يمكن تعريف الاستشراق بكونه حقلًا معرفيًّا يعنى فيه الغرب بدراسة الشرق من الجوانب كافة. بما في ذلك فنونه وآدابه، فغدا ظاهرة سياسية وثقافية وأيضًا فنية. من هنا، تناول كثير من الأعمال الموسيقية الأوربية الشرق، سواء كانت أعمالًا تتناول موضوعات شرقية أو كان مسرحها الشرق. وتُعد أوبرا «عايدة» للإيطالي جوزيبي فيردي، أشهر عمل أوربي تناول الشرق. خصوصًا أنه ظهر في مرحلة ستشهد هيمنة أوربية على الشرق. وربما تأثرت بالمزاج الأوربي السائد وقتها.
لكن الموسيقيين الأوربيين، حين تناولوا الشرق، على خلاف كثير من الأدباء والرسامين، الذين تناولوا الشرق، لم تكن لديهم خبرة أو معرفة مباشرة به. بالنسبة للمفكر إدوارد سعيد، فإن أوبرا فيردي، وغيرها من الأعمال الموسيقية التي تناولت الشرق، كانت نتاج تأثر بعنصر ثقافي واسع للذهنية الأوربية، على صلة بالزمان والمكان. وهذا السياق المرتبط بظروف الزمان والمكان، يفسره في تحليله لعملين أوبراليين هما؛ «الاختطاف من السراي» للنمساوي موزارت، وأوبرا «عايدة» للإيطالي فيردي. ففي تصوره لأوبرا موزارت، التي عرضت أول مرة في بلاط جوزيف الثاني إمبراطور النمسا عام 1887م، رأى أنها تتسم بنظرة متسامحة وحالمة للشرق. سادت، بحسب سعيد، عصر التنوير الأوربي، كما جسدتها كتابات فولتير ومونتسيكيو. إذ لم يكن الشرق، على حد تعبيره، مجالًا للسيطرة الأوربية. كما أن الأتراك في المخيال الأوربي كانوا لا يزالون يشكلون تهديدًا لأوربا؛ إذ حاصرت جيوشهم فيينا، قبل نحو قرن من عرض تلك الأوبرا. ومن دون أن يغفل عنصر المكان، فالنمسا دولة حبيسة في وسط أوربا لا تقع على البحر. أي خلافًا للمكان والزمان الذي ظهرت فيه أوبرا عايدة في إيطاليا عام 1871م، حيث تقع على حوض البحر الأبيض المتوسط، ومنه عبرت سفن القوى الأوربية للهيمنة على الشرق في تلك الحقبة.
موقف شديد التحفظ
ويتخذ صاحب «الثقافة والإمبريالية» موقفًا شديد التحفظ إزاء «عايدة» بوصفها النموذج الموسيقي الأكثر تمثيلًا لروح الاستشراق، مؤكدًا أنها «تطفح بعلامات القوة والهيمنة». وهو يستعير مقولة بول روبنسون: إنها «مغانٍ سياسية تطفح بالحدة وعلو النبرة البلاغية والموسيقا العسكرية الجياشة الطليقة».
وفقًا لمسار أوبرا فيردي، فإن المارش يتخذ رمزية احتفالية، لانتصار الجيش المصري الذي عاد من المعركة مصطحبًا معه الأميرة الإثيوبية «عايدة» وهي أسيرة. وقد تعاطى سعيد معه بوصفه عنصرًا دخيلًا، لافتًا إلى أنه إذا كان هناك ما يطفح من هوية مصرية، فإنه «جزء من الهوية الأوربية للقاهرة» التي «تكيفت مع رغبة حكامها في جعلها جزءًا من هوية حوض الأبيض المتوسط».
مع ذلك، يعود صاحب «الاستشراق» للتأكيد على أن أوبرا «عايدة» كانت تجسيدًا لذروة تطور فيردي، مضيفًا؛ بأن الموسيقي الإيطالي لم يكن يقصد التعبير عن الروح الاستشراقية، لكنه وقع «في عبق أسرها». على أن هناك سياقًا جوهريًّا على صلة باختلاف أسلوب الأوبرا بين زمنين، وتفاوت المضمون الدرامي للعملين. فأوبرا موزارت «الاختطاف من السراي» ذات طابع هزلي، تتحدث عن شاب نبيل وخادمه يحاولان إنقاذ فتاة إنجليزية نبيلة ووصيفتها، من سراي سليم الأول، كان الأتراك اختطفوها. أما من ناحية أخرى، فأسلوب موزارت ينتسب لأسلوب ما يسمى بالروكوكو، الزخرفي المقتصد بالانفعال، والمتناغم مع ذائقة البلاط النمساوي المائلة للمرح.
أما أوبرا «عايدة» فكانت ذات طابع درامي مأساوي. وتزامن ظهورها مع ذروة التطرف الرومانتيكي، وما صاحبه من ذائقة تميل لكل ما هو انفعالي ومفرط بالعاطفة والمشاعر الجياشة. كما أن الطابع البراق للاحتفال ربما غايته، إظهار التحول الدرامي من مظاهر المجد لراداميس القائد المصري إلى التراجيدية والموت بتهمة الخيانة. وبصورة عامة، كان فيردي يسعى في موسيقا «عايدة»، إلى إرضاء ذائقة الجمهور الأوربي، وإن جاءت بتكليف مباشر من حاكم مصر الخِديو إسماعيل. كما أن كل ما استخدمه ذو طابع غربي من الآلات إلى المفردات اللحنية، فجميعها ذات طابع أوربي. مثلًا الباليه، وهي رقصة فرنسية أضافها للأوبرا الموسيقي الفرنسي لولي في بلاط لويس الرابع عشر؛ لتغدو عنصرًا من عناصر الأوبرا الكلاسيكية.
أي أن فيردي ألف الأوبرا، وفق أدواته المعروفة. كما أنه لم يكن مطالبًا باشتقاق أوبرا ذات طابع شرقي. وما كان مغيب من الشرق هو جمهوره؛ إذ لم يكن لهذا الجمهور أثر أو فعالية في صناعة الأوبرا، التي ظلت حكرًا على أوربا. وبالتالي لم يكن أمامه التعبير الشرقي من قريب أو بعيد؛ حتى إنه بعد أن استخدم موسيقيو أوربا عناصر شرقية، فإن غايتها إرضاء الجمهور الأوربي.
المارشات التركية
تُعد المارشات التركية، بحسب المؤرخ الموسيقي جوناثان بلمان، أول نموذج موسيقي استشراقي. ويؤكد أنها موسيقا عزفها الجنود الأتراك في أثناء حصار فيينا، لكن لم يسمعها أحد في أوربا فعليًّا، ولم يعزفها أحد، ذاهبًا إلى أن ما أصبح يُعرف في الموسيقا الأوربية بالأسلوب أو المارش التركي، لا صلة حقيقية بينه وبين الموسيقا التركية. ويرى المؤرخ الموسيقي ديريك سكوت أن ذلك، «ممارسات لنماذج استشراقية أكثر من كونها ممارسات موسيقية شرقية لها جذور محلية».
أي أن ما جرى تقديمه على أنه موسيقا استشراقية، تتناول الشرق، جرى ترقيعها عبر المخيلة. وهو سياق يمكن استكشافه في عدد كبير من المؤلفات الموسيقية ذات الموضوعات الشرقية، على غرار «المارش الفارسي» للألماني ريتشارد شتراوس، أو «المارش المصري» لشتراوس الابن. وبصورة عامة لا الأول استحضر عناصر «الدوستكاه» الفارسي، ولا الثاني تبنى عناصر «المقام» العربي.
على صعيد آخر، نجد تشايكوفسكي في مقطع بعنوان «رقصة عربية»، يمارس الترقيع نفسه، وهو مقطع تضمنه باليه «كسارة البندق». على أن الموسيقي الروسي، خلافًا للموسيقيين الغربيين، يستند إلى جذور ثقافية تشترك مع الموسيقا الشرقية بطابعها السُّلمي، أو اللحني.
سادت صورة عن الشرق بكونه منبعًا لما هو سحري أو غرائبي. وهو سياق عززته حكايات «ألف ليلة وليلة» بطابعها السحري. وجسد هذا الملمح الموسيقي الروسي رمسكي كورساكوف، في متتالية «شهرزاد»، مبتكرًا السلم «الأوكتاتوني». وهو سلم يتسم بتتابع أنصاف نغمة تليها نغمات كاملة. وغدا هذا الابتكار اللحني، المرتبط بعوالم الشرق، شائع الاستخدام في تصوير كل ما له علاقة بالمشاهد السحرية، في السينما والدراما.
الشرق في استعارة سُلمية
لكن مع تطور الخبرة الغربية بالموسيقا الشرقية، أصبح بالإمكان اتخاذ نماذج أكثر ارتباطًا، تمثيلًا للشرق. مثلًا في موسيقا التتر لمسلسل «طهران»، الصادر مؤخرًا، يحضر الشرق في استعارة سُلمية أو مقامية، عبر استخدام مقام الحجاز. وهو عُرف شائع في السينما الهوليودية، لتصوير الشرق وحكاياته المتصلة بألف ليلة وليلة.
وما تغير في الوقت الحالي، أنه بدلًا من استخدام نماذج موسيقية استشراقية، يُستخدم اليوم نماذج موسيقية إثنية. أي توظيف ثيمات ذات جذور محلية. وهذا جانب تعززه دراسات للأنماط الثقافية والموسيقية وفقًا لتحليلات عرقية وأنثروبولوجية، وبالتالي إيجاد أنساق جذرية لكل القيم الثقافية.
وهذا الاستدعاء هو استجابة لمرحلة آلَ فيها مصطلح «الاستشراق» إلى الاضمحلال؛ لما يحمله من دلالة سلبية متصلة بالاستعمار، ليحل مكانه ما يُعرف اليوم بالدراسات الشرقية أو الشرق أوسطية.
ويتزامن هذا التحول مع نهاية الحرب الباردة. بل إنه جاء متوافقًا مع مفاهيم مثل «نهاية العالم»، الذي أصبح ظاهرة مصاحبة لانتصار الغرب بليبراليته، وقيمه المتمثلة في حُرّية السوق. على أن هذا المفهوم انعكس على المنتجات الثقافية والفنية التي أصبحت تنظر إلى الماضي. وبالتالي أنتج نزوعًا إحيائيًّا، يعيش عالة على الماضي. فمثلًا على صعيد الموسيقا، تعود آخر الابتكارات الموسيقية إلى ثمانينيات القرن الفائت.
وصاحب ذلك، تشجيع ممارسات ثقافية لا علاقة لها بالابتكار، إنما من خلال التعاطي مع مفاهيم جاهزة، وقوالب من هنا وهناك، من جذور التاريخ، قريبًا كان أو بعيدًا. تحاول فرض ظواهر جديدة على الشرق. ففي عصر الاستشراق كان الرحالة يذهبون بدافع «استكشاف الشرق». وهذا جرى استبدال مفهوم «إحياء الشرق» به.
0 تعليق