الحرف اليدوية لم تكن يومًا فائضًا عن احتياجات المجتمعات، ولا عملًا هامشيًّا يمكن الاستغناء عنه، بل هي جزء أساس من منظومة الاحتياجات اليومية في كل مجتمع؛ لأنها تنبع من تلك الحاجة، وتعمل على تعويض خدمات مفقودة، وتسعى إلى استثمار مكونات موجودة فعليًّا بحكم طبيعة حياة المجتمع وبيئته المحيطة، فالبيئة الزراعية -على سبيل المثال- تتطلب صناعة أدوات للزراعة من فؤوس ومحاريث وغيرهما، كما أن المحاصيل التي تنتج من الزراعة تحتاج هي الأخرى إلى وجود حِرَفٍ يدويةٍ تستثمرها من جهة، وتسد حاجة المجتمع إليها من جهة أخرى، فمن زراعة النخيل تَولَّدَت حِرَف لصناعة الخوصيات، ومن زراعة الحبوب تولَّدَت حرف لصناعة أدوات التجفيف والطحين، ومن حِرَف الصيد والأعمال البحرية تولدت حرف لصناعة المراكب والأشرعة، وكذلك الأمر في كل متطلبات المجتمع؛ بدءًا من حرف الحِدادة والنجارة إلى حياكة الملابس وصناعة الحُلِيّ والمجوهرات، وكلها حِرَف لا غِنى عنها، يتفنن في صناعتها حِرفيون من أبناء تلك البيئات المختلفة، ومع مرور الوقت ارتبطت الحرف بثقافة كل مجتمع، بل إنها في المجتمع الواحد تنوعت بحسب البيئة التي نشأت فيها، فإن كانت بيئة زراعية تميزت بالحرف الزراعية، وإن كانت بيئة بَحْرية تميزت بالحرف البحرية، وهكذا في كل البيئات والمجتمعات.
وعلى الرغم من أن الثورة الصناعية والتقنية التي اجتاحت العالم؛ أفقدت كثيرًا من المهن أهميتها، وجعلت كثيرين من محترفي تلك الحرف يفقدون أهميتهم، وهو ما أدَّى إلى انقراض بعض الحرف، وتهديد بعضها الآخر بالانقراض؛ فإن الحاجة إليها لا تزال قائمة، وهناك حتى الآن مَنْ يفضلون الأعمال اليدوية بما فيها من أبعاد فنية وجمالية على الأعمال المصنوعة آليًّا، ومن هنا ستبقى الحرف والصناعات اليدوية جزءًا أصيلًا من ثقافات الشعوب بمختلف أجناسها، وقد أَوْلَت المملكة العربية السعودية اهتمامًا كبيرًا بقطاع الحِرَف في السنوات الأخيرة، ومن أبرز الشواهد على هذا الاهتمام إطلاق إستراتيجية وطنية لتنمية قطاع الحرف والصناعات اليدوية عام 2012م، ومع تأسيس وزارة الثقافة عام 2018م، ثم تأسيس هيئة التراث ضمن الهيئات الثقافية المتخصصة بالوزارة؛ أصبح تطوير القطاع الحرفي هدفًا رئيسًا من أهدافها ورؤيتها وإستراتيجيتها الثقافية، ومن أبرز نتائج ذلك الاهتمام تلك المبادرة التي أطلقتها وزارة الثقافة ليكون عام 2025م عامًا للحرف اليدوية.
إن الحرف والصناعات اليدوية ليست بعيدة -كما يظن بعضٌ- مِن المنجز الثقافي أو الإبداعي، فقد دخلت نسيج النشاط الثقافي والأدبي والإبداعي منذ العصور القديمة، ولا تزال باقية حتى الآن، وفي عصرنا الحديث كم سمعنا عن مبدعين في مجالات ثقافية وأدبية وفنية مختلفة مارسوا الحرف اليدوية، أو نشؤوا في أُسَر اشتهرت بنوعيات من تلك الحرف، ولمسنا مدى انعكاس الثقافة المرتبطة بنشاطهم الحرفي على أعمالهم الأدبية والفنية! وهي مؤشرات واضحة على الأثر العميق للأنشطة الحرفية في بنية الثقافة الشعبية أو المجتمعية، ولأن النشاطات الحرفية متجذرة في العمق الثقافي لدى كل الشعوب، فقد خصصت مجلة الفيصل ملف هذا العدد لتسليط الضوء على هذا الجانب الثقافي المهم عبر أقلام مجموعة متميزة من المثقفين السعوديين والعرب.
0 تعليق