حدود جماعتها الصوفية.. هذا الأنموذج لا يزال مستقرًّا في مجتمعات الإسلام، وبخاصة في المدن التركية حيث نجد العديد من «الشيخات» اللواتي يَنتسِبُ إلى جماعاتهن الصوفية العديدُ من المريدين من الجنسين، ويشكِّلْنَ لمريديهن الأُمَّ الرُّوحية.

ثالثًا– صوفية عارفة وصاحبة تراث مكتوب

(الست عجم بنت النفيس البغدادية، كانت حيّة عام 686هـ).

هي سيدة أميّة تخبر عن نفسها بأنها خرجت من الجهل (بالله تعالى) إلى العلم (به تعالى) في ليلة واحدة، كما تقدّم نفسها على أنها من كبار الأولياء.. تقول مخبرة عن أمّيتها ومعترفة لزوجها بفضل تدوين كل ما تمليه عليه: «وحيث عَلِمَ الله أنني امرأة عاميّة بريئة عن التصرف في كلّ ما ينطبق عليه اسم «العلم الظاهر»، حتى عن الكتابة وما ترقمه الأقلام، فهيّأ لي صاحبًا عارفًا بأحكام الخطّ ومعانيه وما يُصاغ منه وسيلة إلى المعاني. فعندما يلقي الله تعالى في قلبي شيئًا من العبارة والفيض أستنجد به استنجاد مخالَلـة وأدعوه إلى إثبات ما يَرِدُ. وهو محمد ابن خالتي وربّ بيتي».

أَمْلَتْ هذه السيدة على زوجها ثلاثة كتب هي: شرح مشاهد الأسرار القدسية (وهو كتاب لابن عربي)، وكتاب الخَتْم، وكشف الكنوز. ومن مُدارَسة نصوصها نجد أن معرفتها نتجت عن سبيلين هما: الإلقاء الإلهي في القلب، والشهود. وتخبرنا الست عجم أن الشهود يقوم على «الخلع الروحاني»، أي «إلقاء الجسد الظاهر»، بغير تألم، في حالة هي بين الموت والحياة، ثم الوصول إلى حال تُسَمِّيها «القيام في الصورة»، وطوال مدّة الخلع يحدث جَوَلَانٌ للروح ويجري الشهود.

ورغم أن هذه السيدة لم تلتقِ بابن عربي الذي سبقها في الزمان الدنيوي بنحو نصف القرن، ولم تعرف بوجود كتابه «مشاهد الأسرار القدسية»، إلا أنها تحكي أنه وقع لها «خلع روحاني» ودخلت إلى «عالم الباطن»، وهناك الْتقَتْ الأولياءَ المماثلين لها في الرتبة ومن جملتهم محيي الدين بن عربي، وجرى بينها وبينه حوار، وعند المفارقة أوصاها بأن تشرح كتابه المشاهد في حال العَوْد من الباطن.. وبالفعل أَمْلَتْ على زوجها شرح المشاهد فيما يزيد على أربع مئة صفحة (وهو كتاب قمت بتحقيقه ونشره بالمشاركة مع د. بكري علاء الدين). وهذا الأنموذج للمرأة الصوفية التي تدخل عالم التدوين والتسطير، هو أنموذج يزداد انتشارًا منذ الربع الأخير من القرن العشرين: فنجد مثلًا في لبنان وسوريا ومصر وصولًا إلى المغرب العربي سربًا من النسوة المنتسبات إلى طرق صوفية وقد أمسكن بالقلم دفاعًا عن التصوف والطرق الصوفية. كما نجد سربًا آخر من النسوة المسلمات، الموجودات على أطوال العالم العربي في الأردن والعراق وسوريا ولبنان ومصر والسودان وصولًا إلى المغرب العربي، نسوة متعاطفات مع الفكر الصوفي وقد انجذبْن إلى مدونات كبار الصوفية فانكببْن عليها بحثًا وتحقيقًا وتأليفًا ونشرًا. ولا ننسى سربًا من النسوة الغربيات، المسلمات وغير المسلمات، العربيات والمستشرقات، وجدن أن التصوف الإسلامي هو جزء حيوي وضروري من الثقافة الإنسانية الكونية، ويمتلك مقومات خطاب إسلامي يفهمه الآخر ويتواصل معه، لذلك اجتهدن في ميدان البحث التعريفي وأيضًا الترجمات، وهن عديدات في العالم الغربي وبخاصة في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة واليابان.

رابعًا– امرأة على رأس طريقة صوفية

(السيدة زينب القاسمية، 1850م– 1904م).

وهي سيدة صوفية قارئة عالمة، تولّت مشيخة الزاوية التي أنشأها والدها الشيخ محمد بن أبي القاسم (ت: 1897م)؛ مؤسس «الطريقة الرحمانية» ومنشئ زاوية «الهامل» ببو سعادة– الجزائر. كانت السيدة زينب (أو لالا زينب كما هي معروفة)، ابنة وحيدة لوالدها. ويبدو أنه توسَّم فيها أهلية رُوحية؛ فاعتنى بتنشئتها؛ فحفظت القرآن الكريم وقرأت التفاسير وتفقهت في الدين، وحفظت الأحاديث النبوية الشريفة، وسمعت من والدها شروح الصحيحين، وغيرها من كتب التوحيد والفقه والتصوف. كان الوالد يناقش ابنته في العلم ويطلعها على أعماله وما يجري خارج «الزاوية» من أحداث وعلاقات. وعندما ظهر له سداد رأيها وصفاء نفسها، كلّفها بحفظ سجلات أملاك الزاوية، وكتب عام 1877م وصية موثّقة تضع كل أملاكه تحت تصرفها على شكل حَبْس عائلي.

وعندما توفي الوالد شيخ الطريقة الرحمانية، تولّت السيدة زينب مباشرة قيادة جمعها الصوفي علميًّا ورُوحيًّا. وأكملت خطى والدها وكانت عارفة بمشروعه الصوفي الحضاري. فازدادت الطريقة انتشارًا في زمانها، وكان يؤمُّها المريدون من كل حدب وصوب.

وهذا الأنموذج للمرأة الصوفية القيادية، وإن كان موجودًا في نهايات القرن التاسع عشر إلا أنه بدأ بالانتشار في القرن الحادي والعشرين، وبخاصة في الولايات المتحدة الأميركية التي شهدت هجرات صوفية من أنحاء العالم، ونشأ على إثرها مجموعات صوفية صغيرة تضم مسلمين أميركيين ومهاجرين معًا من الجنسين، أو ظهرت فروع نشطة لطرق صوفية يعيش شيخها خارج الولايات المتحدة.. وفي كلتا الحالتين، فالقيادة في العديد منها للمرأة الصوفية.

وختامًا نقول: من المهم أن نعرف أن الإنسان الصوفي (أي الرجل) يتعامل مع المرأة، أي الآخر الصوفي أو الحياتي، على قاعدتين هما:

أولًا- قاعدة المساواة في الجوهر الإنساني بين الرجل والمرأة: إن الصوفي عندما يقع نظره على فتاة صوفية أو على امرأة صوفية، فإنه لا ينحجب بالجنس عن الحقيقة الإنسانية. ويرى جُلُّهم –ومنهم محيي الدين بن عربي في كتابه الفتوحات المكية– أن حقيقة الإنسانية تجمع الذكر والأنثى، وأن الذكورة والأنوثة فيها عَرَضان وليستا من حقائق الإنسانية. وهذا يعني المساواة التامة بين الرجل والمرأة في التكريم الخاص بالجنس البشري، وفي كل خطاب موجّه للإنسان يرتب حقًّا من حقوقه أو يحمّله مسؤولية من المسؤوليات.

ثانيًا- قاعدة المساواة في الأهلية الروحية بين الرجل والمرأة: إن العالِم الصوفي يصرح في مناسبات عديدة، أن جميع المقامات الروحية متاحة للمرأة تمامًا كما هي متاحة للرجل. ومن هنا، فقد تصل المرأة إلى «رتبة القطبية»، وهي أعلى منزلة روحية ولا تكون في الزمان الواحد إلا لشخص واحد، وهي بمنزلة الخلافة في «الدولة الروحية».. يقول ابن عربي: «كل ما يصحُّ أن يناله الرجل من المقامات والمراتب والصفات يمكن أن يكون لمن شاء الله من النساء». ونورد قصة يرفع فيها الصوفي الشهير ذو النون المصري امرأةً صوفيةً إلى مقام «الأستاذية». وهذا الاعتراف من الصوفي هو محض إنصاف، وهو دلالة على مكانةٍ لا تُنكَر للمرأة الصوفية.. تذكر الكتب أن السيدة فاطمة النيسابورية بعثت مرة إلى ذي النون المصري برِفْق (معونة) فردّه وقال: في قبول أرفاق النسوان مَذَلَّةٌ ونُقْصان. فقالت فاطمة: ليس في الدنيا صوفي أخسّ ممن يرى السبب.. ونستمع إلى شهادته فيها يقول: «ما رأيتُ أحدًا أجلّ من امرأة رأيتها بمكّة، يقال لها: فاطمة النيسابورية، كانت تتكلم في فهم القرآن، وهي وَلِيَّة من أولياء الله عز وجل، وهي أستاذي».


إسهام المفكرة – الباحثة العربية في الفكر العربي المعاصر

ناجية الوريمي – أكاديمية وباحثة تونسية | مارس 1, 2020 | الملف

«إسهام الباحثة-المفكرة العربية في الفكر العربي المعاصر»، ليس مجرّد عنوان لهذا البحث وتوضيحًا لإشكاليّته، بل هو شهادة على دخول الفكر العربي المعاصر منذ مطلع هذه الألفيّة في مرحلة جديدة تختلف عن المراحل السابقة التي كان فيها الشأن الفكريّ شأنًا رجاليًّا بامتياز، والتي كانت فيها مساهمة المرأة في الإنتاج المعرفي لا تكاد تتعدّى الإبداع الأدبي شعرًا ونثرًا. فأن يكون الإنتاج الفكري للمرأة موضوعًا للبحث، معناه أنّه تنامى كمّيًّا -ونوعيًّا أيضًا- بشكل أصبح فيه موضوعًا للدرس والتقييم. وما يمكن أن نقوله في شأنه بدءًا هو أنّه سمح بتجاوز الاختزال التقليديّ لإبداع المرأة في الأدب والنقد -حيث تظهر شاعرةً أو روائيّةً أو ناقدةً- ليُبِين عن «إبداعها» في المجال الفكريّ.

زهية بن جويرو

في هذا المجال تظهر الباحثة ذاتًا مفكّرةً تضطلع بدور المثقّف الذي يتبنّى قضايا مجتمعه ويساهم في تحليلها وإعادة النظر فيها بتفكيك المسلّمات المتكلّسة وصياغة تصوّرات جديدة تتفاعل مع المكتسبات القيميّة المعاصرة ولا تقطع مع الخالد من القيم الماضية. وعلى الرغم مما نلمسه من تصاعد الإنتاج الفكري «للمثقّفة» العربيّة وتنوّعه، فإنّنا لا نجد دراسات مخصّصة له تقييمًا وإثراءً، على غرار ما حظي به إنتاجها الأدبي(30). فالمكتبة العربيّة اليوم تزخر بالدراسات التي تناولت إسهام المرأة المبدعة في القصّة والشعر والرواية والسيرة الذاتيّة وغيرها، التي تناولت أيضًا إسهامها في النقد الأدبي. ونحن نشيد بهذه الدراسات؛ لأنّ الفضاء الإبداعي عمومًا يكتسي، علاوة على أهمّيّته الروحيّة الجماليّة، أهمّيّة قِيَميّة اجتماعيّة بوصفه الحاضنة التي تتشكّل فيها القيم الجديدة- قيم التغيير نحو الأفضل. لكنّنا نلفت الانتباه إلى أهمّيّة التعامل النقدي مع كتابات المرأة الفكريّة، تحليلًا وتقييمًا؛ لأنّنا نفترض خصوصيّةً معيّنةً لما تنتجه هذه الذات المفكّرة التي تتحمّل أكثر من غيرها تبعات الفشل العربي في التحديث والنهضة(31).

أن تكون المرأة إذن مفكّرة تتفاعل مع قضايا مجتمعها تحليلًا وتفكيكًا وبلورةَ بديل، فاعلٌ جديد نقدّر أنّه مؤهّل لأدوار نقديّة تكشف عن طبيعة الأفكار والمسلّمات التي تعمل على تأبيد علاقات اللاتكافؤ بين مكوّنات المجتمع، والتي تحول دون إحداث تغييرات جدّيّة في اتّجاه التوافق مع منظومة القيم المعاصرة. وكان متوقّعًا أن ينتصر هذا الفاعلُ الجديد لتغيير الوضع السائد وينادي بإطلاق قوى التغيير والتحرير الكامنة في المجتمع. وجاءت مساهمة المرأة –وفق تقديرنا- إثراءً للفكر العربي، ودعمًا للبعد النقديّ فيه، بفضل ما تحتوي عليه من وجهات نظر ومواقف جريئة أحيانًا، وباعثة على انطلاق حوارات تُنضج الاختيارات الكبرى التي يمكن أن يسير فيها المجتمع العربي.

وبحثنا هذا ملتزم بحدود معلومة، لا يدّعي الشموليّةَ ولا يعِد بها، وسنركّز من خلاله في نموذج يمكن أن يكون منطلقًا للدراسة والمقارنة ببقيّة النماذج العربيّة لاحقًا، وهو النموذج التونسيّ. وما دعانا إلى هذا التركيز أنّ الكتابات التي سندرسها، متقاربةٌ في المنهج وفي الرؤية النقديّة إلى درجة حوّلتها إلى ظاهرة فكريّة، وأنّ صاحباتها مجموعة من الباحثات أخذن بناصية المعرفة الحديثة ووعيْن الإشكاليّات الفكريّة التي تطرحها الأصوليّة الدينيّة والأيديولوجيّات السياسيّة الكلاسيكيّة. هنّ جامعيّات ينتمين إلى ذات الاختصاص وهو «الحضارة العربية الإسلامية»(32)، الاختصاص الأكاديميّ الذي يهتمّ بدراسة القضايا الفكريّة والسياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة المميّزة للمجتمع العربي الإسلامي ماضيًا وحاضرًا، والذي يعتمد مقاربات تضع المنتج الثقافي العربي الإسلامي في سياقاته المعرفيّة والتاريخيّة، وتحلّل آليّات تفاعله معها، والوظائف التي قام بها. وعلى هذا الأساس طوّر هذا الاختصاص مناهج قراءة النصوص وتأويلها بالاستفادة ممّا أقرته علوم الإنسان والمجتمع. وجمع بين النقد البنيويّ الذي يعتني بالمقوّمات اللغويّة للنصّ وفق كيفيّة تشكيلها، والنقد التاريخيّ الذي يشرح الظروف المحيطة بإنتاج النصّ وتأثيرها في مضمونه الفكريّ. ومن شأن هذه المناهج أن تحرّر فعل القراءة والتأويل من الأحكام الماقبليّة والإكراهات الأيديولوجيّة التي تحكّمت –ولا تزال- في جانب مهمّ من الفكر العربي المعاصر، وعمّقت عجزه عن صياغة البدائل الناجعة والجامعة.

نقد المواقف التي أصبحت عقبة في طريق التقدم

جيهان عامر

أمّا القضايا التي استأثرت بالاهتمام في إنتاج المرأة الفكريّ، فهي قضايا تهمّ حاضر المجتمع العربي الإسلامي مثلما تهمّ ماضيه، إيمانًا بأنّ بناءَ مستقبل أفضل مشروطٌ بتكريس وعي تاريخيّ لا يقطع مع الماضي، ولكن، لا يرتهن به. والقاسم المشترك بين مختلف الكتابات الممثلة لهذا الإنتاج، هو نقد المواقف والرؤى التي أصبحت عقبةً في طريق التقدّم الضروريّ للمجتمع، وفي طريق إبداعه لحداثة عربيّة متفاعلة مع الحداثة الكونيّة أخْذًا وعطاءً. وسنقف أساسًا في هذه الدراسة -نظرًا إلى التزامها بالحدود التي ذكرنا- عند القضيّة الأمّ التي التقت حولها هذه الكتابات، وهي قضيّة الاختلاف والتعدّد وكيفيّة إدارتهما. والجدير بالذكر أنّ هذه القضيّة تحتلّ مركز الصدارة في الفكر العالمي اليوم؛ لأنّها الأساس الذي يوفّر شروط الانتظام الناجع والعادل بين البشر داخل مجتمعاتهم وفيما بينها. ومساهمة المفكّرة- الباحثة العربيّة في معالجتها من شأنها أن تدعم قدرة الفكر العربي على إحداث التغيير المنشود في المجتمع. وجاءت هذه المساهمة نقديّةً رصينةً، تسائل البداهات، وتُشْرِع الأبواب على آفاق جديدة قد تساعد في إخراج الفكر العربي من الانسداد التاريخي الذي تردّى فيه.

ويلفت انتباهَ قارئ هذه الكتابات اعتناءُ الباحثات بمراجعة ما تكرّسه الدراسات التقليديّة من إعادة إنتاج للتصوّرات والمواقف المنتصرة تاريخيًّا، التي نجحت في التحوّل إلى مسلّمات لا تزال إلى اليوم تتحكّم في الوعي العربي. وتجلّت المراجعة في الكشف عمّا قامت به هذه الدراسات من حجب مزدوج للحقائق الفكريّة والتاريخيّة التي يساعد استحضارها على تجاوز مقولات التعصّب وإقصاء الآخر المختلف دينيًّا ومذهبيًّا وسياسيًّا وجندريًّا: «حجب أوّل مجاله المواضيع التي استُهلكت دراسةً وتفريعًا فتكلّست فيها المنطلقات والنتائج، بينما من الممكن تغيير المنطلق لاكتشاف أوجه جديدة وطريفة فيها، وحجبٌ ثانٍ مجاله مواضيع ظلّت أبوابها موصدة، إمّا بحكم العجز المعرفيّ عن فتحها، أو بحكم المنع السلطوي من فتحها»(33). وجاءت مختلف الكتابات مقرّةً بالحقّ في الاختلاف عقديًّا وفكريًّا وسياسيًّا، موضّحةً الشروط اللازمة لممارسة هذا الحقّ. وكان لها دور كبير في تفكيك المواقف التي وظّفت النصوص الدينيّة، لتفرض أحاديّة في الفهم والتصوّر، ولتحارب التعدّد الذي تراه سببًا للفساد و«للفتنة». فتقضي بذلك على شروط الاعتراف المتبادل بين المختلفين، التي لا غنى عنها في إنجاح العيش المشترك. وقد تناولت الكتابات مستويات عديدة من الاختلاف: الاختلاف الفكري، والاختلاف السياسيّ، والاختلاف الجندري، والاختلاف التشريعيّ.

اعتنى قسم من هذه الكتابات بدراسة الاختلاف الفكريّ الذي وسم الثقافة العربيّة الإسلاميّة في المرحلة التأسيسيّة، والذي يعطي صورة عن طرافة الاختيارات التي أبدعها الفكر العربي الإسلامي في مرحلة التأسيس. وكشف من خلال التنبيه إلى المهمّش من المواقف في مواضيع حظيت بالاهتمام ماضيًا وحاضرًا، عن أنّ ما يُحجب من الأفكار ويصادَر لأسباب سلطويّة، قد يكون من الناحية المعرفيّة أهمّ وأنجع لخير الإنسان والمجتمع. من ذلك أنّ ما ساد من فكر خرافيّ لا عقلانيّ في تمثّل تاريخ الإسلام، حجب فكرًا آخر قريبًا من الواقعيّة والمعقوليّة(34). ومن ذلك أيضًا أنّ ما ساد من فهم تشريعيّ حرفيّ للنصّ القرآني، غطّى على فهم آخر مغاير، قوامه التمثّل المقاصدي الذي يأخذ في الحسبان التطوّر التاريخي للمجتمع(35). وتُعَدّ المشاركة البارزة للباحثات في مشروع العمل الجماعي المخصّص لتجليّات فهم الإسلام تاريخيًّا -وهو «الإسلام واحدًا ومتعدّدًا»- مظهرًا من مظاهر اهتمامهنّ بقضايا التعدّد الفكري، وبخاصّة ضرورة تجاوز الوعي المذهبي والطائفيّ الضيّق(36). وعمومًا، أبرز هذا الضرب من الكتابات أنّ وراء الرأي «الرسميّ» المنتصر، آراءً أخرى لا تقلّ عنه أهمّيّة معرفيّة. وأثبت أنّ الاختلاف في المواقف والرؤى كان دائمًا ضامنًا للحيويّة ومصدرًا للإضافة ولإبداع الجديد، في حين كان التشابه -الناتج عن فرض الاختيار الواحد واللون الواحد- مصدرًا لتآلف باهت ومميت، وهو التآلف الذي غلب على مراحل مهمّة من تاريخ الحضارة العربيّة الإسلاميّة وأفقدها أسباب حيويّتها وتقدّمها(37). ولا تزال مخلّفاته اليوم تعطّل التغيير والتحديث.

نفض الغبار عن المهمش

رجاء بن سلامة

وعلاوة على الاختلاف الفكري، حظيت مسألة الاختلاف في السياسات العربية الإسلاميّة باهتمام كتابات أخرى. وكان الهدف مراجعةَ بعض المسلّمات التي تحكم بأنّ المجتمع العربي الإسلامي لم يعرف إلّا الحكم الاستبدادي الموظّف لسلطة الدين. وأثبتت من خلال تفكيك السائد من النصوص، ونفض الغبار عن المهمّش منها، أنّ هذا المجتمع عرف أيضًا تجارب سياسيّة أقرب ما تكون إلى الحكم المدني الذي يتّبع سياسة تعدّديّة متسامحة، حَرِيّة بالاعتبار اليوم(38). ولا يرمي هذا الإثبات إلى إسقاط معايير سياسيّة معاصرة على الماضي، بل هو يرمي أوّلًا إلى الكشف عن حقيقة التعدّد في الاختيارات السياسيّة الماضية، ويرمي ثانيًا إلى إعادة الثقة في الذات العربيّة، من خلال الكشف عن مؤشّرات استعدادها للتفاعل إيجابيًّا مع مكتسبات الحداثة السياسيّة.

أمّا مسألة الاختلاف الجندري فقد مثّلت صورة من اعتناء هؤلاء الباحثات بمواضيع ما زالت تشقّ طريقها بصعوبة -ولكن بخطى ثابتة- في الثقافة العربيّة المعاصرة. والاختلاف الجندري ليس مسألة جزئيّة تتعلّق بحقوق المرأة وبعلاقتها بالرجل، بل هي باب مُشرَع على دراسة مختلف القضايا النظريّة والعمليّة التي تتعلّق بالتنظيم الاجتماعي. إنّها منطلق «للبحث في طريقة تشكّل السلطة: سلطة المعرفة، وسلطة الثقافة، وسلطة الجماعة، وسلطة النظام»، ومنطلق أيضًا «لتحليل الأنساق والبنى للوقوف على طرق التبادل والتفاعل بين الأفراد»(39). ولئن كان مدار البحث فيها الكشف عن مظاهر التمييز التفاضلي بين المرأة والرجل في المجتمع العربي الإسلامي: طقوسًا، وهيئة، وسلوكًا ومنظومة قيميّة، فإنّ الدراسات تجاوزت ذلك إلى البحث في الأسباب الطبيعيّة والدينيّة التي يعتمدها الفكر السلطويّ لتبرير ذلك التمييز وتلك الفوارق: «إنّ مفهوم الاختلاف يحيل إلى حركة توليد الفوارق وإنتاج الامتيازات. وأرجع العلماء […] هذا الاختلاف إلى البدء وبحثوا له عن أصل وجعلوا له علّة إلهيّة وحكمة. وأوجد آخرون للاختلاف أصلًا في الفطرة والطبيعة فكان في نظرهم، بمنزلة الإرث البيولوجي المتوارث جيلًا بعد جيل»(40). وكانت الغاية التي ترمي إليها هذه الدراسات هي تشريع التعدّد والتنوّع في مختلف مستوياته: «إنّ الجنس (أنثى/ ذكر) لا يبرّر التفوّق الاجتماعي ولا التهميش ولا الهيمنة. فاختلاف موقع كلّ من المرأة والرجل أو العرق أو اللون أو الدين أو الطبقة، لا يشرّع لقيام نظام تراتبي تمييزيّ»(41). وكان هذا التشريع مشروطًا بتفكيك أسس الهيمنة التي تصدر عنها آليّات التفكير السائدة، فنحن: «لا نعرف الآخر إلّا من خلال الصورة التي نسجناها له وركّبناها له في أذهاننا حتّى بات غير ما هو عليه في الواقع وبذلك خلقنا مسافة بيننا وبينه. فكيف يمكن للرجل أن يعترف بغيريّة المرأة، وكيف يمكن للمسلم أن يقرّ بغيريّة غير المسلم، والأمر بالمثل بالنسبة إلى علاقة المختلفين بعضهم ببعض؟»(42).

دراسة القضية التشريعية في بعدها الاجتماعي

ألفة يوسف

وإذا ما نظرنا إلى التوزيع العددي لكتابات هؤلاء الباحثات من حيث المواضيع، سنجد أنّ أكثرها مخصّص لدراسة القضيّة التشريعيّة في بعدها الاجتماعي. فقد درست هذه الكتابات الاختلاف بين المنظومات الفقهيّة القديمة، باحثة في مرجعيّاتها وفي وظائفها. ودرست كذلك علاقة الآراء الفقهيّة السائدة بشروط تحديث المجتمع العربي اليوم. وبيّنت كيف أنّ هذه الآراء التي نشأت في الماضي استجابةً لظروف تاريخيّة معيّنة، انقطعت علاقتها بهذه الظروف، وأصبحت تكتسي نوعًا من التعميم والإطلاق جعلها تلتبس بالنصوص الدينيّة التأسيسيّة وتتمتّع بسلطتها وباستمراريّتها. فكانت المناداة بضرورة التجديد وتحديث التشريع في المجتمع. وظهرت في هذا الصدد عناوين عديدة، نذكر من بينها تمثيلًا وليس حصرًا: «الوأد الجديد»(43)، و«مؤسّسة الإفتاء بين سياج المذهب وإكراهات التّاريخ»(44)، و«القصاص في النّصوص المقدسة: قراءة تاريخية»(45)، و«تاريخيّة التفسير القرآني: قضايا الأسرة واختلاف التفاسير: النكاح والطلاق والرضاعة والمواريث»(46)، و«نقد الثوابت: آراء في العنف والتمييز والمصادرة»(47)، و«حريّة المعتقد في الإسلام»(48)، و«حيرة مسلمة»(49)، وغيرها.. وما فتئ عدد هذه الكتب يتزايد مساهِمًا في تطوير الجدل الدائر حول تحديث التشريع الاجتماعي في المجتمع العربي.

إنّ الكتابات الفكريّة النسائيّة -ما ذكرتُ منها وما لم أذكر- اختارت أن ترتاد طريقًا وعرة، تحفّ بها ردود الأفعال المتشنّجة الصادرة من عقول رافضة للحوار وللتجديد. ولئن كان بإمكانكَ ومن حقّكَ أن تختلف معها في أطروحاتها ومقترحاتها، فإنّك لا تستطيع فكاكًا من أصداء أسئلتها التي تظلّ تتردّد في وعيك. ولا تستطيع أيضًا أن تخالفها في هدفها السامي، وهو دراسة الشروط الكفيلة بتعميق الثقة في الذات، وبالتفاعل إيجابيًّا مع القيم الإنسانيّة الكونيّة: قيم الحريّة، والمسؤولية الفرديّة، والحقّ في الاختلاف، والمساواة، والعدالة، والديمقراطيّة.. لقد آمنت صاحبات هذه الكتابات بأنّ الطريق إلى نشر هذه القيم وإدخالها في ضمائر العرب والمسلمين، هي حثّهم على الانخراط في تفكير حرّ ومسؤول، يخلّصهم من الوصاية الفكريّة على عقولهم.


هوامش:

(30) قائمة هذه الدراسات غير محدودة، نكتفي بالإحالة على نماذج منها: محمود طرشونة، «الرواية النسائية في تونس»، تونس، مركز النشر الجامعي، 2003م؛ بوشوشة بن جمعة، «الرواية النسائية المغارية»، المغارية للطباعة والنشر والإشهار، تونس، 2003م؛ نزيه أبونضال، «تمرّد الأنثى في رواية المرأة العربيّة وبيليوغرافيّة الرواية النسويّة العربيّة (1885- 2004م)»، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، 2004م؛ حسين المناصرة، «النسويّة في الثقافة والإبداع»، الأردن، عالم الكتب الحديث، 2007م؛ محمد معتصم، «بناء الحكاية والشخصيّة في الخطاب الروائيّ النسائيّ العربي»، الرباط، منشورات دار الأمان، 2007م؛ نعيمة هدى المدغري، «النقد النسوي: حوار المساواة في الفكر والأدب»، منشورات فكر دراسات وأبحاث، الرباط، المغرب، 2009م؛ فاطمة حسين العفيف، «الشعر النسوي المعاصر: نازك الملائكة، وسعاد الصباح ونبيلة الخطيب»، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، 2011م.

(31) لا تزال المرأة العربيّة تعيش وضع الضيم في بيئتها الاجتماعيّة والثقافيّة المحكومة بعلاقات الهيمنة التقليديّة. فقد ظلّت خارج دائرة الأطراف المهيمنة التي يعرّفها «بورديو» بكونها مجموع الفواعل الذين يشغلون عمليًّا مواقع التحكّم في كلّ مجال، من حيث كيفيّة عمله ومن حيث نظام الوسائل المعتمدة في إعادة إنتاجه. انظر:

Bourdieu Pierre, “Champ du pouvoir et division du travail de domination. in, Actes de la recherche en sciences sociales, 2011/5 (n° 190), p. 126-139.

(32) يجدر بالذكر أنّ الجامعة التونسيّة التي أولت هذا الاختصاص ما يستحقّ من الأهمية في إطار اللغة والآداب العربيّة، كان لها فضل في بلورة هذا الاتّجاه، وكان للأستاذ عبد المجيد الشرفي –خاصّة- دور واضح في تأطير باحثين وباحثات أثروا المكتبة العربيّة بإصداراتهم.

(33) ناجية الوريمي، «في الائتلاف والاختلاف: ثنائيّة السائد والمهمّش في الفكر الإسلامي القديم»، بيروت- دمشق، دار المدى، 2004م، ص ص 11- 12.

(34) المرجع نفسه، ص ص 25- 108.

(35) المرجع نفسه، ص ص 109- 214.

(36) أشرف على المشروع الدكتور عبدالمجيد الشرفي، وساهم فيه باحثون وباحثات من تونس، وصدر عن دار الطليعة ببيروت. وفيما يلي أسماء الباحثات وعناوين كتبهنّ: آمال قرامي، «الإسلام الآسيوي» (2006م)؛ ناجية الوريمي، «الإسلام الخارجي» (2006م)؛ زهية جويرو، «الإسلام الشعبي» (2007م)؛ بلقيس الرزيقي، «الإسلام في المدينة» (2007م)؛ سهام الدبابي، «إسلام الساسة» (2008م)؛ جيهان عامر، «إسلام المصلحين» (2008م).

(37) يمكن العودة إلى كتاب «حفريّات في الخطاب الخلدوني: الأصول السلفيّة ووهم الحداثة العربيّة»، لناجية الوريمي، المركز الثقافي العربي، 2015م.

(38) ناجية الوريمي، «الاختلاف وسياسة التسامح»، المركز الثقافي العربي، مؤمنون بلا حدود، 2015م.

(39) آمال قرامي، «الاختلاف في الثقافة العربيّة الإسلاميّة: دراسة جندريّة»، بيروت، دار المدار الإسلامي، 2007م، ص 10.

(40) المرجع نفسه، ص 935. ويمكن العودة أيضًا إلى: ناجية الوريمي، «زعامة المرأة في الإسلام المبكّر بين الخطاب العالم والخطاب الشعبي»، تونس، دار الجنوب، 2016م.

(41) آمال قرامي، «الاختلاف في الثقافة العربيّة الإسلاميّة»، ص 937.

(42) المرجع نفسه، ص ص 935- 936.

(43) زهيّة جويرو، «الوأد الجديد: مقالات في الفتوى وفقه النساء»، دار مسكلياني للنشر، 2014م.

(44) زهية جويرو، «الإفتاء بين سياج المذهب وإكراهات التاريخ، دراسة في فتاوى ابن رشد الجد»، بيروت، دار الطليعة، 2014م.

(45) زهية جويرو، «القصاص في النصوص المقدسة»، قراءة تاريخية، دار المعرفة للنشر، 2007م.

(46) نائلة السليني الراضوي، المركز الثقافي العربي، 2002م.

(47) رجاء بن سلامة، بيروت، دار الطليعة، 2005م.

(48) آمال قرامي، الدار البيضاء، دار الفنك، 1997م.

(49) ألفة يوسف، سحر للنّشر، تونس 2008م.


جودة الحياة: الشروط والنتائج والإشكالات

علي محمد فخرو – كاتب بحريني | مايو 1, 2021 | الملف

كثر الحديث مؤخرًا في مجلس التعاون الخليجي عن شعار جودة الحياة كهدف من أهداف التنمية الإنسانية، وكمدخل لسعادة شعوب بلدان المجلس، ومن ثَمَّ كقيمة اجتماعية تسعى لتحقيقها شتى الإستراتيجيات التي وضعتها لمجتمعاتها بعض حكومات دول المجلس. لكن، من أجل ألا نجري وراء سراب سنحتاج للاتفاق على تعريف الشعار، وشروط تحققه، والنتائج المتوقعة الحدوث عند الوصول إليه وتحققه في الواقع.

ومن البداية سنصطدم بإشكاليات المعاني المتعددة للكلمات. فمعنى كلمة «جودة» يختلف من شخص إلى شخص، ومعنى كلمة «الحياة» يختلف من مدرسة فلسفية أو دين أو عرف في مجتمع إلى مدرسة أو دين أو عرف في مجتمع آخر. وعند ذاك ندخل في عوالم شعارات الغموض والتكهنات التي إن وجدت تفسد ممارسة السياسة والاقتصاد والاجتماع.

ولن يكون بمستغرب أن يختلط الأمر على بعضهم فلا يفرقون بين تعبير جودة الحياة وبين حياة الفراغ والرفاهية (LEISURE LIFE)، فالحياة الثانية لها خلفية تاريخية ارتبطت بطبقات النفوذ والغنى والجاه، وبالاستهلاك المادي والمعنوي النهم، وبالذاتية المنغلقة على نفسها والمعنية بحاجاتها وطلباتها الأنانية.

تعريف جودة الحياة

لو أننا أخذنا التعريف المبسط لما كان أكثر من مدى الحالة الصحية التي يتمتع بها الفرد، ومقدار الراحة والطمأنينة في حياته، ومدى مشاركته في متع الحياة. هذا تعريف طبي ونفسي لا يكفي لجعل جودة الحياة هدفًا في إستراتيجيات التنمية الشاملة. الأقرب إلى التعريف الشامل هو توافر الجوانب الضرورية الآتية للفرد: خدمات صحية من دون عوائق مالية أو جغرافية، الحصول على حد أدنى من التعليم الميسر لعيش الحياة بكفاءة وإنتاج وإبداع ومتعة، حياة اقتصادية معقولة من خلال وظيفة ومتعة، حياة اقتصادية من خلال وظيفة أو عمل شخصي يؤمنان دخلًا كافيًا للضرورات المعيشية من غذاء ولباس وسكن، وجود علاقات عائلية واجتماعية وصحية وسعيدة، حياة آمنة، وبيئة طبيعية نظيفة، ودولة تحفظ له حقوقه الإنسانية والدستورية والقانونية من خلال المواطنة المتساوية في الحقوق والمسؤوليات. هناك ضرورة للتوازن بين المادي والمعنوي.

نحن هنا نبتعد من قصر الموضوع على الاقتصاد فقط وذلك بقول بعضهم: إن جودة الحياة في المجتمعات تعرف بحجم الدخل القومي الكلي، من دون الانتباه إلى عدالة توزيع ذلك الدخل وأولويات صرفه، وبخاصة صرفه على مختلف خدمات الأمن الاجتماعي.

الشروط المطلوبة

إن مراجعة لما استطاعت أن تحققه في هذا المضمار الدول المتقدمة تبين أن الوصول إلى تحقيق كل المكونات الأساسية السابق ذكرها هو نادر الحدوث، نظرًا لعدم توافر كل الشروط الضرورية المطلوبة في آن واحد. أول الشروط هو وجود مؤسسات تؤمن بفكرة وممارسة دولة الرعاية الاجتماعية. وهي فكرة التزمت بها كثير من دول العالم المتقدم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكنها بدأت تهجرها منذ بدايات ثمانينيات القرن الماضي بسبب صعود أيديولوجية النيوليبرالية العولمية الرأسمالية، المنادية بتخلي الحكومات عن الالتزام الأخلاقي والدستوري الحقوقي بتوفير الخدمات الاجتماعية (وعلى الأخص في حقول الصحة والتربية والسكن والعمل) لكل المواطنين.

وبالطبع، وكنتيجة لذلك التخلي سيجري الانتقال إلى خصخصة تلك الخدمات وجعلها من مسؤوليات الشركات والجماعات والأفراد المتنافسين في أسواق القطاع الخاص. وهذا بدوره سيقود إلى توافر متطلبات جودة الحياة فقط لمن يستطيع أن يشتري ويدفع أو يستدين ويعيش جنون ملابسات عالم الديون وأزماته. وسيدفع الفقراء الثمن.

والسؤال: هل حكومات دول مجلس التعاون، التي تبنت كلها الفلسفة النيوليبرالية تلك وسارت أشوطًا في طريق تطبيقها، على استعداد أن تراجع نفسها وتعود إلى فكرة دولة الرعاية الاجتماعية التي تميزت بها منذ بضعة عقود؟ إن لم يكن جواب السؤال بالإيجاب فإننا نتكلم عن سراب جودة حياة، أو في أحسن الأحوال عن الوصول إلى أجزاء من مكونات جودة الحياة.

الجواب أيضًا ستكون له تبعات مالية في المدى القريب واقتصادية في المدى البعيد. فإجابات السياسة تتبعها إجابات الاقتصاد كما سنرى.

والإجابات عن التساؤلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكبرى، التي ستمس كل جوانب حياة الأفراد والجماعات والمجتمعات، يجب ألا تقتصر على رجالات الحكم والنفوذ. إنها يجب أن تكون حصيلة نقاشات مجتمعية واسعة واستفتاءات بشفافية تامة. وهذا ينطبق على كل الأسئلة التي نطرحها في هذه الورقة؛ ذلك أن تاريخ مجتمعات الخليج الحديث، منذ ظهور البترول، وما بناه من عادات وتوقعات ومن مبادلات سياسية بين نخب الحكم والمواطنين (المشار إليهم تاريخيًّا بالرعايا) سيكون في قلب تلك المناقشات التي يجب أن تكون صريحة وحرة إلى أبعد الحدود.

الشرط الثاني هو ضرورة إجراء انعطافة جذرية في الفكر الاقتصادي وممارسته في دول مجلس التعاون. فمنذ بداية تدفق الثروة البترولية هيمن الاقتصاد الريعي القائم على توزيع تلك الثروة فيما بين مكونات سكان تلك الدول في صورة وظائف حكومية برواتب مجزية، وفي شتى أنواع مساعدات الدعم الاجتماعي من مثل السكن وتوزيع أراضٍ ودعم أسعار المواد والبضائع الضرورية، وفي توفير الخدمات العامة المجانية في حقلي الصحة والتعليم، وفي إرساء مشروعات بناء البنية التحتية على العائلات التجارية المحلية.

وقد استنفدت كل تلك الثروة على دعم الميزانيات الحكومية العامة، وعلى توفير تلك الخدمات الشخصية. وعلى الرغم من مرور نحو تسعة عقود على حقبة البترول فإن الاقتصاد الريعي بقي سيد الموقف، ولم تجرِ محاولات جدية للانتقال إلى الاقتصاد الإنتاجي في السابق، ولا إلى الاقتصاد المعرفي والتقني في الوقت الحاضر.

وهكذا فشلت محاولات بناء تنمية اقتصادية وإنسانية شاملة مستمرة تؤمّن لأجيال المستقبل حقهم في جزء من هذه الثروة، وتؤمّن لبلدان مجلس التعاون مستقبلًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا معقولًا، وذلك بعد انتهاء حقبة الثروة البترولية أو تحول العالم إلى مصادر طاقة بديلة غيرها هيدروكربونية.

إن التحول إلى الاقتصاد الإنتاجي والمعرفي سيحتاج إلى بعض التضحيات من جانب هذا الجيل، وسيحتاج إلى إصلاحات وتحولات من مثل: عدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد أو مهيمن للدخل، ومعالجة شجاعة للاختلالات في الميزانية العامة وتركيبة سوق العمل، ومواجهة نقاط الضعف في نظام التربية والتعليم بما فيه التعليم العالي، وإيجاد مخارج للخلل في التركيبة السكانية المليئة بالأخطار الأمنية والثقافية، واستئصال الفساد المالي والإداري، وبناء اقتصاد متنوع، ومن ثَمَّ مصادر دخل متنوعة، والتوقف عن الهدر والمحسوبية في حقل المصاريف العامة، وإعطاء أهمية قصوى للاكتفاء أو الأمن الذاتي في موضوعات الغذاء ووسائل التواصل الإلكتروني والسلاح، واستثمار كبير ومتجدد في تعليم وتدريب وتحديث القوى العاملة البشرية، وتوازن بين القطاعين الخاص والعام، ونظام ضريبي يمنع الفروق الهائلة في الدخل والمستويات المعيشية، واهتمام رسمي وأهلي بكل أنواع النشاطات الثقافية والفنية الراقية.

قد تبدو القائمة طويلة، لكنها مترابطة وضرورية لبناء تنمية حقيقية مستمرة لما بعد حقبة البترول. من دونها سنصل إلى تحقيق نوع من جودة الحياة، ولكنها ستكون مؤقتة وقصيرة الأجل، وستتآكل مع مرور الزمن ما لم يسندها ذاك الفكر الاقتصادي وتلك الإصلاحات الإدارية وتحميها قوانين ملزمة.

أما الشرط الثالث، والبالغ الأهمية، فيتعلق بمقدار ونوعية المشاركة الشعبية في توفير وتفعيل الجهد المطلوب بدءًا بحق إبداء الرأي في اتخاذ تلك القرارات وتنفيذها مباشرةً أو عبر مؤسسات وسيطة شرعية، رسمية أو مدنية. هذا يتطلب أن يَعِيَ الفرد أن مصالحه الفردية متكاملة مع المصالح المجتمعية طالما أنه هو هدف التنمية، ومن ثم يتعاون مع حكومته ومن خلالها في عملية التنفيذ برمتها.

وفي الغالب فإن عملية التعاون تلك ستكون من خلال مؤسسات مجتمع مدني ينتمي لها الفرد، وتحت مظلة علاقات ديمقراطية معقولة فيما بين الدولة ومجتمعها يحكمها دستور عقدي وقوانين عادلة وشفافية، وترتكز على حقوق ومسؤوليات تضامنية ومتفق عليها.

عند ذاك لن يكون الوصول إلى شعار جودة الحياة منحة أو مكرمة، وإنما نتيجة فكر ونشاط الدولة ومجتمعها. ومن المؤكد أن ذلك الوصول سيكون أحد أهم الدوافع ليمارس المواطن بجد واقتناع كل متطلبات ومسؤوليات المشاركة المجتمعية.

خاتمة

لا يوجد شك في أن ثروات حقبة البترول والغاز قد قادت إلى تمتع المواطنين في دول مجلس التعاون الخليجي بعدد من عناصر جودة الحياة. لكن الأوضاع السياسية والأمنية الإقليمية التي يواجهها الخليج العربي حاليًّا، والتغيرات الاقتصادية التي أوجدتها جائحة كورونا على مستوى العالم، وأوضاع البيئة الطبيعية المتدهورة التي تدفع نحو الانتقال السريع إلى طاقات متجددة غيرها هيدروكربونية… جميعها يجب أن تقنعنا بضرورة إجراء تغييرات كبرى في مجتمعات دول مجلس التعاون، إن أردنا حقًّا الوصول إلى تحقيق كل مكونات جودة الحياة لشعوبنا وأفرادنا في المستقبل، وبخاصة من خلال اقتصاد تنموي إنتاجي معرفي قادر على توليد ثروة تستطيع تسهيل الوصول إلى كل مكونات جودة الحياة.


المترو‭..‬ تحولات‭ ‬ثقافية‭ ‬في‭ ‬العمران‭ ‬والمجتمع

مشاري‭ ‬بن‭ ‬عبدالله‭ ‬النعيم – ‬مهندس‭ ‬وأكاديمي‭ ‬سعودي | مارس 1, 2017 | الملف

خلال القرن الماضي كان لوسائل النقل تأثير عميق في أنماط الحياة لسكان المدن، وربما يكون هذا التأثير قبل ذلك بكثير. وأنا هنا أقصد وسائل النقل الحديثة التي جعلت من فكرة المدينة «المتروبولية» ممكنة، ولعلّي أتوقف عند المدينة الإنجليزية في نهاية القرن التاسع عشر (1898م) عندما بدأ مفهوم «الضواحي» يتشكل، حيث ظهرت الأحياء السكنية المنفصلة عن جسد المدينة التاريخي وتبلور مفهوم «المدينة الحديقة» Garden City الذي قاده المصمم الحضري الإنجليزي «هوارد» Sir Ebenezer Howard، فقد كانت تلك الفترة مفصلًا مهمًّا في عمران المدن ومجتمعها المعاصر.

لقد كان الهدف هو خلق بيئات عمرانية هادئة وبعيدة من العمران التاريخي للمدينة المكتظ الذي لا يوفر الحياة المرتبطة بالطبيعة التي تتناسب مع الطبقة الاجتماعية الثرية، لكن تحقيق مثل هذا الحلم كان يتطلب نقلة تقنية لم تكن متاحة بشكل اقتصادي على مستوى المدينة رغم مرور عدة عقود على تطور القطار البخاري. لذلك لم يكن لهوارد أن يفكر في «المدن الحدائق» المنزوية وسط الطبيعة والمنفصلة عن العمران لولا تطور وسائل النقل خصوصًا القطار الكهربائي (الترام) الذي سمح بالانتقال السريع والمتعدد للسكان من أماكن العمل إلى أماكن السكن الجديدة وبتكاليف اقتصادية مقبولة.

إن ظهور الضواحي سمح للمدن بالتوسع الأفقي وأعطى الأراضي الخلاء قيمة كبرى، فمثلًا في مطلع القرن العشرين قام البلجيكي «البارون إمبان» Baron Empain ببناء حي مصر الجديدة «الهليوبولس» في صحراء العباسية بعيدًا من القاهرة التاريخية، وربط هذا الحي بوسط المدينة التقليدي، بدأت الفكرة عام 1904م وانتهى بناء المشروع عام 1908م، ويحكى أن الخديو عباس حلمي حاكم مصر في ذلك الوقت استغرب طلب «إمبان» شراء أرض وسط الصحراء، ولم يكن يعلم أن البارون كان متخصصًا في القطارات الكهربائية، وقد فوجئ بما حدث في المشروع عندما تم اكتماله حيث أسس إمبان شركة باسم «الشركة المصرية للقطارات الكهربائية»، وتحولت الأرض التي اشتراها بمبلغ زهيد إلى أرض باهظة الثمن.

هذان الحدثان، وبالتأكيد هناك العديد من الأمثلة التي زامنتهما، لم يكونا فقط حدثين غيَّرا مفهوم المدن وشكلها في مطلع القرن بل غيَّرا كذلك نمط الحياة في تلك المدن وأعطيا سكانها خيارات متعددة خارج الفكر التقليدي للعمران في ذلك الوقت. لقد ساهم هذا في إحداث نقلة نوعية في التحضر العمراني وظهور أنماط الحياة الحديثة التي لم تكن معروفة ومنتشرة في العديد من مناطق العالم في ذلك الوقت، ولكن بات واضحًا مع اكتشاف «الترام» واستخدامه لأغراض حضرية داخل المدن وبشكل قاطع انتهاء عصر «المدينة التقليدية» وبداية لعصر حضري مختلف في مكوناته المادية وطبيعته الاجتماعية والثقافية.

العلاقة بين التحول العمراني والتحول الاقتصادي والاجتماعي شبه أكيدة، وقد وضع علماء دراسات البيئة العمرانية السلوكية عدة احتمالات لهذه العلاقة بدأت من التأثير الحتمي للبيئة المادية في سلوك البشر لكن هذه القاعدة واجهت العديد من الانتقادات؛ لذلك تطوَّرَ توجهان: الأول احتمالية تأثير البيئة العمرانية في السلوك، والثاني إمكانية حدوث هذا التأثير. التوجه الأخير يؤكد أن هناك خيارات عمرانية أفضل من الأخرى يمكن أن توجه السلوك إيجابًا، فهل بناء مشاريع عملاقة مثل المترو يمكن أن يكون خيارًا سلوكيًّا وثقافيًّا إيجابيًّا؟ الحقيقة أن التعامل مع هذه التوجهات السلوكية في البيئة العمرانية لم يتطور إلا في بداية النصف الثاني من القرن العشرين وبالتحديد بعد عمليات الإعمار الواسعة في المدن الأوربية بعد الحرب العالمية الثانية، فقبل ذلك توسعت المدن بشكل ملحوظ خصوصًا المدن الأميركية عندما قام «فورد» Ford بتطوير السيارات الشخصية التي أدّت إلى تشتت المدينة بكل الاتجاهات، وجعلها أكثر توحشًا وأقل حساسية للحاجات الاجتماعية في سبيل تحقيق النمو الاقتصادي.

مترو الرياض والقلق الـ«جندري»

الإشكالية في الوقت الراهن تتركز حول التعقيدات الاجتماعية التي تعيشها المدن المعاصرة خصوصًا على المستوى «الجندري»، فالقلق الذي صار يحدثه التحول السريع للمدن نتيجة تعقد شبكة النقل وتزايد الحاجة لإرضاء حاجات أفراد المجتمع أثارت الكثير من المتخصصين ودفعتهم لبحث تأثير هذه الوسائل في حياة الناس وسلوكم، ففي عام 1999م، أُجريت دراسة في فيينا حول كيفية استخدام الناس في المدينة لوسائل النقل، المثير أنه تم تعبئة الاستبانة من قبل الرجال في خمس دقائق: الذهاب إلى العمل في الصباح، والعودة للمنزل ليلًا. أما النساء فلم يستطعن التوقف عن الكتابة لتعدد احتياجاتهن لوسائل النقل التي تتقاطع مع الأطفال واحتياجات المنزل. لقد أثبتت هذه الدراسة أن علاقة الرجل بالمدينة تختلف عن علاقة المرأة، وبالتالي فإن أسلوب استخدام وسائل النقل يختلف عند كل منهما، كذلك تأثيرها في أنماط حياة كل منهما. وفي دراسة أخرى عن مدينة تورونتو التي استحدثت «نظام طلب التوقف» في الباصات حتى تتمكن النساء من النزول من الحافلات بالقرب من بيوتهن في وقت متأخر من الليل. وفي «سريناغار» في كشمير، وكذلك مدينة مكسيكو خلقت عدة أماكن للحافلات وعربات المترو
للنساء فقط.

(http://www.fastcoexist.com/3066264/how-to-build-the-perfect-city/women-and-men-use-cities-very-differently)

من الواضح هنا أن لوسائل النقل تأثيرًا متباينًا في أفراد المجتمع، وأن نجاح مشاريع النقل العامة يعتمد بشكل أساسي على ملاءمتها ظروف المجتمع والاحتياجات الخاصة لأفراده، خصوصًا النساء، وهو ما يقودنا إلى «مترو الرياض» وتأثيره العميق في نمط الحياة في المدينة، وكيف سيعيد صياغة ثقافة الأسرة السعودية ومن يقيم في الرياض. فهل المترو بصورته الحالية صُمّم للتفاعل مع احتياجات الأسرة وخصوصًا المرأة؟ وهل تم التفكير في هذه الاحتياجات مسبقًا؟

الإجابة عن هذه التساؤلات قد تجعلني أضع بعض الاستشرافات المستقبلية حول التأثير الثقافي المحتمل لهذا المشروع الحضري. في حديث خاص مع المدير الإقليمي للبنك الدولي في الرياض الدكتور فؤاد ملكاوي قال لي: إنه من الضروري إعادة التفكير في مترو الرياض من الناحية الاقتصادية، وبالتالي من الناحية الاجتماعية. يرى الدكتور ملكاوي أنه من المهم الحدّ من توسع المدينة أفقيًّا خارج النقاط الرئيسة للمترو، ويجب أن يكون تركيز السكان والنشاطات الاجتماعية والاقتصادية على نقط المترو حتى يحقق النجاح الاقتصادي ويكون فعالًا. بالنسبة لي كان اهتمامي هو تأثير هذا التركيز السكاني والخدماتي في الثقافة المجتمعية، وكيف سيؤدي ذلك إلى ظهور أنماط حياة جديدة ستقوم على مفاصل المترو الحضرية وحولها؟ وهل نحن أمام خارطة ذهنية جديدة لمدينة الرياض ستنمو وتتشكل في الأذهان.

بالطبع تم الأخذ في الاعتبار منذ البداية وجود عربات خاصة بالنساء وأخرى للرجال، ورغم أنني أشكك في جدوى هذه الخطوة من الناحية العملية، خصوصًا في مجتمع حديث عهد بالمترو، فإنه يبدو أن هذا الأمر يعدّ من مقتضيات الثقافة السائدة في المملكة، وبالتالي يجب أن تكون جزءًا من المشروع، وأحد مقتضيات مبرراته ثقافيًّا. لقد تحدثت إلى المهندس إبراهيم السلطان (أمين منطقة الرياض ورئيس مركز المشاريع بالهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض المسؤولة عن مشروع المترو) حول رأيي في تخصيص عربات للنساء في مترو الرياض، وهل سيشجع هذا أفراد الأسرة السعودية على استخدام المترو في حركتهم اليومية داخل المدينة، وأكَّد لي أنه لا يمكن الجزم بهذا الأمر إلا بعد تشغيل المترو فعلًا، لكن الدراسات التي قامت بها الهيئة أكدت على أهمية هذا الفصل.

هل ستستخدم المرأة السعودية المترو؟

لذلك فإن السؤال المهم الذي يثيره كثير من المهتمين يظل قائمًا: هل ستستخدم المرأة السعودية المترو؟ ولعل هذا السؤال نفسه هو الذي أخّر كثيرًا من مشاريع النقل العام في مدن المملكة، فهناك علامة استفهام كبيرة حول جدوى مثل هذه المشاريع، لكن في نهاية الأمر ومع تزايد الضغوط العمرانية وازدحام طرقات المدينة رضخت الرياض للأمر الواقع، وتبنت مشروعًا عملاقًا للنقل العام، ستصل تكاليفه نحو 80 مليار ريال سعودي (قرابة 21 مليار دولار أميركي)، رغم أن كثيرًا من الدراسات تؤكد أن مثل هذه المشاريع لا تحقق أرباحًا مباشرة، وفي حالة فاعلية المشروع، وإقبال السكان عليه يمكن ألّا يكون مصدر إنفاق، لكن المكاسب غير المنظورة التي سيحققها المشروع لا يمكن إحصاؤها سواء على مستوى النشاط الاقتصادي أو تقليل التوتر المروري، وبالتالي الاحتقان الاجتماعي داخل مدينة الرياض.

ورغم أن التساؤل عن مدى وجود الرغبة لدى المرأة السعودية في استخدام المترو سيظل قائمًا، على الأقل حتى مرور فترة من تشغيل المترو، إلا أن التأثير الثقافي في أفراد المجتمع السعودي الذي سيتركه المترو متوقعًا، على الأقل من حيث إحداث التحول في البنية الاقتصادية للأسرة، فمن المتوقع أن يكون هناك استغناء عن عدد لا يستهان به من السائقين الخاصين، وستمتلك المرأة جرأة أكبر على الحركة بمفردها لتصبح قادرة على اكتشاف المدينة بشكل مختلف عن السابق. لقد كتبت قبل أكثر من 10 سنوات مقالًا بعنوان «جندرية المدينة» أكّدت فيه أن الرياض بشكل خاص والمدن السعودية بشكل عام هي بيئات «ذكورية» تهمّش المرأة وتستبعدها من الفضاء العام. («المرأة والمدينة: هل هناك هوية جندرية للعمارة»، مجلة البناء، السنة الخامسة والعشرون، العدد 178، جمادى الأولى 1426هـ/ يوليو 2005م) وخلال الفترة من كتابة المقال حتى اليوم حدثت تحولات كبيرة داخل مدينة الرياض، جسرت الهوة بين ذكورية المدينة وأنثويتها، لكنها تحوّلات ليست بالقدر الذي يسمح للمرأة بأن تضاهي الرجل في الفضاء العام.

هذا هو ما ذكرته للزميل المهندس محمد المحمود وهو طالب دكتوراه موضوعه هو الرصيف والقابلية على المشي في مدينة الرياض، وخصص دراسته لشارع التحلية (الأمير محمد بن عبدالعزيز). لقد كانت ملاحظتي له أنه منذ أن بدأت فكرة تطوير ممرات المشاة في مدينة الرياض عام 2006م حتى اليوم (وكان حديثنا في آخر أسبوع من شهر ديسمبر 2016م) تركت هذه الممرات أثرًا عميقًا في ثقافة الأسرة السعودية، وجعلت المرأة أكثر ثقة في تعاملها مع الفضاء العام، رغم أن هذه الفضاءات غير عادلة حتى الآن، وتنحاز بشكل واضح للثقافة الذكورية الحضرية التي تميز المدن السعودية. في اعتقادي أن المترو سيترك مثل هذا الأثر الإيجابي في الثقافة الحضرية للمرأة السعودية، وسيغير من عاداتها الاجتماعية، وسيدفعها بشكل أكبر لتجربة المدينة دون رهبة أو تردد.

كسر العزلة الاجتماعية

لعل المسألة المهمة هي حالة المصادفة التي عادة ما تتشكل في المدن المتوازنة اجتماعيًّا، وأقصد هنا هو حدوث اللقاءات المتوقعة بين أفراد مجتمع المدينة. لا أحد ينكر أن المصادفة في الوقت الراهن غير فاعلة، ومدينة الرياض تحث على العزلة أكثر من الانفتاح على الآخر، والفضاءات العامة فيها غير حيوية، لكن المترو سيجعل من المصادفة أمرًا يوميًّا ومعيشًا ولا مناص منه. ربما يكون «كسر العزلة» الاجتماعية أول المكاسب غير المتوقعة لهذا المشروع، ولكوني مؤمنًا بأن المدن المبدعة والخلاقة هي التي يتقاطع في فضاءاتها سكانها، ويبنون الحكاية الاجتماعية العفوية التي قد تتحول إلى مشروع اقتصادي أو عمل فني أو روائي، في تنوع غير محدود ولا يمكن حصره أو توقعه لهذه الحكايات. وبالتأكيد ستكون المرأة جزءًا من هذه المصادفات والحكايات الاجتماعية التي سيتيحها استخدام المترو اليومي.

من المتوقع كذلك أن يحدث تحول على مستوى الأحياء السكنية، وأقصد هنا أنه سيكون هناك حركة للمشاة من المساكن حتى محطات المترو، وهذا يقتضي تغييرًا مهمًّا على مستوى التفاصيل المعمارية للأحياء، لا أعلم حقيقة إن كانت أُخِذت في الاعتبار. الأمر المهم هو أن هذه الحركة ستشمل النساء والأطفال؛ ما يجعل هناك ضرورة ملحّة لأن تتطور بيئة عمرانية «صديقة للنساء» وللأسرة ككل. الدراسات تؤكد أن المرأة عادة لا تتحرك وحدها في البيئة العمرانية التي قد يكون فيها «عزلة» وغالبًا ما يصحبها أحد ما؛ إما من يعمل معها في المنزل، أو أطفالها، أو حتى أصدقائها، لذلك تطوير ممرات مشاة مفتوحة ومظللة (لحماية الأطفال) يمكن مراقبتها، مع ملاءمتها حركة ذوي الاحتياجات الخاصة ستكون عاملًا مهمًّا سيشجع المرأة وكل أفراد المجتمع على استخدام المترو.

البطالة «الأنثوية» وقيود الحركة

بالطبع المترو ليس فقط للمرأة، لكنها عامل أساسي في إحداث التحول المطلوب؛ لأن العائق الأكبر الذي يواجه الحركة والتنقل داخل مدينة الرياض ويزيد الضغط المروري فيها هو «حركة المرأة» المعطَّلة، وهذه المسألة يجب أن تؤخذ في الاعتبار؛ لأنه حتى لو شكك بعضٌ في استخدام المرأة للمترو، فإنه مع الوقت سيحدث تغيير عميق في ثقافة الأسرة السعودية في المدينة، سيجعل من تحمل الأدوار والمسؤوليات الاقتصادية داخل الأسرة متكافئة، وهذا حتمًا سيؤدي إلى أن يصبح المترو وسيلة النقل الأكثر استخدامًا من المرأة وأطفالها ومعها باقي أفراد الأسرة، وسيكون هذا متزامنًا مع تزايد فرص عمل المرأة في القطاع الخاص؛ لأنه من المتوقع أنه مع زيادة حركة المرأة، ستزيد فرصها الوظيفية، وسيقلِّل هذا من ظاهرة بطالة المرأة السعودية التي تحولت في الآونة الأخيرة إلى كابوس. هذا ليس رأيًا متفائلًا، بل إنه توقع طبيعي؛ لأن البطالة «الأنثوية» ناتجة عن القيود المفروضة على حركة المرأة وتفاعلها المباشر مع المجتمع الخارجي، وبالتالي صعوبة ملاءمة الكثير من الوظائف لها.

على مستوى الذائقة المعمارية سيُحدِث المترو، الذي يمتدّ على مساحة شاسعة في مدينة الرياض، نقلةً في مفهوم العمارة لدى سكان المدينة، لعل هذه النظرة نابعة من قناعتي التامة بأن العمارة تحتاج إلى أن نعيشها ونجربها حتى نشعر بقيمتها، ولأن المترو مشروع «اجتماعي» كما أنه مشروع اقتصادي، وكون محطات المترو قام بتصميمها كبار المعماريين (مثل زها حديد في محطة مركز الملك عبدالله المالي) فإن تفاعل سكان الرياض بشكل يومي مع هذه العمارة لا بد أن يحدث داخلهم بعض الأسئلة. ورغم أن الرياض تحتوي على العديد من المباني المهمة والمميزة فإن هذه المباني غالبًا ما تكون معزولة عن الناس وحياتهم اليومية، وبالتالي فإن تأثيرها لن يكون بقدر تأثير «عمارة المترو» المتوقعة.

نحن نتحدث عن مشروع له تأثير اقتصادي مباشر وعمراني واضح للعيان، ليس فقط على مستوى الشكل، بل على مستوى استخدام الفضاء العمراني، فهو سيُحدِث تنظيمًا جديدًا يُعيد ترابط الأحياء السكنية والتجمعات التجارية والإدارية مع العصب الحركي للمترو، كما أن له تأثيرًا بصريًّا عميقًا سيشكل الصورة المتخيلة لرياض المستقبل، ليس فقط على مستوى المحطات العملاقة والمتوسطة والصغيرة للركاب، بل كذلك لجسور القطارات التي بدأت منذ الآن ترسم صورة الرياض، وتعيد تعريف أماكنها من جديد. الرياض بهذا المشروع ستصبح مدينة كونية وهي تتخطى عتبة الـ 8 ملايين نسمة، كما أنها ستقود المدن السعودية لتبنّي ثقافة اجتماعية جديدة قد تختلف كثيرًا عن الصورة النمطية المرسومة عن المجتمع السعودي.


المنشورات ذات الصلة

صعود الخصوصيات الثقافية

صعود الخصوصيات الثقافية

رؤى‭ ‬العالم وسؤال‭ ‬الخصوصية‭ ‬والعالمية محمد شوقي الزين - كاتب جزائري أوديسَّا مصطلحٍ: التلاشي والانتشال هيمنت مفردة...

السفر: الانكشاف والتجلي

السفر: الانكشاف والتجلي

السفر: تحقيق فلسفي يوليس باراتين - كاتب فرنسي - ترجمة: عبدالرحمن إكيدر - مترجم مغربي إذا كانت لديك رغبة مفهومة في...

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *