السينما ليست مجرد شاشة مضيئة أو وسيلة ترفيه عابرة، بل هي أداة تشكيل وعي، ونافذة تُطل بنا على عوالم موازية تفتح خيالنا وتعيد صياغة نظرتنا للحياة. هكذا تراها السينمائية مها سلطان التي ارتبطت بالسينما منذ طفولتها؛ حتى غدت بالنسبة لها ضرورة وجودية، لا مجرد شغف أو هواية. ومن هنا انطلقت فكرة «ميم»، المنصّة التي، كما تراها سلطان، وُلدت من حاجة ملحّة إلى فضاء نقدي ومعرفي يملأ فراغًا واضحًا في المشهد المحلي، ويسهم في بناء ثقافة سينمائية تتجاوز حدود الترفيه إلى البحث، والتحليل، وطرح الأسئلة.
في هذا الحوار مع «الفيصل» تتحدث مها سلطان عن رحلة شغفها، من أول لحظة أدركت فيها أن الفِلم أكثر من قصة تُروى، إلى تأسيس «ميم»، إلى رؤيتها لمستقبل السينما السعودية ودورها في صناعة وعي جديد.
● ما اللحظة التي شعرتِ فيها أن السينما أكثر من مجرَّد متعة؟ وما الذي دفعكِ لتأسيس منصَّة «ميم»؟ وهل هناك لحظة مفصلية شعرت أنها كانت انطلاقة فعلية لها؟
■ لا تحضرني أيَّة ذكرى من الماضي دون أن يكون للسينما نصيبٌ وحضورٌ فيها. قضيت وقتًا طويلًا أشاهد الأفلام وأقرأ وأكتب عنها، إلى أن جاءت اللحظة التي شعرت فيها بوجود شحٍّ في القراءات السينمائيَّة التحليليَّة والنقديَّة، وبخاصَّة على المستوى المحلي. وبدعمٍ من أصدقاء شغوفين آمنوا بهذا المشروع وكتَّاب كانوا يتوقون لوجودِ منصَّات محليَّة متخصِّصة، بدأت «ميم» أولى خطواتها في تقديم معرفةٍ سينمائيَّة نوعيَّةٍ. وقد قدَّمتْ المنصة منذ انطلاقتها كثيرًا من القراءات والترجمات السينمائيَّة وسبرت أغوار عالم السينما وصناعة الأفلام. وقد قطعنا أشواطًا كبيرةً ومررتُ بكثير من التحدِّيات التي رافقتها لحظاتٌ من البهجة الفائقة، ومثَّلت هذه الرحلة ما يشبه الولادة من جديد.
● هل تعتقدين أنَّ منصَّات مثل «ميم» تسهم فعلًا في بناء وعي سينمائيٍّ محليٍّ أم إن التأثير ما زال محدودًا؟
■ انطلاقة «ميم» البارزة كان دافعها ملء هذا الفراغ المعرفي الذي كانت تشهده الساحة المحليَّة، من غيابٍ للمواد النقديَّة الرصينة والمراجعات والقراءات السينمائيَّة. وبالتالي فإنَّ وجود هذه المنصَّات السينمائيَّة أمرٌ حيويٌّ لإيصال هذه المعرفة وتمكين وصولها إلى شرائح أوسع تتجاوز القارئ العليم والمتخصِّص.
ما يميز «ميم» عن غيرها من المبادرات والمنصَّات السينمائيَّة التي تعنى بالسينما هو الأصالة، وتمكين الشباب من الانخراط في رحلة بناء المعرفة السينمائيَّة، ومدِّ الجسور نحو الجمهور المحبِّ للسينما.
منذ اللحظة الأولى لانطلاقتها، أخذت «ميم» على عاتقها تقديم موادّ سينمائيَّة نوعيَّةٍ تتجاوز بناء الثقافة والمعرفة العامَّة والمتخصِّصة إلى فتح أفقٍ للتفكير والتأمُّل والبحث. ومن جهةٍ تحاول بشكلٍ دؤوبٍ قراءة الأفلام والموضوعات السينمائيَّة من زوايا جديدة. هذه النظرة المتجدِّدة للأفلام تبنى من خلال أقلامٍ شابَّةٍ مبدعةٍ ومحيطة بالسينما.
تكامل التجربة السينمائية
● ما الفرق بين مشاهدة فِلم، والقراءة السينمائيَّة له، وهل الجمهور في حاجة لأن يُثقف سينمائيًّا؟
■ هناك فرق بين مشاهدة فِلمٍ والقراءة السينمائيَّة له، فكلُّ شخصٍ له تجربته السينمائيَّة الخاصَّة حتى إن لم يكن ناقدًا سينمائيًّا، ولكن القراءة النقديَّة تضيف لك رؤيةً أخرى، تُنقَل لك من شخصٍ متخصِّص درس السينما وأحاط بخباياها، فصار ينظر لها نظرةً مختلفةً. ومن هنا تتعدَّدُ طرق النظر وتتَّسع باتساع الجمهور الذي يشاهد ويتأمُّل، وكما هو معروف، فإنَّ الجميع ينظرون للأشياء بطرقٍ مختلفةٍ ويتبنَّون وجهات نظرٍ متباينة.
وبالتالي فإن مشاهدتك للفِلم وقراءتك عنه إضافتان ومكسبان مختلفان من حيث الأثر والقيمة، وكلُّ واحدةٍ منهما تكمِّلُ الأخرى، وتحملان إضافةً مختلفةً للمتلقِّي.
بخصوص سؤال: هل الجمهور بحاجةٍ لأن يثقَّف سينمائيًّا؟ الحقيقة لا… الجمهور العام أو المستمتع بالتجربة السينمائيَّة ليس في حاجة إلى أن يُثقَّف سينمائيًّا بالضرورة، لكن إذا نظرنا إلى المدى البعيد، فإن بناء جيلٍ واعٍ أمرٌ بالغ الأهميَّة؛ لأنَّه هو من سيعزز الثقافات وأصالتها واستدامتها. وتقع مسؤوليَّة دعم هذا الاختيار بيد القطاع الحكومي والقطاع الخاص على حدٍّ سواء، كما تقع مسؤوليَّته علينا نحن أصحاب المشاريع والفنَّانين في أن نعزِّز لدى الجمهور الرغبة في أن يتثقَّف، أن يقرأ ويتعمَّق، وأن ينقد ويترجم إلى جانب الرغبة في المشاهدة والاستمتاع بالفِلم.
أما من هو بحاجةٍ إلى أن يتثقَّف سينمائيًّا وأن يبني قاعدةً متينة من المعرفة السينمائيَّة ويحيط بكل الموجات والنظريَّات والجماليَّات السينمائيَّة هم، في نظري، المنخرطون في قطاع الصناعة السينمائيَّة؛ لأن الثقافة والمعرفة السينمائيَّة تحذو حذو الإبداع في السينما، وإذا لم تكن تملك ثقافةً سينمائيَّة خاصَّة بك، فإنك لن تصنع عملًا سينمائيًّا إبداعيًّا.
● كيف توازنين بين الذائقة السينمائيَّة الشخصيَّة، وبين مسؤوليَّة تقديم توصيات حياديَّة عبر «ميم»؟
■ ينبغي أن نتفق أوَّلًا على أنَّ النقد هو دراسة قائمة بحد ذاتها، ولذلك، ليس كل كاتب بالضرورة ناقدًا، ولا كل صحفي يمتلك أدوات النقد السينمائي. يُعرَّفُ الناقد السينمائي على أنَّه الذي يملك القدرة على تحليل الطبقات المتعددة للأفلام وفهمها، بعيدًا من الانطباعات السطحيَّة.
لهذا السبب فإنَّ الحديث بحياديَّة مطلقةٍ عن السينما والأفلام يقترب من الأكاديمية البحتة؛ إذ يجب على من يتناول هذا الموضوع أن يكون متخصِّصًا في المجال، ومطلعًا على أساسيات السينما دراسةً واضحةً ومعمقة (من خلال دراسة المدارس السينمائيَّة المختلفة، وتاريخ تطوُّر الفنِّ السينمائي، إضافة إلى المعرفة بالأدوات التقنيَّة المستخدمة في صناعة الأفلام).
أما الذائقة السينمائيَّة الشخصيَّة فهي ليست وليدة السنوات القصيرة للحراك السينمائي، بل كانت موجودةً حتى قبل نهضة السينما في المملكة العربيَّة السعوديَّة منذ سنوات عدة. بناءً على ذلك فمن المؤكَّد أنَّ الذائقة السينمائيَّة محكومةٌ بالفروقات بين الجمهور، ويظهر ذلك في تميُّز المُشاهد السينمائي الواعي الذي يلاحظ التفاصيل الدقيقة، (الأسلوب الإخراجي، التصوير، الموسيقا التصويرية، أداء الممثلين…).

على طريق التشكّل
● كيف تبدو ملامح الهويَّة السينمائيَّة السعوديَّة اليوم، وهل يمكن القول: إن هناك خطًّا سينمائيًّا سعوديًّا بدأ يتشكل؟
■ لا تزال الصناعة السينمائيَّة السعوديَّة تخطو خطواتها الأولى مدفوعةً بزخم هذا الحراك السينمائي الكبير والواعد، ورغم ذلك نراها تميل إلى أن تكون مشتَّتة الآن، وتبدو أنَّها تعيش حالةً من التكرار والتوهان، أكثر من كونها سينما واضحة المعالم، وتعيش حالةً من الركود نتيجة الاعتماد المفرط على الاقتباس من السينما العالميَّة.
ولكن هناك أمل بدأ يتشكَّل ويسير بخطى واعدة، وذلك بفضل جهود كثير من المهتمِّين بصناعة مشروعات سينمائيَّة ذات طابعٍ نقديٍّ وبحثي، إلى جانب ظهور النوادي السينمائيَّة، والمكتبات السينمائيَّة المتخصِّصة، إضافةً إلى المدارس المتخصِّصة في السينما. كلُّ هذا يسهم في تعزيز وبناء صورةٍ مشرقةٍ للسينما السعوديَّة…
● هل ترين أن المحتوى المحلي بدأ يلامس قضايا المجتمع بعمق، أم إنه ما زال محصورًا في الصورة والسطحيات؟
■ إذا كنَّا نتحدَّث عن المحتوى بشكلٍ عام، يمكننا القول: إن المحتوى المحلي قد لامس الواقع منذ سنوات طويلة، وهو ما تجلَّى في الرواية، والقصة القصيرة، والمسلسلات التلفزيونية، وأيضًا في البحوث الأكاديمية التي تُبرزُ بوضوحٍ تطور الفكر المحلي وتفاعله مع الأحداث الاجتماعيَّة والسياسية. أما الآن، فقد بدأ بعض هذا المحتوى يظهر بشكلٍ ما في السينما وهذا أمر طبيعي؛ إذ إن السينما تعتبر مرآة للمجتمع، وصناعة الأفلام المحليَّة تعمل على تجسيد الواقع على الشاشة. والسبب في ذلك هو المدة القصيرة للنهضة السينمائيَّة في المملكة كقطاع إنتاجي، حيث لم تتح الفرصة لصناعة الأفلام بالصورة والصوت إلا منذ سنوات قليلة، وهذا ما يجعل الطريق أمام السينما المحليَّة لا يزال مفتوحًا لاكتشاف أساليب جديدة في التعبير الفني.
● ما الفجوة الأكبر التي تواجه صنَّاع الأفلام في السعوديَّة: التمويل، النص، الكادر الفني، أم الجمهور؟
■ في بدايات انطلاق السينما في السعوديَّة، يمكن القول: إنه لم تكن هناك فجوة سوى غياب الثقافة السينمائيَّة، أي غياب الوعي بأساسيات التلقي النقدي، والتمييز بين المستويات الفنيَّة والإخراجية. أما اليوم، فنجد أن جميع هذه العوامل أصبحت موجودة من حيث توافر الكوادر، والبنية التحتية، والدعم المؤسسي، إضافة إلى انفتاح الجمهور على التجربة السينمائيَّة. السبب في ذلك هو وجود التزام وحذر شديد من قبل شركات التمويل والقطاعات الحكومية والخاصَّة في إنتاج هذه الأعمال، حيث أصبحت الجهات الداعمة أكثر وعيًا بضرورة ضمان جودة المحتوى لضمان الاستدامة الثقافية والاقتصادية للمجال. وهناك أسباب عدة وراء ذلك؛ من أبرزها فشل بعض الأفلام في تحقيق النجاح أو الوصول إلى أهداف معينة، أو عدم وضوح قصتها، وهو ما يشير إلى الحاجة المُلِحّة لتحسين مراحل تطوير السيناريو والإنتاج. قد تكون هذه الأفلام استهلاكية أو مجرَّد بداية، وهذه الأسباب، في رأيي، تسببت في خلق فجوة كبيرة بين صناعة العمل وداعميه، بمعنى أن العمل أحيانًا لا يعكس فعليًّا الرؤية أو العمق الذي قد يمتلكه صانعه؛ بسبب ضغوط السوق أو ضعف الدعم الإبداعي.
● هل من طموح قادم لمنصَّة «ميم»؛ كي تتوسع من التوصيات إلى الإنتاج أو التعليم السينمائي؟
■ بالطبع آمل ذلك. لقد أخذنا على عاتقنا مسؤوليَّة التعليم والنقد، بجانبهما الأكاديمي والفني، إيمانًا بأن بناء مشهد سينمائي حقيقي لا يكتمل دون قاعدة معرفية قوية تُغذّي الوعي وتُثري الذائقة العامَّة. ونحن المنصَّة الوحيدة التي تقدم أوراقًا أكاديمية بحثية عن السينما وهذا ما يمنح عملنا خصوصية وعمقًا، ويجعلنا جزءًا فاعلًا في تشكيل الخطاب السينمائي المحلي.
بدأت الفكرة تتحول إلى قسم كامل في المنصَّة، أي أنها لم تكن مجرَّد مبادرة عابرة، بل رؤية نمت وتوسعت لتُصبح مشروعًا معرفيًّا متكاملًا. بالإضافة إلى الإنتاج، نحن نعمل على ذلك أيضًا. وبإذن الله، سترى إنتاجاتنا السينمائيَّة النور قريبًا.
جهودنا تتفرع إلى مجالات عدة؛ منها البرامج الأكاديمية والبودكاست، وكذلك صناعة الأفلام الفنيَّة والوثائقية، وهو ما يشير إلى رغبة واضحة في بناء منظومة شاملة تتناول السينما من جميع جوانبها، وتخدمها على المستوى التعليمي، والإعلامي، والإبداعي.
● هل لنا أن نعرف ما الحلم السينمائي الشخصي الذي لم يتحقق بعد على أرض الواقع؟
■ من أهم الأسباب التي دفعتني لدخول عالم السينما هو رغبتي في صناعة أفلامي الخاصَّة؛ لأعبّر من خلالها عن رؤى لا يمكن قولها بالكلمات فقط، بل تحتاج إلى الصورة والإيقاع والتفاصيل البصرية التي تمنح القصة حياة.
وبالنظر إلى انشغالي بالجانب الإداري وتطوير الإستراتيجيات والأعمال القيادية في السينما، لم أتمكن من إيجاد الوقت الكافي لإنهاء أعمالي، وهو أمر شائع لدى من يعمل في صناعة المحتوى من خلف الكواليس؛ حيث يستهلك العمل الإداري كثيرًا من الطاقة على حساب المشروع الإبداعي الشخصي.
صحيح أن لدي ثلاثة سيناريوهات؛ اثنان منها قصيران وواحد طويل، وأتمنى أن يكون هذا السؤال بداية خير لي لاستئناف العمل عليها قريبًا، فمجرَّد تذكّر الحلم في بعض الأحيان هو أول خطوة حقيقية للعودة إليه.
0 تعليق